المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وما أدراك ما النعمان... كأس العلم لا يجرح الشفاه!



أم علاء
09-08-05, 10:55 PM
وما أدراك ما النعمان... كأس العلم لا يجرح الشفاه!

أبو حنيفة.. قصة رجل فريد

د. إسلام المازني





هو...
رجل سمى (الإمام الأكبر)...

وتلك التسمية لم تأت من فراغ، بل كان الرجل جديرا بها، ولا تعني عصمته من الزلل وإنما تدل على مدى وجاهته وعطائه العلمي...


رأيت أبا حنيفة كل يوم *** يزيد نباهة ويزيد خيرا

وينطق بالصواب ويصطفيه *** إذا ما قال أهل الجور جورا




من شعر الفقيه الثقة عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى...


والده (ثابت) قدم من فارس للكوفة، وعمل بالتجارة كما هي حال الأسرة، وعاش في يسر مادي...

ولم يكن نسبه الفارسي مقللا من قدره، فالإسلام العظيم يقدم المقدام والفعال، ويقر بشرف التقي، وليس نظام أسر وعائلات، أو عصبيات متغطرسة حمقاء.....

فقبل وثيقة النبلاء (الماجنا كارتا) الأجنبية كانت وثيقة الحق سبحانه
{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}

رحم الله أبا حنيفة المسلم غير العربي الأصل، الذي فاق بني يعرب بلاغة وأدبا وعلما... وأحبوه أكثر من أنفسهم...

فصدقت فيه نبوءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
( لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس)


وأبي حنيفة الإمام ومالك *** والشافعي وأحمد المتمنع




نزل والده ثابت بالكوفة وعاش بها، وفيها رزقه الله بابنه الإمام أبي حنيفة واسمه هو
النعمان بن ثابت

ولِدَ سنة 80 من الهجرة.
وكان أبو حنيفة يبيع القماش والثياب، واستمرت معه المهنة الحلال

ومما أثر عن أبي حنيفة بعدها في حرصه على الكسب الحلال أنه كان يقول: "أفضل المال الكسب من الحلال وأطيب ما يأكله المرء من عمل يده "

فلم يكن قلب الشاب النعمان غافلا في خيالات الفتيان، ولا سامدا في الضحك والرغبات، ولم يكن يحيا إغفاءة طولها ستون عاما مثل بعض الناس.....
بل كان هدفه كبيرا وحلمه عظيما.


ونقف هنا مع هذا التاجر الصدوق في رواية لها العجب:

جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له فقال كم ثمنه، قالت مئة، فقال هو خير من مئة، (يعني هو من يقول لها ارفعي الثمن فهو يستحق أكثر ولا يستغل الفرصة كتاجر!)

فقالت مئتين، فقال هو خير من ذلك، حتى وصلت إلى أربع مئة فقال هو خير من ذلك، قالت أتهزأ بي؟ فجاء برجل فاشتراه بخمسمائة.... يعني هو من جاءها بالمشتري ابتغاء مرضاة الله ولم يأخذ نسبة على الوساطة...

سيرة بلون البنفسج...!

فلم تكن حياته لعبة مكسب وخسارة يحياها صعودا وهبوطا قفزا وسقوطا كأي تاجر!


** وذات يوم أعطى شريكه متاعاً وأعلمه أنَّ في ثوب منه عيبا، وأوجب عليه أن يبين العيب عند بيعه، وباع شريكه المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم من الذي اشتراه، فلما علم أبو حنيفة تصدَّق بثمن المتاع كله.


في الزهد أحمد والنباهة مالك *** وأبي حنيفة والأغر الهاشمي


*** وكان أبو حنيفة يجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ والمحدثين
(منح دراسية مجانية لطلبة العلم) وأقواتهم وكسوتهم وجميع لوازمهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم ويقول:
أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله، فإني ما أعطيتكم من مالي شيئاً ولكن من فضل الله عليّ فيكم.

فهو شريك لهم إن شاء الله في كل علم بثوه للأمة،
وشريك لمن تعلم منهم في الأجر...
فلم يكن أبا حنيفة مورثا علمه فقط بل ناشرا للعلم متبرعا سخيا...


يا وردة ترسل أنوارها *** فيضا على الكون من الرابية

*** وقد ذكر فـي اختياره لطريق العلم والفقه قوله:

كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة... ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به..


