المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم صوت المرأة د. رياض المسيميري



الجوالات
08-18-05, 03:14 PM
كشف السرائر عن حكم أصوات الحرائر

7/5/1426 هـ
2005-06-14 فضيلة الدكتور رياض بن محمد المسيميري


مقدمة

الحمد لله وأصلي وأسلم على رسول الله وبعد .

فقد نهى الشارع الحكيم المرأة من الخضوع بالقول لما في ذك من الفتنة الأكيدة ، والخطر الماحق .

فقال تعالى : (( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)) (سورة الأحزاب: 32).

قال السُدى[1] وغيره : ( يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال ) .

قلت : وهذه الآية تخاطب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم – أزكى نساء الأمة وأطهرهن وأعفهن وأكملهن وتأمرهن بالامتناع عن الخضوع بالكلام ، والتفنج والتكسر فيه, وترقيه وتنعيمه , حال محادثتهن لصفوة هذه الأمة وسادات الأولياء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين زكّاهم ربهم – تعالى – وارتضاهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم أصحاباً وأنصاراً .

فكيف بحال نساء هذه الزمان ، ورجال الوقت الذين بينهم وبين أسلافهم من الأصحاب والصحابيات كما بين الثرى والثريا ، وأبعد ممّا بين المشرقين أخلاقاً وآداباً وسلوكاً ؟ !

وقد علّل النهي في الآية بقطع أطماع مرضى القلوب الذين يضعفون أمام عذوبة الصوت ونعومته ، وحلاوة الألفاظ ودلالها ، ولا ريب أنّ أهل عصرنا أقرب للإفتتان وسرعة التأثر بذلك من سابقيهم ، فأي مكابرة يقع ضحيتها البعض حين يُخص الآية بآل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويجعل أهم ما تضمنته من أحكام وهو الحجاب الشرعي السابغ خاصاً بهن دون سائر نساء الأمة بل ربما جعلوا النهي عن ترقيق الصوت وتنعيمه خاص بهن فحسب ؟!

ولو كان المسلمون يتدبرون كلام ربهم – سبحانه – ويلتزمون شرائعه وأحكامه لما سمحوا لنسائهم يذرعن الأسواق جيئة وذهاباً يخالطن الرجال ، ويتبرجن بالزينة ، ويخضعن بالقول ويحادثن من شئن بلا حسيب أو رقيب حتى اتخذن الأخدان والعشاق ، وضاجعن الفجار والفساق بعد رحلة لم تدم طويلاً من عبارات الحبّ والغرام والقول الخليع !!

وفيما يلي من أوراق بحث مختصر في أحكام صوت المرأة وما يحل منه وما يحرم, في ضوء الكتاب والسنة, واستعراض كلام أهل العلم – رحمهم الله – والله المسؤول أن يلهمنا الرشد, ويوفقنا إلى القول الأسد وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

هل صوت المرأة عورة ؟

لا ريب أنّ في أصوات كثير من النساء كثيراً من الجاذبية والجمال ممّا يأخذ بمجامع قلوب الرجال ، ويفتكُ بهم إلّا ما رحم الله . ولذا ألفينا الكثير من الرجال يقعون في شَرَك الافتتان بصوت المرأة ، ويفقدون صوابهم لضعف إيمانهم ، وقلة حيائهم ومن هنا كان على المرأة ألا تتوسع في الكلام مع الرجال سيما مع جمال الصوت الطبيعي فضلاً عن تعمد ترقيقه وتليينه !!

وهنا يقع إفراط وتفريط تجاه صوت المرأة فمن قائل بأنّ صوت المرأة عورة في كلّ حال بحيث لا يجوز لها أن تسمع الرجال أي كلام أو ألفاظ مهما كانت ضرورية !

ومنهم من جعل صوت المرأة كصوت الرجل لا عورة فيه ولا محذور حتى ذهب بعضهم إلى جواز محاضرتها على القنوات الفضائية يسمعها الملايين عبر الشاشات والإذاعات !!

ومنهم من توسط – وخير الأمر أوسطها – فأباح للمرأة أن تتكلم عند الحاجة وبقدر الضرورة ، وبلا خضوع أو ليونة فاتنة .

وفي نظري فإنّ منبع الخلاف في مسألة صوت المرأة راجع في أساسه إلى عدم تحديد نوعية الصوت المأذون به ، والصوت الممنوع عنه ، ومن هنا حدث شيء من الخلط والاضطراب ، ولذا يحسن تقسيم صوت المرأة إلى الأقسام التالية .

أقسام صوت المرأة :

بالنظر إلى الأدلة الشرعية ، وكلام أهل العلم يتبين أنّ صوت المرأة تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، ولذا حصل سوء الفهم لدى الكثيرين في تحرير أقوال أهل العلم ، واستيعاب مقاصدهم ، وحقيقة آرائهم ، ومتى يكون صوت المرأة عورة ومتى لا يكون !

