المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة مفتوحة من هيئة علماء المسلمين في العراق إلى الشعب العراقي



السبيعي
10-02-05, 09:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



رسالة مفتوحة من هيئة علماء المسلمين في العراق إلى الشعب العراقي



يقول الله سبحانه(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير) صدق الله العظيم.

أيها الشعب العراقي العظيم يا أبناءنا البررة من شمال العراق إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. نخاطبكم هذه المرة بواحاً لأننا نعتقد أن المسؤولية في هذه المرحلة تقع على عاتقكم.. لقد قاتل أبناؤكم البررة في الشمال والوسط والجنوب قتالا أذهل العالم ورفع راس العراق عاليا.. وسيبقى هؤلاء جنوداً في هذه السبيل يقدمون أرواحهم ويجاهدون بدماءهم حتى يأذن الله بالنصر وتعود إليكم أرضكم وكرامتكم ولكن قتال هؤلاء الأوفياء من دون إسنادكم لن يجدي نفعا، فليسو هم في المحصلة إلا جزءاً من كل، وما لم يلتئم بهذا الجزء أجزاؤه الأخرى فان الدماء التي نزفت من الممكن أن تذهب سدى ويبقى المحتل جاثما على صدوركم يذيقكم الذل والهوان. إن العراق ملك جميع أبنائه سنة وشيعة عربا وأكراداً وتركماناً ومسيحيين وصابئة ويزيديين وغيرهم وعلى هؤلاء جميعا تقع مسؤولية الحفاظ عليه، كل بالقدر المتاح له وبالأسلوب القادر عليه، وان الله سائلنا عن كل ذرة تراب نفرط بها من هذا الوطن.

يا أبناءنا الكرام:

لقد بات مكشوفا أن الأمريكيين لم يأتوا من اجل إسقاط نظام استبدادي كان يحكمنا ليمنحونا الحرية لأنهم مارسوا ضدنا كل ما مارسه ذلك النظام من ظلم وزادوا عليه، فالمقابر الجماعية فعلوا مثلها في الفلوجة والنجف والمنطقة الغربية من العراق، وزادوا على ذلك القتل العشوائي الذي لم نألفه من قبل، والسجون ملأوها من الصغار والكبار والنساء والرجال وزادوا على ذلك هتك أعراض الجنسين، وكانوا يتباهون بذلك ويسربون صور ظلمهم الى العالم، والأسلحة الكيميائية استعملوها في الفلوجة وزادوا على ذلك الضرب بسلاح محرم آخر هو اليورانيوم المنضب الذي طالوا به مدنا عراقية عديدة ولاسيما المدن الجنوبية، والحريات قمعوها، ولقد عانت تظاهرات الفلوجة والموصل وتظاهرات التيار الصدري في النجف ومدينة الصدر منهم الأمرين

إن الصغير والكبير يدرك اليوم أن هؤلاء الغزاة ما جاءوا ليمنحونا الحرية، بل جاءوا لاستعمار البلاد وإذلال العباد، وان تجربتنا معهم لأكثر من سنتين غنية بالشواهد المؤلمة، فلقد دمروا مؤسساتنا عن آخرها وسرقوا آثارنا وخيراتنا وأهانوا مساجدنا وعتباتنا المقدسة ومزقوا مصاحفنا جهاراً نهاراً، فلا تنتظروا منهم خيرا قط.

أيها الغيارى:

إن هؤلاء مصممون على البقاء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وهم اليوم يصرحون انهم لن يرحلوا، بل ان رئيسهم بوش قال قبل أيام إنه لن يرحل من العراق مادام على كرسي الرئاسة، لان العراق على حد زعمه تدور فيه معركة مقدسة ضد الإرهاب، وهي ذريعة للبقاء، وإلا فمن قدم بالإرهاب إلى العراق سواه. لذلك كل من يقول لكم إن الأمريكيين سيخرجون حين يتحسن الوضع السياسي في البلاد فانه يخدعكم ويكذب عليكم. إن هؤلاء الذين عذبوا هذا الشعب وما رحموه دخلوا بالقوة ولن يخرجوا منه إلا بالقوة ونذكركم بتصريحاتهم في الأيام الأولى من الاحتلال حينما قالوا جئنا لنبقى، بل إن أحدهم أراد أن يقتلنا اليأس فقال جئنا لنبقي ستين سنة. لكننا نؤكد لكم انهم سيخرجون فضربات ابنائكم البررة أطارت صوابهم وزلزلت أقدامهم، وكل مراقب للأحداث يتأكد له إن بوش يمر في أسوء أيامه، وسيرحل هو وجنوده بإذن الله قبل أن يغادر كرسيه ما لم يفاجئه الأجل.