**** ومن معلميه الفضلاء سادة الأمة وتاركي إرث الذهب لها:


قال الإمام الذَّهبِيّ رحمه الله في كتابه الجميل ((تذكرة الحفاظ))1/168:
أن أبا حنيفة النعمان حدَّثَ عن:عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز، وسلمة بن كُهَيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخلق كثير!))


وقال في ((العبر)):
((وروى عن عطاء بن أبي رباح، وتفقه على حمّاد))

فالرجل كان يروي الحديث، ويتعلم الفقه ويجتهد فهم الحكم الصحيح، فلا يقومن أحد ويقول أنا أتبع فلانا ويترك الحديث!

فالأئمة لم يكن همهم سوى البحث عن الحديث

فإن لم يجدوه اجتهدوا... وقالوا لو ثبت حديث يخالف مقالنا فاعملوا بالحديث.. والزمن الأن مختلف وقد جمعت الأحاديث وحققت...

فهذا الإمام أبو حنيفة يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"

ويقول: "لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت" [1]


وهذا الإمام مالك يقول: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه..." [2]

وهذا الشافعي يقول: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقولوا بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ودعوا ما قلت"، وفي رواية: "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد..." [3]

وهذا الإمام أحمد يقول: " من رد حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فهو على شفا هلكة..." [4]

ويقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ..." [5]

[1] إيقاظ الهمم ص62.
[2] الانتقاء لابن عبد البر ص145.
[3] إيقاظ الهمم ص72.
[4] مناقب الشافعي ج1 ص472؛ والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية ج9 ص107.
[5] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج3 ص430.


فالكل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتمس،ولا يرضى تعصبا لشخصه وانظر في طيات كتبه تجد المعاني التي سكنت شرايينه وأوردته.. التي بثها طلابه وتلقاها من آبائه العلماء...


**** وهنا تطبيق:كان الخليفة المنصور يرفع من شأن أبي حنيفة ويكرمه ويرسل له العطايا والأموال ولكن أبا حنيفة كان لا يقبل عطاءً. ولقد عاتبه المنصور على ذلك قائلاً: لم لا تقبل صلتي؟ فقال أبو حنيفة: ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبِلتُه إنما وصلني من بيت مال المسلمين ولا حق لي به!.... تأمل


*** وقع يوماً بين الخليفة المنصور وزوجته شقاق وخلاف بسبب ميله عنها، فطلبت منه العدل فقال لها من ترضين في الحكومة بيني وبينك؟ قالت أبا حنيفة، فرضي هو به فجاءه فقال له: يا أبا حنيفة زوجتي تخاصمني فانصفني منها، فقال له أبو حنيفة: لِيتكلَّم أمير المؤمنين. فقال المنصور: كم يحلُّ للرجال أن يتزوج من النساء؟ قال: أربع. قال المنصور لزوجته: أسمعتِ. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إنما أحلَّ الله هذا لأهل العدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فواحدة لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فينبغي لنا أن نتأدَّب مع الله ونتَّعظ بمواعظه. فسكت المنصور وطال سكوته، فقام أبو حنيفة وخرج فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة المنصور خادماً ومعه مال وثياب، فردها وقال: أقرئها السلام وقل لها إنما ناضلتُ عن ديني وقمتُ بذلك المقام لله ولم أرد بذلك تقرباً إلى أحد ولا التمستُ به دنيا.

أرأيتم!

لم يكن ليله في انتظار ثقيل لمنحة أو نفحة، سوى من رب البرية. ولم يكن شاقا عليه أن ينطق بالحق، ولم يرهق قلبه بتعدد الرغبات والميول، فلم يدر فكره في دوائر الكلل والمعاناة للبحث عن حل وسط!


*** لزم أبو حنيفة عالِم عصره حمّاد بن أبي سليمان وتخرَّج عليه في الفقه، واستمر معه إلى أن مات.
حيث بدأ بالتعلم عنه وهو ابن 22 سنة ولازمه 18 سنة من غير انقطاع ولا نزاع.

يقول أبو حنيفة: " بعد أن صحبتُ حمّاداً عشر سنين نازعتني نفسي لطلب الرياسة، فأردتُ أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجتُ يوماً بالعشيّ وعزمي أن أفعل، فلمّا دخلتُ المسجد رأيتُه ولم تطب نفسي أن أعتزله فجئتُ فجلستُ معه، فجاء في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاً وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليَّ مسائل لم أسمعها منه، فكنتُ أجيب وأكتب جوابي.
ثم قَدِمَ، فعرضتُ عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة، فوافقني بأربعين وخالفني في عشرين، فآليتُ على نفسي ألا أفارقه حتى يموت وهكذا كان".