القسم الأول :

الخضوع بالقول : وهو : تليينه وترقيقه ، فهذا القسم ورد النهي الصريح عنه في القرآن والكريم ، في قوله تعالى : (( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)) .

وقد أجمع العلماء على تحريم خضوع المرأة بالقول في حضرة الرجال الأجانب ، وفيما يلي طرف من أقوالهم بعد تعريف الخضوع لغة وعرض أقوال المفسرين ..

تعريف الخضوع لغةً :

قال ابن الأثير في النهاية ( 2/ 42 ) : ( الخضوع : الانقياد والمطاوعة )

وقال ابن منظور في اللسان ( 8/ 73) : ( قال ابن الأعرابي الخُضّع : اللواتي قد خضعن بالقول وملن : قال : والرجل يخاضع المرأة ،وهي تخاضعه إذا خضع لها بكلامه ، وخضعت له ، ويطمع فيها) .

أقوالُ المفسرين في معنى الخضوع في ضوء قوله تعالى : ( يا نساء

النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي

في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً ) الأحزاب : 39 .

قال الطبري – رحمه الله - : قوله : ( فلا تخضعن بالقول ) يقول : فلا تلن بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن ) جامع البيان ( 22/3)

وقال الجصاص الحنفي : ( فيه أن لا تلين القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن من أهل الريبة ، وفيه الدلالة على أنّ ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن ويستدل به على رغبتهن فيهم ) : أحكام القرآن ( 5/ 229) .

قال القرطبي في الجامع : ( 14/ 177) : أي لا تُلن القول ، أمرهن الله أن يكون قولهن جزلاً ، وكلامهن فصلاً ، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا .. ) .

قال الطحطحاوي في حاشيته ( 1/ 161) : ( قال في الفتح : الخلاف في الجهر بالصوت فقط ، لا في تمطيطه وتليينه .. ) وقال أبو العباس القرطبي في كتاب السماع : ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ، ولا تمطيطها ، ولا تليينها .

القسم الثاني : الجهر بالصوت :

أما القسم الثاني من أقسام صوت المرأة: جهرُها بالصوت أمام الرجال الأجانب وقد اختلف أهل العلم فيه على أقوال عدة إليك ملخصها :

القول الأول :

أنّ جهر المرأة بصوتها لا يجوز لأنه عورة .

قال ابنُ العربي المالكي : ( والمرأة كُلُّها عورة ، بدنها وصوتها ، فلا يجوز كشف ذلك إلّا لضرورة أو لحاجة ، كالشهادة عليها ، أو داء يكون ببدنها ، أو سؤالها عمّا يعنّ ويعرض عندها ) [ أحكام القرآن 3/ 616 ]

وقال القرطبي في الجامع : ( 14/ 227 ) : ( المرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض .. )



وقال أبو العباس القرطبي في كتاب السماع : ( ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ) الحاشية على مراقي الفلاح ( 1/161) .

وفي رواية للإمام احمد واختارها ابن عقيل : أنّ صوت المرأة عورة ، يجب تجنب استماع الأجانب إليه إلا بما تدعو إليه الحاجة ( انظر الإنصاف 8/30)

وقال ابن القيم : ( فالمرأة لما كان صوتها عورة ، منعت من التسبيح وجعل لها التصفيق ) [ الحاشية 6/ 156] .

قال الطحطحاوي في حاشيته ( 1/ 161) : ( قوله : إنّ صوتها عورة هو ما في النوازل ، وجرى عليه في المحيط والكافي حيث عللا عدم جهرها بالتلبية بأنّ صوتها عورة .

قال في الفتح : وعلى هذا لو قيل : إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهاً ، لكن قال ابن أمير حاج : الأشبه أنه ليس بعورة ، وإنّما يؤدي إلى الفتنة واعتمده في النهر ، وظاهر هذا أنّ الخلاف في الجهر بالصوت فقط لا في تمطيطه وتليينه .

وهو ينافي ما قاله المصنف ،ونقله المقدسي عن أبي العباس القرطبي في كتاب السماع ، ونصُّه : ولا يظن من لا فطنة له أنّا إذا قلنا : صوت المراة عورة ، أنّا نريد بذلك كلامها؛ لأنّ ذلك ليس بصحيح ، فإنّا نجيز الكلام من النساء الأجانب ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك ، ولا نُجيز لهن رفع أصواتهن ولا تمطيطها ولا تليينها ) .

قال المرداوي في الإنصاف : (8/ 31) :( قال الإمام أحمد- رحمه الله- في رواية صالح , يُسلّم على المرأة الكبيرة ، فأما الشابة فلا تنطق .