أيها الفضلاء:

لا ينبغي أن ننسى أن هذا العدو بذل جهده لإشعال حرب أهلية بيننا لا تبقي ولا تذر، فكلكم يذكر انه في الوقت الذي قاموا فيه بحل كل مؤسسات الحماية الوطنية من جيش وشرطة ودفاع مدني عمدوا إلى فتح مخازن السلاح التي ظل النظام السابق لسنوات يملؤها بالسلاح الفتاك أمام الناس، وحين تيقنوا أن السلاح بات بأيدي الجميع بدأوا بإثارة الفتن الطائفية والعرقية، ولولا فضل الله علينا، ثم وعيكم لاندلعت حرب تأكل الجميع وتحقق للمحتل كل أهدافه، ولكن الله اللطيف الخبير شاءت إرادته أن يطفيء نارهم وان ينقلب مكرهم عليهم، فتوجه هذا السلاح إلى ظهور جنودهم جزاءً وفاقاً.

أيها الكرام:

لما يئس هؤلاء من زرع الفتنة لتحقيق أهدافهم وجوبهوا بمقاومة عنيفة لجأوا إلى العمليات السياسية كسبيل آخر للوصول إلى مبتغاهم في الهيمنة على البلاد، وقد انتدبوا إلى هذا العمل أشخاصاً يعرف القاصي والداني صلتهم الوثيقة بهذا العدو قبل الاحتلال فشكلوا على عجل ما سمي حينها بمجلس الحكم، ويوم أعلن عن هذا المجلس قلنا انه مشروع أمريكي ماكر لتمكين المحتل في الأرض، ولذا فانه لن يحل مشكلة العراق، وعاتبنا كثيرون وقالوا إنكم تعجلتم في الحكم على مجلس الحكم، ولكننا بنينا موقفنا على خبرتنا أولا بطبيعة عدونا وطبيعة مطامعه، وعلمنا ثانيا: إن جل الذين انتدبوا لهذا العمل من الساسة نشأوا بعيدا عن الوطن وبعضهم ينتمي لغير هذا الوطن أصلاً كما أن الدول التي تدير الحرب هي من احتضنهم في الخارج وملأ جيوبهم بالأموال وأغرقهم بالعطاء وبالتالي فان هؤلاء لن يشعروا بحرقة على الوطن ،ولن يتمكنوا في كل الأحوال من التمرد على القبضة الأمريكية.

ولم نخطىء في تقديرنا فقد انشغل أعضاء هذا المجلس بالمكاسب والمحاصصات، وتركوا شعبنا يغرق في الواقع المتردي للأمن والخدمات والاقتصاد. وقد قام هؤلاء وبدفع المحتل بالتوقيع على قانون مؤقت كان بحق مؤامرة على الشعب العراقي، يعفي المحتل من أية مساءلة عما يرتكبه في حق شعبنا من قتل وجرائم، ويمهد لصيرورة العراق على نحو من التمزق والضعف يرضي فضول هذا المحتل ويحقق مآربه في المنطقة.

