المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رياح التحزب



أبو الصلت
09-21-05, 03:00 PM
رياح التحزب

أخي الحبيب : إن سُعار الحزبية محرق , وسمها قاتل ؛ كم مكر أخٌ بأخيه حتى أرداه في لجج الفتن , وكم عُطل من أمر بمعروف أو نهي عن المنكر ؛ فما شتت القلوب وفرق بين الجموع إلا الحزبية , ولذا يجب لأهل السنة أن يعلنوا عن هُويتهم , ويبينوا منهجهم , ويحذروا من الحزبية والعصبية , لهذا نجد أن العلماء رحمهم الله كانوا يهتمّون بتمحيص رجال الحديث فنراهم يميّزون السني من المبتدع ، قال محمد بن سيرين رحمه الله( 1) : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سمّوا لنا رجالكم ، فيُنظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثهم ، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم ) .


وكان حال السلف في وضع العلم لا يضعونه إلا عند من يحسن استعماله .
عن أبي داود الطيالسي قال : جهد وكيع أن يسمع من زائدة بن قدامة(2 )حديثا واحدا ؛ فلم يسمع حتى خرج من الدنيا ، فقيل لأبي داود : وكيف سمعت أنت ؟ قال : كان يستشهد رجلين عدلين على أن هذا صاحب جماعة ؛ وليس بصاحب بدعة ، فإذا شهد عدلان حدّثه ، قال أبو داود : وكنت بمنى وحضر سفيان الثوري ، فكان يُكرمني ويقول : ذاكرني بحديث أبى بسطام(3 ) فقلت لسفيان : أُحب أن تكلِّم زائدة في أمري حتى يحدثني ، فجاء إلى زائدة فقال : يا أبا الصَّلت ! حَدِّث صاحبي هذا ؛ فإنه صاحب سنة وجماعة ، فقال : نعم يا أبا عبد الله .( 4)
وبعد هذه النقول ؛ فإنه لحريٌّ بمن كانت هذه همّته وهي : حفظ بيضة الإسلام من الدخلاءِ ؛ أن يكون له منهجٌ مباينٌ لكلّ المناهج المخترعة المضاهية لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم , وصحابته رضوان الله عليهم في العقيدة والشريعة .
وحريٌ أيضاً أن يكون أصحابها هم المعنيّون بالفرقة الناجية , والطائفة المنصورة كما جاء في بعض الأحاديث ، وكما فسّرها غير واحدٍ من الأئمة المعتبرين .
كما جاء في الحديث عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِهِ وَمَنْ دَعَا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ جُثَاءُ جَهَنَّمَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَلَكِنْ تَسَمَّوْا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ. ( 5)
كذلك ما جاء في الحديث المعروف عن جَابِر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ . (6 )
ومع أنهما اسمان شرعيان - المهاجري والأنصاري - لكن لما كان هناك موالاة ومعاداة عليهما , ونصرة في هذين الاسمين ، وخرجت النصرة عن اسم الإسلام بعامة , صارت دعوى الجاهلية ، ففيهم من خلال الجاهلية شيء كثير ، ولهذا نبغي للشباب أن ينبهوا على هذا الأمر بالطريقة الحسنى المثلى ؛ حتى يكون هناك اهتداء إلى طريق أهل السنة والجماعة وإلى منهج السلف الصالح .


إذا عرفت الحق فاثبت


أخي الحبيب : إذا عرفت الحق فاثبت عليه وادعو الله بالهداية , واجعل هواك وأُنْسَك طوع شرع الله ومنهجة , فإذا وضح لك الطريق ؛ فجد وسابق وإياك وقطاع الطرق ممن يعطلوا سيرك , ويأسروا قلبك ويغلقوا عقلك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [ سورة الأنبياء :111 ]
{مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [ سورة يونس :23 ]
وإذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة , فإن أيدي المعاشرة نهابة واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص , لا تصادقن فاسقا ولا تثق إليه , فإن من خان أول منعم عليه لا يفي لك .




ولا خير في ود امرىء متلون
إذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عن ماله
وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين iiتعدهم
ولكنهم في النائبات قليل