سبحان الله على الصراحة والتواضع، فلم يكن من الحالمين بكرسي الفتوى وتلفيق الأجوبة، بل كان حريصا على الأمانة الثقيلة، فالقيم في قلبه دافئة،
وأنفاسه أمينة عليها، ويحتفظ بأزهار أحلامه الخالدة في رضوان الله تعالى نضرة يانعة، لم تشبها شائبة حب الرياسة والثناء، فتذبل وتصير أثرا ذابلا...


ولم يؤخذ عليه سوى

* التوسع في الفقه الفرضي، حيث يفترض الوقائع ويصمم لها حلا وفتوى..

* قلة الأحاديث التي وصلته -نسبيا- مما أثر على اتساع مساحة الإجتهاد وزادها زيادة كبيرة، مع اشتراطه شهرة الحديث مع صحة سنده مما قلل مساحة القبول للحديث كحجة.




فتنته مع أبي هبيرة:

كان أبو هبيرة والياً بالكوفة، وظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاءها ببابه، وفيهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند، فولّى كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة طالبا جعل الخاتم في يده ولا يُنفذ كتاب إلا من تحت يده ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من تحت يده.
وكان إخضاع أبي حنيفة قهراً أو إغراءً.....
فامتنع النعمان....

وقال: لو أرادني أن أعد له أبواب ماجد واسط لما فعلت!

غيره تفرح روحه بتلك الأمور، أما هو ففرح الروح عنده مختلف، فلا يرى المناصب أزهارا وأنهارا... بل أحمالا ثقالا وتنازلات لا تصح...


سُجِنَ أبو حنيفة وضُرِبَ ضرباً مبرحاً مؤلماً أياماً متتالية حتى سقط فاقد الوعي!

صمد ولم يقبل، فالشبهة أخت الحرمة!

* دخل يوماً أبو حنيفة على المنصور فقال له أحد الجالسين: هذا عالِم الدنيا اليوم.


فقال له المنصور: يا نعمان من أين أخذتَ علمك؟
قال: من أصحاب عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر، ومن أصحاب عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس، ومن أصحاب عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود.
فقال المنصور احتطت لنفسك!


أرأيتم!

من أصحاب الصحابة عن الصحابة عن الحبيب العدنان عليه الصلاة والسلام! مبلغا عن رب العزة سبحانه... مما علمه الروح الأمين جبريل..

ورد العلا أهدى لنا وردة *** يا حبذا الورد من الورد

يا أحباب لم يكن هؤلاء الناس ملائكة يستحيل اللحاق بهم، بل كانوا بشرا مجتهدين...

لم يكن أحدهم يقضي العمر أمام اللهو كالتلفاز ويظن أنه سيحقق أحلامه!

ولم تشغلهم أشياء تضخمت في العصر الحديث
مثل الاهتمام المفرط بكل أمر خلا الحق!

بالصحة، بحب المال، بالمستقبل الشخصي
بالشهرة، بالنجومية، بالشهوة، بالأغاني،
بالحب، بالثرثرة، باللعب مثل لعب الكرة، بالطعام أو بالملابس والموضة


آه....

نعود لزمن الأحباب...
نعود للنعمان....

انتفض أهل الموصل على المنصور وكان المنصور قد اشترط عليهم أنهم إن انتفضوا حلَّت دماؤهم، فجمع الفقهاء وقال لهم: أليس صح أنَّ رسول الله قال المؤمنون عند شروطهم يلتزمون بها، وأهل الموصل قد اشترطوا ألا يخرجوا عليّ وها هم قد خرجوا وانتفضوا ولقد حلَّت دماؤهم فماذا ترون؟ قال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين، يدك مبسوطة عليهم وقولك مقبول فيهم فإن عفوتَ فأنت أهل العفو وإن عاقبتَ فبما يستحقون. التفت المنصور إلى أبي حنيفة يسأله ويستنطقه!