قال القاضي : إنما قال ذلك من خوف الافتتان بصوتها ، وأطلقها في المذهب ، وعلى كلا الروايتين يحرم التلذذ بسماعه ولو بقراءة جزم به في المستوعب والرعاية ، والفروع وغيرهم .

قال القاضي : يمنع من سماع صوتها .

القول الثاني :

وذهب جمع من أهل العلم إلى كراهة جهر المرأة بصوتها أمام الرجال الأجانب ومن هؤلاء :

قال المروادي في الإنصاف ( 8/ 31) : ( وقال ابن عقيل في الفصول : يكره سماع صوتها بلا حاجة ...)

قال ابن الجوزي في كتاب النساء له : سماع صوت المرأة مكروه ..)

القول الثالث :

أن جهرالمرأة بصوتها ليس بعورة إذا أمنت الفتنة

قال الدمياطي في إعانة الطالبين (3/260) : ( ... وليس من العورة أي صوت المرأة ،ومثله صوت الأمرد، فيحل سماعه ما لم تخش فتنة أو يلتذ به وإلا حُرم ) .

وقال ابنُ مفلح في الفروع : (1/372) : ( والمذهب أنه – أي صوت المرأة – ليس بعورة ) :

قلت : وكذا أورده المرداوي ( الإنصاف 8/30) عن القاضي الزريراني الحنبلي في حواشيه على المغني وقال : هل صوت الأجنبية عورة؟

فيه روايتان منصوصتان عن الإمام احمد – رحمه الله –

ظاهر المذهب ليس بعورة .

وعنه أنه عورة اختاره ابن عقيل فقال: يجب تجنب الأجانب الاستماع من صوت النساء على ما تدعو الحاجة إليه ؛ لأنّ صوتها عورة .أ.هـ

وقال النووي في الروضة ( 7/ 21) : ( وصوتُها ليس بعورة على الأصح ، لكن يحرم الاصغاء إليه عند خوف الفتنة .

وإذا قرع بابها – أي الرجل- فينبغي أن لا تجيب بصوت رخيم بل تغلظ صوتها

قلت : هذا الذي ذكره من تغليظ صوتها كذا قاله أصحابنا : قال : إبراهيم المروزي : تأخذ ظهر كفها بفيها وتجيب كذلك) .



تتمة

وأباح جماعة من المعاصرين , إجهار المرأة بصوتها بإطلاق , منطلقين في أحكامهم من عمومات الأدلة ، وحوادث أعيان لا تدل على ما ذهبوا إليه .

فمثلاً : مجيء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاؤه أمام الصحابة عدّ في نظرهم دليلاً بأنّ صوت المرأة ليس بعورة مُطلقاً؛ فيجوز لها أن تُلقى محاضرة عامة أو تذيع برنامجاً في قناة إذاعية أو تلفازية ونحو ذلك وهو قول غير معروف عند السلف ، ولم يقل به عالم يعتد بقوله وإنما هو لبعض المعاصرين الذين لم يتأملوا حقيقة الآثار الواردة ولم يعنوا بأقوال السلف ، ولم يطالعوا ويفقهوا أقوال الأئمة كما أنهم لم يدركوا مقاصد الشريعة وأسرارها !!

وقد وقعت بعض الخيرات من النساء ضحايا هذا الفتاوى الجريئة ، فتسابقن في المشاركات الفضائية ، والإذاعية أو عبر غرف (البالتوك) بدعوى نشر العلم والدعوة فأفسدن أكثر ممّا أصلحن ، وقدّمن من أنفسهن قدوات للمراهقات والشوابّ في الجرأة والله المستعان .

الترجيح

الراجح أنّ الأصل في حق المرأة خفض الصوت, ومنع الخضوع بالقول ولكن يجوز لها الكلام بحدود الحاجة إذا أمنت الفتنة ، وعليه تحمل كل الأحاديث الدالة على كلام المرأة بحضرة الرجال وسماعهم صوتها .

قال ابنُ حجر في الفتح (9/ 509) : ( وفيه : جوازُ سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول : إنّ صوتها عورة ، ويقول : جاز هنا للضرورة ) .

قلت : ومما يدل على جواز رفع المرأة صوتها والاجهار به لمصلحة شرعية ونحوها أحاديث كثيرة منها:

حديث سفعاء الخدين ، وحديث ركب الحجيج في الروحاء وهذا نصُّهما :

1- عن جابر رضي الله عنه ، قال : (( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير آذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال ؛ فأمر بتقوى الله وحثّ على طاعته ووعظ الناس وذكرّهم, ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن فإنّ أكثركن حطب جهنم ، فقامت امرأة من سطة النساء ، سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير .. ) [ البخاري : ] [ مسلم : 885] .

