المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول تدوين علوم السنة



أبو المهاجر المصري
08-20-05, 04:19 AM
بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد :
فهذه بعض الفوائد حول موضوع "تدوين علوم السنة" ، وهو من المواضيع المهمة ، التي تتعلق بتوثيق علوم السنة وبيان صحة الاحتجاج بنصوصها ، متواترة كانت أم آحادا ، وقد جمعتها ، ولله الحمد ، في ملخص صغير ، أشرت خلاله إلى مصادر هذه الفوائد ، وسأكتبها تباعا ، إن شاء الله :

وبداية مع معاني السنة اللغوية والاصطلاحية :

أولا : معاني السنة في اللغة :

السنة في لغة العرب : اسم مشتق من فعل "سن" ، "يسن" ، بكسر وضم السين ، والمصدر "السن" .
قال ابن فارس رحمه الله : سن ، السين والنون ، أصل واحد مطرد ، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة ، والأصل قولهم : سننت الماء على وجهي أسنه سنا ، إذا أرسلته إرسالا .

وهي تطلق في اللغة على عدة معان ، من أبرزها :

· السيرة المتبعة والطريقة المسلوكة والمنهج والمذهب حسنا كان ذلك أم قبيحا ، غير أن استعمالها في الممدوح أكثر ، وإذا استعملت في المذموم قيدت غالبا ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" .

ومنه قول عتبة الهذلي :
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ******* فأول راض سنة من يسيرها .

ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ******* قد بينوا سننا للناس تتبع .

· الأنموذج الذي يحتذى والمثال الذي يقتدى به والصورة التي يتمثل بحسنها والإمام الذي يؤتم به .

ومنه قول لبيد :
من معشر سنت لهم آباؤهم ******* ولكل قوم سنة وإمامها .

· البيان : يقال سن الأمر بينه ، وسن الله سنة بين طريقا قويما ، كما قال تعالى : (سنة الله في الذين خلوا من قبل) ، نصب سنة على إرادة الفعل ، أي : سن الله ذلك بمعنى : بينه .

· العادة الثابتة المستقرة : كما في قوله تعالى : (سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) ، فالسنة هنا تعني : العادة الثابتة التي حكم الله بها وقضاها .

· ابتداء الأمر : فكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم من بعده فهو الذي سنه .
ومنه قول نصيب :
كأني سننت الحب أول عاشق ******* من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي .

· الصقل والتزيين والتقوية : ومنه قولك سننت السكين أي صقلتها .


معاني السنة في الاصطلاح :

· المعنى العام : وهو يشمل جميع مسائل الدين أصولها وفروعها ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، فالسنة هنا هي : ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والعمل والهدى وكل ما جاء به مطلقا .

وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام رحمه الله بقوله : "السنة هي الشريعة ، وهي ما شرعه الله ورسوله من الدين" .

وقال مكحول رحمه الله : "السنة سنتان : سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر ، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج"

o فالسنة الأولى في قول مكحول : هي ما لا يتم أصل الدين إلا به من أصول العقائد والعبادات بحيث لو تركها المكلف لخرج من الملة ، وهي بالطبع ليست السنة التي أطلقها الفقهاء في مقابل الواجب .

o وأما السنة الثانية : فهي المقصودة باصطلاح الفقهاء ، فالأخذ بها فضيلة لأن فاعلها ممدوح ، وتركها ، وإن كان لا يعرض المكلف للذم ، إلا أنه يوقعه في حرج مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم ، ناهيك أنه قد يوقعه في حرج أكبر إن كان تركه لها إعراضا أو استخفافا .



· السنة عند المحدثين :
ويقصد بها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية "بفتح الخاء" ، والخلقية "بضم الخاء" ، سواء كان ذلك قبل الرسالة أو بعدها وسواء أثبت حكما شرعيا أم لم يثبت . فالمحدثون يعنون بكل ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم .

· السنة عند الأصوليين :
فالأصوليون إنما يعنون بالأحكام الكلية التي تبنى عليها الفروع الفقهية ، ولذا فإن السنة عندهم هي : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، لأن الأقوال والأفعال والتقارير ، هي ما يستنبط منه أحكام الدين كلية كانت أم جزئية .

· السنة عند الفقهاء :
وهي تعني معنيين :
o المعنى العام : من حيث هي مصدر الدين ، فيقول الفقهاء على سبيل المثال : هذه مسألة واجبة بالسنة ، أو هذه سنة واجبة ، فمثلا يقولون عن حكم إطلاق اللحى بأنه : سنة واجبة ، أي أنه واجب ، ودليل وجوبه هو السنة ، حيث جاءت أحاديث فيها الأمر بإطلاق اللحى ، والأمر المجرد عن القرائن يفيد الوجوب ، كما هو معلوم عند الأصوليين . فهي بهذا الاعتبار عندهم شطر الوحي ومصدر الاستدلال على العقائد والأحكام .

o وأما المعنى الآخر ، وهو المعنى الذي اصطلح عليه الفقهاء للتمييز بين ما أمر به أمر وجوب وما أمر به أمر ندب فهو : "ما دل عليه الشرع من غير افتراض، ولا وجوب" . وقال بعض الحنابلة والمغاربة من المالكية : "ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه" .

ويمكن الاستئناس لاستخدام السنة حكما شرعيا مقابل الفرض بنحو قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله عز وجل فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه) .
ويؤيده فهم التابعي مكحول الشامي رحمه الله : (السنة سنتان : سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر ، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج) وقد سبق بيانه .


· السنة عند علماء العقيدة :
تطلق السنة عند علماء العقيدة على : هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أصول الدين ، وما كان عليه من العلم والعمل والهدي ، وما شرعه أو اقره مقابل البدع والمحدثات في الدين .
ومن هنا قيل : (فلان على سنة) ، و (فلان على بدعة) ، فالمقصود هنا السنة والبدعة : المعنى المتعلق بالاعتقاد .

o وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : (فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، وقوله : (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ) .

فالوعيد المنصوص عليه في الحديث الأول لا يكون إلا على مفارقة الجماعة في أصل كلي ، وعليه يخرج المرء من السنة إلى البدعة .
والأمر في الحديث الثاني بالتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين ، عند اختلاف الأهواء ، دليل على أن المقصود بها الأصول الكلية التي يتميز بها أهل السنة والجماعة عن باقي الفرق الضالة .

o وقول ابن مسعود رضي الله عنه : (القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة) ، فأطلق السنة مقابل البدعة ، التي تتعلق بالاعتقاد كالخروج والرفض والإرجاء والقدر ....... الخ .

o وقول ابن سيرين رحمه الله : (لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) .
o وقول محمد بن شهاب الزهري رحمه الله : (كان من مضى من علمائنا يقول : الاعتصام بالسنة نجاة) .
o وقول الفضيل بن عياض رحمه الله : (أدركت خيار الناس كلهم يقول : الاعتصام بالسنة نجاة) .

o وعليه أيضا تحمل تسمية كثير من العلماء ، ممن صنفوا في علم العقيدة ، لكتبهم باسم "السنة" : كأحمد بن حنبل ، وابن أبي عاصم ، وأحمد بن محمد الخلال ، وأبو بكر بن الأثرم ، ومحمد بن نصر المروزي ، وأبو جعفر الطبري ، رحمهم الله .

ü ويؤكد هذا المعنى ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله ، بقوله : (وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد ، لأنها أصل الدين ، والمخالف فيها على خطر عظيم) .

ü ويعلق الشيخ الدكتور محمد بن يسري ، حفظه الله ، على قول ابن رجب فيقول : (ويلاحظ في سبب هذا الإطلاق والاصطلاح الاعتقادي للفظ السنة ، أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة ، وبها تثبت أحكام الاعتقاد .


q ملاحظة : جل هذه المشاركة مستفاد من كتاب "حجية السنة" ، للشيخ الدكتور الحسين شواط ، وكتاب "علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة ، المبادئ والمقدمات" للشيخ الدكتور أبي عبد الله محمد بن يسري .

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
08-22-05, 04:22 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد

فقد مر تدوين علوم السنة بشعبها المختلفة ، رواية ودراية ، بعدة مراحل ، بدأت بجهود فردية ، شأنها شأن كل العلوم في بداياتها ، فإنها أشد ما تكون شبها بالطفل الصغير ، يولد ضعيفا ، ثم ما يلبث أن يقوى شيئا فشيئا ، حتى يصل لمنتهى قوته ، ثم ينحدر شيئا فشيئا حتى يصل لمرحلة الشيخوخة ، وهي سنة كونية تجري على كل مخلوق ، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون ، رحمه الله ، في معرض كلامه عن نشوء الدول وانهيارها .

وأهمية هذا الموضوع تكمن في الرد على شبهات المستشرقين ، ومن لف لفهم من المستغربين الذين ينتمون لأمة الإسلام ، فقد ركز المستشرقون على ترويج فرية تأخر كتابة السنة ، حتى أوائل القرن الثاني الهجري ، لما أمر أمير المؤمنين ، عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، بالجمع الرسمي للسنة ، تحت إشراف الدولة ، وبالتالي يصفو لهم ما يزيد على 80 عاما ، من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى بداية التدوين ، ومعلوم ما حدث في هذه الفترة من ظهور لفرق منحرفة ، اتخذت من وضع الأحاديث ، سبيلا لترويج بدعها ، لا سيما الرافضة ، فهم يكذبون ديانة !!!!!! ، وما ظنك برجل يتعبد الله عز وجل بالكذب على رسوله ، ناهيك عن أئمة المعتزلة والمرجئة ، الذين ثبت كذبهم في الحديث ، وإن لم يبلغوا مبلغ الرافضة ، فالكرامية ، على سبيل المثال ، جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب ، وإلى هذا أشار العراقي ، رحمه الله ، في الألفية بقوله :

وجوز الوضع على الترغيب ******* قوم ابن كرام وفي الترهيب .

وحتى هذه المحاولة المتأخرة لكتابة السنة ، على حد زعمهم ، لم تسلم من التشكيك ، فركز المستشرقون وأذنابهم على الطعن في الإمام الزهري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 124 هـــــ ، بصفته المكلف رسميا بالإشراف على تدوين الأحاديث النبوية .

بل إن فئة أخرى من المستشرقين ، بالغت وقالت بأن هذا الجمع قد تأخر إلى القرن الثالث الهجري ، أي إلى بداية ظهور المصنفات المتخصصة في السنة ، كالجوامع والمسانيد ، وبالتالي يصفو لهم أكثر من قرن ونصف بين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبداية تدوين السنة ، وهي فترة زمنية طويلة ، تجعل تدوين السنة ، أشبه ما يكون بتدوين الأناجيل المنقطعة الإسناد ، التي كتبت بعد وفاة عيسى صلى الله عليه وسلم ، بمدة زمنية طويلة ، بواسطة مؤلفين مجهولين ، لم يتفق النصارى عليها ، حتى أن الأناجيل المتداولة الآن عددها 4 ، اختيرت من 70 إنجيلا !!!!!! ، فإذا ما تقرر ذلك في نفوس أبناء المسلمين ، دب الشك في نفوسهم في هذه الكتب المصنفة في السنة كالصحيحين والسنن ، وهذا ما حدث بالفعل لطوائف من المسلمين ، منهم من سموا أنفسهم بـــــ "القرآنيين" ، ومنهم أبناء المدرسة العقلية الإعتزالية الحديثة ، التي أثارت الشبهات حول شخصيات مصنفي كتب السنة كالبخاري ومسلم ، وكيف كان الخلفاء والأمراء يجبرون أئمة الحديث على وضع الأحاديث التي توافق أهوائهم وتؤيد مذاهبهم !!!!!! ، كما فعل "جولد سيهر" ، اليهودي المجري الخبيث ، مع الإمام الزهري ، رحمه الله ، وقد تصدى علماء المسلمين لافتراءاته على هذا الإمام الجليل ، فقد ظن هؤلاء الحيارى ، أن علماء تلك الأزمان الفاضلة كعلماء زماننا ، ممن ركنوا إلى الحياة الدنيا ، وباعوا دينهم بعرض زائل منها ، وبات خوفهم من السلاطين والجماهير التي تثور على من يصدع بالحق ، إن خالف أهوائها ، أشد من خوفهم من الله عز وجل ، فكتموا العلم ، إلا من رحم ربك ، وما كتابات الدكتور مصطفى محمود ، الكاتب المصري الشهير ، في التشكيك في صحيح البخاري ، عنا ببعيد ، وخاصة في مصر ، وإن كان له جهود مشكورة في تنظير قضايا المسلمين السياسية في العصر الحديث .

ومع هذه الرحلة الطويلة لتدوين علوم السنة نبدأ من مرحلة العهد النبوي :

فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمة أمية ، لا تعرف القراءة والكتابة ، كما وصفها الله عز وجل بقوله : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ، ولذا كانت تشريعات هذه الأمة مرتبطة بالظواهر الكونية التي يستوي في معرفتها العالم والجاهل ، كظهور الهلال لمعرفة زمن الصوم والفطر والحج ، ولا شك أن هذا من منن الله عز وجل على هذه الأمة لأن هذه الظواهر الكونية ، سنن كونية ثابتة ، أجراها الله عز وجل ، فلا احتمال للخطأ فيها ، خلاف الحسابات الفلكية البشرية التي تعتمد على الأجهزة الحديثة ، التي مهما بلغت دقتها ، فإن احتمال الخطأ فيها وارد .

وقد شاع لدى الكثير من المصنفين ، أن أعداد من يجيدون القراءة والكتابة ، في البيئة العربية ، كان ضئيلا جدا في تلك الفترة الزمنية ، 17 رجلا في مكة ، و 9 في المدينة ، ولا شك أن هذه أرقام مبالغ في ضآلتها ، وإن كنا نقر بأن الكتابة لم تكن شائعة بينهم . "حجية السنة" ، للشيخ الدكتور الحسين شواط ، ص136 .

وأهم ما يبحث في المرحلة ، هو الجمع بين أحاديث النهي عن كتابة السنة ، والإذن بها بعد ذلك :

فأحاديث النهي عن كتابة السنة ، لم يثبت منها إلا حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه) ، وهو حديث صحيح رواه مسلم ، في صحيحه .
وأما الأحاديث الأخرى في النهي عن الكتابة ، فقد رويت عن جمع من الصحابة ، كأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن ثابت بأسانيد ضعيفة لا تثبت .

وقد رويت كراهة الكتابة عن عدد من الصحابة منهم : ابن عباس وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وابن عمر وأبو هريرة .

وأما أحاديث الإذن بالكتابة ، فقد رويت عن جمع كبير من الصحابة ، حتى ادعى بعض العلماء تواترها وإفادتها للعلم القطعي ومنها :

· قوله صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع : (اكتبوا لأبي شاه) ، وهو حديث متأخر ، وهذا ما يقوي القول بنسخ أحاديث الكتابة لأحاديث النهي عنها .
· حديث عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه ، وقال : (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق) .
· حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب .
· وشكا أحد الصحابة قلة حفظه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : استعن على حفظك بيمينك ، وفي سند هذا الحديث مقال .
· حديث عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس ، قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيدوا العلم بالكتاب ، وفي سنده مقال ، وقد جمع طرقه وصححه الشيخ الألباني ، رحمه الله ، في "السلسلة الصحيحة" .
· حديث رافع بن خديج ، رضي الله عنه ، قال : قلنا يا رسول الله ، إنا نسمع منك أشياء ، أفنكتبها ، قال : (اكتبوا ولا حرج) ، ونحوه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا .
· كتاب أبي بكر ، رضي الله عنه ، لأنس ، رضي الله عنه ، وفيه الصدقات المفروضة ، وهو كتاب شهير رواه البخاري ، رحمه الله .
· كتاب عمر ، رضي الله عنه ، لأبي موسى الأشعري ، في القضاء ، وهو كتاب جليل في آداب القضاء .
· حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال : قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة ، قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : (العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر) .
· وقد بوب البخاري ، رحمه الله ، في صحيحه : "باب كتابة العلم" ، وعلق الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" بقوله : "طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشيء ، بل يوردها على الاحتمال ، وهذه الترجمة من ذلك ، لأن السلف اختلفوا في ذلك عملا وتركا ، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم ، بل على استحبابه ، بل لا يبعد وجوبه على على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم" .

وقد وردت الكتابة أو الأمر بها عن جماعة من الصحابة منهم : أبو بكر وعمر وعلي والحسن بن علي وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبو أمامة الباهلي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وعائشة وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة والبراء بن عازب وأسماء بنت عميس وسبيعة السلمية ، رضوان الله عليهم جميعا ، وغيرهم .
قال الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" : "قال العلماء : كره جماعة من الصحابة والنابعين كتابة الحديث ، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا ، لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه ، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ، ثم كثر التدوين ثم التصنيف ، وحصل بذلك خير كثير ، فالله الحمد" .

ولا شك أن أدلة الإذن أكثر وأرجح ، ورغم ذلك ، فقد سلك العلماء مذهب الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن ، لأن إعمال الأدلة جميعها ، أولى من إهدار بعضها ، ومما قيل في هذا الشأن :

· أن أحاديث النهي متعلقة بمن لا يخاف النسيان ، خشية أن يتكل على الكتابة فيضعف حفظه ، وهذا مما ينزل من مرتبته ، لأن حفظ الصدر ، كما قرر علماء الأصول ، أرجح من حفظ الكتاب ، وأما أحاديث الإذن ، فهي متعلقة بسيئ الحفظ ، مخافة أن ينسى شيئا مما سمعه .

· أن النهي متعلق بكتابة القرآن مع الحديث في صحيفة واحدة ، والإذن متعلق بالفصل بينهما ، ولعل هذا من الأسباب التي من أجلها ورد النهي أولا ، مخافة أن يختلط القرآن بغيره ، حتى إذا ما أتقن الناس القرآن وميزوه عن غيره ، زال سبب النهي فزال حكمه ، وعلى هذا يمكن تخريج قول عمر رضي الله عنه لقرضة بن كعب ، رضي الله عنه ، وأصحابه لما خرج يشيعهم إلى العراق : إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جودوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فعمر ، لم ينههم عن التحديث مطلقا ، كما حاول بعض المغرضين أن يروج هذه الشبهة ليصد الناس عن تعلم السنة ، وإنما أراد الإقلال من الرواية ، لأن أهل العراق ، ما زالوا حديثي عهد بإسلام ، فلا ينبغي أن يشغلهم شاغل عن القرآن حتى يتقنوه ، ولا مانع أن يتلقوا علوم السنة ، مع هذا ، ولكن بجرعات قليلة ، حتى لا يحدث الخلط بينها وبين القرآن ، ومعلوم أن الجرعات العلمية القليلة ، أنفع للمبتدئ في أي علم ، ولذا نرى المبتدئين في أي علم يعمدون إلى مختصراته المبسطة ، ثم يزيدون عليها شيئا فشيئا حتى يصلوا للمطولات ، كما قرر ذلك ابن خلدون ، رحمه الله ، فقليل متصل ، مع التركيز في فهمه وتدبره وحفظه خير من كثير منقطع بلا فهم أو تدبر ، وما جاء جملة واحدة فإنه يذهب جملة واحدة .

· أن النهي متعلق بوقت نزول القرآن خشية اختلاطه بالحديث ، والإذن فيما عدا ذلك .
· أن النهي متعلق بمن لا يحسن الكتابة خشية أن يخطأ ويقع في التصحيف .
· أن النهي خاص بأشخاص بعينهم ، وهم كتبة الوحي ، والإذن متعلق بمن سواهم .

· ومال آخرون ، للقول بنسخ أحاديث الإذن لأحاديث النهي ، ومنهم ابن قتيبة ، رحمه الله ، الذي قال بأن هذا من منسوخ السنة بالسنة ، وتابعه من المعاصرين ، الشيخ العلامة أحمد شاكر ، رحمه الله ، فقال : ...... ، حديث أبي شاه في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إخبار أبي هريرة ، وهو متأخر الإسلام ، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب ، وأنه هو لم يكن يكتب : يدل على أن عبد الله بن عمرو كان يكتب بعد إسلام أبي هريرة ، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرا عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز ، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحا ، (وفي هذا رد على الشيخ محمد رشيد رضا ، رحمه الله ، الذي قال بعكس هذا القول ، حيث قال بنسخ حديث أبي سعيد ، لأحاديث الإباحة) . ثم جاء إجماع الأمة القطعي بعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير ، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي ، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول ، رضي الله عنهم أجمعين . اهــــ ، ثم نقل رحمه الله ، قول ابن الصلاح رحمه الله : ثم إنه زال ذلك الخلاف ، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة . ولقد صدق رحمه الله . الباعث الحثيث ص189 . اهـــ . فهل يعقل أن الأمة بكاملها منذ عصور التدوين الأولى ، قد أجمعت على أمر نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!!!!! .

وأما ما ورد عن كراهة بعض الصحابة للكتابة ، فإنه يمكن الرد عليه بما يأتي :

أولا : أن هذا كان خشية الوقوع في الخطأ لمن لا يحسن الكتابة ، أو خشية الاتكال على الكتابة دون الحفظ ، وقد ثبت رجوع كثير منهم عن هذا الرأي ، كما صح عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن مسعود ، رضوان الله عليهم ، وهذا يدل على أن النهي منسوخ أو منسوء (بمعنى أنه مرتبط بسبب معين يثبت بثبوته ويزول بزواله ، فيثبت على سبيل المثال إذا خشي الراوي أن يختلط ما كتبه من القرآن بما كتبه من السنة ، ويزول بزوال هذا السبب ) .

وبعد أن تقرر ، أن إباحة الكتابة ، هي آخر الأمرين ، يحسن عرض بعض نماذج الكتابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع ملاحظة أن الفترة من عصر النبوة إلى سنة 100 هـــ ، لم تحظ بالدراسة الكافية ، مما أوهم البعض بتأخر الكتابة ، ومن أبرز هذه النماذج :

ما كتب بأمره صلى الله عليه وسلم ، ويشمل :
· الكتب إلى الحكام والملوك .
· الكتب إلى القبائل ، كعقد الحقوق والواجبات لوفد عبد القيس .
· تدوين سجل يحصي أعداد المسلمين ، وقد بلغ 1500 ، كما رواه البخاري ، وهذا العدد يشير إلى أن الإحصاء ربما كان في حدود السنة الثانية للهجرة .
· سجلات الحروب ، وذلك لتوزيع الغنائم .
· قائمة بأسماء رسله صلى الله عليه وسلم إلى الآفاق .
· عقود العتق ، كعقد عتق أبي رافع .
· كتب متفرقة ، ككتاب خطبة الوداع لأبي شاه رضي الله عنه ، كما تقدم . "حجية السنة" ص143 وما بعدها .
مع ملاحظة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان حريصا على التخصص في مسألة الكتابة ، فلكل مهمة كتاب معنيون بها ، فللوحي كتاب ، ولرسائل الملوك كتاب ، وللغنائم وقوائم المقاتلين في الغزوات والسراي كتاب ، وللتشريعات والمعاملات كتاب ، ولأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب ، وللمهام الاحتياطية كتاب ، وهكذا .....

وما كتبه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أهم كتبهم :
الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، وقد اشتملت على 1000 حديث ، وكتاب سعد بن عبادة ، وكتاب سعد بن معاذ ، وكتاب عمرو بن حزم في الديات ، ويأتي في المرحلة التالية ، إن شاء الله ، مزيد بيان لكتب الصحابة رضوان الله عليهم .

ولعل في هذا الكفاية في الرد على شبه المستشرقين وأذنابهم ، ومن أبرز من تصدى لتغطية الكتابة في هذه المرحلة : الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" ، والدكتور امتياز أحمد في كتابه "التوثيق المبكر للسنة والحديث" ، والدكتور محمد حميد الله في كتابه "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" ، "حجية السنة" ، ص142 _ 143 .

وفي نهاية هذه المرحلة ، لابد من التأكيد على عدالة الصحابة المطلقة ، الثابتة بالنص القرآني ، وتمام ضبطهم وعليه فروايتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مقبولة مطلقا ، ولو لم يسمعوا ما يروونه ، لأن إرسالهم لا يكون إلا بإسقاط صحابي آخر ، وهو عدل مطلقا ، فلا ضرر من إسقاطه ، وفي هذا يقول البراء بن عازب ، رضي الله عنه : "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يحدثنا أصحابنا ، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم ، وكانوا يشددون على من يسمعون منه" .
وهذا خلاف ما ذهب إليه أبو إسحاق الإسفرائيني ، رحمه الله ، الذي توقف في قبول مرسل الصحابي ، لاحتمال روايته عن تابعي ، والتابعي يحتاج إلى تعديل ، والرد على هذا بأن هذا الأمر ، وإن ثبت وقوعه ، إلا أنه قليل نادر ، وإذا حصل فإن الصحابة يبينونه ، ولا يستجيزون إسقاط التابعي إذا رووا عنه ، وعليه فسقطهم مأمون مطلقا لأنهم لا يسقطون إلا عدلا .
وإلى هذا أشار العراقي ، رحمه الله في الألفية فقال :
أما الذي أرسله الصحابي ******* فحكمه الوصل على الصواب .

وفي هذا العصر لم يكن لعلم الجرح والتعديل وجود ، لأن عدالة الصحابة المطلقة لا يلزم معها البحث في أحوال الرواة .

يتبع إن شاء الله ، مع السنة في عصر الصحابة

أبو المهاجر المصري
08-24-05, 04:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

مرحلة الصحابة ، رضوان الله عليهم :
وهذه المرحلة تنتهي رسميا سنة 110 هـــ ، بوفاة أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي ، رضي الله عنه ، كما قرر ذلك الذهبي ، رحمه الله ، ولكنها تنتهي من الناحية الفعلية في حدود سنة 80 هـــ ، لأن جل الصحابة ماتوا قبل هذا التاريخ ، كما ذكر ذلك الشيخ الدكتور حاتم الشريف ، حفظه الله ، في محاضراته عن تاريخ نشوء مصنفات السنة .

وفي هذا العصر ، اتسع نطاق الرواية ، نظرا لازدياد أعداد الداخلين في الإسلام من أبناء البلاد المفتوحة ، وإقبال كثير منهم على طلب العلم ، حتى تفوقوا على أبناء العرب في هذا المضمار ، وكونوا طبقة من العلماء أطلق عليها "طبقة الموالي" ، من أبرزهم نافع مولى ابن عمر ، وعكرمة مولى ابن عباس .

وأمر آخر في غاية الأهمية ، كان له دور كبير في زيادة تحري الصحابة ، رضوان الله عليهم ، في قبول الأخبار ، ألا وهو وقوع الفتنة التي أذكى نارها ، عبد الله بن سبأ ، لعنه الله ، وما واكب ذلك من ظهور الفرق المنحرفة ، كالخوارج والشيعة ، وتلاهم المرجئة ، وكثير منهم كان يستحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لنصرة مذهبه ، وخاصة الشيعة ، فهم أكذب الناس ، حتى صار الكذب عندهم عبادة ، كما تقدم ، وهذا ما استلزم الكلام في الرواة جرحا وتعديلا ، فظهرت مبادئ هذا العلم ، في هذه المرحلة .

واختلف الوضع بالنسبة للمرسل ، فلم يعد يقبل مطلقا ، كما كان في العهد النبوي ، لظهور طبقة جديدة من الرواة تفتقر إلى التعديل ، فلا تقبل روايتهم إلا بعد ثبوت عدالتهم ، ولا يقبل إرسالهم إلا بعد معرفة عين الساقط من السند ، والبحث في حاله ، إن لم يكن صحابيا ، ولعل قصة إعراض ابن عباس ، رضي الله عنهما ، عن سماع حديث بشير العدوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أبرز دليل على توقف الصحابة في قبول مرسل من عدا الصحابة .

وإن كان الناظر ، يسلم بما سبق ، إلا أنه لا بد من التأكيد على أن العدالة كانت هي السمة الغالبة على هذا الجيل ، وإن ظهر فيه من قدح في عدالته أو حفظه ، ولذا فإن مرسلهم ، وخاصة ، مرسل كبارهم ، كسعيد بن المسيب ، أو مرسل من عرف منهم بشدة التحري ، وإن كان من صغارهم ، كإبراهيم النخعي ، يعامل معاملة خاصة ، ترجح جانب قبوله إذا اعتضد بما يقويه ، كما قرر ذلك الشافعي رحمه الله .