فقال أبو حنيفة: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه وشرطتَ عليهم ما ليس لك لأنَّ دم المسلم لا يحِلُّ إلا بإحدى ثلاث فإن أخذتهم أخذتَ بما لا يحلُّ وشرط الله أحق أن يوفى به. عندئذ أمر المنصور الجميع أن ينصرفوا ما عدا أبي حنيفة وقال له: إنَّ الحق ما قلتَ، انصرِف إلى بلادك.


أرأيتم! أرأيتن!

رجل حساس يحيا بقلب شهيد، ففي حسبانه أنه قد يفارق الأرض بسبب كلمته، لكنه لا ينسى حياة الخلود وسعادة الأبد

فلا يتناثر ضميره خوفا من المواجع،
ولا يسلم قلبه لإبليس ليستعمره ويسوغ له الخوف والتردد....


أهم مؤلفاته:في عصر أبي حنيفة ظهرت فرق مبتدعة قبيحة مختلفة مثل:
الشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية والجهمية أو المعطلة... هذه الفِرَق كلها كانت تتحدث بالشبهات والخرافات والأباطيل، وكان أتباعها قلة لكنهم قلة سامة مسممة، فقام علماء المسلمين يردون على هؤلاء المبتدعة.

فمن هنا نشأت تسمية أهل السُنَّة والجماعة، وهي ما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة والتابعين وهم السواد الأعظم من الأمَّة ساعتها.

ومن الله بعدها على الأمة ببقية الأئمة فأكملوا الدفاع عن الحق..

وألَّف أبو حنيفة كتاب " الفقه الأكبر " ليرد فيه على المبتدعة.



يبنى لأمته الحياة جديدة *** للعلم فيها روعة وجلال
تأبى المعاول أن يقر قرارها *** حتى تدمر ما بنى الجهال
شرف الشعوب علومها وحياتها*** أن تصلح الأخلاق والأعمال



أقوال العلماء فيه:

قال الذهبي رحمه الله: "برع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه، وتفريع المسائل، وتصدر للاشتغال، وتخرج به الأصحاب"
ثمَّ قال: "وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة وقيام الليل رضي الله عنه" !!!!!!
....

أرأيتم لم يكن غصنا يتلوى مع الريح...
ولم يكن مكتبة متنقلة فحسب..

وقال ابن كثير رحمه الله:

"الإمام أبو حنيفة... فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة"

وقال ابن العماد في "شذرات الذهب": "وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛ بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صنَّاع وأجراء رحمه الله تعالى."


عالجوا الحكمة، واستشفوا بها
وانشدوا ما ضل منها في السِّير
واقرؤوا آداب من قبلكم
ربما علَّم حيا من غبر

أرأيتم إشراقة الرجل في سيرته! رجل المواقف الحرة.. رافض المساومات دوما .... عبد شكور ليلا
وعالم نحرير نهارا..

رجل يدرك أن مال الدنيا ووظائفها لا يساويان الحفاظ على التقوى

وقال سفيان الثوري وابن المبارك: "كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه"

الفضيل بن عياض قال فيه:
كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال معروفاً بالأفضال على كل من يطوف به، صبوراً على تعلُّم العلم بالليل والنهار، يقوم الليل، كثير الصمت، قليل الكلام حتى يرد مسألة في حلال أو حرام.
فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان. كان رحمه اللّه واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال فـي العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار للّه تعالى.

أرأيتم ..
طائر وسط أسراب العلماء، يحلق بجناحين هما الحب والخشية لله المتعال... لا يستسلم لأقفاص الدنيا الدنية وأسوارها...


- عبد الله بن المبارك العالِم الكبير والتابعي الجليل يقول: كان أبو حنيفة مخ العِلم....!

- مالك بن أنس وهو رجل من رواد خليج الأمل ممن نشروا النور الرباني قال عنه: هذا النعمان لو قال هذه الإسطوانة من ذهب لكانت كما قال!

يعني لو قال عمود المسجد من ذهب لصدق ولأقنع..

- وفي رواية: لو جاء إلى أساطينكم فقايسكم على أنها خشب لظننتم أنها خشب.

أرأيتم رزق الله للعبد وبركة السعي
نحسبه والله حسيبه كان على خير....