واحذر أن تبتذل للناس فخذ منهم ما تعرف ودع ما تنكر , وخالطهم على قدر الفائدة , فإن المخالطة توجب التخليط , وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة .
لقد تعلم سفيان رحمه الله من مشايخه أن الإنصات لصاحب بدعة مهلكة , وأن الاقتراب منهم مفسدة للقلب والدين ؛ حتى وإن أظهر بعض أهل البدع زهدا وصلاحا , فهذا عمرو بن عبيد( 7) الذي كان يُضرب به المثل في الزهد والورع والعبادة ؛ كان رأسا من رؤوس المبتدعة فكان قدريا -أي يقول بالقدر- ومن دعاة المعتزلة , حتى غرر بزهده وشدة عبادته أكثر عامة المسلمين في زمانه , حتى كاد سفيان نفسه أن يهلك على يديه لولا عناية الله له , وصرفه عنه من أول الطريق على يد شيخه أيوب السَّخْتِياني .
فعن عبد الواحد بن زيد قال : قال لي أيوب قُل للثوري : لا تصحب عمرو بن عبيد قال : فقلت ذلك له , فقال : إني أجد عنده أشياء لا أجدها عند غيره , فقلت ذلك لأيوب : فقال لي أيوب : من تلك الأشياء أخاف عليه .(8 )
فاستفاد سفيان من ذلك أي استفادة , حتى صقل قلبه وانضبط ميزانه , فكان لا يترك بدعة خفيت أم ظهرت إلا ويعرض بصاحبها ويحذر منه .
وكان رحمه الله يتغير إذا وجد صاحبا له يجالس من تلبس ببدعة أو هوى ويهجره ويبتعد عنه , فهو قد هجر صاحبا له لما رآه جالسا إلى إبراهيم ابن طهمان(9 ).
فعن عبد العزيز بن أبي عثمان قال : كان رجل من المغاربة يجالس سفيان وكان سفيان يستخفه(10 ) ثم جفاه فشكا ذلك إلينا , قال : فقلت له تكلم فلان ؛ فإنه أجرأ على سفيان , قال : فكلمه , قال : يا أبا عبد الله ! هذا الشيخ المغربي قد كنت تستخفه فما حاله اليوم ؟ فلم يزل به حتى قال سفيان : إنه يجالس ...؟ ولم يسم أحدا ! قال : فقال له : من جالست ؟ قال : جلست يوما إلى إبراهيم بن طهمان في المسجد الحرام , ودخل سفيان من باب المسجد فنظر إليَّ فأنكرت نظرته .( 11)
وكان عمرو بن عبيد يأتي كهمسا يسلم عليه , ويجلس عنده هو وأصحابه , وكانت أمه سمعت أن أيوب السَّخْتِياني يتكلم فيه , فقالت له أمه : إني أرى هذا وأصحابه وأكرههم , وما يعجبوني فلا تجالسهم , فجاء إليه عمرو وأصحابه , فأشرف عليهم وقال : إن أمي قد كرهتك وأصحابك فلا تأتوني .( 12)
وعن زائدة قال : قلت لمنصور بن المعتمر : إذا كنت صائما أنال من السلطان شيئا ؟ فقال : لا , فقلت : إذا كنت صائما أنال من أصحاب الأهواء شيئا ؟ قال : نعم .(13 )
أخي الحبيب : اثبت على الطريق ولا تغتر بكثرة الأغمار , ومن يدعوك ليصرفك عن الطريق ويقول لك : هيا معنا ففي يوم أو يومين تصبح من أكبر الدعاة ! فالأمر أعظم من ذلك , فابدأ بالعلم النافع مع تهذيب النفس , وأطرها على العبادة مع إصلاح ما فات من تلف .
قال القاضي عبد الوهَّاب المالكي( 14) :



مَتَى تَصِلُ العِطُاشُ إِلى ارْتِوَاءٍ
إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِنْ الرَّكَايَا(15 ) ؟!
وَمَنْ يُثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ iiمُرَادٍ
وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا ii؟!
وإِنَّ تَرَفُّعَ الوُضُعَاءِ iiيَوْمَا
عَلَى الرُّفَعَاءِ مِنْ إِحْدَى البَلَايَا
إِذَا اسْتَوَتْ الأَسَافِلُ iiوالأَعَالِي
فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ iiالْمَنَايَا


قيل : إن شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه , وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين , فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين , ويقال لي : شجرة ولك شجرة , فقالت لها الصنوبرة : مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثَبَتِّ لها تم فخرك .(16 )




--------------------------------------------------------------------------------

(1) صحيح مسلم (1/44 نووي ) ، والدارمي في سننه (1/112) .
( 2) قال الحافظ في التقريب(1982) : زائدة بن قدامة : ثقة , صاحب سُنَّة .
(3 ) شعبة ابن الحجاج
( 4) الخطيب "الجامع لأخلاق الراوي" (1/133)
(5 ) رواه أخمد (22403)وهو حديث صحيح
( 6) البخاري (3518)
(7 ) انظر "الميزان" للذهبي (3/6404)
(8 ) أبو نعيم "الحلية" (7/33)
( 9) ثقة رمي بالإرجاء , انظر "الميزان" للذهبي (1/116)
( 10) أي يستريح إليه
(11 ) العقيلي " الضعفاء" (1/56)
( 12) حلية الأولياء (6/212)
( 13) حلية الأولياء (5/42)
( 14) الديباج المذهب (2/28)
(15 ) جمع ركية وهي البئر قليلة الماء
( 16) ابن القيم "بدائع الفوائد"(3/756)

مســك
09-21-05, 06:25 PM
مشكلة البعض يرى أنه هو الناجي وغيره هالك وأنه هو المصيب وغيره مخطئ !!
مالم يكن الناس على مثل ماهو عليه فهم منحرفون هالكون !
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
تجد كثيراً من المتفقهة إذا رأى المتصوفة، أو المتعبدة لا يراهم شيئاً، ولا يعدهم إلا جهالاً وضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً، ونرى كثيراً من المتصوفة، والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً، بل يرى أن المتمسك بها منقطع عن الله، وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً، وأن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل .

ابو شيماء
09-22-05, 03:06 PM
بارك الله فيك و على الموضوع القيم و نسال الله ان يوحد صفوفنا و يجمع كلمتنا
اما اخي مسك حياه الله فذكرني الى ما قاله الشافعي رحمه الله
قولي صواب يحتمل الخطا و قولكم خطا يحتمل الصواب