والمبهم الذي لم يسم في هذه الطبقة ، روايته تعامل أيضا معاملة خاصة تختلف عن رواية المبهم من الطبقات التالية ، فيستأنس بها ويستضاء بها في مواطن ، وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير ، كما قرر ذلك الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، في اختصار علوم الحديث .

كما أن الغالب على رواة هذه المرحلة من التابعين ، الحفظ ، لأن الأسانيد لم تتشعب بعد ، ومن جرح منهم فجرحه غالبا يكون بسبب البدعة ، كما قرر ذلك الذهبي رحمه الله .

وأما الكتابة في هذا العصر ، فقد كانت موجودة ، ولكنها لم تكن كتابة رسمية بأمر الخلافة ، وإنما كانت جهودا فردية ، فهي كتابة للحفظ ، خشية نسيان المكتوب ، لا للجمع والتدوين ، فما زال الحفظ هو المقدم في حفظ السنن ، وأما الكتابة فكان دورها تكميليا ، فيما يخشى نسيانه ، وبمرور الزمن ، سيتراجع الحفظ ، وتزيد الكتابة ، كما سيأتي إن شاء الله ، فالتناسب بينهما عكسي ، وإن كان كلاهما يخدم قضية حفظ السنة .


وقد ذكر الدكتور الحسين شواط ، في كتابه "حجية السنة" ص153 _ 156 ، عشرين نموذجا لكتابات الصحابة ، كأبي بكر وعمر والبراء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله ابن مسعود والمغيرة بن شعبة والحسن بن علي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي رافع وكعب بن عمرو وأبي هريرة وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج .

وكذا الحال بالنسبة لرحلات الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كرحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر في حديث واحد ، ورحلة أبي أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر في مصر من أجل حديث واحد ، فقد كانت رحلات للحفظ ، لا للتلقي والتدوين ، ولهذا فإنها لم تكن على نفس درجة رحلات من جاء بعدهم ، ممن عني بتدوين السنة وجمعها ، كما سيأتي إن شاء الله .

وفي هذه النماذج ، رد دامغ على من روج لشبهة تأخر الكتابة ، مما يخشى معه من ضياع السنة والدس فيها ، فلا بد من التمييز بين مصطلحي "الكتابة" و "التدوين" ، فالأول وقع يقينا في هذه المرحلة المبكرة ، وأما الثاني فلم يقع ، وإن كانت فكرة تدوين الدولة للسنة قد طرحت في عهد عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وربما كان ذلك بإشارة من بعض الصحابة ، لكن عمر تخلى عن الفكرة بعد استخارة دامت شهرا ، وأما ما يتعلق بأحوال النقلة ، فإن الأمر اختلف تماما ، بعد الفتنة ، ولعل قول محمد بن سيرين رحمه الله : (لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سموا لنا رجالكم . فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) ، خير شاهد على ذلك ، فظهر بهذا : أن السنة كانت محفوظة تمام الحفظ منذ هذا العصر المبكر . فالله الحمد على هذه النعمة .

وبقيت شبه أثارها بعض المغرضين للتشكيك في منهج الصحابة في التعامل مع السنة ، من أبرزها :

شبهة منع عمر بن الخطاب للصحابة من الإكثار من الرواية ، وفي هذا يقول الحافظ ابن عبد البر : "احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم من الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا قوله : "أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها ، والطعن على أهلها ولا حجة في هذا الحديث ، ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم" . وبعد إيراد بعض الوجوه أورد حديثا لعمر رضي الله عنه يقول فيه : "إني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها . من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب علي" .

قال ابن عبد البر : "وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان خوف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

فعمر ، رضي الله عنه ، في تشديده على الصحابة في هذه المسألة ، كان ينظر إلى من تلاهم ، فإنهم إذا رأوا الصحابة ، وهم من هم ، في العدالة والضبط ، قد شدد عليهم في الرواية ، فإن هذا يكون زاجرا لهم عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو رواية ما لم يتقنوه ، كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي رحمه الله .

وكان يهدف أيضا إلى سن منهج قويم ، في مسألة تلقي علوم السنة ، فالإقلال مع الإتقان خير من الاستكثار مع عدم الإتقان ، بل إن الواقع يشهد أن من استكثر من العلوم ، يكاد يكون غير ضابط لها ، فما أتى جملة واحدة يذهب جملة واحدة ، ولعل تاريخ علماء الإسلام ، يشهد لهذا ، فالعالم الذي يتخصص في فن واحد من فنون العلم ، يكون أكثر إتقانا له من العالم الذي ينظر في فنون متعددة ، فالحافظ المجدد ابن عبد البر ، حافظ المغرب رحمه الله ، على سبيل المثال ، أكثر إتقانا لعلوم السنة من قرينه الإمام الحجة ، سلطان الأندلس ابن حزم ، رحمه الله ، لأن الأول كان معنيا بعلوم السنة ، خلاف الثاني الذي خاض في فنون كثيرة ، فقل ضبطه لعلوم السنة ، ويظهر جليا في منهجه في تعليل الأخبار وتعديل الرواة ، فقد خالف ما عليه أئمة هذا الفن ، وكذا الحافظ السخاوي ، رحمه الله ، أشد إتقانا لهذا الفن ، من قرينه الحافظ السيوطي ، رحمه الله ، لأن الأول كان كلفا بعلوم السنة ، وما يخدمها ، كعلم التاريخ ، خلاف الثاني الذي تنوعت معارفه ، فقل إتقانه .

ولعل أقوال عمر ، رضي الله عنه ، الأخرى في هذه المسألة تنفي هذه الشبهة ، ومنها قوله : (تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن) ، وقوله : (إياكم والرأي ، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها) ، وقوله : (سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) .
فهذه الأقوال لا يمكن أن تصدر من رجل يريد منع الناس من رواية السنة ، وإنما مراده تقنين هذه الرواية ، بما يحفظ هذه الثروة ويمنع الدس فيها .

وأما ما روي من أن عمر ، رضي الله عنه ، قد حبس بعض الصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن سنده ليس بصحيح ، كما ذكر ذلك ابن حزم ، رحمه الله ، وغيره ، كما أنه معلول بالاضطراب في تسمية الصحابة المزعوم حبسهم بالإضافة إلى أن عمر رضي الله عنه لم يكن له حبس ، ولو سلمنا جدلا بوقوع ذلك فإن المقصود بالحبس المنع من الرواية لحين التثبت في بعض ما بلغه عنهم . يؤيد ذلك :

ما أخرجه الرامهرمزي أن عمر حبس بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء ، فقال : (قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، قال أبو عبد الله بن البري شيخ الرامهرمزي : يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس ، أي منعهم من الإكثار من الحديث .

وقد يكون المقصود بالحبس في الحديث ، حبسهم واستبقاؤهم في المدينة حتى يتثبت فيما بلغه عنهم ، كما جاء في رواية الخطيب البغدادي رحمه الله : (بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود وإلى أبي الدرداء ، وإلى أبي مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحبسهم بالمدينة حتى استشهد) .

ومما يؤكد وهن هذه القصة ، أن عمر ، نفسه من المكثرين من الرواية ، فقد روى 539 حديثا ، ناهيك أن أبا هريرة ، وهو أكثر من روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، (5374 حديثا) ، لم يكن ممن حبس ، فكيف يصح هذا ، وهو أحق الناس بالحبس ، إن صحت هذه الرواية المزعومة . بتصرف يسير من "حجية السنة" ص83 _ 85 .

وقد أحال الدكتور الحسين شواط ، في هامش ص 85 ، إلى "تذكرة الحفاظ" و"الإحكام" لابن حزم و"السنة قبل التدوين" و "شرف أصحاب الحديث" لنقد هذه القصة .


ومن الشبه أيضا : عدم قبول أبي بكر لحديث المغيرة بن شعبة ، رضي الله عنه ، في ميراث الجدة ، حتى شهد معه ، محمد بن مسلمة ، رضي الله عنه ، وكذا عدم قبول عمر بن الخطاب لحديث أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، في الاستئذان حتى شهد معه أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، وعلى هذه الشبهة بنى الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ، بدعتهم في رد أخبار الآحاد في العقائد ، ليتوصلوا بذلك إلى رد كل النصوص المثبتة لصفات الله عز وجل التي أنكروها كلية (كالجهمية والمعتزلة) أو جزئيا (كالأشاعرة) .

والرد على هذه الشبهة ، بأن أبا بكر ، رضي الله عنه ، كما يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : (فعل ذلك للتثبت في الرواية وللاحتياط في الضبط ، لا لتهمة أو سوء ظن) ، لأن الصحابة كما تقرر كلهم عدول ، وأبو بكر ، رضي الله عنه ، ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشكل عليه عدم سماع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شدة ملازمته له . ناهيك أن الحديث متكلم في سنده للانقطاع بين قبيصة بن ذؤيب وأبي بكر ، وإذا سلمنا، بصحة هذا الحديث ، فإن شهادة محمد بن مسلمة للمغيرة لم تنقل الخبر عن كونه آحادا ، فرواية الاثنين ، من الناحية الاصطلاحية ، آحاد ، ومع ذلك احتج بها المخالف ، فلزمه أن يقبل أي حديث آحاد آخر ، كما قرر ذلك الشيخ محمد الشنقيطي ، رحمه الله في "المذكرة" ص129 ، طبعة مكتبة ابن تيمية .

وما قيل في رد شبهة حديث ميراث الجدة ، يقال في حديث الاستئذان ، فعمر ، رضي الله عنه ، أراد ، كما سبق بيانه ، أن يسن منهج التحرز في الرواية ، ناهيك أنه من أشد الناس ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يخفى عليه هذا الحديث مع كونه مما تعم به البلوى ، لأن الاستئذان أمر يتكرر كثيرا .

ومن المهم في هذا الموضع التأكيد على أن مناهج الصحابة في التأكد من صحة الرواية لم تكن واحدة ، فلم يكونوا جميعا يطلبون شاهدا آخر على الرواية ، بل كان بعضهم يستحلف الراوي ، كما روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، (وفي سند هذا الخبر مقال) ، وكان بعضهم يسأل للتثبت . بل إن هذا المنهج قد انتقل إلى جيل التابعين ومن أبرز الأمثلة على ذلك استحلاف عبيدة السلماني ، رحمه الله ، لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، للتثبت من سماعه لحديث ، فهل يعني هذا أن عبيدة يشك في عدالة وضبط علي رضي الله عنه ؟!!!!!! ، أم أنه فعل ذلك ليتثبت .

بل إن من ورد عنهم طلب الشاهد ، لم يكن هذا منهجا دائما لهم ، وإنما كانوا يعمدون إلى ذلك في حالات الشك فقط ، ولذا قبلوا كثيرا من الأخبار ، التي رواها راو واحد فقط ، ومن ذلك :

· أن عمر رضي الله عنه كان يقول : الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا ، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر .

· وأخذ عمر بخبر سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين .

· وأمر عمر برجم مولاة حاطب فذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها .


· وقبل أبو بكر خبر عائشة رضي الله عنهما وحدها في صفة كفن النبي صلى الله عليه وسلم .

· وقبل عثمان رضي الله عنه حديث الفريعة بنت مالك حول عدتها لوفاة زوجها ، وقضى بخبرها .

· وأخذ علي بخبر المقداد بن الأسود رضي الله عنهما في حكم المذي ، دون أن يحلفه ، بتصرف من حجية السنة ص 94 _ 95 .

وثمة شبهة أخيرة وهي :
استدلال البعض بإحراق بعض الصحابة والتابعين لكتبهم ، على أن النهي عن كتابة السنة غير منسوخ ، وأن هذه الكتب لا بد أن تحتوي على روايات لم تصل لنا ، وبالتالي تكون دعوى حفظ السنة غير مسلم بها ، والرد على هذه الشبهة :

أن هذا التصرف ، كان تصرفا فرديا من آحاد الصحابة والتابعين ، فلم يلزم أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، على سبيل المثال ، وهو ممن حرق كتبه ، أحدا بهذا ، رغم أنه كان الخليفة المطاع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يصلنا إنكاره على أحد من الصحابة كتابته ، وهذا يؤكد أن الكتابات في هذه الفترة كانت ، كما تقدم ، للحفظ فقط ، فبمجرد إتقان ما فيها من أحاديث تزول الحاجة إليها ، وبالتالي يصبح إحراقها أمرا سائغا ، وهذا يعني أن ما فيها لم يفقد كما يدعي البعض ، وإنما انتقل من حفظ السطور إلى حفظ الصدور ، وهو أقوى ، كما قرر ذلك علماء الحديث والأصول ، كما تقدم ، فقد أجمع المحدثون على أن الرواية المأخوذة عن حفظ (مع عدالة الناقل طبعا) أقوى درجة من الرواية بالمكاتبة .
كما اتفق الأصوليون عند الكلام على طرق ترجيح الأخبار أنه إذا تعارض خبران وكان أحدهما مرويا بالسماع والآخر مرويا بالكتابة أنه يقع ترجيح الخبر المروي سماعا .

وهذه الروايات المحترقة ، هل يعقل أنها كانت مع هذا الصحابي أو هذا التابعي بعينه ، مع انتشار الرواية ؟!!!! ، الجواب بلا شك : لا ، فلا بد أنها كانت موجودة عند غيره ، فلو سلمنا جدلا أنه حرقها قبل أن يحفظها ، فلا يمنع هذا من وجودها محفوظة متقنة عند غيره ، وعدم ضياع السنة لا يعني حفظ كل حروفها ، وإنما يعني أنه لم يفقد منها من الناحية العملية لا الفعلية شيء ، فلو فرضنا أن حرفا من حروف السنة لم يصل لنا بعينه ، فإن هذا لا يعني عدم وصول حرف آخر يؤدي نفس معنى الحرف الأول ، وإن لم يطابقه في اللفظ ، وبهذا رد الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، على من قال : (إنه لم يقع له "أي لأحمد في المسند" جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين) ، حيث قال : (في هذا غلو شديد ، بل نرى أن الذي فات المسند من الأحاديث شيء قليل . وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويا عنده معناه من حديث صحابي آخر) ، ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة . فقد استغنى بأحاديث عن أحاديث أخرى تؤدي لنفس المعنى .

وقد حدد الصديق ، رضي الله عنه ، سبب فعله هذا فقال بأنه خشي أن يقول الناس إذا ما وجدوا كتبه محفوظة ، ووقفوا على حديث ليس فيها : لو كان قاله صلى الله عليه وسلم لما خفي على أبي بكر ، فيكون هذا مسوغا لهم لترك أحاديث صحيحة بحجة أنها غير موجودة في كتاب أبي بكر ، ولا شك أن كتاب أبي بكر لم يستوعب السنة بأكملها ، فلم يحط علما بالسنة أكملها ، مهما بلغت درجته ، أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله .

وثمة مسألة أخيرة في هذا العصر ، وهي مسألة مشتركة بين هذا العصر والعصور التالية له ، حتى عصرنا هذا ، وهي مسألة الرواية بالمعنى ، فقد تفاوتت أقوال أهل العلم في هذه المسألة جوازا ومنعا ، تبعا لضبط وإتقان الراوي ، ومعرفته باللغة وأساليبها ، وما يحيل المعاني ، وملخص أقوالهم ما يلي :

· المنع مطلقا إذا لم يكن الراوي عالما بالألفاظ ومدلولاتها ، وقد نقل ابن الصلاح والنووي وغيرهما الاتفاق عليه .
· المنع مطلقا ، ولو كان عالما عارفا ، وهذا رأي كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول ، ولعل هذا الرأي هو الأنسب لعصرنا هذا ، بعد أن ضعفت المعرفة باللغة ، وانتشرت دواوين السنة المعتمدة ، وفي هذا يقول القاضي عياض ، رحمه الله ، المتوفى سنة 544 هــــ : "ينبغي سد باب الرواية بالمعنى ، لئلا يتسلط من لا يحسن ، ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع للرواة قديما وحديثا" ، وعياض ، رحمه الله ، عاش في القرن السادس الهجري ، فما ظنك بمن عاش في القرن الخامس عشر ؟ !!!! . ويستثنى من ذلك ، ما إذا لجأ العالم أو الفقيه إلى الاستشهاد بحديث لا يحفظه ، ولكنه يعي معناه ، في مسألة طارئة ، بحيث لا يسعفه الوقت لكي يرجع إلى الكتب المعتمدة ، وعليه أن يبين للسامع أو المستفتي ، أن روايته هذه بالمعنى .
· المنع مطلقا في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دون غيرها من الموقوفات والمقطوعات ، وهو قول مالك ، رواه عنه البيهقي في المدخل . وروى عنه أيضا أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء .
· الجواز لجيل الصحابة فقط ، وهو ما يعنينا بالدرجة الأولى في هذا البحث ، وهو رأي القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي الإشبيلي ، وعلل ذلك بأن الصحابة قد اجتمع فيهم أمران عظيمان ، لم يجتمعا في أي جيل تال لهما ، وهما :
o أولا : الفصاحة والبلاغة ، إذ جبلتهم عربية ، ولغتهم سليقة .
o ثانيا : أنهم شاهدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة .

وهذا أصل مهم جدا ، ليس فقط في مسألتنا هذه ، وإنما في مسائل جليلة أخرى من أصول الدين وفروعه ، فعلماء الأصول على سبيل المثال ، عندما يعللون عدم ظهور هذا العلم في عصر الصحابة ، يقولون بأنهم لم يكونوا بحاجة إليه لأنهم أعلم الناس باللغة ومقاصد الشريعة ، وعندما يتكلمون عن الإجماع ، يقدمون إجماعهم على أي إجماع ، بل إن داود الظاهري رحمه الله لا يعتد إلا بإجماعهم ، وهو منتقد في هذا القول ، وأحمد ، رحمه الله ، يومئ إلى ذلك ، وللمسألة بسط في كتب الأصول ، وعلماء التفسير واللغة يؤكدون على أن تفسير آي القرآن لا بد أن يكون بلغة من نزل عليهم ، وهي لغة الصحابة ، فلا يصح تفسيره بمصطلحات لغوية حادثة بعد نزوله ...... الخ . فتأمل هذه القاعدة الجليلة ففيها التمسك بما كان عليه خير القرون ، الذين قال الله تعالى مخاطبا إياهم : (فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا) ، فعلق الهداية على الإيمان المماثل لإيمانهم .

· وهناك من وسع دائرة الجواز ، لتشمل الجيل التالي لهم ، وهو جيل التابعين ، لأنه ، وإن حدث ضعف للسان العربي ، إلا أن الفصاحة ما زالت غالبة في هذا العصر ، ولذا كان تصرفهم في الألفاظ أوسع من تصرف من تلاهم من جيل تابعي التابعين الذين شددوا في مسألة الرواية بالمعنى ، وحرصوا على نقل الأحاديث بألفاظها ، كما سمعوها ، ناهيك أن الأحاديث قد دونت في هذا العصر فلا مسوغ للرواية بالمعنى .

وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر ، في جواز الاستشهاد بالحديث في اللغة فمنعه قوم كأبي حيان وابن الضائع ، وأجازه آخرون كابن مالك ، صاحب الألفية ، وابن هشام صاحب قطر الندى وأوضح المسالك ، وأبو الحسن الحضرمي المعروف بابن خروف الأندلسي ، والسهيلي وابن الأنباري والدماميني وابن منظور صاحب اللسان ، وتوسط قوم بين الرأيين فقالوا بجواز الاحتجاج بما اهتم الناقل بروايته بلفظه ، كجوامع كلمه صلى الله عليه وسلم ، وكتبه إلى عماله ، وعدم جواز الاحتجاج بما لم يهتم ناقله بضبط ألفاظه ، وهذا رأي الشاطبي ، وتابعه عليه الحافظ السيوطي ، رحم الله الجميع ، وللمسألة بسط لا يتسع المجال لذكره .

وخلاصة المسألة أن لجيل الصحابة الرياسة فيما يتعلق بأمور العدالة والضبط ، وأنهم حرصوا على حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حفظا في الصدور بالدرجة الأولى ، وكتابة لما يخشى تفلته بالدرجة الثانية .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله ، مع مرحلة التابعين .

أبو المهاجر المصري
08-27-05, 04:08 AM
بسم الله

السلام عليكم

ثالثا : مرحلة التابعين رحمهم الله :

ومن أهم ما يلحظ في هذه المرحلة :
طول الأسانيد وتشعبها ، وذلك لكثرة طلاب الحديث في هذه المرحلة ن وهو ما أشار إليه محمد بن سيرين رحمه الله بقوله : (أدركت بالكوفة 4000 شاب يطلبون العلم) . وهذا بلا شك أمر جيد لحفظ السنة ، لأن كثرة الناقلين ، تزيد من قوة الخبر المنقول ، ولذا فإن الحديث الغريب (وهو المروي بإسناد واحد فقط "الغريب المطلق") ، وإن كان مقبولا في هذا الجيل ، إلا أنه كاسمه مستغرب ، ولذا فإن هذا الحديث يوصف بأنه صحيح ، لا سيما إن كان المتفرد حافظا كثير الرحلة ، ولكن بقيد الغرابة ، وكلما تقدم الزمن زاد احتمال رد الخبر الغريب ففي عصر من تلاهم من كبار أتباع التابعين ، يقبل الغريب ، ولكن بتحفظ كبير ، وأما بعد ذلك فلا يكاد يقبل الحديث الغريب ، لأنه يستحيل بعد انتشار الرواية ، وتعدد مخارج الأحاديث أن ينفرد راو بطريق لا يتابع عليه ، فالتفرد بعد سنة 300 هـــ ، لا يكاد يتصور ، وهذا دليل آخر على حفظ السنة المنقولة من جيل التابعين إلى من تلاهم إلى من تلاهم ، حتى جاء عصر التدوين ، وهي المرحلة التي طالما دندن حولها المغرضون للتشكيك في جهود علمائها في حفظ السنة .

ولا شك أن تعدد طرق الحديث ، قد شجع كثيرا من التابعين على تتبعها وجمعها ، وقد كان هذا نواة علم علل الأحاديث ، وهو من أعمق علوم السنة ، ولا يكاد يتقنه إلا أفراد معددون في كل عصر ، لأنه يتطلب حافظة قوية لجمع طرق الأحاديث وبصيرة نافذة لدراسة هذه الطرق ، ومعرفة الخطأ من الصواب ، فالباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه ، كما ذكر ذلك إمام العلل علي بن المديني رحمه الله . فلو جاءنا حديث عن راو معين ، وليكن حماد بن سلمة ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، وكان خطأ فإننا يجب أن نجمع طرق الحديث عن شيخ حماد ، وطرق الحديث عنه ، فإن اتفق الرواة عنه على لفظ واحد ، وانفرد هو بهذا اللفظ عن شيخه دون باقي الرواة ، فإن عهدة الخطأ تكون عليه بلا شك ، خلاف ما لو اختلف الرواة عنه ، فإن عهدة الخطأ تكون على أحدهم ، وهذا لا يتضح إلا بجمع طرق الحديث عن الراوي وعن شيخه .

والناظر في حال الرواية في هذا العصر ، يلمح اهتمام الرواة بالأحاديث المشاهير ، واجتنابهم الغرائب ، لأنها مظنة الخطأ ، ناهيك أن مرحلة النظر في الغرائب لا تكون إلا بعد تحصيل الأحاديث الصحيحة ، فلا يعقل أن يتجه طالب أي علم لتحصيل دقائقه ، ولما يحصل أصوله بعد ، وهذا دليل آخر يؤكد حرص هذا الجيل على حفظ السنة المشهورة التي عليها مدار الدين .

ونلاحظ في هذا الجيل ، قوة الحافظة ، كما في الجيل السابق ، وإن كان الأمر في تناقص ، ولذا فإن الهدف الأساسي من الكتابة في هذا العصر كان أيضا إتقان الحفظ ، لا التدوين والجمع ، وعليه يمكن تخريج فعل بعض التابعين الذين حرقوا كتبهم ، كعبيدة السلماني ، رحمه الله ، فلا حاجة لها بعد إتقان حفظها ، ناهيك أنها قد تؤول إلى غير أهلها ممن لا يستحق حمل هذا العلم الشريف .

وقد ساق الدكتور الحسين شواط في كتابه "حجية السنة" ص157 _ 160 ، عشرين نموذجا من نماذج كتابات التابعين ، وزاد عليه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي ، فذكر 150 نموذجا ، وهذا بلا شك حاصل استقراء جيد لكتب الحديث وتراجم الرواة ، ولا زال الباب مفتوحا لزيادة هذه الأمثلة ، لأن هذا الاستقراء مهما بلغت سعته ، لا بد أنه قد فاته بعض الكتب التي يمكن العثور فيها على أمثلة إضافية ، وهذا بلا شك من الردود القوية على شبهة تأخر كتابة السنة لأوائل القرن الثاني ، فها نحن قبل التدوين الرسمي للسنة ، أمام هذا الكم الكبير من الكتابات الموثقة . بتصرف من محاضرات "تاريخ نشوء مصنفات السنة" ، للشيخ الدكتور حاتم الشريف حفظه لله .

والناظر في صحفهم المكتوبة ، يجد أنها لم تكن مرتبة وفق منهج معين ، فلم تظهر حتى الآن طرق التصنيف التي انتهجها علماء القرن الثالث الهجري ، عصر السنة الذهبي ، فلا ترتيب وفق الأبواب أو المسانيد أو أسماء الشيوخ .... الخ .

ومن أبرز الصحف الحديثية التي وصلت لنا من هذا العصر :
· صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة ، وهي المعروفة بالصحيفة الصحيحة ، وفيها ما يزيد على 130 حديثا ، غير مرتبة ، وقد رواها عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة ، واتفق الشيخان على كثير من أحاديثها ، وانفرد كل واحد منهما ببعض ما فيها ، وهذا من أبرز الأدلة على أن الشيخين لم يقصدا استيعاب الصحيح ، وقد روى أحمد هذه الصحيفة في مسنده عن عبد الرزاق .

· ووصلتنا أيضا صحيفة أبي صالح عن أبي هريرة ، وهي الصحيفة التي رواها عنه ابنه سهيل .

ورغم ذلك فقد ظهرت باكورة التصنيف على الأبواب ، أو في مواضيع بعينها في نهاية هذا العصر ، ومن أبرز الأدلة على ذلك :
· قول عاصم الأحول : عرضت على الشعبي أحاديث الفقه فأجازها ، فقوله "أحاديث الفقه" ، يدل على نوع تخصص في الرواية ، فهي مرويات خاصة بالأحكام الفقهية فقط دون الأحكام العقدية أو الأخلاقية أو مرويات الرقاق والمواعظ .

· جزء الطلاق الذي جمعه الشعبي ، رحمه الله ، وعنه يقول الحافظ ابن حجر : "إن ما ذكر إنما هو بالنسبة للجمع في الأبواب ، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبي" .

· كتاب عروة بن الزبير في المغازي .

ولم ينتهي الخلاف في مسألة الكتابة في هذا العصر ، وإن كانت حدته قد نقصت عما كان عليه في عصر الصحابة ، فما زال الخلاف قائما ، ومن أبرز من كره الكتابة أول الأمر ثم كتب آخره ، الإمام محمد بن شهاب الزهري ، رحمه الله ، الذي تولى كما سيأتي التدوين الرسمي للسنة ، وكان ذلك لسببين :

· أولا : خشية الاتكال على الكتابة دون الحفظ ، وهذا سبب يشترك فيه مع بعض الصحابة رضوان الله عليهم .
· ثانيا : لكي يظل العلم عزيزا لا يتلقى إلا بالجلوس تحت أقدام الشيوخ ، والسماع من أفواههم .
ولكنه تراجع ، كما سبق ، لما أجبره هشام بن عبد الملك ، رحمه الله ، على الكتابة لأولاده لكي يحفظوا ، فلم يرد أن يخصهم بهذه المزية دون باقي الرواة فأذن للجميع بالكتابة .

وفي هذا العصر ، زادت الرحلات في طلب الحديث ، ولم تكن كسابقتها بهدف الحفظ ، وإنما أصبح هدفها جمع السنة ، بل وظهرت الرحلات لنشر السنة ، كما فعل عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما ، الذي دخل بلادا كثيرة لنشر السنة فيها .