وحين فشل هذا المشروع وامتلأ الشارع العراقي عليه غيضاً، لجأ المحتل إلى لون جديد من مكره عبر الإعلان عن حكومة مؤقتة أذاقت الشعب العراقي مر العذاب، وقلنا حينها أن هذه المرحلة ستكون سيئة للغاية، لأننا رأينا الوجوه لم تتغير، فأعضاء هذه الحكومة هم أنفسهم كانوا في مجلس الحكم، ووقع ما حذرنا منه، ففي عهد هذه الحكومة دمرت مدن عراقية تدميرا وحشيا كالفلوجة والنجف، وبلغ الفساد الإداري ذروته، وازداد الواقع العراقي سوءً. ثم لما أخفقت هذه الحكومة هي الأخرى لم ييأس المحتل وعمد هذه المرة إلى لعبة جديدة اكثر حذاقة ومكرا، خدع فيها كثير من أبناء شعبنا وسرقت خلالها أصواتهم كما سرقت خيراتهم، وهي لعبة الانتخابات، فأعلن عن عملية انتخابية في ظل الاحتلال وأعوانه إشرافاً وإدارةً، وحتى يضمن المحتل صعود من يريدهم اعتمد مبدأ الدائرة الانتخابية الواحدة، والقائمة الواحدة، ولان كثيراً من أبناء شعبنا في حالة يرثى لها من الظلم فقد ظن أن من وعده بالخلاص صادقٌ، لكننا حذرنا شعبنا من هذه اللعبة ودعوناهم إلى مقاطعتها فاستجاب لنا اكثر من نصف الناخبين واخذ بخيار الانتخاب آخرون ظنا منهم أن الانتخابات هي الحل الأمثل، وكانت أسوء انتخابات يشهدها العالم، وجه إليها اكثر من خمسمائة مطعن، وقد بات هذا معروفا لا نحتاج إلى الحديث عنه لكن الذي حصل أن الوجوه التي وصلت إلى سدة الحكم هي نفسها في مجلس الحكم وهي نفسها في الحكومة المنتخبة جزئيا ،كانت ـ كما يقول المثل ـ تخرج من الباب لتعود من الشباك وبمعونة أمريكية واضحة البصمات.

ولذا كان من الطبيعي أن تفشل هذه العملية الانتخابية وتزيد من مأساة الشعب العراقي لان الوجوه نفسها المسؤولة عن الفشل الأول كانت تتكرر في كل مشروع بمباركة أمريكية.

آيها الفضلاء:

إن إدارة الاحتلال في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العراق انتدبت هؤلاء الأشخاص أنفسهم ليمرروا عليكم دستورا دائما تحت أشراف مباشر من سفيرها المعروف بتخصصه في تمزيق البلاد الإسلامية وتحقيق المكاسب الكبيرة لدولته على حساب الشعوب. وعلى الرغم من آن العراق قد خرج لتوه من نظام استبدادي لا يعرف سوى حكم الرجل الواحد والحزب الواحد، وابتلي بعده باحتلال اكثر استبداداً وظلما وبالتالي فانه يحتاج إلى وقت ليس بالقصير تجتمع فيه أطيافه بحرية وإرادة كاملة وتمثيل حقيقي للشعب العراقي ليسن لنفسه عبر الحوار الهادئ والبناء دستورا عادلا يضمن للجميع حقوقهم فان الاحتلال فرض على هذه القوى المتكررة في كل عملية سياسية إنجاز هذا الدستور في ظرف شهرين وتناس الاحتلال أن دستوره في الولايات المتحدة الأمريكية استغرق سنوات.

ومثلما توقعنا فان هذه القوى لم يكن بمقدورها مخالفة السيد الأمريكي، ولم تشأ أن تبدي أي اعتراض يثير حفيظته فامتثلت صاغرة وتجاهلت مصلحة 27 مليون عراقي وأنجزت في ظرف يزيد على الشهرين ببضعة أيام دستوراً هشا مليئا بالثغرات والألغام المعدة للانفجار في أية لحظة. وعلى الرغم من غياب اكثر من ستة ملايين ـ على حد زعمه ـ عن هذه العملية الدستورية، فان ديمقراطيتهم لم تمنع من إنجاز مسودة دستور دائم ما دام السيد الأمريكي أمر بذلك وان كنا نعتقد أن الشعب العراقي كله مغيب عن هذه العملية. وإذا كنا من قبل قد أطلقنا على قانون إدارة الدولة المؤقت: ((قانون المؤامرة)) فثقوا أن المسودة الحالية هي أسوء وثيقة يشهدها عالمنا الإسلامي، ويصح فيها الوصف: أنها (دستور المؤامرة الكبرى) لأنها تمهد لتقسيم البلاد وتبديد ثرواته وتحويل العراق إلى بلد ضعيف تأكله الانقسامات تماما كما فعلوا من قبل مع لبنان الشقيق الذي مازال يعاني من هذه المؤامرة.