وإنَّ علومي باسقاتٌ وطلعُها
نضيدٌ ورزقٌ للعباد ورحمةِ

- الإمام زُفَر قال: جالستُ أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة فلم أر أحداً أنصح للناس منه ولا أشفق عليهم منه، بذل نفسه لله تعالى، أمّا عامة النهار فهو مشتغل في العلم وفي المسائل وتعليمها، وفيما يُسأل من النوازل وجواباتها، وإذا قام من المجلس عاد مريضاً أو شيَّع جنازة أو واسى فقيراً أو وصل أخاً أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلى للعبادة والصلاة وقراءة القرآن، فكان هذا سبيله حتى توفي رضي الله تعالى عنه.


أرأيتم..

كيف يحيا شخص ويبقى رحيقه مثل شذا الزهر، ويترك علما مثل النور له سناء فى كل صفحة ومجلد... وتقرأ الصدق فيه قبل الحرف... حيث عاشت نفسه المعنى المقصود، وصدقت حاله المبنى المسطور...

تلك ذكريات الأئمة عنه، قمة الصفاء وسلسبيل الفكر النقي، يبيت يسبح الله ويصبح يجتهد لغايته الكبرى على ثقة بيوم الميعاد، شوق يحدوه للقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم، فيملك كيانه كله...



يخالف طلاسم المبتدعة وقسوة قلوب المحترفين، ولا زال هو الذكي الأريب....


- كان أبو حنيفة في زيارة شيخه الأعمش يوماً (والأعمش رحمه الله محدث علم فذ)، فجاء إلى الأعمش رجل يسأله عن مسألة في العلم فقال لأبي حنيفة: أجبه. فأجابه أبو حنيفة، فقال له الأعمش: ومن أين لك هذا؟
- قال أبو حنيفة: من حديث حدثتَنيه هو كذا وكذا وأخذ يروى.
- فقال الأعمش: حسبك ما حدَّثتُكَ به في سنة تحدِّث به في ساعة، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.

**** ومن ورعه وتقواه وعبادته لله تعالى:

قال ابن المبارك: قلتُ لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعتُه يغتاب عدواً له. قال: والله هو أعقل من أن يسلِّط على حسناته ما يذهب بها.

يعني رجل يعرف مصلحته، ولا يسير خلف وساوس قرينه!

* كان أبو حنيفة يختم القرآن في ثلاث في الوتر.

قال مِسْعَر بن كِدَام أنه:

قرأ ليلة حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فما زال يرددها حتى أذَّن الفجر. وردد قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، ليلة كاملة في الصلاة.



سيعود عصر النور رغمَ أنوفهم
ويخيب كلُّ منافقٍ خوَّانِ
هيهات نور الله لا يطفيه كيدُ
عصابةٍ حمقى من الصِّبيانِ
هيهات أن تخفَى معالمُ ديننا
ويزول طيبُ الروحِ والرَّيحانِ



*** عرض القضاء عليه ووفاته:

عرض عليه الخليفة القضاء مراراً وضُرِب من أجله!
وهو يرفض أن يصير ركنا له!

فهو لا يرى الفاحش القبيح براقا مليحا... فالعلم يريه حقائق الأشياء وينزع زخرفها وزينتها البالية الفانية...

وقال أبو حنيفة للخليفة :
إني لا أصلُح، قال الخليفة بل أنت تكذب أنت تصلُح، فقال: أرأيت، أنت تقول عني كذاب، فإني لا أصلح للقضاء!

وعرض عليه من جديد تولي منصب القضاء فأبى ورفض فحبسه وجرى بينهما حوار قال فيه: اتقِ الله ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب، لك حاشية يحتاجون إلى من يُكرمهم لك فلا أصلح لذلك. ثم حبسه وضربه على مشهد من العامة ثم أُخرِجَ من السجن ومُنِعَ من الفتوى والجلوس إلى الناس حتى توفي. وقبِلَ أبو حنيفة أن يعمل كأحد العمال في بناء سور بغداد تفادياً للنقمة، ولمّا أحسَّ بالموت سجد فخرجت نفسه وهو ساجد عام 150 هجرية

وكان الخليفة المنصور نادما أشد الندم بعدها وردد بعد وفاة الإمام: من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً!


أرأيتم الهزيمة النفسية الإنسانية... يبقى الحق حقا..

قصص لا تهز القلب بل تنتزعه من بين الضلوع...

فأين المقتدي!