وفي هذا العصر ، بدأت المصطلحات الحديثية في الظهور ، فنجد في كلام علماء هذه الطبقة ، مصطلحات "الإسناد" ، و"المرسل والأبتر" ، وهما لفظان بمعنى واحد ، وهو الحديث الذي رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وجمعهما (مراسيل وبتر"بضم الباء وتسكين التاء") ، وقد غلب مصطلح المرسل بمرور الزمن واندثر مصطلح الأبتر . ونلاحظ من إطلاق هذا المصطلح : العلاقة الوثيقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، فالإرسال في اللغة هو "الإطلاق" ، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف ، لأنه أسقط من فوقه ، والبتر في اللغة هو "القطع" ، فكأن الراوي قطع الإسناد برفعه مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإسقاط من فوقه . ورغم ذلك فإن علم المصطلح لم يتبلور بعد ليصبح علما مستقلا من علوم الحديث .

واختلفت نظرة العلماء في هذا العصر للحديث المرسل ، فإذا كان المرسل مقبولا مطلقا إذا كان المرسل صحابي ، فإن الأمر اختلف في عهد التابعين ، فإن التابعي لا يلزم من إرساله أن يكون عن صحابي ، وإن كان هذا هو الغالب على مراسيل كبار التابعين كسعيد بن المسيب ، رحمه الله ، ولكنه أمر غير مطرد حتى يقبل على إطلاقه ، فما بالك بمن جاء بعدهم من صغار التابعين كالزهري ، رحمه الله ، حيث كثرت الإحالات في الأسانيد حتى وصلت إلى ستة أو سبعة في سند واحد ، (أي سند يروي فيه ستة أو سبعة من التابعين عن بعضهم البعض) ، ولذا كان منهج المحدثين رد الحديث المرسل إذا لم يعلم الساقط ، كما قرر ذلك مسلم ، رحمه الله ، في مقدمة صحيحه ، وابن عبد البر ، رحمه الله ، في مقدمة "التمهيد" ، وفي هذا رد على من ادعى بأن الشافعي رحمه الله ، المتوفى سنة 204 هــــ ، هو أول من رد المرسل ، ورغم ذلك فقد احتج بالمرسل بعض المحدثين والفقهاء ، وعلى رأسهم مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، خلافا لجمهور النقاد ، وفي هذا يقول العراقي رحمه الله :

واحتج مالك كذا النعمان ******* وتابعوهما به ودانوا
ورده جماهر النقاد ******* للجهل بالساقط في الإسناد .

وكذا ظهرت طرق جديدة للتحمل والأداء ، وتبع ذلك ظهور مصطلحات السماع والعرض والإجازة والمناولة .... الخ ، وظهر الفرق بين مصطلحات الأداء ، كــــ (حدثني وحدثنا) ، للسماع من لفظ الشيخ ، و (أخبرني وأخبرنا) ، للعرض على الشيخ ، وهذا بلا شك بداية لمسألة حديثية تعرضت لها كل كتب المصطلح التي صنفت بعد ذلك .

وأما الرواية بالمعنى في هذا العصر ، فقد سبق الكلام عليها ، في مرحلة الصحابة .

وأما علم الجرح والتعديل ، فقد بدأ ينشط منذ وقوع الفتنة ، وما صاحب ذلك من ظهور البدع وانتشارها كبدع الخروج والتشيع والإرجاء والقدر والجبر والاعتزال والتجهم ، وهي بدع ظهرت على استحياء منذ أواخر عصر الصحابة ، ورغم ذلك فقد كان أصحابها ، كما ذكر عثمان بن سعيد الدارمي ، رحمه الله ، مقموعين ، لأن السنة كانت ظاهرة ، ناهيك أنهم لم يظهروا بدعهم المغلظة في أسماء الله وصفاته ، وإنما اقتصروا على بدع الخروج والتشيع والإرجاء والقدر .... الخ . وبطبيعة الحال واكب هذه البدع اختلاق أحاديث تؤيد هذه البدع ، وخاصة بدعة التشيع التي تفنن أصحابها في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لترويج بدعهم ، بالإضافة إلى من تظاهروا بالإسلام من أبناء الأمم المغلوبة ، وحاولوا الدس في السنة ، فنقلوا ساحة المعركة من ميدان الحرب إلى ميدان الفكر ، كما قرر ذلك ابن خلدون رحمه الله .

وكان لا بد للأئمة من التحري والتفتيش في أحوال الرواة ، فظهرت باكورة علم الجرح والتعديل ، وكانت بداية ظهوره في العراق لسببين رئيسيين :
· أولا : كثرة العلماء بها ، فقد كانت الكوفة والبصرة مركزين رئيسيين لكافة العلوم الإسلامية ، وكان التنافس بينهما على أشده ، فعلى سبيل المثال نجد في علم النحو منافسة قوية بين مدرسة الكوفيين ومدرسة البصريين .

· ثانيا : كثرة الآراء والنحل في العراق ، فقد كان العراق منذ عهد الفتح الإسلامي يعج بمختلف المذاهب الفكرية ، التي ورثها من حضارة فارس ، وهي حضارة ذات ميراث ثقافي وعقدي كبير ، يخالف الإسلام في كثير من عقائده وآدابه ، وفي العراق أطلت البدع برأسها ، فظهر الخوارج والشيعة في الكوفة ، وكانت الكوفة مركزا للشيعة الغلاة وشيعة أهل السنة الذين يقدمون عليا على عثمان رضي الله عنهما ، وأما البصرة فقد كانت على العكس ، فوصفت بأنها "عثمانية" لانحرافها عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وظهر الاعتزال والقول بالقدر في البصرة بعد ذلك .

وهنا لا بد من استعراض تاريخ علم الجرح والتعديل أو "علم الرجال" ، في عجالة ، لبيان تميز المسلمين بهذا العلم العظيم ، الذي يرد بقوة على من ادعى أن السنة مشحونة بأحاديث رواها الزنادقة والوضاعون ، وسوف أعرض له هنا بشكل إجمالي يغني عن ذكره في المراحل التالية إن شاء الله :
فقد كانت البداية كما ذكر العلماء ، ومنهم ابن عدي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 365 هــــ ، صاحب "الكامل في الضعفاء" ، منذ عهد الصحابة ، رضوان الله عليهم ، ومن أبرز من تكلم منهم في الرواة ، ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك ، رضي الله عنهما ، مع ملاحظة ، أن طبقة الصحابة بأكملها لا يحتاج الباحث إلى النظر في أحوال رجالها لأنهم كلهم عدول ، كما تقدم ، وإن خالف المازري ، رحمه الله ، في شرح "البرهان" لإمام الحرمين الجويني ، حيث قصر العدالة المطلقة على الصحابة الذين لازموا الرسول صلى الله عليه وسلم ، دون من رأوه دون ملازمة فيلزم ، على كلامه ، البحث في أحوالهم ، وقد تابعه على ذلك القرافي ، رحمه الله ، وهو رأي مرجوح كما تقدم ، ولذا فإن كلام هؤلاء إما :
· أن يكون فيمن دون الصحابة ممن عاصرهم من التابعين .
· وإما أن يكون هذا الكلام محمولا على ما أخطأ فيه بعضهم ، كما في قول عائشة رضي الله عنها : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ ، وقولها لما بلغها حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم : (رحم الله أبا عبد الرحمن ، تعني ابن عمر ، سمع شيئا فلم يحفظه .......) ، وإنما ظنت أنه غلط لاعتقادها أن ما أخبر به مخالف لقوله تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، مع أن الراجح هو قول ابن عمر ، وقد وجه العلماء هذا الحديث من عدة وجوه أرجحها : أنه يعذب إذا أوصى بهذا البكاء ، أو علم من حال أهله أو بلده أنه سيقع فلم يوص بمنعه ، أو أنه يعذب بمعنى أنه يصيبه الألم بما يقع من أهله من النياحة ، وهذا اختيار الطبري ، رحمه الله ، من المتقدمين ، ورجحه ابن المرابط والقاضي عياض وشيخ الإسلام ، رحمهم الله ، من المتأخرين ، وللمسألة بسط لا يتسع المجال لذكره .

وتلا ذلك طبقة من أئمة التابعين ، تكلموا في أحوال الرجال ، كالشعبي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 104 هـــ ، ومحمد بن سيرين ، رحمه الله ، المتوفى سنة 110 هـــ ، وهو من أوائل من وصلنا كلامهم في الرجال ، ونلاحظ أن الغالب على رواة القرن الأول ، العدالة ، فلا يكاد يوجد فيهم ضعيف إلا القليل النادر ، وتلا محمدا تلميذاه عبد الله بن عون وأيوب السختياني ، وهما بصريان ، وعنهما أخذ شعبة بن الحجاج ، إمام الجرح والتعديل في زمانه ، وهو أيضا بصري ، وعنه أخذ يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، وهما أيضا بصريان ، وعن طبقتهما أخذ إمام الجرح والتعديل الأول الإمام "يحيى بن معين" ، الذي تبلور هذا العلم على يده ، فقد بلغ ، رحمه الله ، في هذا العلم مبلغا ، جعل تلميذه الدورقي يقول عنه : "كل راو سكت عنه يحيى بن معين فهو ثقة" . وكان له ، نوادر في امتحان الرواة ، كما فعل مع أبي نعيم الفضل بن دكين ، وتتبع الأحاديث الموضوعة بل وحفظها ، كما فعل مع صحيفة أبان ، وإن اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال كما تختلف آراء الفقيه النحرير وعبارته في بعض المسائل التي لا تكاد تخلص من أشكال ، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد أبو زهو ، في "الحديث والمحثون" .

ولكننا نلاحظ ، أنه حتى الآن ، لم يتعد هذا العلم مرحلة الرواية الشفوية ، فتلا ذلك ظهور المصنفات في هذا العلم ، على هيئة كتب "السؤالات" ، وهي عبارة عن جمع لأسئلة يوجهها طالب من الطلاب لشيخه عن مجموعة من الرواة ، فيجيبه الشيخ بما يراه ، ومن أبرز هذه الكتب :
· "سؤالات الدوري ليحيى بن معين" .
· و"سؤالات عبد الله بن أحمد لأبيه" ، وهي كتب لم تكن مرتبة وفق منهج معين ، اللهم إلا شبهة ترتيب في سؤالات الدوري ليحيى بن معين على بلدان الرواة ورغم ذلك لم تكن بتلك الدقة المعتبرة .

وواكب ذلك ظهور كتب الطبقات ، كطبقات محمد بن سعد ، رحمه الله ، المتوفى سنة 230 هـــ ، كاتب الواقدي ، وطبقات خليفة بن خياط ، ثم تلا ذلك طبقات مسلم رحمه الله ، ولكتب الطبقات أهمية كبرى في تحديد اتصال الروايات وانقطاعها ، فإننا نجد فيها تمييزا لطبقة الصحابة ، وهي طبقة مقبولة الرواية مطلقة ، وإن لم يثبت سماعها ، فرواياتها المنقطعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي التي تعرف بـــ "مراسيل الصحابة" ، مقبولة مطلقا ، لأن الساقط صحابي ، وجهالته لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول ، كما تقدم .

ونجد فيها أيضا تمييزا لطبقة المخضرمين الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يلتقوا به ، فروايتهم عنه مرسلة ، تحتاج إلى سبر ، وإن كان الغالب عليها أنها مقبولة لأنهم لا يروون غالبا إلا عن الصحابة لتقدم طبقتهم ، فهم في أعلى طبقة كبار التابعين ، ونجد تمييزا لطبقات دقيقة كطبقة التابعين الذين التقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وتحملوا عنه حال كفرهم ، ومات وهم كفار فلم تثبت لهم الصحبة ، فهم من طبقة كبار التابعين ، ورغم ذلك فروايتهم متصلة ، وأبرز مثال على ذلك : رواية التنوخي ، رحمه الله ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونجد فيها تمييزا لطبقة كبار التابعين ، الذين لم يعاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، كسعيد بن المسيب ، وهي الطبقة التي قبل الشافعي ، رحمه الله ، مراسيلهم ، على التفصيل الذي ذكره في "الرسالة" ، ونجد فيها تمييزا لطبقة صغار التابعين كالزهري ، رحمه الله ، وهي الطبقة التي استوحش الشافعي ، رحمه الله ، من قبول مراسيلها ، لكثرة الإحالات فيها ، فردها مطلقا ، وهكذا نجد في كتب الطبقات هذه الحدود الدقيقة التي تميز كل طبقة ، وهذا من الجهود المتميزة لعلماء الرجال التي تثبت تحريهم في إثبات اتصال الروايات أو انقطاعها .

وظهرت أيضا الكتب التي اهتمت بتحرير أسماء الرواة ، فصنف ابن المديني وأحمد والبخاري ومسلم في الكنى .

o وظهرت كتب الوفيات ، التي اهتمت بتحرير تواريخ وفيات الرواة ، ومنها كتاب أبي نعيم الفضل بن دكين ، ويكاد يكون "التاريخ الوسط" للبخاري مندرجا تحت هذا الصنف ، ولهذه المصنفات أهمية كبرى في إثبات السماع أو نفيه ، وقد وصلت دقة علماء الرجال إلى نفي سماع بعض الأبناء من آبائهم ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :
o كلام المحدثين في سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه، فكثير من المحدثين على أنه لم يسمع من أبيه ، وقد حكى النووي رحمه الله الاتفاق على ذلك نظرا لأنَّ أباه مات وهو صغير السن لا يتجاوز السابعة، وممن نصَّ على ذلك: عليُّ بنُ المديني، ويحيى بنُ معين، وأبو حاتم، والترمذيُّ، وابنُ حبان، والدارقطنيُّ، وغيرهم ، ورغم ذلك فإن منهج تعامل النقاد مع هذا النوع من الانقطاع ، يدل على سعة علمهم بالقرائن والمرجحات التي قد تخفى على كثير من المتأخرين ، فإن أي ناظر غير خبير ن سوف يسارع برد هذه الرواية وأمثالها مما ثبت فيها عدم السماع "كرواية سعيد بن المسيب عن عمر" ، على الرأي القائل بعدم سماعه من عمر ، ولكن نظرة النقاد تختلف ، فقد تتبعوا رواية أبي عبيدة عن أبيه فوجدوها خالية من المناكير، وانضم إلى ذلك أنَّ أبا عبيدة ابن لعبد الله بن مسعود، ولا شك أنَّ الأصل أنَّ الابن أعرف بأبيه من غيره ، ولذا يقول يعقوب بن شيبة رحمه الله : (إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند – يعني في الحديث المتصل – لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر) ، وتابعه على ذلك من النقاد المتأخرين ، ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 790 هـــ ، فقال :( وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة) ، وقال أيضا : (وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحةٌ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره) ، ومعلوم أن أهل بيت الراوي هم أعلن الناس بحديثه .

o وكذا فعل النقاد مع رواية سعيد بن المسيب عن عمر ، فسعيد ، وإن لم نقطع بسماعه كل ما يرويه عن عمر إلا أنه احتفت بروايته عنه قرائن رجحت قبولها : كجمع سعيد لمرويات عمر وأقضيته ، حتى سمي "راوية عمر" ، بل إن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، كان يرسل إليه ليسأله عن فتاوى أبيه ، أضف إلى ذلك أن النقاد قد سبروا مراسيل سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، فوجدوها صحاحا ، كما نص على ذلك أحمد وابن معين ، رحمها الله ، فإذا كان هذا حال روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يدركه ، فكيف بمن أدركه ؟!!! لا شك أن احتمال القبول يكون أقوى وأرجح .


وتلا ذلك ظهور المصنفات المرتبة في هذا العلم ، وكان من أبرزها كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري ، وهو أول كتاب اعتمد الترتيب الأبجدي لأسماء الرواة المذكورين فيه ، وقد فصل الشيخ الدكتور حاتم الشريف ، حفظه الله ، القول في كتاب التاريخ الكبير ، حيث قال بأنه يحوي 4 علوم أساسية :
· أولا : ذكر أسماء الرواة ، وهذا هو الهدف الأساسي من تصنيفه .
· ثانيا : الكلام على الرواة جرحا وتعديلا ، وإن لم يشمل كل الرجال المذكورين في الكتاب ، حيث سكت عن رجال وثقهم في مواضع أخرى ، كعلل الترمذي ، وآخرين ضعفهم في مواضع أخرى .
· ثالثا : الكلام على بعض علل الأحاديث .
· رابعا : معرفة السماع والإرسال .

وجاء ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، واستخرج من هذا السفر العظيم ، 3 مصنفات ، بعد أن أضاف إليها إضافات مهمة ، وهي :
· أولا : الجرح والتعديل ، وقد صدره بمقدمة نفيسة تكلم فيها على مراتب الجرح والتعديل ، وأضاف إليه إضافات مهمة من سؤالاته لأبيه ، وأبي زرعة رحمهما الله .
· ثانيا : كتاب العلل ، وهو مرتب على الأبواب الفقهية .
· ثالثا : المراسيل ، وعني فيه ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، بالمرسل بمعناه العام ، وهو السقط في أي موضع من السند ، خلاف المرسل الاصطلاحي ، الذي يقصد به ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم


وتلا ذلك مرحلة ابن حبان رحمه الله ، وقد ألف :
· "الثقات" : وهو كما يبدو من عنوانه خاص بالرواة الثقات ، إلا أنه ذكر فيه عددا كثيرا من المجهولين الذين لا تعرف أحوالهم ، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله ، وقد قال في صفة العدل عنده : (العدل من لم يعرف منه الجرح إذ الجرح ضد العدالة فمن لم يعرف بجرح فهو عدل) ، فالعدالة عنده ملازمة للإسلام ، لا قدر زائد عليه ، خلافا للجمهور ، وقد رتب الكتاب الحافظ نور الدين الهيثمي ، رحمه الله .
· و"الضعفاء والمجروحين" : وهو من اسمه أيضا يدل على مضمونه ، وقد أخذ على ابن حبان أنه أعاد فيه ذكر رواة أدخلهم من قبل في "الثقات" ، فإما أن يحمل هذا على أنه تغير في الاجتهاد ، وإما أنه غفلة وسهو .

وألف محمد بن عمرو بن موسى العجلي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 322 هـــ ، في الثقات ، وجاء من بعده ابن عدي ، رحمه الله ، فألف كتابه الجامع "الكامل" في الضعفاء ، وهو كتاب لم يصنف مثله في بابه ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، وقد ذكر فيه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل منذ عصر الصحابة إلى عصره ، والملاحظ في هذه المرحلة أن كتب الرجال فيها لم تكن مقيدة بمصنفات معينة ، وإنما كانت جامعة لكل الرواة .

ثم جاءت مرحلة عبد الغني بن سعيد المصري المتوفى سنة 409 هــــ ، وطبقته ، ونلاحظ أنه كلما تقدم بنا الزمن ، بدأت قدرة الحفاظ على نقد الرجال في الانحدار ، فعلى سبيل المثال :
· إذا قارن طالب علم الحديث بين منهجي ابن عدي ، رحمه الله ، ومنهج أبي أحمد الحاكم ، رحمه الله ، شيخ "الحاكم صاحب المستدرك" ، صاحب "الكنى" ، فإنه يجد الأول ناقدا مجتهدا في حكمه على الرجال ، بينما الثاني جامع ومحرر لأقوال السابقين .
· ومرتبة عبد الغني بن سعيد والساجي وابن شاهين وأبو الفتح الأزدي ، رحمهم الله ، وأمثالهم ، ليست كمرتبة ابن معين وأحمد بن حنبل وابن معين وأمثالهم ، وهذا أمر يستفاد منه في الترجيح عند تعارض أقوال الأئمة في راو واحد ما بين موثق ومضعف . ومما يستعان به أيضا في هذا الموضع : تقديم كلام المعتدل على المتشدد إن كانا من طبقة واحدة ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك : قول علي بن المديني : (إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد) ، فالقاعدة العامة في ضوء ما تقدم ، كما قررها الشيخ عبد الله السعد ، حفظه الله ، في شرحه لـــ (لإلزامات الدارقطني) : إذا تعارض إمامان من طبقتين مختلفتين في راو ما قدم كلام الأعلى منهما ، وإن كانا من طبقة واحدة قدم كلام المعتدل .



وظهر منهج آخر في التأليف في هذا العلم ، وهو التقيد برجال كتاب مخصوص كــــ : (رجال البخاري) لأبي نصر الكلاباذي ، و (رجال مسلم) لأبي بكر بن منجويه ، ورجال الشيخين لأبي الفضل بن طاهر المقدسي ، و (رجال أبي داود) لأبي علي الجياني ، و (رجال الترمذي) و (رجال النسائي) لجماعة من المغاربة .

وجاء عصر الحافظ عبد الغني المقدسي ، رحمه الله ، فاتسع نطاق هذا المنهج ليشمل عددا أكبر من المصنفات فألف الحافظ عبد الغني ، رحمه الله ، في رجال الكتب الستة ، "الكمال في معرفة الرجال" ، وتبعه الحافظ المزي ، فهذب كتابه في "تهذيب الكمال" وألف الذهبي "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" :
وقد اعتمد فيه بشكل أساسي على كتاب ابن عدي ، ورتبه على حروف المعجم حتى في الآباء ، ورمز على اسم الرجل لمن أخرج له في كتابه من الأئمة الستة ، ولابد هنا من الإشارة إلى شرطه كما ذكره في خطبة الكتاب ، نظرا لأهميته ، حيث قال : (وفيه من تكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين وبأقل تجريح فلولا أن ابن عدي أو غيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته ولم أر من الرأي أن أحذف اسم أحد ممن له ذكر بتليين خوفا من أن يتعقب علي ، لا أني ذكرته لضعف فيه عندي إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما من الصحابة فإني أسقطهم لجلالة الصحابة ولا أذكرهم في هذا المصنف فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس) ، وهو يشبه شرط العقيلي ، رحمه الله ، في الضعفاء ، وعليه يحمل ذكره لبعض الأئمة في كتابه كعلي بن المديني رحمه الله .

وقد جمع ابن كثير ، رحمه الله ، المتوفى سنة 774 هـــ ، بين تهذيب المزي وميزان الذهبي في "التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" مع زيادات وتحرير في العبارات وهو أنفع شئ للمحدث والفقيه .

ثم جاء عصر خاتمة الحفاظ ، الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، صاحب الفتح ، فصنف التهذيب وهو تهذيب لــــ (تهذيب الكمال) والتقريب وهو تهذيب موجز للتهذيب ، اكتفى فيه بذكر القول الراجح في الراوي ، و لسان الميزان ، الذي ضمنه ما في "ميزان الذهبي" مما ليس في تهذيب الكمال وزاد فيه جملة كثيرة .

والناظر في هذه الكتب ، يظهر له مدى دقة وتحري وإنصاف أئمة الجرح والتعديل في الحكم على الرجال :
فقد عنوا بتتبع تواريخ ميلاد ووفاة الرواة ، ودخولهم البلدان للسماع من الشيوخ ، وكان هذا من الوسائل الفعالة لكشف الوضاعين ، كما قرر ذلك جمع من العلماء منهم : سفيان الثوري ، رحمه الله ، حيث يقول : (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ) ، وحفص بن غياث ، رحمه الله ، حيث يقول : (إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين) ، يعني سنه وسن من كتب عنه ، وحسان بن يزيد ، رحمه الله ، حيث يقول : (لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ نقول للشيخ سنة كم ولدت ، فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه) ، ومن الأمثلة التي توضح ذلك :


· تحديث عمر بن موسى عن خالد بن معدان ، فقيل له : متى لقيته ؟ قال : سنة 108 ، قيل له : أين لقيته ؟ ، قال في غزاة أرمينية ، فقيل له : اتق الله يا شيخ ، ولا تكذب ، مات خالد بن معدان سنة 104 ، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين ، ثم إنه لم يغز أرمينية قط ، كان يغزو الروم .

· ومن ذلك تكذيب ابن حبان ، لمأمون بن أحمد الهروي ، في ادعائه السماع من هشام بن عمار ، رحمه الله ، سنة 250 هـــ ، لأن هشام توفي سنة 245 هــــ (وهذا المثال يحتاج لتحرير ، لأني كتبته من ذاكرتي ، وكنت قد قرأته في "الباعث الحثيث").

· ما ذكره الذهبي ، رحمه الله ، في ترجمة راو ادعى السماع من عائشة ، رضي الله عنها ، في واسط ، رغم أن مدينة واسط لم تكن موجودة زمن عائشة ، لأنها توفيت سنة 58 هــــ ، وواسط أنشئت زمن الحجاج الذي حكم العراق من 75 إلى 95 هــــ . وعلق الذهبي رحمه الله على هذا بقوله : هكذا فليكن الكذب !!!!! .

· ولما سأل الحاكم ، رحمه الله ، محمد بن حاتم الكشي ، عن سماعه من عبد بن حميد فقال : سنة 260 هـــ ، فقال : هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة .

واهتموا بتحرير سماع الرواة من شيوخهم ، فهناك أسانيد يظهر للوهلة الأولى ، أنها متصلة ، لتعاصر رواتها ، ولكن عند التحقيق يتضح أن راو من رواتها لم يسمع من شيخه الذي يروي عنه ، رغم تعاصرهما ، وهذا ما يعرف بالإرسال الخفي ، وهو من أدق ما يعل به الحديث ، ولا شك أن تحرير سماع الرواة من شيوخهم ، وإثبات لقائهم أو نفيه ، لا يقدر عليه إلا من أحاط بأحوال الرواة وجمعها ، وهذا عمل النقاد المجتهدين ، فنجد ابن أبي حاتم ، على سبيل المثال ، وهو ممن أوتي آلة الاجتهاد المطلق ، يقول عن أبي قلابة : كان يرسل عمن عاصره ، ولا يعرف له تدليس ، فأثبت عدم سماعه من عصريه لعدم اللقاء ، ونجدهم ينفون سماع الحسن البصري ، رحمه الله ، من أبي هريرة ، رضي الله عنه ، رغم تعاصرهما ، بل ودخول أبي هريرة البصرة ، لأن الحسن في هذا الوقت بالذات لم يكن موجودا في البصرة ، فأي دقة بعد هذا ؟!! .


وعنوا أيضا بإثبات الرؤية ، فيقولون فلان رأى فلان ولكنه لم يسمع منه ، كرواية الأعمش عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، فإنه لم يحمل عن أنس شيئا ، وإنما رآه يخضب ، ورآه يصلي ، ورواية عطاء عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، فقد رآه ، ولكنه لم يسمع منه شيئا ، كما ذكر ذلك الحافظ العلائي رحمه الله .

ثم انتقلوا إلى مرحلة إثبات السماع إجمالا ، فيقولون فلان سمع من فلان ، دون تحديد لأحاديث معينة ، ثم ينتقلون إلى مرحلة أدق ، فيقولون فلان لم يسمع من فلان هذا الحديث بعينه ، ولا شك أن هذا عمل في غاية الإتقان ، بحيث يسد ثغرة الانقطاع في الأسانيد .


وبقيت ثغرة الكلام في عدالة الرواة ، وبداية لا بد من التنبيه على ضرورة مراجعة شرط المصنف في الضعفاء ، فقد يذكر في كتابه الثقة ومن تكلم فيه بما لا يضره ، لأنه اشترط أن يذكر كل من تكلم فيه ، وإن كان هذا الكلام لا يضره ، وعلى هذا يحمل صنيع الذهبي والعقيلي وابن عدي ، رحمهم الله ، كما تقدم .

ومن أهم معالم منهج أئمة الجرح والتعديل ، وضعهم الضوابط للرواية عن المبتدع ، وهي مسألة جليلة ، تدل على إنصاف أهل السنة في تعاملهم مع خصومهم ، فلا إفراط بقبول رواية كل مبتدع ، وإن كانت بدعته مكفرة ، لأن هذا يؤدي لإدخال ما ليس في السنة فيها ، ولا تفريط برد رواية كل من رمي ببدعة ، لأن هذا يؤدي لإهدار جزء من السنة ، فالاحتياط لا يكون ممدوحا إن أدى لرد أحاديث صحيحة بحجة أن رواتها ممن رموا ببدعة .

وخلاصة القول في هذه المسألة :
أن رواية المبتدع تقبل إن كان صادقا في نفسه ، وكانت بدعته غير مكفرة بالإجماع ، وأما تكفير بعض الفرق لبعضها ، فلا يعتد به ، كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، لأن هذه الفرق وقع منها الغلو في تكفير وتبديع المخالف ، وعليه يحمل صنيع البخاري في صحيحه ، حيث روى عن رجال اشتهروا بالصدق وهم أئمة في بدعهم كعمران بن حطان الخارجي ، مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، والخوارج ، وإن حكم عليهم بعض العلماء بالكفر ، إلا أن القول الراجح فيهم أنهم من الفرق الضالة التي لا يحكم عليها بالكفر .