أيها الكرام:

إذا مرر هذا الدستور، وأجريت من ثم الانتخابات فان هؤلاء الأشخاص أنفسهم سيطلون عليكم مرة أخرى، عبر انتخابات السنوات الأربع وستكونون أمام طور جديد من الأزمات والاستغلال وضياع حقوقكم وهدر ثرواتكم.

لقد انفق على العراق خلال السنتين الماضيتين اكثر من عشرين مليار دولار، وكان هؤلاء في مراكز الحكم، ولم يعرف حتى هذه اللحظة أين ذهبت الأموال ولا كهرباء ولا ماء ولا حياة كريمة، كل ما يعرف بهذا الصدد إن ثلث هذه الأموال أنفقت على هؤلاء الأشخاص لتوفير الأمن لهم مع انه لا يخرجون من المنطقة الخضراء إلا نادرا!!.

أيها الأفاضل:

إن بقاء هؤلاء على سدة الحكم يعني أن الاحتلال سيبقى أيضاً لان هؤلاء لن يجرؤا على طلب مغادرته، بل ربما يطلبون بقاءه كما فعلت هذه الحكومة، ومع بقاء الاحتلال لا راحة للوطن ولا للمواطن لان المقاومة ستبقى مشتعلة ولان هذا حق طبيعي فطري، ولا أحد يمكنه إيقافها مع وجود الاحتلال، كما أن من الخطأ القاتل فعل ذلك، إذ لولا المقاومة لكنا اليوم أسوء مما نحن عليه من السوء بكثير، كما أن الإرهاب سيبقى فاعلا على الأرض لأنه أولاً وأخراً صنيعة الاحتلال ظهر مع ظهوره ويزول بزواله.

يا أبناء شعبنا العظيم:

بعد هذا البيان إن الساعة قد حانت لتقفوا موقفكم، وانتم أهل التاريخ الناصع بالمواقف المشرفة، لقد قاومتم المحتل بصبركم وسطرتم بذلك مواقف جليلة القدر وانتم اليوم مدعوون لتقفوا وقفة أخرى تنقذوا بلادكم من المخطط المعد لدفعه إلى هوة الخلاف والتمزق عبر دستور المؤامرة الكبرى. ونحن بعد ان نطالب المخلصين من رجال السياسة والقانون على العمل لكشف البلايا العظام التي تضمنها هذا الدستور نناشدكم بما هو آت:

أولاً: مطالبتكم للجمعية الوطنية ولاسيما من انتخبها بحل نفسها بعد أن تجاوزت وضعها القانوني وحجمها الطبيعي ومررت دستورا خطيرا من غير مشاورة الشعب العراقي بكل أطيافه وإلا فإنها تتحمل المسؤولية القانونية والتاريخية عن كل ما سينجم عن هذه العملية المشبوهة من تداعيات لا يحمد عقباها.

ثانيا: الإعلان عن رفض دستور المؤامرة الكبرى عبر التظاهرات والبيانات والإعتصامات وأية وسائل مشروعة يراها شعبنا مجدية في إسقاط هذا الدستور.

ثالثا: إذا أردتم اعتماد خيار الاستفتاء فعليكم الحذر الحذر من خديعة العدو بالتضليل الإعلامي والتزوير لان من سرق أصواتكم في الانتخابات الماضية قادر على أن يسرقها في الاستفتاء مع غياب الرقابة الدولية.

رابعا: طالبوا القوات الأمريكية بجدولة انسحابها وتحويل الملف العراقي إلى الأمم المتحدة باعتبارها طرفا محايدا ليس له مصلحة في التلاعب والتزوير.

وتذكروا إن النصر قريب ونريد أن يحسب النصر لكل العراقيين، وينجز بمشاركة الجميع وفقكم الله لخدمة البلاد وقهر على أيديكم عدوه، ولا عدوان إلا على الظالمين.

هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمانـة العـامـة

4/شعبان/1426هـ

2005/9/8م