ما أكرمَ الصبرَ وما أحسنَ الصدقَ
ومـا أزيـنــهُ للـفـتـى
الخـرقُ شــؤمٌ والتُّقى جـنةٌ
والرِّفْقُ يمنٌ والقنـوعُ الغـنـى


• تلاميذه... من تلاميذه من كان على السنة، ومنهم من تشعبت به السبل، ومن تلاميذه الأعلام الذين صاروا علماء وأصبحوا آية بعده وكتبوا فتاويه واجتهاداته كلها ومنهم:

العالم القاضي (أبو يوسف) مدوَّن فقه أبي حنيفة في الكتب، و كذا فعل محمد بن الحسن الشيباني، الذي دوَّن كل فقهه والاجتهادات الأخرى حتى التي تراجع عنها.


وأبو حنيفة هو من رتب مسائل الفقه حسب أبوابها من طهارة وصلاة... دوَّن أغلبها الإمام أبو يوسف في سجلات بلغت عشرات الألاف من المسائل المدونة. وانتقل تلامذته وهم بالمئات (قيل أكثر من سبعمائة) إلى بلادهم خاصة بلاد الأفغان وبخارى والهند...

وعين تلميذه العالم الفذ (أبو يوسف) قاضياً
وتولى القضاء لثلاثة من الخلفاء آخرهم هارون الرشيد

فكان يقضي بمذهب أبي حنيفة، وكذلك كان أغلب القضاة الذين كان ينصِّبهم، وتدون الأحكام بفقههم، كل هذا جعل فقه الإمام أبي حنيفة ينتشر أكثر من غيره في تلك المرحلة....….

وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي.

تتلمذ على يد صاحبه أبي حنيفة. ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، وناظره في مسائل كان يقول فيها بمذهب أهل الرأي في العراق فرجع عنها لقول مالك بن أنس رحمه الله، من آثاره كتاب الخراج وقد ألفه للرشيد، وكتاب النوادر، وأدب القاضي، والأمالي في الفقه، وغيرها!


أيا أمة المجد في الغابر
إلام خمولك في الحاضر
وما كان يعزى إليك الخمول
ولا كان يخطر بالخاطر


وصاحب آخر من أصحاب حامل المسك صار عالما نابغة هو: زفر بن الهذيل المتوفى سنة 158هـ:
واسمه زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي، وأصله من أصبهان.

وهو فقيه كبير أقام بالبصرة وتولى قضائها بجدارة.


* وإبراهيم بن طهمان المتوفى سنة 163هـ :
كان شديداً على أهل البدع (فرقة تسمى الجهمية) حتى إنه أخَّر رحلته إلى الحجِّ للرَّد عليهم... فحماية الدين ونقائه من التأليف والتخريف أولى الأن...

وألَّف في الرَّد عليهم كتاباً بعنوان "سنن ابن طهمان"

أرأيتم قطرات العطر التي خلفها المعلم؟

* أما محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ:
فأصله من دمشق، ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة وأخذ عنه وبعد وفاة أبي حنيفة تعلم من أبي يوسف، ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، فقلل بذلك من كثرة الرأي في فقهه، واتصل بالشافعي رحمه الله لما كان بالعراق. كان قاضيا فى عهد الرشيد ثم اعتزل القضاء، ووقف نفسه على تعليم الفقه!!!

وكتبه هي معتمد مذهب الأحناف.....

أرأيتم ما يوسع الصدر الضيق!
أناس تعلموا فعملوا...
علموا فباعوا، وأخلصوا في البيع... فلم يبق لأنفسهم حظ في الدنيا...

وأبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى سنة 321هـ وهو من صعيد مصر.





فتذوقوا طعم الحياة وأدركوا
ما في الجهالة من أذى وتباب

العلم في البأساء مزنة رحمة
والجهل في النعماء سوط عذاب

ولعل ورد العلم ما لم يرعه
ساق من الأخلاق ورد سراب

وإنى لأرجو الله يلحقنا به
سليما من الزلات والتبعات


وصل على المختار والآل أسوة
المصابين في ماضي الزمان وآت



من المراجع الكثيرة التي تلألأت بسيرته
سير أعلام النبلاء للذهبي
تذكرة الحفاظ للذهبي
صفة الصفوة لابن الجوزي
جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر
الانتقاء لابن عبد البر
حلية الأولياء لأبي نعيم

مســك
09-08-05, 11:59 PM
أمة في رجل الإمام أبو حنيفة رحمه الله وجزاه الله عن الإسلام خيراً ..
جزاكم الله خيراً على نشر سيرته ..

أم علاء
09-10-05, 10:07 PM
وجزاكم الله خيرا أيها الفاضل