وأما من اشتهر بالكذب لترويج بدعته ، تابعا كان أو متبوعا ، كالرافضة ، قبحهم الله ، فلا تقبل روايته ، ويلتحق بهم غلاة الرافضة الذين يكفرون الشيخين وجل الصحابة رضوان الله عليهم ، كما قرر ذلك الذهبي رحمه الله .


وهكذا فإننا نرى أئمة هذا الفن ، قد تركوا تركة كبيرة ، عكف عليها المتأخرون تصنيفا وتهذيبا وترجيحا ، فعمل المتأخرين عمل نقدي بالدرجة الأولى لتحرير أقوال المتقدمين والترجيح بينها إن تعارضت .

ولا شك أن هذا الاستطراد لا يتعلق بمرحلة التابعين منه إلا بدايته ، ولكنها كانت فرصة طيبة لذكر هذه النبذة الموجزة عن هذا العلم الجليل ، حتى لا تتشتت مادته العلمية بين ثنايا هذا الملخص الموجز ، لأن التركيز عليه من أهم أهداف هذا الملخص ، ففيه رد قوي على المشككين في جهود الأئمة في حفظ السنة .

وأخيرا لابد من ذكر المأثرة العظمى لهذه المرحلة ، وهي أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، بالتدوين الرسمي الأول للسنة ، وقد سبق بمحاولتين لم تتما أحدهما على يد عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، والأخرى على يد أبيه عبد العزيز بن مروان ، رحمه الله ، المتوفى سنة 85 هـــــ ، وقد مر هذا التدوين بــــ 3 مراحل :

أولا : استنفار علماء الأمة في الآفاق لنشر السنة وتدوينها :
حيث أرسل إلى جميع ولاته على الأمصار : (انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه) .
وكتب إلى أهل المدينة : (انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله) .
وكتب إلى عامله أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، رحمه الله ، ليكتب له بما ثبت عنده من الأحاديث الصحيحة ، وبحديث خالته عمرة بنت عبد الرحمن حافظة حديث عائشة رضي الله عنها .

ولم يكن استنفاره للجمع فقط ، بل للتحديث وإحياء السنن ، فكتب إلى الآفاق : (أما بعد ، فأمروا أهل العلم أن ينتشروا في مساجدهم فإن السنة كانت قد أميتت) .

ثانيا : فحص المادة المدونة :
فقد كان العمل جمعا ونقدا ، حيث أن عمر ، رحمه الله ، كلف بهذه المهمة كبار حفاظ التابعين ، ومع ذلك فإنه كان يجتمع بهم ويراجع معهم المادة المدونة ويناقشهم فيها للتأكد من سلامتها ، فعن عبد الله بن ذكوان قال : (رأيت عمر بن عبد العزيز جمع الفقهاء ، فجمعوا له أشياء من السنن ، فإذا جاء الشيء الذي ليس عليه العمل ، قال : هذه زيادة ليس العمل عليها) .

ثالثا : نشر المادة المدونة في آفاق بلاد الإسلام :
وفي هذا يقول الزهري : (أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا ، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا) . بتصرف من حجية السنة ص 163 _ 164 .

يتبع إن شاء الله بمرحلة تابعي التابعين رحمهم الله .

أبو المهاجر المصري
08-29-05, 04:20 AM
بسم الله

السلام عليكم

رابعا : مرحلة تابعي التابعين :
وهذه المرحلة تتميز إلى مرحلتين ، مرحلة مبكرة ، ومرحلة متأخرة :

فأما المرحلة المبكرة ، فهي مرحلة كبار أتباع التابعين ، أمثال ابن جريج ومعمر بن راشد وسفيان الثوري ومالك بن أنس ، رحمهم الله ، وفيها ظهرت المصنفات دفعة واحدة ، كما يقول الدكتور الحسين شواط في حجية السنة ص 165 ، فلم يعرف على وجه التحديد أول من صنف ، لذا لجأ المحققون إلى ربط هذا الظهور بالبلدان ، فقالوا : أول من صنف بمكة : ابن جريج ، المتوفى سنة 150 هـــ ، وأول من صنف بالمدينة : مالك بن أنس ، المتوفى سنة 179 هـــ ، وهكذا ، ثم ذكر أسماء 18 مصنفا ، ظهرت في هذه المرحلة .

ومن أبرز المصنفات في هذه المرحلة : "موطأ مالك" ، وهو أشهر موطأ ، وإن لم يكن الوحيد ، فقد قيل بأن موطأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، رحمه الله ، هو أقدم موطأ ، كما أن موطأ ابن الماجشون ، رحمه الله ، المتوفى سنة 168 هـــ ، ظهر في نفس الفترة تقريبا .

ولموطأ مالك ، رحمه الله ، مكانة رفيعة بين كتب الحديث ، وهو يتميز بالجمع بين الحديث والفقه ، فقد دون فيه مالك : الأحاديث المرفوعة ، وهي في أعلى درجات الصحة ، كما قرر ذلك السيوطي ، رحمه الله ، والموقوفات على الصحابة والتابعين ، وأتباعهم ، بل ودون فيه آراءه الفقهية .

وموطأ مالك من أعلى كتب السنة إسنادا ، ففيه أسانيد في أعلى درجات الصحة ، ولعل أبرزها : مالك عن نافع عن ابن عمر ، وهو أصح الأسانيد ، كما رجح ذلك البخاري ، رحمه الله ، وذكره العراقي في الألفية بقوله :

وقد خاض به قوم فقيل مالك ******* عن نافع بما رواه الناسك
مولاه واختر حيث عنه يسند ******* الشافعي ، قلت : وعنه أحمد .

وإن كانت مسألة أصح الأسانيد تحتاج إلى نوع تحرير وتقييد ، بروا أو بلد ..... الخ .

ناهيك أن مالك ، رحمه الله ، كان شديد التحري في الرواية ، فهو أعلم الناس برواة المدينة ، ولذا قبل تعديله للرواة المدنيين الذين خرج لهم في الموطأ ، بل إن كل راو خرج له مالك في الموطأ ، فهو ثقة عنده ، بغض النظر عن حقيقة الأمر .

ومالك ، رحمه الله ، كما تقدم ، ممن يحتج بالمرسل ، ورغم أنه من طبقة تابعي التابعين ، إلا أن كثيرا من العلماء ، قدم مراسيله على مراسيل بعض التابعين ، ممن يعلونه في الطبقة ، وذلك ، راجع ، لشدة تحريه في الرواية ، كما تقدم .

وقد كان مالك ، دائم النظر والتعديل في كتابه ، فكان دائم الحذف من الموطأ ، حتى قيل بأنه لو امتد به العمر ، لما أبقى منه شيئا ، ولكن الواقع يشهد بخلاف ذلك ، لأن رواية أبي مصعب الزهري ، وهي من أواخر الروايات للموطأ ، إن لم تكن آخرها ، كما قرر ذلك أبو يعلى الخليلي ، رحمه الله ، من أوسع روايات الموطأ ، فهي تزيد على رواية يحيى بن يحيى الليثي ، رحمه الله ، وهي أشهر روايات الموطأ ، بأكثر من 80 حديثا ، كما قرر ذلك ابن حزم رحمه الله .

ومن حيث شهرة الروايات :
فإن رواية يحيى بن يحيى الليثي ، هي أشهر روايات الموطأ ، كما تقدم ، وعليها جل الشروح ، ويدانيها في الشهرة : رواية محمد بن الحسن الشيباني ، وفيها زيادات عن مالك ، عن بقية أصحابه ، ممن رووا عنه الموطأ ، وزيادات عن غير مالك ، بل ولمحمد ، رحمه الله ، آراء خاصة به ، بثها في الموطأ ، فقد كان من المجتهدين ، الذين عنوا بالمقارنة بين فقه مدرسة العراقيين التي يمثلها ، وفقه مدرسة الحجازيين ، ويمثلها الموطأ .

وفي هذه المرحلة ، ظهرت أيضا : كتب المغازي ، وهو الكتب التي صنفت في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه زمن الحرب ، فهي الكتب التي تحدد ، بمفهوم عصرنا ، العلاقات الدولية في وقت الحرب ، فليس المقصود بالسيرة هنا المعنى المتبادر للذهن ، ولعل أبرزها على الإطلاق :
· سيرة ابن إسحاق ، رحمه الله ، وقد عثر على بعضها ، على أن ما فقد منها ، أغنانا عنه تهذيب ابن هشام ، رحمه الله ، لسيرة ابن إسحاق .
· كتاب أبي إسحاق الفزاري ، رحمه الله ، وقد أثنى عليه الشافعي رحمه الله .
· مغازي موسى بن عقبة ، وهو من أصح كتب المغازي ، كما أشار إلى ذلك مالك ، رحمه الله .

· ومنها كتاب "السير" للأوزاعي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 157 هـــ ، وتبرز أهمية هذا الكتاب ، في أن مصنفه كان من المرابطين على الثغور ، فعاش حياة الرباط والجهاد ، ولا شك أن من باشر أمرا ما ، وصنف فيه ، فإن تصنيفه يكون أدق ممن لم يباشره .

· وقد رد عليه ، أبو يوسف ، رحمه الله ، تلميذ أبي حنيفة ، في مصنف مستقل هو "الرد على سير الأوزاعي" .

· ثم جاء الإمام "محمد بن الحسن الشيباني" ، جامع مسائل مذهب أبي حنيفة ، فصنف "السير الصغير" ، و "السير الكبير" ، وهما من أبرز المصنفات التي عنيت بتحديد العلاقات الدولية في السلم والحرب ، ويصح اعتبار محمد بن الحسن الشيباني الأب الحقيقي لتحديد العلاقة بين الدول وبعضها فيما وضعه من قواعد في كتابه : (السير الكبير) الذي من أجله يقام له يوم في جامعة السوربون في فرنسا يسمى يوم الاحتفال بمولد الإمام محمد بن الحسن ، ويطلق اسمه على أكبر قاعة في الجامعة هناك تسمى : قاعة الإمام محمد بن الحسن . كما ذكر ذلك الشيخ أحمد منصور آل سبالك ، حفظه الله ، في مقدمة تحقيقه لــــ "

ولعل كثرة المصنفات في هذا العصر ، كان على حساب قوة الحافظة ، فزاد الاعتماد على الكتابة وضعف الحفظ ، كما قرر ذلك الذهبي رحمه الله .

وفي هذه المرحلة ، ظهر ت باكورة مباحث علم المصطلح ، على شكل مناظرات مبثوثة في كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي ، رحمه الله ، فهو وإن كان مصنفا أصوليا ، إلا أنه تطرق فيه لمسائل حديثية مهمة ، لعل من أبرزها :
مسألة الاحتجاج بأخبار الآحاد ، لأنه ظهر في عصر الشافعي ، رحمه الله ، طائفتان ، تقيد الاحتجاج المطلق بخبر الآحاد ، وهما : أهل الرأي ، فلم يحتجوا به فيما تعم به البلوى ، وقدموا عليه القياس ، والمعتزلة ، وقالوا بأن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في العقائد ، وإنما يحتج بها في الأحكام فقط ، وهي البدعة التي سوغت لهم رد أحاديث الصفات ، وتابعهم عليها الأشاعرة حتى عصرنا الحالي ، فانبرى الشافعي مدافعا عن الاحتجاج بخبر الآحاد ، ولم يقدم عليه عمل بلد معين ، كما فعل المالكية رحمهم الله ، أو قياسا ، كما فعل الأحناف رحمهم الله ، ولهذا سماه أهل بغداد : ناصر السنة ، وعن هذا يقول الزعفراني رحمه الله : كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا .

وإذا كنا قد تطرقنا لعلم المصطلح ، فمن المناسب ذكر نبذة سريعة عن تاريخ هذا العلم الجليل ، وهو من أهم علوم الآلة التي تخدم السنة النبوية الشريفة ، وسوف تغطي هذه النبذة ، إن شاء الله ، مراحل تطور هذا العلم في العصور التالية بما يغني عن ذكرها مرة أخرى :

فقد بدأت المصطلحات الحديثية في الظهور في عصر التابعين ، رحمهم الله ، فظهرت مصطلحات "المرسل" ، و "الأبتر" ، وظهرت ألفاظ التحمل والأداء ، كما سبق ذكر ذلك ، ولكن لم تدون هذه المسائل في مصنفات مستقلة ، وإنما كانت تجري على ألسنة العلماء ، كما تقدم ذكر ذلك ، ثم جاءت مرحلة تابعي التابعين ، فدونت بعض هذه المسائل ضمن مصنفات علوم أخرى ، كرسالة الشافعي ، رحمه الله ، فلم تستوعب كل مسائل المصطلح ، وإنما تطرقت لمسائل بعينها لوثيق صلتها بعلم الأصول .

ومن ثم ، بدأت المصنفات المستقلة في علم المصطلح في الظهور ، فكانت باكورتها رسالة "أصول الحديث" ، لأبي بكر الحميدي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 219 هـــ ، شيخ البخاري ، وقد ذكر ، الخطيب البغدادي ، رحمه الله ، هذا الكتاب في "الكفاية" ، ونقل منه فقرات فيه .

وقد تكلم الحميدي ، رحمه الله ، في مسائل اصطلاحية دقيقة منها :
· قول التابعي عن رجل من الصحابة ، دون تسميته ، وفي هذا يقول : (إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل) ، وهذا رأي الجمهور ، خلاف البيهقي ، رحمه الله ، على خلاف مبسوط في كتب المصطلح لا يتسع المجال لذكره .

· ومنها أيضا كلام نفيس له عن تدليس الراوي عن شيخ اشتهر بالرواية عنه ، نقله الخطيب ، رحمه الله ، في "الكفاية" ص412 : (إن كان رجل معروفا بصحبة رجل ، والسماع منه ، مثل ابن جريج ، عن عطاء ، أو هشام بن عروة ، عن أبيه ، وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير ، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ، ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه ، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدث رجلا غير مسمى ، أو أسقطه ، ما أدرك عليه في هذا فيكون مثل المقطوع به) ، والمقطوع هنا هو "المنقطع" الاصطلاحي ، لأن الاصطلاح لم يكن قد استقر بعد في زمن الحميدي . اهــــ . بتصرف من "نزهة النظر" ، نسخة الشيخ عمرو عبد المنعم حفظه الله ، ص88 .

وجاء بعد ذلك ، مسلم وأبو داود والترمذي ، فكتبوا في مسائل هذا العلم ، فالأول أفرد مقدمة صحيحه لمسائل جليلة في المصطلح ، وإن لم يستوعب ، والثاني ، كتب رسالته الشهيرة لأهل مكة ، يشرح لهم فيها منهجه في كتاب السنن ، وقد تطرق فيها لمسائل اصطلاحية ، كوصفه أحاديث كتابه بأنها مشاهير ، وقوله بأن ما سكت عنه فهو صالح (إما للاحتجاج أو الاعتبار) ..... الخ ، والثالث أفردها بكتاب "العلل الصغير" ، في آخر جامعه .

وجاء من بعدهم الخطابي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 388 هـــ ، فتكلم في مسائل ، لعل من أشهرها كلامه في تعريف الحديث الصحيح والحسن ، ولكنه لم يفردها بمصنف مستقل .

وظهر في نفس الفترة ، أول مصنف جامع لمسائل علم المصطلح ، وهو كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ، للقاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 360 هـــ ، ولكنه رغم ذلك ، لم يستوف كل مسائل المصطلح ، وهذا شأن من يفتتح التصنيف في أي فن أو علم غالبا . بتصرف من "تيسير مصطلح الحديث" للدكتور محمود الطحان ص11 ، ومن طرائف ما يروى عن الرامهرمزي ، رحمه الله ، وقد عاش في عصر بدأ فيه اهتمام الناس بعلوم الرواية يقل ، أنه قال يصف حال عصره :

قل لابن خلاد إذا جئته ******* مستندا في المسجد الجامع
هذا زمان لا يحظى به ******* حدثنا الأعمش عن نافع .


وتلا الرامهرمزي ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 405 هـــ ، صاحب المستدرك ، فصنف "معرفة علوم الحديث" ، وكان هذا الكتاب بمثابة الذيل على كتاب "المحدث الفاصل" ، لأته اهتم بتحرير مسائل أغفلها الرامهرمزي ، كالمصطلحات الحديثية (من صحة وحسن وضعف ..... الخ) ، ورغم ذلك لم يهذب الحاكم أبحاث كتابه ، ولم يرتبها الترتيب الفني المناسب .

وجاء أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 430 هــــ ، فعمل مستخرجا على "معرفة علوم الحديث" ، استدرك فيه على الحاكم ما فاته من قواعد هذا الفن ، لكنه ترك أشياء يمكن للمتعقب أن يستدركها عليه أيضا ، فإلى الآن الجهود تكميلية ، بحيث يأتي كل مصنف بزيادات على سابقه ، وهذه طبيعة التصنيف في مراحله الأولى .

ثم جاء أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 463 هـــ ، حافظ المشرق ، صاحب "تاريخ بغداد" ، و "الكفاية" ، فكان فارس الحلبة بلا منازع ، حيث صنف "الكفاية في علم الرواية" ، وهو كتاب حافل بتحرير مسائل هذا الفن ، وبيان قواعد الرواية ، ويعتبر من أجل مصادر هذا العلم ، و "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" ، وهو كتاب يبحث في آداب الرواية كما هو واضح من تسميته ، وهو فريد في بابه .

وصنف الخطيب أيضا ، في شتى فنون هذا العلم ، تصانيف مستقلة ، من أهمها : "التفصيل لمبهم المراسيل" و "المزيد في متصل الأسانيد" وصنف في "رواية الآباء عن الأبناء" ، وأفرد جزءا لطيفا في "رواية الصحابة عن التابعين" ، و "إجازة المجهول والمعدوم وتعليقهما بشرط" ، و "تلخيص المتشابه" ، وهو كتاب في أسماء الرجال المتشابهة ، وله ذيل في "المؤتلف والمختلف" ، فهي كما يرى الناظر مسائل اصطلاحية دقيقة ، ومع ذلك أفردها الخطيب بالتصنيف ، فكان المحدثون بعده عيالا على كتبه ، كما ذكر ذلك الحافظ أبو بكر بن نقطة رحمه الله .

ثم جاء القاضي عياض ، رحمه الله ، حافظ المغرب ، المتوفى سنة 544 هـــ ، فألف "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" ، وهو كتاب غير شامل لجميع أبحاث المصطلح ، بل هو مقصور على ما يتعلق بكيفية التحمل والأداء وما يتفرع عنها ، لكنه جيد في بابه ، حسن التنسيق والترتيب .

وألف أبو حفص الميانجي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 580 هـــ ، جزءا صغيرا أسماه "ما لا يسع المحدث جهله" .

وجاءت مرحلة جديدة في هذا الفن ، يصح أن نطلق عليها "مرحلة ابن الصلاح" ، وفيها ظهر مجدد هذا الفن ، وجامع أشتات مسائله ، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري ، المشهور بابن الصلاح ، المتوفى سنة 643 هـــ ، حيث أملى كتابه "علوم الحديث" ، وهو ما اشتهر بعد ذلك بين طلبة هذا العلم بـــ "مقدمة ابن الصلاح" ، وذكر فيه 65 نوعا من أنواع علوم الحديث ، لكنه لم يرتبه على الوضع المناسب ، لأنه كان يمليه إملاء ، فجاءت بعض الأنواع بعيدة عن نظيراتها ، وقد عكف عليه من تلاه اختصارا ونظما ومعارضة وانتصارا .

ومن أشهر مختصراته : "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير" لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 676 هــــ ، و"اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، المتوفى سنة 774 هـــ ، واختصره الحافظ الذهبي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 748 هـــ ، في "الموقظة" ، واختصره ابن النفيس الشافعي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 689 هـــ ، الطبيب الشهير في "أصول علم الحديث" ، ولابن التركماني والحافظ العلائي والحافظ ابن دقيق العيد والطيبي وابن الملقن مختصرات عليه .

ثم ظهرت منظومات هذا الفن ، وكان عمدتها كتاب ابن الصلاح ، وكان من أوائلها ظهورا ، منظومة شمس الدين الخُوَيي ، المتوفى سنة 693 هـــ ، المسماة "أقصى الأمل والسول في علوم حديث الرسول" ، ولعل أشهرها على الإطلاق :
· منظومة الحافظ العراقي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 806 هـــ ، والمسماة : التبصرة والتذكرة ، وهي المشهورة بين طلبة علم الحديث بـــ "ألفية العراقي" ، والحافظ العراقي من مجددي هذا الفن ، حتى يصح أن نفرده بمرحلة مستقلة من مراحل تطور هذا العلم .
· ومنظومة الحافظ السيوطي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 911 هــ ، وهي المعروفة بـــ "ألفية السيوطي" .

وجاءت بعد ذلك مرحلة الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، المتوفى سنة 852 هــــ ، وهي مرحلة مهمة في تاريخ هذا الفن ، ويصح أن نصف ابن حجر في زمانه بأنه "الخطيب" في زمانه ، فكل منهما خاض في شتى فروع هذا العلم ، وترك العديد من المصنفات ما بين مطول ومختصر ، ومن أشهر مصنفات ابن حجر : "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" ، وهو من أشهر مختصرات هذا الفن ، وشرحه "نزهة النظر" ، وهو من أسهل وأنفع شروح هذا العلم ، وإن لم يكن مطولا .

وبعد الحافظ ، جاء تلميذه السخاوي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 902 هـــ ، فصنف "فتح المغيث في شرح ألفية الحديث" ، وهو من أوفى الشروح وأجودها على ألفية العراقي ، وعاصره الحافظ السيوطي الذي شرح كتاب "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير" للنووي ، رحمه الله ، في مصنف جامع أسماه "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" .

وبعد هذه المرحلة شهد علم المصطلح ، شأنه شأن كافة العلوم ، انحدارا بعد استقرار مسائله وتدوينه ، فلم تظهر منظومات ومصنفات على نفس المستوى السابق ، ولعل من أشهر منظومات المتأخرين ، في هذا العلم "المنظومة البيقونية" ، للشيخ عمر بن محمد البيقوني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1080 هـــ ، وهي منظومة صغيرة لا تتجاوز أربعة وثلاثين بيتا ، ورغم ذلك فهي من المختصرات النافعة ، التي كتب الله لها القبول والشهرة ، فتعددت الشروح عليها .
ومن أشهر الشروح المتأخرة ، كتاب "قواعد التحديث" ، للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1332 هـــ ، وهو شرح محرر مفيد .



وعودة لموضوعنا مرة أخرى :
فلقد ظهرت في هذه المرحلة ، وللمرة الأولى ، مجالس الإملاء ، حيث كثر عدد طلاب الحديث حتى لم تعد حلقة المسجد كافية لإسماعهم ، فكان الشيخ يملي الحديث ، و"المستملي" يعيد رواية الحديث بصوت عال حتى يسمعه الطلبة ، وقد أفرد بعض العلماء كأبي المظفر السمعاني ، رحمه الله ، هذه المسألة بالتصنيف ، فألف "أدب الإملاء والإستملاء" ، وتكلم الخطيب ، رحمه الله ، عن هذه المسألة بالتفصيل في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" .

يتبع إن شاء الله ، بالمرحلة المتأخرة لجيل تابعي التابعين .

أبو المهاجر المصري
08-31-05, 04:44 AM
بسم الله

السلام عليكم

استدراك :
اسم الكتاب الذي ذكر فيه الشيخ أحمد منصور آل سبالك ، حفظه الله ، معلومة تسمية أكبر قاعات "السوربون" باسم الإمام "محمد بن الحسن الشيباني" هو : "الإشارات النافعات على شرح منتهى الإيرادات" وهو تحقيق لشرح الشيخ البهوتي الحنبلي رحمه الله : " منتهى الإيرادات" .

وأما المرحلة المتأخرة ، فهي تعتبر بداية للعصر الذهبي ، للسنة النبوية ، الذي سيأتي بعد هذه المرحلة ، وتمثلها طبقة أحمد وابن معين وابن المديني وابن أبي شيبة وابن راهويه والطيالسي ، رحمهم الله ، وغيرهم .

وفي هذه المرحلة ، عمد هؤلاء الأئمة إلى جمع الروايات الشفوية المتداولة في مصنفات جامعة ، لأن الروايات كثرت ، ومخارج الأحاديث قد تعددت ، فلزم جمعها ، وابتكروا طريقة "المسانيد" ، وهي تعنى بجمع أحاديث كل صحابي على حدة ، دون التزام ترتيب الأبواب ، الذي عرف فيما بعد ، في الجوامع وكتب السنن .

وكان عمل الأئمة في هذه الفترة ، هو الجمع بالدرجة الأولى ، دون إفراد الصحيح بالتصنيف ، فإلى الآن لم تظهر مصنفات اشترط مصنفوها الصحة ، وقد ركز علماء هذه المرحلة على جمع الأحاديث المشهورة ، مع الابتعاد عن الغرائب لأنها مظنة الخطأ والكذب ، ويظهر هذا جليا في مصنف كـــــ "مسند أحمد" ، حيث يعتبر مصنفا جامعا لأصول السنة وإن لم يستوعبها بالكامل ، ولا شك أن هذا أمر منطقي ، فإن الجامع أول ما يجمع فإنه يجمع المشاهير ، ولا يعقل أن يبدأ بجمع الغرائب ، وإنما تأتي مرحلة جمع الغرائب بعد استكمال جمع الأحاديث المشهورة .
والمسانيد ، لاشك أنها أقل درجة من الصحاح والسنن ، لأن مصنفيها لم يشترطوا الصحة ، ولأنهم لم يصنفوا على الأبواب ، فمن يصنف على الأبواب لا شك أنه يتحرى أكثر ، لأنه يسوق أحاديث دالة على الأحكام ، خلاف من همه الجمع المطلق . ولذا فإن جمعا من النقاد ، كعبد الرحمن بن مهدي ، رحمه الله ، خشي أن يحمل الاستكثار المحدثين على الكتابة عن غير الثقات .

وفي هذا يقول العراقي في الألفية :
ودونها في رتبة ما جعلا ******* على المسانيد فيدعى الجفلا
كمسند الطيالسي وأحمدا ******* وعده للدارمي انتقدا .

ورغم ذلك فإن هذه القاعدة غير مطردة ، لأن بعض المسانيد أعلى درجة من بعض كتب السنن ، فعلى سبيل المثال : قرر شيخ الإسلام ، رحمه الله ، أن شرط أحمد في مسنده أعلى من شرط أبي داود في سننه ، ومن شرط ابن ماجه ، من باب أولى ، لأن سنن ابن ماجه هي أدنى كتب السنن مرتبة ، كما هو معلوم ، حتى أخرجها بعض العلماء من الكتب الستة وأدخلوا مكانها موطأ مالك ، كما فعل ابن الأثير ، رحمه الله ، في "جامع الأصول" ، أو "سنن الدارمي" ، على قول من يقول بأنها مرتبة على الأبواب لا المسانيد ، كما فعل ابن حجر رحمه الله .

ولعل أشهر هذه المسانيد : مسند الإمام أحمد ، رحمه الله ، وهو أجل مسانيد السنة ، وقد شهد له المحدثون قديما وحديثا بأنه أجمع كتب السنة للحديث ، حيث اشتمل على أربعين ألف حديث بالمكرر ومن غير المكرر على ثلاثين ألفا ، ومع ذلك فلم يستوعب السنة بأكملها ومن زعم ذلك فقد أخطأ .

قال الحافظ ابن كثير : (لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته وقد فاته أحاديث كثيرة جدا بل قيل أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين) . وقد انتقد الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، هذا القول ، وقال بأن عامة ما تركه أحمد من أحاديث إنما هو لوجود أحاديث أخرى لها نفس المعنى ، فاستغنى بالثاني عن الأول .

وإسناد أحمد ، رحمه الله ، من الأسانيد العالية ، ففي مسنده نحو 300 حديث ليس بين أحمد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها غير ثلاثة رواة ، وقد أفردها السفاريني ، رحمه الله ، بالشرح ، في "شرح ثلاثيات المسند" .

ومن المسائل المهمة في هذا الموضع : مسألة زيادات المسند ، حيث أن المسند الذي بأيدينا اليوم ليس كله من رواية الإمام أحمد ، رحمه الله ، ففيه زيادات لابنه عبد الله رواها عن غير أبيه ، وفيه زيادات لأبي بكر القطيعي ، رحمه الله ، راوية المسند عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، رحمه الله .

وممن فصل الكلام في هذه المسألة : الشيخ أحمد البنا الساعاتي ، رحمه الله ، حيث قال في مقدمة الفتح الرباني :
"بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام :
· أولا : قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعا منه وهو المسمى بــــ "مسند الإمام أحمد" وهو كبير جدا يزيد على ثلاثة أرباع الكتاب .
· ثانيا : قسم سمعه عبد الله من أبيه ومن غيره وهو قليل جدا .
· ثالثا : قسم رواه عن غير أبيه وهو المسمى عند المحدثين بـــ "زوائد عبد الله" وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول .
· رابعا : قسم قرأه عبد الله على أبيه ولم يسمعه منه وهو قليل .
· خامسا : قسم لم يقرأه ولم يسمعه ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده .
· سادسا : قسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه رحمهما الله تعالى وهو أقل الجميع .
فهذه ستة أقسام وكل هذه الأقسام من المسند إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله والسادس فإنه من زوائد القطيعي .


وأيضا : حدث الخلاف في درجة أحاديث المسند على 3 أقوال :

· أولا : أن ما فيه من الأحاديث حجة ، واستدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها :
o ما رواه أبو موسى المديني ، رحمه الله ، عن الإمام أحمد ، أنه سئل عن حديث فقال : انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة .
o وما قاله أبو موسى المديني أيضا في كتابه خصائص المسند : "وهذا الكتاب أصل كبير ، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله صاحبه إماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا ........ ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد ، رحمه الله ، مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتنا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده ما رواه القطيعي قال : حدثنا عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي التياح قال : سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : لو أن الناس اعتزلوهم) ، قال عبد الله قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه : اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني قوله : (اسمعوا وأطيعوا) ، فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا وفيه نظائر . (فهذا مثال على احتياطه في المتون) .

o وأما احتياطه في السند ، فمثاله ، ما ذكره الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا ، رحمه الله :
روى القطيعي ، قال : حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ناصح أبي عبد الله عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لأن يؤدب الرجل ولده أو أحدكم ولده خير من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع) ، قال عبد الله : وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح لأنه ضعيف في الحديث وأملاه علي في النوادر .

· ثانيا : أن فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، فقد ذكر ابن الجوزي ، رحمه الله ، في الموضوعات 29 حديثا منه وحكم عليها بالوضع ، وهو معروف بتساهله في الحكم على الأحاديث بالوضع ، وزاد الحافظ العراقي عليه 9 أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء . وعلق على قول أبي موسى المديني السابق بقوله : على أن ثم أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست فيه منها حديث عائشة في قصة أم زرع ......... وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع . اهــــ .

· ثالثا : أن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن ، وممن ذهب إلى ذلك من الحفاظ أبو عبد الله الذهبي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن تيمية ، والسيوطي .

o حيث قال الحافظ الذهبي رحمه الله : (ولو أنه _ يعني عبد الله بن أحمد _ حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد ولعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه ويبوب عليه ويتكلم على رجاله ويرتب هيئته ووضعه فإنه محتو على أكثر الحديث النبوي وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه . قال : وأما الحسان فما استوعبت بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه وأما الغرائب وما فيه لين فروى من ذلك الأشهر وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة ومعجم الطبراني الأكبر والأوسط ومسندي أبي يعلى والبزار وأمثال ذلك . قال : ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرا ساقطا) .

o وقال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، في تعجيل المنفعة في رجال الأربعة : (ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف "أنه يدخل الجنة زحفا" والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا أو كتب من تحت الضرب) . اهـــ . وقد صنف الحافظ كتابا سماه (القول المسدد في الذب عن المسند) ، سرد فيه الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء ، وهي تسعة كما تقدم ، وأضاف إليها خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات ، وأجاب عنها حديثا حديثا ، وقد ذكر بعض الباحثين أن في رده نوع تكلف في بعض المواضع .

o وقال شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في منهاج السنة : (شرط أحمد في المسند ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده وإن كان في ذلك ما هو ضعيف . قال : ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه وكذلك زاد أبو بكر القطيعي وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة فظن من لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده) اهـــ .

o وقال الحافظ السيوطي ، رحمه الله ، في خطبة الجامع الكبير : (وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن) . وقد أكمل السيوطي ما بدأه الحافظ ، فجمع بقية الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في "الموضوعات" ، وهي موجودة في المسند في جزء سماه "الذيل الممهد" ، وعدتها أربعة عشر حديثا .

والجمع بين هذه الآراء ، يكون بإرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند :
· فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي وعبد الله بن أحمد .
· والقول بأن فيه الضعيف ، فالضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته والحسن لغيره وكلاهما مما يحتج به عند العلماء ، وفي هذا يقول العراقي في الألفية :

والفقهاء كلهم يستعمله ******* والعلماء الجل منهم يقبله .
وهو بأقسام الصحيح ملحق ******* حجية وإن كان لا يلحق .

خدمات العلماء لمسند أحمد :
ومن أبرزها :
· جمع غريبه في كتاب مستقل ، لأبي عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بـــ "غلام ثعلب" ، رحمه الله ، المتوفى سنة 345 هــــ .
· واختصره الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن الملقن الشافعي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 805 هــــ .
· وللحافظ السيوطي ، رحمه الله ، تعليقة في إعراب المسند سماها "عقود الزبرجد" .
· وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي ، رحمه الله ، نزيل المدينة المنورة ، المتوفى سنة 1139 هـــ ، شرحا كبيرا نحوا من خمسين كراسة كبار واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي .

· "جامع المسانيد والسنن" : وهو من أبرز الكتب الجامعة ، حيث أخذ الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، كتاب أبي بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت ، الذي رتب فيه المسند على معجم الصحابة ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف ، وزاد علية الكتب الستة ومعجم الطبراني الكبير ومسند البزار ومسند أبي يعلى الموصلي ، وقد أكمله إلا بعض مسند أبي هريرة . ومعلوم أن مسند أبي هريرة مستقل عن المعجم الكبير للطبراني ، وعليه فإكمال الكتاب أمر سهل ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير .

· ومن أبرز الخدمات أيضا : ترتيب المسند على الأبواب ، وهذا مما يسهل عملية البحث فيه ، خاصة بعد أن تقاصرت الهمم عن الحفظ ، ومن ذلك :

o ترتيب بعض الحفاظ الأصبهانيين ، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره .
o ولعل أبرز من رتب المسند في العصر الحديث : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي ، رحمه الله ، حيث انتهى منه سنة 1351 هــــ ، وجعله سبعة أقسام : قسم التوحيد وأصول الدين ، وقسم الفقه ، وقسم التفسير ، وقسم الترغيب ، وقسم الترهيب ، وقسم التاريخ ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة ، وكل قسم من هذه الأقسام يشتمل على جملة كتب ، وكل كتاب يشتمل على جملة أبواب ، وبعض الأبواب يشتمل على جملة فصول ، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب . وقد سمى هذا المصنف : (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) ، وقد شرح هذا الكتاب وخرج أحاديثه في مصنف آخر أسماه : (بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) . بتصرف من "الحديث والمحدثون" ، ص369_377 .
وقد أطلت الكلام ، بعض الشيء عن مسند أحمد ، رحمه الله ، باعتباره النموذج الأمثل لدواوين هذه المرحلة

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله مع العصر الذهبي للسنة النبوية

دمعة حُزن
08-31-05, 06:25 AM
http://www.almeshkat.com/vb/images/rdslam.gif

بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء

أبو المهاجر المصري
09-02-05, 04:32 AM
بسم الله

السلام عليكم

جزاك الله خيرا ، على هذا التشجيع ، ونفعك ونفع بك

العصر الذهبي للسنة النبوية :
وهي مرحلة سيطول الكلام فيها ، إن شاء الله ، بعض الشيء لأهميتها ، باعتبارها واسطة عقد هذه الفوائد :

فقد عرفنا أن أئمة المرحلة الماضية ، كان همهم الأول ، هو الجمع دون تمحيص المرويات التمحيص الكافي ، وإن كان هذا لا يعني أنهم كانوا لا يميزون بين الصحيح والضعيف ، بل كانوا حفاظا اكتملت عندهم آلة الاجتهاد ، ولكنهم لم يشترطوا الصحة في جمعهم ، لأن اشتراط الصحة في مرحلة الجمع ، وهو ما يعبر عنه بــــ "انتخاب الصحيح" ، قد يؤدي لضياع مرويات كثيرة فالتمحيص يستغرق زمنا قد يؤدي لفوات السماع من عدد كبير من الشيوخ ، وعليه يحمل :
· قول عبد الله بن المبارك رحمه الله : "ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت" ، لأنه عاش في مرحلة جمع المرويات ، حيث توفي سنة 181 هـــ .
· وقول القائل : "سيندم المنتخب" ، بمعنى أنه سيندم لأنه بانتخابه في مرحلة طلب الحديث سيفوته السماع من عدد كبير من الشيوخ .
· وقول أبي حاتم الرازي رحمه الله : "إذا كتبت فقمش ، وإذا حدثت ففتش" .
· والقمش : هو جمع الشيء من هنا ومن هنا . قال العراقي : كأنه أراد : اكتب الفائدة ممن سمعتها ، ولا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا ؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك ، فإذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش حينئذ .
· وصنيع مسلم ، رحمه الله ، حيث رحل في طلب الحديث ، ثم استقر في بلده لما أراد تصنيف الصحيح ، وكانت أصوله حاضرة معه ، فجمع وقمش ، ولما أراد أن يصنف في الصحيح ، دقق وفتش .

ولما أكمل أئمة الدور السابق ، مهمة الجمع ، بقي على أئمة هذا الدور مهمة تجريد الأحاديث المرفوعة من الفتاوى وأقوال الصحابة والتابعين ، والأحاديث الصحيحة ، أو أحاديث الأحكام التي يحتج بها في الحلال والحرام في مصنفات مستقلة .
ومن هنا يظهر أن دور علماء هذه المرحلة ركز بشكل أساسي على :
· أولا : تجريد الأحاديث المرفوعة ، والصحاح ، والأحكام ، كما تقدم .
· ثانيا : ترتيب هذه الأحاديث لأن أئمة الأدوار السابقة لم يعنوا بشكل كبير بمسألة الترتيب ، فجاء ترتيبهم ، كما هو الحال في المسانيد المرتبة على أسماء الصحابة ، صعب المراس ، لأن الإمام أحمد ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، لم يرتب كتابه على الترتيب الأبجدي المعروف ، وإنما بدأ بالعشرة المبشرين ، ثم بقية الصحابة بحسب الأفضلية أو البلاد التي نزلوها أو القبائل التي ينتسبون إليها ، ولك أن تتخيل صعوبة البحث في المسند إذا ما جهل الباحث اسم الصحابي الذي يروي الحديث ، ولم يكن ذا دراية كافية بترتيب المسند .

وقد انتهج أئمة هذا الدور طريقتين أساسيتين للتصنيف :
· أولا : طريقة الجوامع : وقد عرف المحدثون الجوامع بأنها الكتب المرتبة على الأبواب مع شمولها جميع موضوعات الدين الأساسية ، وقد اصطلحوا على أنها ثمانية : العقائد ، والأحكام ، والسير ، والآداب ، والتفسير ، والفتن ، وأشراط الساعة ، والمناقب ، وعلى هذا النهج سار الأئمة الذين عنوا بتجريد الصحاح كالبخاري ومسلم ، ومن بعدهما ابن خزيمة وابن حبان ، وإن كان الأخيران لم يوفيا شرط الصحيح ، لوقوع بعض التساهل منهما في الرواية عن بعض المجاهيل ، على تفصيل يأتي في موضعه إن شاء الله .

· ثانيا : طريقة السنن : وهي الكتب الحديثية المرتبة على الأبواب الفقهية بحيث لا تشتمل إلا على الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن هذا أمر أغلبي ، لأن الناظر في بعض كتب السنن ، كسنن الترمذي ، على سبيل المثال : يجد أنه أدخل في كتابه أحاديث في الترغيب والترهيب ، ولا شك في أنه لا علاقة مباشرة بينها وبين الأحكام ، وإن كان الكل مندرجا في الحض على عمل الطاعات والتحذير من ارتكاب المعاصي وبيان صفاتهما وحدودهما الشرعية .

وأيضا إذا طالعنا تعليقات الأئمة المعتبرين ، على "سنن أبي داود" ، وهي من أوفى كتب السنن ، بل إنها قد تأتي في المرتبة الأولى من حيث الاستيعاب وجودة التصنيف ، أو الثانية من حيث الصحة ، إذا ما قدمنا عليها "سنن النسائي الصغرى" لأن شرطه فيها أقوى ، نجد أن النقد الذي وجه لسنن الترمذي ، وجه إليها ، ومن ذلك قول ابن دقيق العيد رحمه الله : التمثيل ((بسنن أبي داود)) ليس يجيد عندنا لوجهين :
· الأول : أنها لا تحوي السنن المحتاج إليها .
· الثاني : أن في بعضها ما لا يحتج به في الأحكام . (مستفاد من بحث لطيف للأخ أبي يعلى البيضاوي ، حفظه الله ، أحد أعضاء المنتدى ، بعنوان "أحاديث الأحكام" ، وهو موجود في مكتبة المشكاة ، وهو بحث نافع جدا في موضوعه ، حيث تناول فيه أهم الكتب التي صنفت لجمع وشرح أحاديث الأحكام ، أنصح إخواني بمطالعته) .

وكانت البداية مع شيخ الصنعة وإمام هذا الفن ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 256 هـــ ، وفي ذلك يقول العراقي في الألفية :

أول من صنف في الصحيح ******* محمد وخص بالترجيح

حيث اقترح إسحاق بن راهويه ، رحمه الله ، على طلبته ، وكان البخاري واحدا منهم ، أن يجردوا الصحيح فقال : "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، فوقع ذلك في قلب البخاري ، رحمه الله ، وبدأ هذه الرحلة المباركة ، التي استغرقت 16 سنة ، لتجريد مختصر صحيح من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ، فيه فوق 7000 حديث بالمكرر ، و4000 حديث بغير المكرر . وهو كتاب جامع بين الحديث والفقه ، يدل على تمكن مصنفه من الفقه حتى يصح أن يقال بأن البخاري قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق ، ويظهر هذا جليا في تراجمه ، فهي إما أن تكون دالة دلالة مباشرة على الحكم الشرعي ، وهذا لا إشكال فيه ، وإما أن تشير من طرف خفي إليه ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجمه ولهذا اشتهر عن جمع من الفضلاء قولهم : فقه البخاري في تراجمه .


وجاء بعده مسلم ، رحمه الله ، ورأى أن يحذو حذو البخاري في تجريد الصحاح ، بطرق خاصة به ، فلم يرو عن شيخه البخاري ، رغم إجلاله له ، شيئا في صحيحه ، لأنه لم يرد أن يجعل كتابه نسخة مكررة من كتاب شيخه ، وإنما عمل ما يشبه بالمستخرج على كتاب شيخه ، وزاد فيه زيادات ، كما قرر ذلك الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني رحمه الله .

ومما شجع مسلم ، رحمه الله ، على تصنيف كتابه ، ما شاع في عهده من الروايات المكذوبة التي روجها الزنادقة والقصاص بين الناس ، فأراد أن يجمع للأمة كتابا صحيحا موثقا يغنيها عن تلك الروايات المكذوبة .

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع ، مسألة عدم استيعاب الشيخين للأحاديث الصحيحة ، وقد نصا على ذلك :
فقال البخاري : "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لملال الطول" ، وقال : "أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح" .
وقال مسلم : "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا .إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" وقال : "إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل أن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيف" .

وهذا خلاف قول ابن الأخرم ، رحمه الله ، شيخ الحاكم النيسابوري ، الذي قال بأنه قل ما يفوت البخاري ومسلما من الصحيح ، وإلى هذه المسألة أشار العراقي ، رحمه الله ، بقوله :

ولم يعماه ولكن قلما ******* عند ابن الأخرم منه قد فاتهما .

ولا شك أن كلام ابن الأخرم لا يستقيم إلا بإضافة قيد "على شرطهما" ، فإذا قلنا بأنه قل ما يفوت البخاري ومسلما من الصحيح ، الذي اشترطاه ، وهو أعلى الصحيح ، فهذا قول مقبول ، والواقع يشهد له ، أما بقية الصحيح فلا شك أنه قد فاتهما منه عدد كبير ، كما سبق من أقوالهما ، وفي هذا رد دامغ على أهل البدع الذين حاولوا الترويج لقول من قال بأنه لا يصح من السنة النبوية بأكملها إلا أحاديث الصحيحين فقط ، ليضيقوا دائرة الاستدلال بالسنة كخطوة أولى لإبطال الاحتجاج بها . ولعل هذا ما شجع ابن حبان ، المتوفى سنة 354 هـــ ، في صحيحه ، والدارقطني ، المتوفى سنة 385 هــ ، في "الإلزامات والتتبع" والحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405 هــ ، في "المستدرك" ، وأبو ذر الهروي على استدراك أحاديث صحيحة على الشيخين ، ليثبتوا أن الصحيحين لم يشملا كل الأحاديث الصحيحة .

وممن تكلم في هذه المسألة : الحافظ أبو بكر البيهقي ، المتوفى سنة 458 هـــ ، رحمه الله ، فقال : "بأنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه وأن كل واحد منهما انفرد بأحاديث منها على أن الإسناد واحد" .

والواقع أنه لا يلزمهما هذا الاستدراك لأنهما حسما الأمر بنصهما على عدم اشتراط استيعاب الصحيح ، كما سبق بيانه .

ولا شك أن رواية البخاري ومسلم عن راو ما في صحيحيهما ، هو مما يقويه ، وخاصة إذا ما كانت روايتهما عنه في الأصول (أي الأحاديث المحتج بها في صلب الكتاب) ، ولكن هذه القاعدة ليست مطردة لأن بعض الحفاظ تكلموا في بعض رواة الشيخين ، وخاصة رواة مسلم ، ومن أشهرهم عمرو بن مرزوق عند البخاري ، وأسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري عند مسلم ، وفي هذا يقول العراقي :

ففي البخاري احتجاجا عكرمة ******* مع ابن مرزوق وغير ترجمة
واحتج مسلم بمن قد ضعفا ******* نحو سويد إذ بجرح ما اكتفى .

ولا يعني هذا أن من لم يخرجا له فهو مجروح عندهم ، لأنهما كما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة لم يستوعبا الرواة الذين توافرت فيهم صفات القبول والصحة وهم خلائق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألفا لأن تاريخ البخاري ، على سبيل المثال ، يشتمل على نحو من أربعين ألفا وزيادة وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس ومن خرجهم في جامعه دون ألفين كما ذكر ذلك الحازمي ، رحمه الله ، في شروط الأئمة الخمسة .

وقد ذكر الحاكم ، رحمه الله ، في النوع الحادي والخمسين ، جملة ممن لم يخرج لهم الشيخان ، ولم يسقطوا لتمام عدالتهم ، سواء من الصحابة (وكلهم عدول دون حاجة للبحث) ، أو من تلاهم من التابعين وأتباعهم .
وقد فسر الشيخ محمد أبو زهو ، رحمه الله ، في "الحديث والمحدثون" ص396 ، ثلاثة أسباب لعدم رواية الشيخين لهؤلاء الرواة مع تمام عدالتهم وهي :
· أولا : قد يكون الطريق إلى هؤلاء الرواة ضعيفا .
· ثانيا : قد يكون لهذا الراوي الثقة أصحاب أجلاء يحملون حديثه فلا يخشى على حديثه من الضياع .
· ثالثا : قد يكون الحديث عند هذا الثقة بإسناد نازل ، وعند غيره بإسناد عال ، فيفضل الشيخان الرواية بالإسناد العالي ، لتأكدهما من صحة الحديث بوروده من طرق أخرى صحيحة ، وعلى هذا يحمل صنيع مسلم ، رحمه الله ، في روايته عن بعض الضعفاء ، كما تقدم .
وبالسبب الثاني ، فسر الشيخ محمد زاهد الكوثري ، في تعليقه على شروط الأئمة الخمسة للحازمي ، عدم إخراج الشيخين لجمع من الأئمة الثقات فقال : ومما يتجه إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبي حنيفة مع أنهما أدركا صغار أصحابه ، وأخذا عنهم ولم يخرجا أيضا من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقي بعض أصحابه ، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين أحدهما تعليقا والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه ، ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئا مع أنه لازمه ، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثا ، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي _ وهو أصح الطرق "كما قرر ذلك أبو منصور التميمي" أو من أصحها _ إلا أربعة أحاديث وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثا مع أنه جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه وعد من رواة مذهبه القديم .

قال الشيخ : والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقا وغربا وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء .

قال الأستاذ (أي الشيخ الكوثري) : ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح والتعديل في هؤلاء الأئمة كقول الثوري في أبي حنيفة وقول ابن معين في الشافعي وقول الكرابيسي في أحمد وقول الذهلي في البخاري ونحوها فقد حملهم شططا . اهـــ . نقلا عن "الحديث والمحدثون" للشيخ محمد أبو زهو ص 395 _ 396 .
وقد آثرت نقل كلام الشيخ الكوثري كاملا في هذه المسالة ، لما فيه من دقة وتحقيق ، وإن كان الناظر فيه قد يلمس دفاع الشيخ عن أبي حنيفة ، رحمه الله ، ومعلوم أن الشيخ كان من متعصبة الأحناف إن لم يكن أشدهم وأشهرهم في العصر الحديث .

ولا شك أن القول بعدم اشتراطهما الرواية عن كل راو ثقة ، يخرجنا من هذا المأزق بسهولة .

وثمة مسالة مهمة جدا ، وهي المقارنة بين الصحيحين من حيث درجتهما ، ويمكن تلخيص هذه المسالة في عدة نقاط :
· أولا : أن الجمهور على تقديم صحيح البخاري من حيث الصحة ، ومسلم من حيث جودة التصنيف والترتيب وحسن الصناعة الحديثية ، حيث جرد أبواب كتابه من المعلقات والموقوفات والمقطوعات ، إلا في مواضع قليلة ، كما ذكر ذلك ابن الصلاح ، رحمه الله ، في معرض توجيهه لقول من قال بأن مسلم مقدم على البخاري ، وأما أبو علي الحسين بن علي النيسابوري ، رحمه الله ، ومعه جمع كبير من المغاربة فقد فضلوا مسلم على البخاري ، خلافا للجمهور ، وقد رد العراقي ، رحمه الله ، هذا القول في ألفيته فقال :

ومسلم بعد وبعض الغرب ******* مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع .

أي لو نفع قولهم في تقديم مسلم على البخاري ، ولكنه في الواقع غير نافع ، ولذا علقه بـــ "لو" ، وممن أكد على أفضلية البخاري ، أبو عبد الرحمن النسائي ، رحمه الله ، وهو من هو في تشدده وتحريه في نقد الرجال ، وإلمامه بالأحاديث وعللها ، فهو معدود من أئمة الجرح والتعديل والعلل ، وأكد عليها أيضا الإسماعيلي ، رحمه الله ، في "المدخل" .
· ثانيا : أن شرط البخاري أعلى من شرط مسلم ، حيث أنه أدخل في باب الاتصال من شرط مسلم ، حيث اشترط اللقاء بين الراوي وشيخه ولو مرة واحدة ، حتى يطمئن الناقد لقوله "حدثنا" أو "عن فلان" ، رغم أن الصيغة الأخيرة تحتمل التدليس ، ولكن المسألة ، كما يقول الحافظ ، رحمه الله ، مفروضة في غير المدلس ، وأما مسلم ، فقد اشترط المعاصرة مع إمكان اللقاء ، وعدم وجود ما ينفيه ، ولا شك أنه لا يلزم من المعاصرة ، اللقاء أو السماع ، فقد يعاصر الراوي شيخه بل ويلتقي به ومع ذلك لا يثبت له سماع منه ، فإبراهيم النخعي ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، جاء في ترجمته : أنه دخل على عائشة ، رضي الله عنها ، ورغم ذلك لم يسمع منها ، فروايته عنها منقطعة ، رغم تعاصرهما بل ولقائهما ، ورغم ذلك فإن مسلم صدر أبوابه بالأحاديث التي صرح فيها الراوي بالسماع ، وأخر الأحاديث التي وردت بالعنعنة . وفي تحرير هذا الخلاف يقول العراقي رحمه الله :

وصححوا وصل معنعن سلم ******* راويه من دلسة واللقا علم
وبعضهم حكى بذا إجماعا ******* ومسلم لم يشرط اجتماعا
لكن تعاصرا وقيل يشترط ******* طول صحابة وبعضهم شرط

والبيت الأول يدل على مذهب الجمهور ، ومنهم البخاري ، رحمه الله ، فلا بد من ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة كما تقدم .
والبيت الثاني يدل على مذهب مسلم ، رحمه الله ، حيث لم يشترط الاجتماع وإنما اشترط التعاصر كما تقدم .

· ثالثا : أن شرط البخاري في الرجال أقوى ، فمجموع من تكلم فيهم من رجال البخاري أقل ممن تكلم فيهم من رجال مسلم ، ناهيك أنهم من شيوخ البخاري المباشرين ، الذين سبر حديثهم وانتقى أجوده ، كخالد بن مخلد القطواني ، فلم يخرج له البخاري إلا من حديث سليمان بن بلال ، ولم يكثر عنهم ، خلاف مسلم ، فمعظم من تكلم فيهم من رجاله من طبقات أعلى من شيوخه ، فلم يلتق بهم ليسبر أحوالهم ، ناهيك أنه أكثر من الرواية عنهم ، فقد أخرج أكثر نسخهم ، كأبي الزبير عن جابر ، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه ، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وحماد بن سلمة عن ثابت البناني وغيرهم .

ومن المسائل التي تستحق المناقشة في هذا الموضع ، مسالة دفاع ابن الصلاح ، رحمه الله ، عن مسلم لتخريجه أحاديث رجال من الطبقة الثانية في الحفظ والإتقان ، حيث لخص دفاعه في 4 نقاط :
· أولا : أن يكون هذا الراوي مجروحا من غيره ، موثقا عنده ، لأنه لم يثبت عنده جرح هذا الراوي ، أو ثبت ولكنه في نظره غير قادح .
· ثانيا : أن يكون ذلك واقعا في المتابعات والشواهد لا في الأصول ، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد ومحمد بن إسحاق ، صاحب المغازي ، وعبد الله بن عمر العمري ، والنعمان بن راشد وغيرهم .
· ثالثا : أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به مسلم طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، فقد ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة ، وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخرا ، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك .
· رابعا : أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن في ذلك . وعلى هذا يحمل صنيع مسلم في روايته عن مجموعة من الضعفاء كأسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري . وهذا يشبه صنيع المستخرج تماما ، فالحديث ثابت من طريق صاحب المصنف الأصلي ، فلا إشكال في الحكم بصحته ، ولكن طريقه نازل ، فيلجأ المستخرج إلى طريق آخر عال ، وإن انحطت درجة رجاله عن رجال طريق صاحب الكتاب الأصلي ، لأن الحديث ثابت بكل حال .

وأحاديث الصحيحين ، تفيد العلم النظري ، عند الجمهور ، كما قرر ذلك ابن الصلاح ، رحمه الله ، في "علوم الحديث" ، حيث ذكر أولا مذهب المخالف : وهو أن أحاديث الصحيحين كغيرها من الأحاديث الصحيحة تفيد الظن الموجب للعمل (وهو الرأي الذي قرره النووي والعز بن عبد السلام رحمهما الله) ، وذكر أنه كان يميل لهذا الرأي ، ثم بدا له أنها تفيد العلم النظري (أي العلم الذي يكتسب بقرائن ومرجحات تحتف به ، خلاف العلم الضروري فهو علم مكتسب بالفطرة دون نظر في قرائن ومرجحات) ، وحجته في ذلك أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول ، وظن الأمة بأكملها معصوم فهو بمثابة العلم لاستحالة أن تجتمع هذه الأمة على خطأ ، فلا يعقل أن يتلقى الصحيحان بالقبول طوال هذه القرون ، دون أن يستفاد منهما العلم ، وممن وافق ابن الصلاح على هذا المذهب أبو عبد الله الحميدي الأندلسي ، المتوفى سنة 488هـــ ، وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي ، المتوفى سنة 507 هـــ .

وفي هذا يقول العراقي رحمه الله :
واقطع بصحة لما قد أسندا ******* كذا له وقيل ظنا ولدى
محققيهم قد عزاه النووي ******* وفي الصحيح بع شيء قد روي

فالبيت الأول ، يؤيد مذهب الجمهور ، وهو القطع بنسبة أحاديث الصحيحين للرسول صلى الله عليه وسلم ، والبيت الثاني يوضح مذهب النووي ، رحمه الله ، في هذه المسألة ، وهو مذهب مرجوح ، كما تقدم .

حتى أن من وافق المتكلمين في أن أحاديث الآحاد تفيد الظن لا العلم ، كابن حجر ، رحمه الله ، في "نزهة النظر" ، استثنى أحاديث الصحيحين ، وقال بأنهما يفيدان العلم النظري ، للقرائن المحتفة بهما ، كتقدم صاحبي الصحيحين وجلالتهما في هذا الشأن ومعرفتهما بشرائط الصحة . وهو بهذا يرد على من قال بأن هذه القرائن لا تفيد أكثر من إجماع الأمة على تحقق شروط الصحة الخمسة فيها ، دون أن تفيد القطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها ، أو بأنها تفيد إجماع الأمة على وجوب العمل بها ، إذ لو سلمنا بهذين الفرضين ، فأي فضل يبقى لأحاديث الصحيحين ، على بقية الأحاديث الصحيحة الأخرى ، وقد أجمعت الأمة على توفر شروط الصحة في الحديث الذي حكم عليه النقاد بالصحة ، وعلى وجوب العمل به ؟.

وسوف نؤجل الكلام على شرطهما ، لحين عرض منهج أصحاب السنن ، حتى تكون المقارنة بين الكتب الستة كاملة إن شاء الله .

وقد أطلت بعض الشيء في الكلام عن الصحيحين ، ورغم ذلك ففي الكلام إيجاز وقصور ، لمناسبة الحال ، والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله ، مع كتب السنن .

أبو المهاجر المصري
09-04-05, 04:33 AM
بسم الله

السلام عليكم

كتب السنن :
وأولها ، سنن أبي داود :
وعدة أحاديثها 4800 حديث ، انتقاها أبو داود من خمسمائة ألف حديث ، وغالبها في الأحكام ، كما تقدم .
والملاحظ على هذا الكتاب ، أن مصنفه أراد أن يجمع فيه الأحاديث المشهورة التي يحتج بها الفقهاء ، فابتعد عن الغرائب .

وقد نص أبو داود ، رحمه الله ، على شهرة أحاديثه ، في رسالته لأهل مكة ، فقال : (والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير) ، وحذر من الغرائب بقوله : (وأما الحديث الغريب فإنه لا يحتج به ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الغريب من الحديث ، وقال يزيد بن أبي حبيب : إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة فإن عرف وإلا فدعه) .

وأبو داود ، رحمه الله ، كشيخه أحمد ، يخرج الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه إذا لم يجد في الباب غيره ، وفي هذا يقول العراقي :

كان أبو داود أقوى ما وجد ******* يرويه ، والضعيف حيث لا يجد
في الباب غيره ، فذاك عنده ******* من رأي أقوى قاله ابن منده .

فلم يلتزم الصحة ، وإنما أورد في كتابه الأحاديث الصالحة (للاحتجاج أو الاعتبار) ، وهي تشمل الصحيح والحسن والضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، بل وأورد ما به وهن شديد ، ولكنه التزم بيانه ، فلم يورده مورد الاحتجاج أو الاعتبار ، ولذا انحط كتابه عن الصحيحين لأن شرطه أدنى من شرطهما .

وأبو داود كشيخه أحمد ، يحتج بالمرسل إذا لم يجد في الباب غيره ، وفي هذا يقول في رسالته لأهل مكة : (وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها ، ("وهو بهذا يوافق الطبري ، رحمه الله ، في دعواه أن المرسل كان مقبولا إلى رأس المائتين حتى جاء الشافعي فتكلم فيه") ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره . فإذا لم يكن مسند غير المراسيل فالمرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة)

وقد حاز هذا الكتاب ثناء العلماء ، فمن ذلك :
· قول (الغزالي) ، رحمه الله ، وجماعة من الأصوليين : يكفيه [ أي الفقيه المجتهد] أن يكون عنده أصل يجمع أحاديث الأحكام ((كسنن أبي داود)) و((معرفة السنن)) للبيهقي , أو أصل وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام , ويكتفي فيه بمواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة وتبعه على ذلك (الرافعي) ، وإن كان النووي ، رحمه الله ، قد نازع في هذه المسألة ، وقال : لا يصح التمثيل ((بسنن أبي داود)) فإنها لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام , ولا معظمها , وكم في ((صحيح البخاري)) و((مسلم)) من حديث حكمي ليس في ((سنن أبي داود)) ، وتابعه ابن دقيق العيد ، كما تقدم ، ولا شك أن هذا أمر أغلبي ، فليس معنى القول باستيعاب أبي داود لأحاديث الأحكام أنه لم يفته حديث واحد منها .
· وقال(السخاوي) في ((فتح المغيث)) : قال (النووي) في خطبه ((شرحه)) أنه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء به [أي ((سنن أبي داود))] , وبمعرفته المعرفة التامة , فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه, مع سهوله تناوله, وتلخيص أحاديثه, وبراعة مصنفه, واعتناءه بتهذيبه . اهـ
· وقال (أبو جعفر ابن الزبير): (لأبي داود) في استيعاب أحاديث الأحكام ما ليس لغيره . اهـ

وكتاب أبي داود ، رحمه الله ، كما تقدم ، من الكتب التي تفيد المجتهد في الاستدلال على استنباطاته ، فليس كل طالب علم مؤهلا للنظر فيه ، لأنه من الكتب العالية في مادتها العلمية . (بتصرف من بحث "أحاديث الأحكام للأخ أبي يعلى البيضاوي حفظه الله) .

سنن الترمذي :
وقد اشتهرت بـــ "جامع الترمذي" ، لأنها كما تقدم ، لم تقتصر على أحاديث الأحكام فقط .
وكتاب الترمذي ، رحمه الله ، من أفضل الكتب التي جمعت بين الحديث والفقه ، فقد حرص مصنفه على ذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم في مسائل الباب ، حتى عد كتابه من موسوعات "الفقه المقارن" ، وهو كتاب سهل في تناوله ، يفيد المتعبد والمجتهد ، وخاصة أن الترمذي ، رحمه الله ، قد عني بالحكم على أحاديثه ، فكفى المقلد مؤونة البحث عن درجة ما أورده ، وإن نوزع في بعض أحكامه ، فقد وصفه بعض العلماء بالتساهل في أحكامه ، فقال الذهبي : لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ، وقال ابن دحية : كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية.

والواقع أنه يلزمنا قبل النظر في كلام هؤلاء الأئمة ، أن نحرر معنى "الحسن" عند الترمذي : هل هو "الحسن" ، بمعناه الاصطلاحي "الذي ينصرف أول ما ينصرف إلى الحسن لذاته ، الذي يحتج به مطلقا ، دون اشتراط تعدد الطرق ، إلا إذا عورض بما هو أرجح منه ، وهو ما عبر عنه الحافظ بقوله : ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة ، فاشترط له شروط الصحيح عدا كمال الضبط ، فراوي الحسن أقل ضبطا بحيث لا يصل لدرجة الضعف أو سوء الحفظ" ، أم هو الحسن الذي اصطلح عليه في كتابه ؟ ، وهل "الحسن" عنده وصف لرواية واحدة ، أم هو وصف لمجموع روايات ؟

الواقع يشهد أن الترمذي أراد بـــ "الحسن" ، ما اصطلح عليه في كتابه ، وهو : ما لم يكن في سنده متهم بالكذب ، ولم يكن شاذا ، وروي من غير وجه ، فدل ذلك أنه لم يقصد "الحسن لذاته" ، وإنما قصد "الحسن لغيره" ، لأنه اشترط تعدد الطرق ، فكأن الحسن عنده حديث ضعيف في الأصل "كالمرسل" ، لم يشتد ضعفه ، فهو صالح للاعتبار ، تقوى بوروده من أكثر من وجه فارتقى لدرجة الحسن ، وأصبح صالحا للاحتجاج .

وصنيع الترمذي في جامعه يدل أيضا على أنه لا يعني بوصف "الحسن" رواية واحدة ، وإنما يعني مجموع روايات ، وعليه فالحسن عنده وصف للحديث ، لا يتعارض مع أي وصف آخر كالصحة وهذا أحد توجيهات قول الترمذي : حسن صحيح ، وفي هذا المعنى يقول العراقي ، رحمه الله ، في الألفية :

ولأبي الفتح في الاقتراح ******* أن انفراد الحسن ذو اصطلاح
وإن يكن صح فليس يلتبس ******* كل صحيح حسن لا يلتبس

فأبو الفتح ابن دقيق العيد ، رحمه الله ، يقول بأن قول الترمذي : "حسن" ، اصطلاح خاص به ، لا يصح تنزيله على الحسن المعروف في كتب المصطلح ، وهو على ذلك لا يلتبس مع وصف الصحة ، فوصف الحسن أوسع دائرة من وصف الصحة ، فكل صحيح حسن لا عكس .

والمسألة مبسوطة بالتفصيل في كتب المصطلح ، وهي توضح دقة أحكام الترمذي ، رحمه الله ، في جامعه ، فقلما وصف حديثا بالصحة ، فنجده يقرنه غالبا بالحسن ، فيقول : حسن صحيح ، وهو مصطلح حير العلماء فهمه ، لأن الترمذي لم ينص على مراده منه ، وإن كان الراجح فيه أنه عنى به الصحيح ، والمسالة أوسع من أن تناقش في هذه العجالة ، ونجده يهتم بإبراز غرابة سند الحديث فيقول : حسن صحيح غريب ، وحسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وحسن غريب ، وحسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، فيميز بين الغرابة النسبية من أحد الوجوه والغرابة المطلقة من كل الوجوه ، ونجده يقول : غريب ، وهو يعني به الضعيف ، والله أعلى وأعلم .

ومن المسائل المهمة في هذا الموضع ، كلام بعض العلماء ، كالذهبي ، رحمه الله ، في جامع الترمذي وانحطاط درجته عن سنن أبي داود والنسائي لروايته عن بعض الكذابين كمحمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبي ، وممن دافع عن الترمذي ، الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل فقال :
(..... ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه : حديثا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثا مرويا من طرق أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم وعلى هذا الوجه : خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبي ، نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهن ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه) .
وقال في موضع آخر :
(..... والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير ولا سيما في كتاب الفضائل ، ولكنه يبين ذلك غالبا) .
وقال في موضع ثالث : (وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا . وليس ذلك بعيب لأنه رحمه الله يبين ما فيها من العلل ثم يبين الصحيح في الإسناد ، وكأن قصده رحمه الله ذكر العلل ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له .... الخ) .

ومن هذين النصين ، يمكن استنتاج الآتي :
· أولا : أن الترمذي ، لم يخرج لهؤلاء المتهمين على سبيل الانفراد ، وإنما أخرج طريقهم ضمن طرق للحديث يحكيها ، فقد يكون إخراجه لهم لمجرد جمع طرق الحديث في موضع واحد ، خاصة إذا كان الحديث مختلفا في إسناده ، فيكون إخراجه لها لتعليلها .
· ثانيا : من النص الثاني ، يتضح أن الترمذي ، بين في غالب الأحيان درجة ما أخرجه من مناكير فخرج من عهدتها بذكر حكمها ، وغالبها في كتاب الفضائل ، وهو كتاب لا يتشدد في أحاديثه ككتب الأحكام .

وقد تساهل بعض العلماء في إطلاق الصحيح على جامع الترمذي كأبي عبد الله الحاكم النيسابوري ، والخطيب البغدادي ، رحمهما الله ، وفي ذلك يقول العراقي :

ومن عليها أطلق الصحيحا ******* فقد أتى تساهلا صريحا .
والعراقي يقصد هنا كتب السنن جميعها لا سنن الترمذي فقط .

وبشكل موجز يمكن أن يقال بأن شرط الترمذي أدنى من شرط أبي داود والنسائي ، وللمسألة تفصيل يأتي إن شاء الله .

وثمة مسألة أخيرة ، وهي أن الناظر في نسخ الترمذي المختلفة ، يجد اختلافا في أحكامه على بعض الأحاديث ، تبعا لاختلاف النسخ ، وقد يكون هذا من تصرف النساخ ، ولذا اشترط ابن الصلاح ، رحمه الله ، تصحيح الأصل الذي ينظر فيه الباحث بجماعة أصول ، ومن ثم يعتمد على ما اتفقت عليه هذه النسخ ، وفي هذا يقول العراقي رحمه الله :
وأخذ متن من كتاب لعمل ******* أو احتجاج حيث ساغ قد جعل
عرضا له على أصول يشترط ******* وقال يحيى النووي : أصل فقط .

وظاهر إطلاق العراقي ، يدل على ابن الصلاح اشترط العرض على عدة أصول قبل العمل أو الاحتجاج بالحديث مطلقا سواء كان في الترمذي أو غيره ، خلاف النووي ، رحمه الله ، الذي اكتفى بالعرض على أصل واحد موثق والله أعلم .

سنن النسائي :
وإطلاق القول بــ "سنن النسائي" ينصرف إلى "السنن الصغرى" أو "المجتبى" ، وإذا نسب إلى النسائي حديث فإنما يعنون روايته في السنن الصغرى .
ومعلوم أن للنسائي ، رحمه الله ، كتاب آخر يدعى "السنن الكبرى" ، وهو كتاب جامع اهتم النسائي فيه بذكر علل الأحاديث ، حتى عد من كتب العلل المعتمدة ، وقد جرد أحاديث السنن الكبرى التي صحت عنده في السنن الصغرى ، وفي هذا القول نظر ، لأن بعض الكتب في السنن الكبرى حذفت بالكامل رغم احتوائها على أحاديث صحيحة وبعضها الآخر أورد كاملا بما يحويه من ضعيف ، ولذا ذهب الحافظ الذهبي ، رحمه الله ، إلى أن "السنن الصغرى" من انتخاب "ابن السني" ، رحمه الله ، تلميذ النسائي ، وللمسألة بسط أكبر لا يتسع المجال له .

وقد نص النسائي ، رحمه الله ، على صحة المجتبى كله فقال : (كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله) . وهو يقصد بكتاب السنن "السنن الكبرى" ، وبالمجتبى "السنن الصغرى" ، كما تقدم ، وقد علق الشيخ محمد أبو زهو ، رحمه الله ، على هذا النص بقوله : (هكذا نقل عنه ولعله يريد كله صحيح متنا وبعض أسانيده معلول لأنه لا يلزم من صحة المتن صحة السند) .

وهي أصح كتب السنن وأقلها حديثا ضعيفا ورجلا مجروحا ودرجته في الحديث بعد الصحيحين فهو مقدم على سنن أبي داود وسنن الترمذي (وإن كانت سنن أبي داود تقرن دائما بها في مرتبة واحدة) ، لأن النسائي يمتاز عنهما بشدة تحريه في الرجال حتى قيل أنه كان أحفظ من مسلم بن الحجاج ، بل قيل بأن شرطه في الرجال أعلى من شرط مسلم ، وفي هذا يقول الحافظ رحمه الله : (كم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين) ، والتحقيق في هذه المسالة : أنه قد يسلم بأن شرط النسائي في الرجال أعلى من شرط مسلم عموما ، أما في "السنن الصغرى" و "صحيح مسلم" ، فلا يسلم بأن شرطه في الأول أعلى من شرط مسلم في الثاني . والله أعلم .

ومن أبرز الأدلة على شدة تحري النسائي ، تحاشيه حديث ابن لهيعة ، رحمه الله ، ومعلوم ما في حديثه من خلاف ، وفي هذا يقول الحافظ أحمد بن نصر شيخ الدارقطني : (من يصبر على ما يصبر عليه النسائي كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث عنه بشيء) ، ويوافقه الحافظ بقوله : (وكان "أي حديث ابن لهيعة" عنده عاليا عن قتيبة عنه ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها) .

والنسائي لا يخرج لمن أجمع الأئمة على تركه ، كما نقل ذلك الحافظ أبو عبد الله بن منده عن محمد بن سعد الباوردي ، وفي هذا يقول العراقي :

والنسائي يخرج من لم يجمعوا ******* عليه تركا مذهب متسع .

سنن ابن ماجة :
وهو رابع كتب السنن وسادس الأصول الستة ، كما قرر ذلك الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 507 هـــ ، في "أطراف الكتب الستة" ، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 600 هـــ في "الكمال في أسماء الرجال" ، ثم الحافظ أبو الحجاج المزي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 742 هـــــ ، في تهذيبه لكتاب "الكمال" ، ثم تابعهم على ذلك أصحاب الأطراف والرجال .
ومن الملاحظ أن هذا الضم تم متأخرا لأن المتقدمين كانوا على أن كتب الأصول خمسة : الصحيحان وأبو داود والترمذي والنسائي .

يقول الشيخ محمد أبو زهو في "الحديث والمحدثون" :
وهو مع ذلك أدنى الكتب الستة درجة ، لأن ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث ، كما قرر ذلك الحافظ الذهبي بقوله : (قد كان ابن ماجة حافظا صدوقا واسع العلم وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات) .

حتى قال بعضهم "ولعل الشيخ محمد أبو زهو يعني الحافظ ابن حجر رحمه الله" : ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي فإنه قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه .

وقال البعض الآخر بأن موطأ مالك هو السادس لصحته وجلالته ، وممن ذهب إلى ذلك رزين السرقسطي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 535 هـــ في "تجريد الصحاح" وتبعه ابن الأثير ، رحمه الله ، المتوفى سنة 606 هــ في جامع الأصول وكذا غيره .

ولعل من ضمه لكتب الأصول ، نظر إلى كثرة زوائده الصحيحة على الكتب الخمسة وعددها 428 حديثا .

وقد اشتهر بين المحدثين القول بأن : كل ما انفرد به ابن ماجة فهو ضعيف ، وكان أول من قرر ذلك : الحافظ المزي ، إلا أن هذا الأمر ليس على إطلاقه كما قرر ذلك الحافظ رحمه الله بقوله : (إنه انفرد بأحاديث كثيرة وهي صحيحة فالأولى حمل الضعيف على الرجال) .

وأخيرا يحسن بنا في هذا الموضع أن نذكر مقارن موجزة بين شروط الأئمة الخمسة ، كما قررها الحازمي رحمه الله :

فقد قرر الحازمي أن الرواة ينقسمون إلى طبقات ، تبعا لإتقانهم وملازمتهم لمن يرون عنه ، وكل طبقة عليا تتميز عن التي تليها حفظا وإتقانا ، ويظهر هذا بشكل أكثر وضوحا ، في طبقات الرواة عن إمام مشهور كالزهري ، رحمه الله ، وهو المثال الذي ضربه الحازمي ليقرر مسألة تفاوت طبقات الرواة ، فقال بأن الرواة عن الزهري ينقسمون إلى 5 طبقات ، رتبهم تنازليا ، كما يلي :
· الطبقة الأولى : من جمعوا بين العدالة والحفظ والإتقان وطول الملازمة ، كمالك وابن عيينة ويونس وعقيل الأيليين ، وهي الغاية في الصحة وحديثها مقدم على حديث من يليها من الطبقات .
· الطبقة الثانية : من كانوا كالطبقة الأولى في العدالة ، إلا أنهم نزلوا عن رجال الطبقة الأولى في الملازمة ، فلم يمارسوا حديثه وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى كالأوزاعي والليث بن سعد والنعمان بن راشد .
· الطبقة الثالثة : من لازموا الزهري ملازمة طويلة كالطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح فهم بين القبول والرد كسفيان بن حسين الأسلمي وجعفر بن برقان وعبد الله بن عمر العمري .
· الطبقة الرابعة : من جمعوا بين عدم السلامة من غوائل الجرح وعدم الملازمة الطويلة ، كإسحاق بن يحيى الكلبي ومعاوية بن يحيى الصدفي وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة .
· الطبقة الخامسة : نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد كما عند الترمذي وابن ماجة . اهــــــ (بتصرف) .

وعليه يمكن ترتيب الكتب الستة كالتالي :
· أولا : صحيح البخاري : لأن البخاري التزم إخراج حديث الطبقة الأولى ، وقد يخرج من أحاديث الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب (وعدم الاستيعاب قيد مهم) ، وأما الطبقة الثالثة والرابعة والخامسة فلا يعرج عليها .
· ثانيا : صحيح مسلم : لأن مسلما التزم استيعاب أحاديث الطبقة الأولى والثانية (وهذا هو الفرق بينه وبين البخاري الذي انتقى من أحاديث الطبقة الثانية ولم يستوعبها) ، وينتقي من أحاديث الطبقة الثالثة ، (وهذا فرق آخر بين الشيخين لأن البخاري لم يعرج على أحاديث رجال الطبقة الثالثة) ، ووافق مسلم البخاري في عدم إخراج أحاديث رجال الطبقة الرابعة والخامسة .
· ثالثا : سنن أبو داود والنسائي : حيث خرجا أحاديث الطبقات الأولى والثانية والثالثة في الأصول ، (أي في صلب الكتاب) ، (فنزلا عن مسلم لأن مسلم انتقى من أحاديث الطبقة الثالثة ، ولم يخرجها بأكملها) ، وفارقا مسلما أيضا في أنهما أخرجا أحاديث الطبقة الرابعة في الشواهد والمتابعات بينما تجنبها مسلم فلم يخرج لها ولو على سبيل الاعتبار .
· رابعا : سنن الترمذي : حيث وافق أبا داود والنسائي في إخراج أحاديث الطبقات الأولى والثانية والثالثة ، ولكنه زاد عليه بإخراجه لأحاديث الطبقة الرابعة في الأصول ، بل وتعدى ذلك إلى إخراج حديث الطبقة الخامسة في المتابعات والشواهد ، ولكنه كما تقد م لا يخرجها منفردة ، بل يخرجها في سياق سرد طرق الحديث وينبه على ضعفها .
· خامسا : سنن ابن ماجة : وهو كالترمذي يخرج أحاديث الطبقات الأولى والثانية والثالثة والرابعة ، ولكنه زاد عليه بأنه أخرج أحاديث رجال الطبقة الخامسة ولم ينبه عليها كما فعل الترمذي . بتصرف من "الحديث والمحدثون" للشيخ محمد أبو زهو ص 387 _ 388 .

وانتهت هذه المرحلة الذهبية بتدوين الأحاديث المعتمدة في هذه الكتب التي حفظت لنا الأحاديث المتداولة بين علماء الجماعة المسلمة والتي يحتج بها في العقائد والأحكام ، ولم يتبق إلا جهود تكميلية أشبه بالزوائد على هذه الكتب لجمع الغرائب بعد اكتمال جمع المشاهير ، والتصدي لشرح هذه الدواوين وبيان غريبها ومشكلها ، وكانت هذه مهمة رجال المرحلة التالية .

يتبع إن شاء الله
مع مرحلة القرن الرابع الهجري

أبو المهاجر المصري
09-06-05, 04:41 AM
بسم الله

السلام عليكم

مرحلة القرن الرابع الهجري :
وأهم ما يلفت النظر في هذه المرحلة هو اضمحلال الرواية الشفوية ، اللهم إلا بعض المحدثين الذين برزوا في هذه المرحلة وعنوا برواية الأحاديث بأسانيدها ، كعناية رجال المرحلة السابقة ، ومن أبرزهم أبو بكر بن خزيمة ، رحمه الله ، المتوفى سنة 311 هـــ ، وابن حبان البستي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 354 هـــ ، وأبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 385 هــــ ، وأبو عبد الله الحاكم ، رحمه الله ، المتوفى سنة 405 هــــ ، بالإضافة إلى أصحاب المستخرجات كأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 316 هـــ ، وأبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي النيسابوري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 388 هـــ ، وأبي بكر البرقاني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 425 هــــ .
ولذا نص الذهبي ، رحمه الله ، على أن سنة 300 هـــ ، هي الحد الفاصل بين قرون الرواية الشفوية ، وما تلاها من رواية الأحاديث من الكتب المعتمدة ، وهو حد تقريبي ، لأنه كما سبق ، بقيت باقية ما زالت متمسكة بالرواية الشفوية ، وانبنى على هذا الأمر ، تساهل العلماء في رواية الحديث ونقله وتوثيق رواته لأنهم في الحقيقة لا يأتون بطرق جديدة ، وإنما يروون كتبا معتمدة فالحجة واقعة بما يروونه لا بروايتهم ، فروايتهم في الحقيقة "رواية كتب" ، كما قرر ذلك البيهقي رحمه الله .
وفي هذا يقول العراقي في الألفية :
لنحو ذاك البيهقي ، فلقد ******* آل السماع لتسلسل السند
أي أن الأمر في حقيقته آل إلى رواية الكتب المعتمدة لإبقاء خاصية الإسناد التي خصت بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

ومن ملامح هذه المرحلة : أن أي رواية غريبة جاءت من طريق واحد لا يعرف لها طريق غيره ، فهي مردودة لاستحالة تفرد رجال هذه المرحلة بحديث لم يتابعوا عليه مع انتشار الرواية وذيوعها .

وجهود هذه المرحلة كانت جهودا تكميلية ، كما سبق ، ويجدر بنا أن نتعرض لأهمها :
أولا : كتب الصحاح :
وأبرزها صحيح ابن خزيمة :
وهو من تصنيف الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، رحمه الله ، شيخ الشافعية في زمانه ، وأحد المجتهدين في زمانه ممن بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ، فهو مجتهد منتسب للمذهب الشافعي لا مقيد بأصول المذهب .
وكتابه من مصادر الصحيح التي أكد عليها ابن الصلاح ، رحمه الله ، في مقدمته . فالحديث الصحيح ، طبقا لمنهج ابن الصلاح : الذي قال بسد باب الاجتهاد في تصحيح الأحاديث في العصور المتأخرة ، نظرا لانعدام آلة الاجتهاد في المتأخرين ، إما أن يؤخذ من :
· كتب التزم أصحابها الصحة ، وذكر منها صحيحي ابن خزيمة وابن حبان .
· أو من كتب يحكم مصنفوها على الأحاديث ، وإن لم يشترطوا إيراد الصحيح فقط ، كالترمذي ، رحمه الله ، في جامعه ، وهو من أبرز من اعتنى بالحكم على الأحاديث ، كما تقدم .
وفي هذا يقول العراقي في ألفيته :
وخذ زيادة الصحيح إذ تنص ******* صحته أو من مصنف يخص
بذكره كابن حبان الزكي ******* وابن خزيمة وكالمستدرك .

وكتابه في الصحيح أوسع من كتاب البخاري ومسلم ، وهذا دليل جديد على أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما ، كما سبق بيان ذلك ، وهو أيضا دليل على أن جهود هذه المرحلة جهود تكميلية لجهود أئمة المرحلة السابقة ، فكأن ابن خزيمة نظر في الصحيحين ، فوجد أنه قد فاتهما من الصحيح أكثر مما أورداه ، ولا يعيبهما ذلك ، لأنهما لم يلتزما إخراج كل ما صح عندهما ، كما سبق بيان ذلك ، فأراد أن يخرج ما فاتهما من الصحيح فعمله أشبه ما يكون بالاستدراك عليهما ، كما فعل الحاكم ، أو إن شئت فقل بأنه كالزوائد عليهما ، حيث أنه زاد على كتابيهما ما صح عنده ، ولا أدل على ذلك من أن الجزء الذي وصلنا من كتابه "وهو جزء العبادات فقط" ، يبلغ عدد أحاديثه 3000 حديث ، وصحيح البخاري بغير المكرر يبلغ عدد أحاديثه 4000 حديث ، فجزء العبادات فقط من صحيح ابن خزيمة يقارب صحيح البخاري بأكمله .
وابن خزيمة ، رحمه الله ، من المتساهلين في توثيق الرجال ، وإن كان حاله أحسن من حال تلميذه ابن حبان ، الذي اشتهر تساهله في التوثيق على تفصيل يأتي ذكره إن شاء الله ، فمذهبه أن جهالة عين الراوي ترتفع برواية واحد مشهور عنه ، وهذا خلاف مذهب الجمهور الذين يرون أن جهالة العين لا ترتفع إلا برواية اثنين ، كما قرر ذلك محمد بن يحيى الذهلي ، رحمه الله ، (وإن كان الأمر ليس على إطلاقه) ، ومع ذلك فهذا غير كاف لتعديل الراوي ، وإن كان ناقلا له من مرتبة "مجهول العين" إلى مرتبة "مجهول الحال" ، وهو أحسن حالا من الأول ، ومن مذهبه كذلك أن الأصل في الرواة العدالة ، فالعدالة عنده أمر ملازم للإسلام ، خلاف الجمهور الذين يرون أن العدالة قدر زائد على الإسلام .

صحيح ابن حبان :
وهو من تصنيف محمد بن حبان بن أحمد بن حبان ، أبو حاتم البستي ، رحمه الله ، شيخ الشافعية في زمانه ، وفيه يسير على خطى شيخه ابن خزيمة في إخراج الأحاديث الصحيحة التي لم يخرجها الشيخان ، حيث بلغت زوائده على الصحيحين 2600 حديث ، كما في "موارد الظمآن" ، وقد عمد ابن حبان لإخراج أحاديث الثقات ، الذين تكلم فيهم بكلام يسير ، وأعرض الشيخان عنها ، كحماد بن سلمة ، رحمه الله ، الذي انتقد ابن حبان البخاري لعدم إخراج حديثه .
وابن حبان ، رحمه الله ، من المتساهلين في التوثيق والتصحيح ، كشيخه ابن خزيمة ، كما تقدم ، فقد أكثر من ذكر مجاهيل نص أبو حاتم الرازي ، رحمه الله ، وغيره على جهالتهم ، في كتابه "الثقات" ، لأن الأصل عنده عدالة الراوي ، كما تقدم ، وفي هذا يقول الحافظ ، رحمه الله ، في مقدمة "لسان الميزان" : (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة حتى يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه) .

وضابط الحديث الذي يحتج به عند ابن حبان هو : (إذا تعرى راويه من أن يكون مجروحا أو فوقه مجروح أو دونه مجروح أو كان سنده مرسلا أو منقطعا أو كان المتن منكرا) ، ورغم تساهل ابن حبان ، رحمه الله ، في توثيق المجاهيل ، إلا أنه كان في باب الجرح على النقيض ، فهو من الموصوفين بالتعنت في جرحهم ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك كلامه في "عارم" شيخ البخاري ، وهو مما أنكره عليه الذهبي ، رحمه الله ، غاية الإنكار .

وقد رتب ابن حبان ، رحمه الله ، كتابه ترتيبا مخترعا فلا هو على الأبواب ولا هو على المسانيد ، وإنما رتبه على "التقاسيم والأنواع" ، فكتابه ينقسم إلى خمسة أقسام : الأوامر والنواهي والأخبار والإباحات وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما يعسر البحث عن أي حديث فيه ، ولعل ابن حبان تعمد ذلك ، حتى يرفع همة الباحث عن الحديث في كتابه فإما أن يحفظ الكتاب بأكمله ليتمكن من استحضار أي حديث فيه بسهولة ، وإما أن يستعرضه من أوله لآخره حتى يصل لمطلوبه فتحصل له الفائدة في كل الأحوال ، فكان كتابه كما قال بعض العلماء كتابا : (عز جانبه فكثر مجانبه) ، أي كثر المنحرفون عنه لصعوبة البحث فيه حتى جاء الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان ، رحمه الله ، المتوفى سنة 739 هـــ ، فرتبه على الأبواب ، حتى يسهل تناوله ، وسمى ترتيبه : "الإحسان في تقريب ابن حبان" ، فأسدى بذلك خدمة جليلة لطلاب الحديث ، بل إنه أشار إلى موضع كل حديث في الكتاب الأصلي ، مما يعطي الناظر فيه إمكانية البحث عن الحديث طبقا لترتيب الأبواب ، كما تقدم ، وإمكانية إعادة الكتاب لترتيب مصنفه الأصلي .

وابن حبان ، كشيخه ابن خزيمة ، يدخل الحديث الحسن في حد الصحيح ، فالحسن عندهما قسم من الصحيح لا قسيم له ، كما هو مذهب الجمهور ، وهو أمر مسلم به في الاحتجاج ، ولكنه غير مسلم في إلحاقه بقسم الصحيح ، وفي هذا يقول العراقي في ألفيته :

وهو بأقسام الصحيح ملحق ******* حجية وإن كان لا يلحق .

أي أن الحسن ملحق بالصحيح في الحجية فهو مما يحتج به مطلقا إلا إذا عورض بما هو أقوى منه أو تعارض مع مثله ولم يمكن الجمع بيتهما فيتوقف في العمل به ولا يرد لاحتمال ظهور وجه من أوجه الجمع أو الترجيح لمجتهد آخر ، وإن كان لا يلحق بقسم الصحيح من الناحية الاصطلاحية .

وفي هذا رد على ابن الصلاح ، رحمه الله ، في إطلاقه القول بقبول تصحيح ابن خزيمة وابن حبان ، لمجرد أنهما اشترطا الصحة ، حيث أنهما يريان الحسن قسما من الصحيح ، فإذا أطلقنا القول بصحة أحاديثهما ، لزمنا أن ندخل أحاديث حسنة في قسم الصحيح ، بل ولزمنا أن ندخل فيه أحاديث في رواتها مجاهيل ، فالأمر يحتاج إلى بحث قبل التسليم بتصحيحهما .

والخلاف في هذه المسألة يهون إذا ما قررنا أن من قال بأن الحسن قسم من الصحيح يقول مع ذلك بأنه من أدنى أقسام الصحيح ، فالصحيح ، كما هو معلوم ، ينقسم إلى مراتب تبعا لتمكنه من شروط الصحة .

ورغم ذلك فإن هذا الأمر يوضح لنا فرقا من الفروق المنهجية بين أئمة المرحلة السابقة وأئمة هذه المرحلة فالأولون كأحمد ، رحمه الله ، يجعلون الحسن من أقسام الضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، ويوردونه إذا لم يجدوا في الباب غيره ، فالحسن إذا ما قورن بالصحيح ، فهو ضعيف نسبيا ، والآخرون يجعلونه من أقسام الصحيح .

وقد التمس بعض العلماء العذر لابن حبان رحمه الله ، فأجاب بجواب ملخصه :
· أولا : أنه إن قيل بأن ابن حبان أخرج الحسن ضمن كتاب اشترط الصحة ، فلا مشاحة في الاصطلاح ، لأن الحسن عنده من أقسام الصحيح فهو داخل في شرطه ، وإنما يصح هذا الانتقاد إذا ما أدخله في الصحيح وهو يرى أنه قسيم للصحيح لا قسم منه .
· ثانيا : أنه مع التسليم بخفة شرط ابن حبان إلا أنه وفى بما اشترطه على نفسه ، وهذا ما جعل كثيرا من العلماء ، كالحازمي ، رحمه الله ، يقدمه على أبي عبد الله الحاكم ، لأنه اشترط شرطا ، وإن كان فيه بعض التساهل إلا أنه وفى به ، خلاف الحاكم : الذي اشترط شرطا عاليا ، (لأنه يستدرك على الصحيحين كما سيأتي إن شاء الله) ، ولم يوف به .

يتبع إن شاء الله مع المستخرجات على الصحيحين ، وما تلاها من مصنفات هذه المرحلة .

أبو المهاجر المصري
09-08-05, 04:04 AM
بسم الله

السلام عليكم

ثانيا : المستخرجات على الصحيحين :
وموضوع المستخرج هو : أن يعمد المستخرج "بكسر الراء" إلى أحد الكتب المصنفة ، فيخرج أحاديثه بطرق خاصة به ، من غير طريق مصنف الكتاب الأصلي ، بحيث يلتقي معه في شيخه أو شيخ شيخه أو حتى في الصحابي الراوي للحديث . أما إذا لم يحدث اللقاء بينهما إلا عند الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو حديث آخر وإن اتحد المتن . وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندا يوصله للأقرب ما لم يكن هناك عذر من علو في السند أو زيادة مهمة في المتن . وقد يكون الحديث غريبا لا يعرف من طريق مرضية غير طريق صاحب الكتاب الأصلي ، فإما أن يخرجها من طريقه فيكون عمله حينئذ رواية لا استخراجا وإما أن يدعها .

وصنيع الأئمة في تصانيفهم يبرز هذه المسألة ، فمسلم ، يكاد يكون كتابه مستخرجا على كتاب شيخه البخاري ، مع زيادات زادها ، كما قرر ذلك الدارقطني ، كما سبق ذكره ، وهذا مما يعلل عدم رواية مسلم عن شيخه البخاري ، لأنه لم يرد أن يكون كتابه نسخة مكررة من كتاب شيخه ، فهو كأي مصنف يريد أن يعلو بإسناده ، وقد جمع الحافظ الأحاديث التي علا فيها مسلم على شيخه البخاري في جزء مستقل أسماه "عوالي مسلم" وعددها أربعون حديثا علا مسلم في كل منها عن البخاري برجل واحد .

وللمستخرجات فوائد كثيرة لعل من أبرزها :
· العلو في السند : وهو الهدف الرئيسي للمستخرج ، وهذا مما يؤكد على سمة هذه المرحلة ، فهي مرحلة ما بعد الجمع كما تقدم ، وعليه فإن الهم ينصرف إلى خدمة الكتب الموجودة ، فالمستخرج يرى أمامه جمعا من الأحاديث الصحيحة الثابتة ، فيحاول تخريجها بطرقه ، وهو مطمئن لثبوت الحديث ، فلا مانع أن يخف شرطه في الرجال في طريقه ، ليعلو بسنده ، فهمه الأول العلو ، وإن خالف شرط المصنف الأصلي حتى موضع التقائهما ، وهذا مما يستدعي النظر في إطلاق قبول زيادات المستخرج مطلقا ، وهو ما قرره العراقي في الألفية بقوله :
وما يزيد فاحكمن بصحته ******* فهو مع العلو من فائدته .

فقد تعقبه الحافظ بقوله : (هذا مسلم في الرجل الذي التقى فيه إسناد المستخرج وإسناد المصنف وفيمن بعده وأما من بين المستخرج وبين ذلك الرجل فيحتاج إلى نقد لأن المستخرج لم يلتزم الصحة في ذلك وإنما جل قصده العلو فإن حصل وقع على غرضه فإن كان مع ذلك صحيحا أو فيه زيادة فزيادة حسن حصلت اتفاقا وإلا فليس ذلك همته) . نقلا عن الحديث والمحدثون ص407 .

ومن فوائدها أيضا :
· الزيادات كما تقدم ، سواء كانت في السند أو المتن ، فإذا ما ثبتت صحتها ، فهي فوائد مقبولة
وينبغي هنا التفرقة بين زيادة جزء من حديث أصله في الكتاب الأصلي ، وزيادة حديث بأكمله ، كما وقع في مستخرج أبي عوانة ، رحمه الله ، ففيه أحاديث كثيرة زائدة على أصله ، فالأول عرفنا كيفية التعامل معه ، حيث يخضع جزء السند الذي ينفرد به المستخرج ، حتى موضع التقائه بالمصنف للنقد ، أما الثاني فيخضع السند بأكمله للنقد ، وقد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا فهو حديث مستقل بتمامه يحكم عليه كأي حديث .
وعليه فإن عزو ألفاظ المستخرج إلى الكتاب الأصلي ، دون مقابلة بينهما للتأكد من تطابق الألفاظ ، خطأ ، وهذا ما قرره العراقي بقوله :

واجتنب عزوك ألفاظ المتون لهما ******* إذا خالفت لفظا ومعنى ربما

ويعني بـــ "لهما" : البخاري ومسلم لأن جل الكتب المستخرجة كانت على كتابيهما ، وإن استخرج بعض العلماء على كتب أخرى : كمحمد بن عبد الملك بن أيمن الذي استخرج على سنن أبي داود وأبو علي الطوسي الذي استخرج على جامع الترمذي ، وأبو نعيم الذي استخرج على معرفة علوم الحديث للحاكم ، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ، بل إن كتاب التوحيد نفسه ، يعتبر مستخرجا على الكتب الستة ، لأن الأحاديث التي اشترك ابن خزيمة مع أصحاب الكتب الستة في إخراجها ، أخرجها من غير طريقهم ، وهذا هو مفهوم الاستخراج كما تقدم .

· وطريق المستخرج تعمل عمل المتابعة في تقوية الحديث الأصلي ، كما قرر ذلك ابن الصلاح ، رحمه الله ، إن كانت طريقا صالحة للاعتبار ، وربما ساق المستخرج له طرقا أخرى إلى الصحابي بعد فراغه من استخراجه كما يصنع أبو عوانة في مستخرجه على مسلم .

· وطريق المستخرج يفيد في حالة إذا ما كان في طريق الحديث في المصنف الأصلي مختلط أو مدلس أو مبهم ، فجاء المستخرج بطريق فيه إثبات السماع من المختلط قبل اختلاطه ، أو تصريح المدلس بالتحديث أو تسمية المبهم فيزول الإشكال .
· وبشكل عام كما يقول الحافظ رحمه الله : (وكل علة أعل بها الحديث في أحد الصحيحين وجاءت رواية المستخرج سالمة منها فهي من فوائده وذلك كثير جدا) .

ثالثا : المستدركات على الصحيحين :
وهي الكتب التي استدرك أصحابها على الشيخين ما لم يخرجاه مما هو على شرطهما ، وهذا النوع من التصنيف يوضح لنا أيضا طبيعة هذه المرحلة ، فلن يستدرك إلا على كتاب موجود وبالتالي يكون عمل المستدرك إتماما لعمل المصنف الأصلي فهو كالزيادات عليه ولكنها زيادات مقيدة بشرط صاحب الكتاب الأصلي ، وسبق الكلام على هذه المسألة عند الكلام على صحيحي ابن خزيمة وابن حبان ، وسبق القول بأن هذا الاستدراك غير لازم ، لأن الشيخين لم يشترطا استيعاب الصحيحين ، كما نصا على ذلك .

ولعل أشهر مستدرك موجود بين أيدينا ، اليوم ، هو "مستدرك الحاكم النيسابوري" ، رحمه الله ، المتوفى سنة 405 هـــ ، وقد أخرج في كتابه صنفين من الحديث :
· أولا : ما كان على شرط الشيخين أو شرط أحدهما ، ولم يخرجاه ، وهو ينبه على ذلك بقوله : هذا على شرط الشيخين ، أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم .
· ثانيا : ما أدى اجتهاده إلى تصحيحه من أحاديث ليست على شرطهما ، وينبه عليه بقوله : هذا حديث صحيح الإسناد ، فالحاكم ، رحمه الله ، كما قرر ابن الصلاح ، ممن أوتي آلة الاجتهاد المطلق ، رغم تأخره عن قرون الرواية ، بل إن ابن الصلاح ، وهو ممن تشدد في مسألة تصحيح المتأخرين ، قرر بأن آخر من يحق له التصحيح هو الحاكم ، وواقع المستدرك لا يؤيد إطلاق هذا الحكم ، لكثرة أوهام الحاكم ، رحمه الله ، فيه ، ناهيك أن ما صححه مما هو ليس على شرط الشيخين ، لم يشترط فيه إلا صحة الإسناد فقط ، فهو ممن يحكم على ظاهر الأسانيد ، وإن كان ، رحمه الله ، إماما مجمعا على إمامته في هذا الفن .
ولعل من أبرز أسباب كثرة أوهامه في المستدرك :
عدم اشتراطه انتفاء العلة والشذوذ ، كما نص على ذلك ، فهو يحكم على ظاهر الأسانيد ، كما تقدم ، وهذه طريقة المتأخرين الذين لا يلتفتون إلى الشذوذ والعلل الخفية ويكتفون بالحكم على ظاهر الإسناد ، وهذا من الفروق الجوهرية بين المتقدمين والمتأخرين من علماء هذا الفن الجليل . ناهيك أنه كان حريصا على الرد على أهل البدع الذين زعموا أنه لم يصح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ما أخرج في الصحيحين ، فأراد أن يجمع أكبر قدر ممكن من الأحاديث التي على شرطهما ولم يخرجاها ليثبت عكس دعواهم الباطلة .

وقد تضاربت الآراء حول هذا المستدرك :
فمن متشدد : كأبي سعد الماليني ، رحمه الله ، حيث حكم بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين ، ورد عليه الذهبي هذا الحكم ، وقال بأن في المستدرك شيء كثير على شرطهما أو على شرط أحدهما ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب ، وفيه نحو الربع مما صح سنده وإن كان فيه علة (لأنه لم يشترط السلامة منها ، كما تقدم) ، وما بقي وهو نحو الربع فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات .

وهو بشكل عام من المتساهلين في التصحيح ، ورغم ذلك نص ابن الصلاح ، رحمه الله ، على أن ما انفرد به الحاكم ، ولم ينص متقدم على صحته ، ولم يوجد في كتاب التزم مصنفه إيراد الصحيح فقط ، فهو حسن يحتج به ما لم توجد به علة قادحة ، والصحيح أنه يجب تتبع أحاديث الكتاب والحكم عليها بما يليق ، وفي هذا يقول العراقي ، رحمه الله ، في ألفيته :

متساهل وقال ما انفرد ******* به فذاك حسن ما لم يرد
بعلة والحق أن يحكم بما ******* يليق والبستي يداني الحاكما

أي أن الحاكم متساهل ، والضمير في قال عائد على ابن الصلاح ، رحمه الله ، والشطر الثاني من البيت الأخير ، يوضح مكانة الحاكم بين نقاد الحديث فهو من طبقة مقاربة لأبي حاتم بن حبان البستي ، رحمه الله ، صاحب الصحيح ، وإن كان ابن حبان أقل تساهلا ، كما نص على ذلك الحازمي رحمه الله .

وقد اعتذر ابن حجر ، رحمه الله ، عما وقع فيه ، الحاكم من تساهل بقوله : (إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سود الكتاب لينقحه فعاجلته منيته ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه . قال : وقد وجدت قريبا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك : (إلى هنا انتهى إملاء الحاكم) ، وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة ، والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة إلى ما بعده) اهــــ .

ومن أبرز الخدمات التي قدمت لهذا المستدرك الجليل :
تلخيص الذهبي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 748 هــــ ، وتعقب كثيرا منه ببيان ضعفه أو نكارته أو وضعه وجمع جزءا في الأحاديث الموضوعة التي وجدت فيه فبلغت نحو مائة حديث ، بينما ذكر له ابن الجوزي في "الموضوعات" ستين حديثا .
وقد لخص هذا التلخيص أبو حفص عمر بن رسلان بن الملقن ، رحمه الله ، شيخ الحافظ .

ومن المستدركات الأخرى :
· كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي ، رحمه الله ، أمير المؤمنين في الحديث ، المتوفى سنة 385 هـــــ . وقد جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من الأحاديث وليس بمذكور في كتابيهما وألزمهما ذكره ، وهو غير لازم كما تقدم ، ورتبه على المسانيد في مجلد لطيف . وشرطه أقوى من شرط الحاكم ، لأنه اشترط عدم الشذوذ والعلة القادحة .

· والمستدرك على الصحيحين للحافظ أبي ذر الهروي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 434 هــــ ، وهو كالمستخرج على كتاب الدارقطني .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله مع بقية مرحلة القرن الرابع الهجري .

مســك
09-08-05, 08:38 AM
واصل البحث وصلك الله بطاعته ..

أبو المهاجر المصري
09-10-05, 07:30 AM
بسم الله
السلام عليكم

رابعا : كتب الغرائب كـــــ : سنن الدارقطني ومسند البزار :
وهما من مظنة الأحاديث الغريبة ، فالأول على سبيل المثال يعتبر كالزوائد على سنن أبي داود ، رحمه الله ، فأبو داود جمع أحاديث الأحكام المشهورة ، كما تقدم في رسالته لأهل مكة ، وعليه فلا حاجة لجمعها مرة أخرى ، لأن هذا تكرار لا فائدة ترجى منه ، وإنما الفائدة تظهر في جمع ما لم يدر على ألسنة الرواة من الغرائب ، وهذا بلا شك يتطلب حافظا ناقدا ملما بالغرائب ، وكان الدارقطني ، رحمه الله ، ذلك الناقد ، فهو إمام العلل ، الذي صنف كتاب "العلل" ، وهو كتاب لا نظير له في بابه ، و"الأفراد" الذي يدل على سعة اطلاعه على طرق الأحاديث الغريبة ، وهو أيضا إمام من أئمة الشافعية ، رحمهم الله ، فله نفس فقهي يظهر في كتابه "السنن" لأنه كتاب أحكام ، وإن عني بجمع الغرائب كما تقدم ، وكتاب الدارقطني ، من مظنات "الحسن" لأنه نص على كثير منه في هذا الكتاب . (تيسير مصطلح الحديث ص50) . .

وقد عقد الدكتور علي الصياح ، حفظه الله ، مقارنة بديعة بين علل الدارقطني وسنن البزار ، بين فيها أهم الفروق بينهما ، ومنها :

· أنَّ البزار عني بجمع الغرائب والأفراد، ولذا تجده ينبه على ذلك بعد رواية الحديث ، ولذا كان كتابه من أشهر الكتب التي هي مظنة الأحاديث الأفراد ، قَالَ ابنُ حجر : من مظان الأحاديث الأفراد : مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدار قطني في"كتاب الأفراد ، وهو ينبئ على اطلاع بالغ ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيراً بحسب اتساع الباع وضيقه، أو الاستحضار وعدمه، وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد. وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به، لاحتمال أن يريدوا شيئاً من ذلك بإطلاقهم والذي يرد على الطبراني، ثم الدار قطني من ذلك أقوى مما يرد على البزار لأنَّ البزارَ حيثُ يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول:"لا نعلمه يرو عن فلان إلا من حديث فلان"، وأما غيره، فيعبر بقوله:"لم يروه عن فلان إلا فلان"، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه ، والله أعلم . النكت على كتاب ابن الصلاح (2/708) .
ومعرفة الأفراد والغرائب من أهم وسائل الكشف عن العلة كما قال ابن الصلاح في مقدمته(ص81): « ويستعان على إدراكها _ أي العلة _ بتفرد الرواي» وأمَّا أبو الحسن الدارقطني فعني في كتابه العلل بجمع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف على أحد الرواة .

· ومن الفروق أنّ الدارقطني يوضح الاختلافات ويحدد مدار الحديث وكيفية وقوع الخلاف فهو مدرسة في تعليم العلل وتسهيلها على طلاب هذا الفن ، والبزار ربما فعل هذا ، ولكن بقلة مقارنة بعمل الدارقطني في كتابه.

· ومن الفروق أنّ الدارقطني أكثر توسعا وبسطا من البزار ، فنَفَس الدارقطني في بيان الاختلافات وسرد الطرق طويل، ولذا كان كتابه أوسع كتاب في بيان علل الأحاديث، قال ابن كثير:« وقد جمع أزمة ما ذكرناه كلّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه ذلك ، وهو أجلّ كتاب بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفنّ، لم يسبق إليه مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله، وأكرم مثواه » . اختصار علوم الحديث ص64 .
ومما يجب التنبيه عليه أن الدارقطني ربما ترك ذكر بعض الاختلافات والأوجه لأسباب منها:

· شدة ضعف هذا الوجه أو الطريق لأنّ راويه ضعيف جدا أو متروك وما كان كذلك لا يعول عليه في الترجيح والجمع ، فلا فائدة من إطالة الخلاف بذكره إلاّ إذا كان من باب التنبيه عليه.

· ومن الأسباب أيضا : ظهور الترجيح في الأسانيد المذكورة كأن تكون من رواية كبار الحفاظ الأثبات فلا حاجة للتطويل في ذكر بقية الأوجه الموافقة .
· ومن الأسباب أيضا: عدم حفظ الدارقطني للطريق المعين في تلك الساعة ، وقد قال في عدد من المواضع عن بعض الطرق:« لا أَحْفَظُهُ السَّاعَةَ ».

وهذه النقطة تسوقنا إلى الفرق الآخر وهو:
أنّ البزار يسند أحاديثه في الغالب الأعم ، يعني يرويها بإسناده ، بخلاف الدارقطني حيث يغلب عليه تعليق الأسانيد، وإسناد الحديث عند البزار أعطاه ميزة على «علل الدارقطني»، ومن أسباب تعليق الدارقطني للأوجه والطرق التي يرويها في علله: أنّ الدارقطني لو أسند جميع الأوجه والطرق لكان الكتاب كبير الحجم جدا، فانظر مثلاً إلى حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر ، فقد ذكر الدارقطنيُّ الاختلافاتِ في أسانيد الحديث ثم أسند جميع هذه الاختلافات فبلغت قرابة المئة حديث- إسنادا ومتناً- ، هذا حديثٌ واحد فقط ، فما بالك بجميع الكتاب لو أسنده؟! ، وكذلك حديث أم كرز في العقيقة أسنده فبلغت قرابة ستين حديثا.

ومن الفروق أيضاً النظر في منزلة المصنفين فمنزلة الدارقطني في هذا الفن أجل بكثير من البزار ، ومن طالع ترجمة الرجلين ، وقرأ في كتابيهما بان له هذا بوضوح ، وهذا الفرق يعطي كتاب «علل الدارقطني» ميزة أنه من تأليف إمام مبرز من أئمة العلل .

وهناك فروق أخرى لا نطيل بذكرها مثل: كثرة أحكام الدارقطني على الأوجه والطرق وغيرها.


وفي الحقيقة لا تباين بين منهج الدارقطني في العلل والسنن بل بين الكتابين توافق يدل على أنّ مؤلف الكتابين إمام في علل الحديث يوضح هذا أمران:

الأمر الأوَّل: أنّ مقصد الدارقطني من تأليف سننه : بيان غرائب وعلل أحاديث أحكام ، وقد نصّ على ذلك أبو علي الصدفي، وابن تيمية ، وابن عبد الهادي ، والزيلعي ، وأكد ذلك _ من خلال دراسةٍ عميقة بالأرقام _ الباحث عبد الله الرحيلي في رسالته العلمية «الإمام الدارقطني وكتابه السنن». ولمّا كان مقصد الدارقطني كذلك لم يبوب سننه، قال أبو علي حسين بن محمد الصّدفي (ت514)- وهو من أتقن من روى "سنن الدارقطني" -: ((الكتاب غير مبوّب ، قرأته على ابن خَيْرون ، وكان عند ابن خَيْرون منه أجزاء بخط الدارقطني ، فكان إذا أشكل من الكتاب شيء استخرج تلك الأجزاء ، فربما وجد فيه اختلافاً، وفي النسخة مواضع علمتُ على بعضها لم يتجه لي أمرها...)) . المعجم في أصحاب أبي على الصدفي ، لابن الآبار (ص:80).
وما يوجد من تبويبات وتراجم هي من عمل النساخ
وهذا عمل فيه نوع من التجاوز لوظيفة المحقق الأصلية ، وهي إثبات النص كما أراده مؤلفُهُ بدون تعديل أو تحسين.

الأمر الثاني: النَّفَسُ النقدي في الكتاب يوافق تماما نفس الدارقطني في كتابه العلل يتضح ذلك من خلال تعليل الأحاديث ، وبيان الاختلافات ، والحكم على الأسانيد والرجال ، مع الفرق بين طبيعة الكتابين المنهجية . اهــــ ، (مقتبس من إجابات الشيخ الدكتور علي الصياح ، حفظه الله ، عن أسئلة وجهها له أعضاء ملتقى أهل الحديث ، المعني بالسنة وعلومها) .

خامسا : المعاجم :
وأشهرها على الإطلاق ، معاجم الطبراني الثلاثة :
· أولا : المعجم الكبير : وقد جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم ، (على الحرف الأول من اسم الصحابي فقط) ، ما عدا مسند أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فإنه أفرده في مصنف ، ويقال بأنه أورد في الكبير نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث وإذا أطلق المعجم في كلام العلماء فالمراد الكبير .

· ثانيا : المعجم الأوسط : وقد ألفه على أسماء شيوخه وهم نحو ألفي رجل حتى أنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه وأكثر من غرائب حديثهم ، وهذا ما أعطى الكتاب قيمة علمية كبيرة ، ويقال أن فيه ثلاثين ألف حديث وهو في ست مجلدات كبار وكان يقول فيه : (هذا الكتاب روحي) ، لأنه أفنى عمره في جمعه ، فالغرائب لا يقدر على جمعها إلا الحافظ الناقد ، ويقول الذهبي عنه : (وفيه كل نفيس عزيز منكر) ، ولعل هذا لأن الغرائب مظنة الخطأ كما تقدم .

· ثالثا : المعجم الصغير : وهو في مجلد واحد خرج فيه عن ألف شيخ يقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه ، وهو نحو 1500 حديث بأسانيدها .

ومن الملاحظات المهمة على هذه المعاجم :
· أولا : أن الطبراني ، رحمه الله ، وإن كان متقدما لحد ما ، فقد ولد سنة 260 هـــ ، وتوفي سنة 360 هـــ ، إلا أن بعض شيوخه مجاهيل ، بل وبعضهم متهم بالكذب ، كيحيى بن عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب بن إسحاق ، قال عنه ابن عدي في الكامل : قال ابن حماد : كان يكذب . وهذا يوضح لنا أنه كلما ابتعدنا عن قرون الرواية ، كلما خفت شروط التوثيق ، فإذا كان هذا في عصر الطبراني رحمه الله ، فما بالك بمن أتى بعده من المتأخرين ؟!!! . (مستفاد من مشاركة للشيخ عبد الرحمن السحيم حفظه الله).

· ثانيا : أن الطبراني ، رحمه الله ، قد علا في أسانيده ، لدرجة أن له ثلاثيات (أي أحاديث بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فيها 3 رجال) ، ولكنها كلها ضعيفة ، ولعل هذا مما شجع كثيرا من الرواة على السماع منه لعلو إسناده .

وظهرت في هذه المرحلة أنواع جديدة من التصنيف ، كـــ "كتب الآمالي" و "الفوائد" ، و "المشيخات" : وهي تعنى بالغرائب أو الأحاديث ذوات الإسناد العالي ، فالأسانيد العالية مطلب لكل محدث، لا سيما في هذه المرحلة التي عرفت فيها طرق الأحاديث المشهورة ، كما تقدم ، فمن كان عنده طريق أعلى منها فهو مقدم لا شك ، وإن كانت هذه الطرق ، كما تقدم ، مظنة الخطأ ، وصدق القائل : (إذا سمعت العلماء يقولون : هذا حديث فائدة فاعلم أنه باطل) ، لأنه غريب ، والغريب دوما مظنة الخطأ ، فما بالك في هذه الأعصار المتأخرة بعد استكمال التدوين ؟!!! .

وظهرت أهمية الانتخاب في هذا العصر ، خلاف عصور الجمع والتدوين ، حيث أن همة المحدث لن تنصرف لسماع حديث مشهور ، طريقه معروف مدون ، وإنما ستنصرف لسماع حديث غريب لم يسمعه من قبل ، لذا فإنه يركز على انتخاب أحاديث الشيخ الذي يروي عنه ، بحيث لا يروي عنه حديثا سمعه من قبل ، فما الفائدة في تكرار سماع حديث معروف ؟ ، ومن الأمثلة على ذلك انتخاب ابن مردويه ، رحمه الله ، على شيخه أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله .


وتبلور في هذه المرحلة "علم العلل" :
حيث بدأ هذا العلم في الظهور في المرحلة السابقة ، على يد الإمام علي بن المديني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 234 هـــ ، الذي صنف "العلل" ، ثم ظهر مفرقا في مصنفات بعض الأئمة ، وخاصة النسائي ، الذي عد من أئمة هذا الفن وكلامه في "السنن الكبرى" خير شاهد على ذلك ، بل إن طريقته في ذكر طرق الحديث لينبه بالصحيح منها على المعلول لمما يؤكد جلالته في هذا الشان .
ثم وصل هذا العلم إلى ذروته ، في هذه المرحلة ، على يد الحافظ الدارقطني ، رحمه الله ، الذي صنف "العلل" ، إملاء على تلميذه أبي بكر البرقاني ، وهذا مما يدل على أن الحفظ ، وإن ضعف في هذه المرحلة ، إلا أنه بقيت بقية من الأئمة الحفاظ الذين استوعبوا طرق الأحاديث حفظا ، وأوتوا مع ذلك آلة الاجتهاد المطلق في الحكم على الأحاديث .
وملاحظة أخرى على علماء هذه المرحلة : وهي أن علم الكلام بما فيه من دخل لم يؤثر على مناهجهم العلمية ، وكلامهم شاهد على ذلك ، ومنه تصريح الدارقطني ، رحمه الله ، ببغضه الشديد لعلم الكلام ، خلاف أئمة المرحلة التالية ، الذين تأثروا بعلم الكلام وظهرت آثاره في كلامهم ، لا سيما الخطيب البغدادي ، رحمه الله ، كما سيأتي إن شاء الله .

ومن الملاحظ في هذه المرحلة ، أن قدرة الحفاظ على نقد المرويات قد تناقصت إلى حد كبير ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

منهج الحاكم ، رحمه الله ، (وهو معدود من المتساهلين) ، في مقابل منهج ابن حزم ، رحمه الله ، (وهو معدود من المتشددين) ، وقد علق ابن القيم ، رحمه الله ، على هذه المسألة ، بكلام متين ، قال فيه :
وربَّما يظنُّ الغالط الذي ليس له ذوق القوم ونقدهم أَنَّ هَذَا تناقض مِنْهُم ، فإنهم يحتجون بالرَّجل ويوثقونه فِي موضع ، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجُّون به فِي موضع آخر . ويقولون إن كَانَ ثقة وجب قبول روايته جملة ، وإن لم يكن ثقة وجب ترك الاحتجاج به جملة . وهذه طريقة فاسدة مجمع بين أهل الحديث عَلَى فسادها ، فإنهم يحتجُّون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى ، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس أو انفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه . (إذ الغلط فِي موضع لا يوجب الغلط فِي كل موضع والإصابة فِي بعض الحديث أو فِي غالبه لا توجب العصمة من الخطأ فِي بعضه ولا سيما إذا علم من مثل هذا أغلاط عديدة ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه عليه فإنه يغلب عَلَى الظن أو يجزم بغلطه) . وهنا يعرض لمن قصر نقده وذوقه هنا عَنْ نقد الأئمة وذوقهم فِي هذا الشأن نوعان من الغلط ننبه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما :-

أحدهما :- أن يرى مثل هذا الرجل قد وثق وشهد له بالصدق والعدالة أو خرج حديثه فِي الصحيح فيجعل كل ما رَواهُ عَلَى شرط الصحيح ، وهذا غلط ظاهر فإنه إِنَّمَا يكون عَلَى شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة وتوبع عليه فأما مع وجود ذَلِكَ أو بعضه فإنه لا يكون صحيحاً ولا عَلَى شرط الصحيح . ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه فِي تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم فِي صحيحه ، علم إمامته وموقعه من هذا الشأن وتبين به حقيقة ما ذكرنا ، (وهذه طريقة الحاكم ، رحمه الله ، لأنه لم يشترط السلامة من العلة والشذوذ ، وإنما حكم على ظاهر الأسانيد ، كما تقدم) .

النوع الثاني من الغلط :- أن يرى الرجل قد تكلِّم فِي بعض حديثه وضعِّف فِي شيخ أو فِي حديث فيجعل ذَلِكَ سببا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم وهذا أَيْضَاً غلط فان تضعيفه فِي رجل أو فِي حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقاً . وأئمة الحديث عَلَى التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثِّقَات . وهذه كلمات نافعة فِي هذا الموضع تبين كيف يكون نقد الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه « ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورَاً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ» ، (وهذه طريق ابن حزم ، رحمه الله ) انتهى من كتاب الفروسية ص 242 .

فمرجع الخلل في المنهجين واحد وهو : الحكم على ظاهر الأسانيد ، فمتى رأى الحاكم رجال الحديث ثقات ، حكم بصحة الإسناد ، دون أن يلتفت إلى العلة والشذوذ ، وصحة السند لا يلزم منها صحة المتن ، كما هو معلوم ، وإن كان هذا يصح إن أطلقه ناقد بصير بالحديث وعلله ، وفي هذا يقول العراقي :

والحكم للإسناد بالصحة أو ******* الحسن دون المتن رأوا
واقبله إن أطلقه من يعتمد ******* ولم يعقبه بضعف ينتقد .

ولعل الحاكم ، رحمه الله ، قد خرج من عهدة الأحاديث التي أخرجها في المستدرك ، مما صح عنده ولم يكن على شرط الشيخين ، لأنه يحكم عليها بقوله : صحيح الإسناد ، فقصر الحكم على الإسناد فقط .

ومتى رأى ابن حزم راويا ضعيفا في السند ، حكم على الحديث بأنه ضعيف بغض النظر عن احتمال إصابته أو وجود متابعة معتبرة له .

وقد استمر هذا الخلل في أحكام المتأخرين ، فعلى سبيل المثال : احتذى ابن القطان الفاسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 628 هـــ ، حذو ابن حزم ، حتى أن الناظر في منهجيهما يجد تقاربا كبيرا بينهما ، واحتذى السيوطي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 911 هـــ ، حذو الحاكم ، وإن كان السيوطي أشد تساهلا .

وظهرت في أواخر هذه المرحلة ، كتب الشروح ، وهي الكتب التي اهتمت بشرح المصنفات ، مع عنايتها بتوضيح غريب الأحاديث والأحكام المستنبطة منها ، أضف إلى ذلك ، كلامهم المنثور ضمن كتبهم عن مسائل علم المصطلح ، والأحكام على الأسانيد والمتون ، صحة وضعفا ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

شرحي الخطابي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 388 هـــ ، وهو من أئمة الشافعية في زمانه ، على البخاري : (أعلام السنن) ، وأبي داود : (معالم السنن) ، وقد عني فيهما ببيان غريب الحديث ، وتكلم على مسائل اصطلاحية مهمة ، لعل من أبرزها تعريفه للحديث الصحيح والحسن ، وللشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير ، حفظه الله ، سلسلة محاضرات عن كتب الشروح ، خصصها لشروح الكتب الستة ، أجاد فيها وأفاد ، وهي موجودة على صفحة فضيلته في موقع طريق الإسلام .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله ، مع مرحلة القرن الخامس الهجري .

أبو المهاجر المصري
09-14-05, 04:48 AM
بسم الله

السلام عليكم
مرحلة القرن الخامس الهجري :
وقد استمر فيها الانحدار ، وهذه سنة جارية ، فمتى بلغ الشيء تمامه ، فترقب نقصانه ، فبعد أن بلغ هذا العلم ذروته في القرن الثالث الهجري ، بدأ في التناقص شيئا فشيئا ، خلال القرن الرابع ثم خلال هذه المرحلة ، وإن لم تخل الساحة من أئمة مجتهدين ، وعلى رأسهم الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 458 هـــ ، صاحب "السنن الكبرى" ، وهو من أجل كتب الإسلام ، والحافظ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 463 هـــ ، حافظ المشرق الذي تبلورت علوم المصطلح على يديه ، والحافظ ابن عبد البر ، رحمه الله ، المتوفى سنة 463 هـــ ، حافظ المغرب .

وأبرز إنجازات هذه المرحلة :
· تمييز صحيح الحديث من سقيمه ، في الكتب المصنفة ، لأن معظم المصنفين لم يشترطوا إيراد الصحيح فقط ، باستثناء أصحاب الصحاح ، كالشيخين وابن خزيمة وابن حبان ، وإن كان الأخيران لم يسلم لهما كما سلم للشيخين ، كما تقدم ، ولا شك أن هذا جهد تكميلي لجهود سابقة عنيت بالجمع ، وبعد الجمع لا بد من التمحيص .

· الحكم على رواة الأحاديث ، لأن الخلاف وقع ، وما زال واقعا حتى الآن ، في الحكم على رواة اختلفت أحكام الأئمة عليهم ما بين موثق ومضعف ، تبعا لاعتبارات متعددة ، كأن يتصنع الراوي لمن يسمع منه فيحدثه بأصح حديثه ، فيوثقه الراوي ، إن كان ممن يعتد بقوله في هذا الشأن ، كما وقع لابن معين ، رحمه الله ، في روايته عن بعض الضعفاء ، وللمسألة بسط لا يتسع المجال لذكره ، ولذا فإنه لابد من الجمع بين أقوال الأئمة في راو واحد أو الترجيح بينها متى تعذر الجمع ، وقد سبق الكلام على القواعد العامة لهذه المسألة ، عند الكلام على تاريخ علم الرجال .

· الحكم على الغرائب بعد تمام الاعتبار ، وقد سبق أن الغرائب لم تكن محل اهتمام في مرحلة الجمع ثم جمعت بعد ذلك في مرحلة تالية وبقي الحكم على هذه الغرائب ولا شك أن هذا يتطلب ملكة نقدية لا تتوفر للكثير .


ومن أبرز سلبيات هذه المرحلة :
تأثر علمائها كالبيهقي والخطيب بعلم الكلام ، ويظهر هذا جليا في تأثر البيهقي ، رحمه الله ، بتأويلات شيخه ابن فورك ، رحمه الله ، المتوفى سنة 406 هــــ ، ومتابعته للأشاعرة في بعض المسائل ، أبرزها : بدعة "الكلام النفسي" ، ويظهر هذا أيضا في كلام الخطيب ، رحمه الله ، في "الكفاية" ، عن حجية أخبار الآحاد ، وهي المسألة التي أصل فيها المتكلمون أصلا مبتدعا ، لا زال موجودا حتى الآن ، وهو : أن أحاديث الآحاد تفيد الظن ، ولا تفيد القطع ، وعليه فلا يحتج بها في العقائد وإنما يحتج بها في الأحكام فقط ، وفي كلامه عن زيادة الثقة ، وتأثر الخطيب أيضا بكلام شيوخه من الأصوليين المتكلمين كأبي الطيب الطبري ، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي الطيب الباقلاني رحمهم الله ، والملاحظ أنهم كلهم شافعية لأن معظم المتكلمين والأصوليين من الشافعية ، والعجب أن معظم علماء الحديث أيضا من الشافعية ، رغم التناقض الكبير بين منهج أهل الحديث ومنهج المتكلمين .
وأيضا نقصت قدرة العلماء على الحفظ ، ففي المرحلة السابقة شاهدنا الدارقطني ، يجيب على أسئلة أبي بكر البرقاني ، في "العلل" ، دون أن ينظر في كتاب ، وأما في هذه المرحلة فإننا نشاهد أبا بكر الحميدي يخبر عن شيخه الخطيب بأنه لم يسأل عن شيء إلا نظر في كتبه قبل أن يجيب .

واستمرت كتب الشروح في الظهور خلال هذه المرحلة ، ولعل أبرزها على الإطلاق :
كتاب "التمهيد" للحافظ ابن عبد البر ، رحمه الله ، وهو من أجل كتب الإسلام ، شرح فيه أحاديث الموطأ مقتصرا على المرفوعات ورتبه على شيوخ مالك ، ثم تلاه بكتاب "الاستذكار" ، الذي التزم فيه بترتيب الكتاب الأصلي .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله ، مع مرحلة القرن السادس الهجري ، وما تلاها

أبو المهاجر المصري
09-17-05, 07:24 AM
بسم الله

السلام عليكم

مرحلة القرن السادس الهجري ، وما تلاه :
وقد تميزت هذه المرحلة بظهور الكتب التي انتقت أحاديث من كتب أخرى ، وقد اختار منها الشيخ الدكتور حاتم الشريف ، حفظه الله ، كتاب "المختارة" لمحمد بن عبد الواحد الضياء المقدسي ، رحمه الله ، كمثال تتضح من خلاله جهود أئمة هذه المرحلة :

فقد اشترط الضياء ، رحمه الله ، إخراج الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين ، ولم يخرج شيئا من الصحيحين ، سوى المعلقات ، إن صحت ، لأنها ليست على شرط الشيخين ، فلا يصح أن يقال بأنهما أخرجاها كأصول يحتج بها ، وإن كان ورودها في كتاب اشترط مصنفه الصحة مما يقوي حالها . فعمل الضياء في كتابه هو :
جمع الزوائد على الصحيحين ، ولكن هل اشترط الضياء فيما زاده على الصحيحين ، الصحة في نفس الأمر ، بمعنى عدم العلة والشذوذ ، أم أنه اكتفى بنقل تصحيحات من سبقه ، مع حكمه على ظاهر الإسناد فيما لم يجد فيه حكما لأحد المتقدمين ؟

الواقع يشهد للثاني ، حيث اعتمد الضياء ، رحمه الله ، على تصحيحات من سبقه ، و حكم على ظاهر الإسناد فيما لم يجد فيه حكما لأحد المتقدمين ، بمعنى أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق التي تمكنه من الحكم على الأحاديث في نفس الأمر ، وهو بهذا يمثل حال جيله من العلماء الذين نقصت آلة اجتهادهم ، فلم تعد لديهم القدرة على الحكم المطلق على الحديث بالصحة أو الضعف ، وإنما اكتفوا بالحكم على ظاهر الإسناد .

وهنا لا بد من بيان حكم العمل بالحديث الذي ظاهره الصحة ، لأن هذا يوضح لنا مدى جدوى جهود هذه المرحلة ، وما تلاها :
فالأصل في الحديث الذي ظاهر إسناده الصحة ، أن يحتج به ما لم تظهر له علة تقدح في صحته ، ولعل هذا مما يوجه كلام ابن الصلاح ، رحمه الله ، في مسألة منع تصحيح المتأخرين ، فربما عنى بذلك منعهم من الحكم على الأحاديث بالصحة المطلقة لقصور حفظهم ، ولكنه لم يمنع الحكم على ظاهر الأسانيد ، وهذا كما سبق لا يلزم منه صحة الحديث في نفس الأمر ، ناهيك أن الأحاديث الصحيحة قد اكتمل تدوينها ، حتى أن الحافظ ، رحمه الله ، قرر أنه لا يكاد الناظر يجد حديثا صحيحا لم يسبق إلى الحكم عليه صراحة أو تلميحا ، وعليه فإن تصحيح المتأخرين لأحاديث ضعفها المتقدمون ، أمر محل نظر ، لأن كلام المتقدمين هو المعتبر في هذه المسألة حتى ذهب ابن الصلاح إلى أن آخر من يحق له التصحيح هو الحاكم ، رحمه الله ، ولا شك أن هذا كلام لا يسلم به على الإطلاق ، كما تقدم ، وقد خالف ابن الصلاح جمع من الأئمة على رأسهم النووي والعراقي رحمهما الله .

ومن مآثر هذه المرحلة : بداية ظهور المصنفات الخاصة بجمع الأحاديث الموضوعة ، وهي من أهم وسائل حفظ السنة ، لأنها تنفي خبثها وتبين سقيمها ، وقبل هذه المرحلة ، لم تكن الأحاديث الموضوعة مفردة بالتصنيف ، وإن كانت هناك كتب اهتمت ، بجمع الروايات الضعيفة ، بشكل عام ، ككتاب الكامل لابن عدي ، رحمه الله ، الذي اهتم فيه بذكر حديث أو أكثر من غرائب أو مناكير من يترجم له ، وقد فصل الشيخ الدكتور محمد سعيد رسلان ، حفظه الله ، القول في أهم هذه المصنفات في محاضراته القيمة عن الوضع وجهود الأئمة في مكافحته ، ورتبها تبعا لوفاة مؤلفيها فذكر :

· "تذكرة الموضوعات" : لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 507 هـــــ ، حيث جمع فيه أحاديث كتاب الكامل لابن عدي ، ورتبها على حروف المعجم وذيل عليها ، كما ذكر ذلك الكتاني ، رحمه الله .

· "الموضوعات من الأحاديث المرفوعات" ، لأبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الهمذاني الجوزقاني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 543 هـــــ ، وهو محتو على أحاديث موضوعة وأحاديث واهية .

· "الموضوعات" ، لابن الجوزي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 597 هــــ ، وقد عاب عليه ابن الصلاح ، رحمه الله ، تساهله في الحكم على الأحاديث بالوضع ، وكذا عاب عليه الحافظ زين الدين العراقي والحافظ ابن حجر ، حيث أورد في كتابه هذا أحاديث ضعيفة لا تصل لدرجة الوضع ، وأحاديث حسنة ، وأحاديث صحيحة ، بل وأورد أحاديث في أعلى درجات الصحة ، فذكر حديثين أحدهما عند البخاري والآخر عند مسلم . وربما كان سبب هذا الوهم ، هو منهج ابن الجوزي في كتابه ، حيث اعتمد في نقده للأحاديث على "نكارة المتن" ، وهو أمر نسبي ، لا يعني بالضرورة بطلان الحديث ، وإن كان قرينة على ذلك .
ولابن الجوزي ، رحمه الله ، كتاب آخر في الأحاديث الواهية التي لم تصل لدرجة الوضع ، وقد أورد فيه أحاديث موضوعة ، ولذا نبه الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، إلى أن في "الموضوعات" أحاديث تستحق أن تذكر في "الواهيات" ، وفي "الواهيات" أحاديث تستحق أن تذكر في "الموضوعات" .

· "المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في الباب" ، لضياء الدين أبي حفص عمر بن بدر بن سعيد الموصلي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 623 هــــ .

· "موضوعات الصاغاني" ، للحسن بن محمد الصاغاني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 650 هــــ . وله أيضا "الدر الملتقط في تبيين الغلط ونفي اللغط" ، ويرى الأستاذ نجم عبد الرحمن خلف أن هذا الكتاب هو أصل "موضوعات الصاغاني" .

· "الأحاديث الموضوعة التي يرويها العامة والقصاص" ، وهي رسالة لعبد السلام بن عبد الله بن تيمية ، رحمه الله ، المتوفى سنة 652 هــــ ، جد شيخ الإسلام .

· "أحاديث القصاص" ، لشيخ الإسلام رحمه الله ، المتوفى سنة 728 هــــ .
· "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" لابن قيم الجوزية ، رحمه الله ، المتوفى سنة 751 هــــ .
· الباعث على الخلاص من حواديث القصاص ، للحافظ زين الدين العراقي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 806 هــــ ، وقد لخصه وزاد عليه الحافظ السيوطي ، رحمه الله ، في "تحذير الخواص من أكاذيب القصاص" .
· اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" ، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 911 هـــ . وقد اختصر فيه كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي وزاد فيه .
· "ذيل اللآلي المصنوعة" ، للسيوطي ، وهو من اسمه ، ذيل ، على الكتاب السابق ، استدرك فيه ما فاته من أحاديث لم يذكرها في "اللآلي" .
· "النكت البديعات على الأحاديث الموضوعات" ، أو "التتبعات" ، للسيوطي ، وقد تتبع فيه أحاديث كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي .
· "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة المرفوعة" ، لابن عراق ، رحمه الله ، المتوفى سنة 963 هــــ ، وقد جمع فيه بين موضوعات ابن الجوزي ، وكتاب "اللآلي" للسيوطي ، ولخصهما .
· "تذكرة الموضوعات" ، لمحمد بن طاهر الهندي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 986 هــــ .
· "قانون الأخبار الموضوعة ورجال الضعفاء" ، لمحمد بن طاهر الهندي .
· "الأسرار المرفوعة في الأخبار المرفوعة" أو "الموضوعات الكبرى" ، لعلي بن محمد المعروف بملا علي القاري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1014 هـــ .
· المصنوع في معرفة الحديث الموضوع أو "الموضوعات الصغرى" ، للقاري ، أيضا .
· "الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة" ، لمرعي بن يوسف الكرمي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1032 هـــ .
· "الدرر المصنوعات في الأحاديث الموضوعات" ، لمحمد بن أحمد السفاريني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1188 هـــ . وقد اختصر فيه موضوعات ابن الجوزي .
· "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" ، لمحمد بن علي الشوكاني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1250 هـــ ، وقد علق عليه الكتاني ، رحمه الله ، بقوله : وقد أدرج فيه كثيرا من الأحاديث الضعيفة التي لم تبلغ درجة الوضع ، وأورد أحاديث حسنة وصحيحة . اهــــ ، ونبه إلى ذلك ، أيضا ، عبد الحي اللكنوي في "ظفر الأماني" ، فصنيعه يشبه إلى حد كبير صنيع ابن الجوزي في "الموضوعات" .
· "الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" ، لمحمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1304 هــــ .
· "اللؤلؤ المرصوع فيما قيل لا أصل له أو بأصله موضوع" ، لمحمد بن خليل القاوقجي الشامي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1305 هــــ .
· "تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين" ، لمحمد البشير ظافر الأزهري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1350 هــــ .
· سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، لمحدث الشام ، محمد ناصر الدين الألباني ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1420 هــــ .
فهذه سلسلة ، جمعها الشيخ الدكتور محمد بن سعيد بن رسلان ، حفظه الله ، متتبعا فيها جهود أئمة الحديث طوال 9 قرون ، في بيان الأحاديث الموضوعة ، ولا شك أن هذا من أهم أهداف هذا البحث ، فهو من البراهين المؤكدة على حفظ السنة ، فلله الحمد والمنة .

ولم يكن جهد العلماء في خدمة الحديث النبوي ، مقتصرا على التصنيف في الموضوعات فقط ، بل تعداه إلى التصنيف في شتى فروع السنة فصنفوا في غريب الحديث ، والناسخ والمنسوخ ، والأطراف ، والجرح والتعديل ، ....... الخ ، وقد أورد الشيخ محمد محمد أبو زهو ، رحمه الله ، في خاتمة كتابه الفذ "الحديث والمحدثون" ، بحثا نفيسا مختصرا لتاريخ التصنيف في هذه العلوم ، (من ص453 إلى ص495) ، طبعة دار الفكر العربي ، فليراجع فإنه في غاية الأهمية لتمام تصور أهداف هذه الفوائد .

وأخيرا فإننا لا ننتظر مدحا من أحد لما بين أيدينا من خير ، ولكن شهادة الأعداء ،مما يؤكد عظم الحق الذي بين أيدينا ، فها هو "مارجليوس" يقول : "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" .

ومليحة شهدت لها ضراتها ******* والفضل ما شهدت به الأعداء .

ولا غرو فقد اختص الله عز وجل هذه الأمة بعلوم لم تنلها باقي الأمم : كعلوم الإسناد والإعراب والأنساب .

ولا ينقضي العجب من أناس همهم الأول القدح في السنة المشرفة ، ولو سئل أحدهم عن تعريف الحديث الصحيح لعجز عن الجواب ، فهلا سأل قبل أن ينطق ، فإنما شفاء العي السؤال .

روابط تتعلق بهذه الفوائد :
أولا :
سلسلة محاضرات تاريخ نشوء مصنفات السنة للشيخ الدكتور حاتم الشريف حفظه الله ، وهي التي استفدت منها ، بحمد الله ، التسلسل الزمني لهذه الفوائد .
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=lessons&scholar_id=331
ثانيا :
سلسلة مناهج كتب السنن للشيخ الدكتور حاتم الشريف حفظه الله .
نفس الرابط السابق ، وهما آخر سلسلتين من السلاسل العلمية للشيخ حفظه الله في صفحته على موقع طريق الإسلام .
ثالثا :
سلسلة مناهج الأئمة للشيخ الدكتور سعد الحميد حفظه الله .
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=346
رابعا :
سلسلة الوضع وجهود الأئمة في مكافحته للشيخ الدكتور محمد سعيد رسلان حفظه الله
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=2125
خامسا :
سلسلة شروح كتب السنة للشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير حفظه الله .
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=1441
سادسا :
محاضرة قيمة للشيخ الدكتور محمد إسماعيل حفظه الله ، بعنوان : حجية السنة .
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=45227
ومحاضرة أخرى بعنوان : تدوين السنة .
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=26854
سابعا : وهذا رابط بحث مختصر ، عن سنن البيهقي ، رحمه الله ، ربما أفاد باعتبار كتاب "السنن الكبرى" من أبرز إنجازات القرن الخامس الهجري ، إن لم يكن أبرزها .
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?s=&threadid=38592
والله أعلى وأعلم .
تم ولله الحمد والمنة .

_أم المثنى_
09-18-05, 02:56 PM
بارك الله فيك

ونفع بك

ووفقك لما يحب ويرضى

عمر مشكاة
09-22-05, 05:28 PM
السلام عليكم
جزاك الله عنا كل الجزاء و أتابك الله