2- عن ابن عباس – رضي الله عنهما – ((عن النبي صلى الله عليه وسلم : لقي ركباً بالروحاء فقال : من القوم ؟ قالوا : المسلمون ، فقالوا : من أنت ؟ قال : رسول الله ، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت : ألهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر) [ مسلم : 1336 ]

القسم الثالث : وهو كلام المرأة المعتاد من غير خضوع ولا جهر عند الحاجة .

وهذا القسم لا أعلم أحداً من أهل العلم حرّمه ، إذ لا بد للمرأة من محادثة الأجانب عند الحاجة من بيع أو شراء أو سؤال أو جواب ، وعليه تحمل الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ((فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)) .

وكذلك ما ثبت من الأحاديث والوقائع الكثيرة التي حدثت فيها النساء الرجال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده .

وقد تقدم سوق كلام أهل العلم بإباحة كلام النساء للحاجة كابن العربي المالكي ، والقرطبي في الجامع وأي العباس القرطبي في السماع وأقوال الإمام أحمد وغيرهم فراجعه إن شئت .

الأحكام الشرعية الخاصة بصوت المرأة :

نظراً لما يترتب على جهر النساء بأصواتهن من الفتنة الأكيدة ، والآثار الخطيرة عليهن ومنهن فقد جاءت الأحكام الشرعية مراعية خصوصية النساء ، وحساسية أوضاعهن من ثم أعفيت النساء من المجاهرة بأصواتهن في مقامات تعبدية شتى ناهيك عمّا دون ذلك ممّا لا حاجة إليه ولا ضرورة من سائر أمورهن الحياتية والاجتماعية !!

ومن ذلك :

1- تصفيق المرأة في الصلاة :

ولما يترتب على ظهور صوت المرأة من الآثار السيئة ، وتأجيج الفتنة جاءت أحكام الشريعة الغرّاء مانعة من إظهار صوتها في حضرة الرجال ، ولو كانت خلف الأئمة في المساجد فأمرت بالتصفيق ، ونهيت عن التسبيح لتنبيه الإمام متى سهى أو غفل في صلاته كما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء)) : [ البخاري : 1145] [ مسلم : 422] .

قال كمال الدين السيواسي في شرح فتح القدير ( 1/ 260) : ( فرع : صرّح في النوازل بأنّ نغمة المرأة عورة ، وبنى عليه أن تعلمها القرآن من المرأة أحب إلي من الأعمى ، قال : لأنّ نغمتها عورة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ، فلا يحسن أن يسمعها الرجل ))

قال ابن القيم في الحاشية ( 6/106) : ( فالمرأة لما كان صوتُها عورة مُنعت من التسبيح ، وجُعل لها التصفيق )

2- لا تُؤذن ولا تٌقيم :

وفي الباب نفسه لم يشرع للمرأة أن تؤذن أو تقيم حفاظاً على مشاعرها ، وصوناً لحيائها ، ودرءً لهاجس الافتتان بصوتها ..

قال الجصاص الحنفي عند تفسيره لقوله تعالى : ((فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ)) : وفيه الدلالة على أنّ المرأة منهية عن الآذان ، وكذلك قال أصحابنا ) (الأحكام : 5/ 229)

قال صحاب المغني : ( ولا يصحُّ الآذان إلا من مسلم عاقل ذكر .. ولا يُعتد بآذان المرأة ؛ لأنّها ليست ممّن يُشرع له الآذن ، وهذا كله مذهب الشافعي ، لا نعلم فيه خلافاً ) [ المغني : 2/68]

3- لا تَرْفَعْ صوتَها بالتلبية :

قال ابنُ قُدامة ( المغني : 5/ 16] : ( قال ابنُ عبد البرّ : أجمع العلماءُ على أنّ السُنة في المرأة أن لا ترفع صوتها ، وإنما عليها أن تُسمع نفسها ، وبهذا قال عطاء ومالك والأوزاعي ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، ورُوي عن سليمان بن يسار أنّه قال : السُنّة عندهم أنّ المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال ، وإنما كُره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها )

وقال الشافعي في الأم ( 2/ 156) : ( النساء مأمورات بالستر فأن لا يسمع صوت المرأة أحدٌ أولى بها وأستر لها فلا ترفع المرأة صوتها بالتلبية وتسمع نفسها ).

مفاسد ترقيق الصوت وتنعيمه :

لا ريب أنّ ترقيق المرأة صوتها وتنعيمه بحضرة رجال أجانب لا يحلّون لها فيها أعظم الضرر عليها وعليهم كما أنّ في ذلك أمضى سبب إلى فساد المجتمع برمته ، وشيوع الفاحشة بأسرع طريق !

ويمكن تلخيص مفاسد ترقيق المرأة صوتها وخضوعها بالقول في النقاط التالية :

1- إثارة أطماع من في قلبه مرض :

قال الله جلّ شأنه : ((فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)) .

فقد نهى الله تعالى أشرف نساء الأمة عن الخضوع بالقول حتى لا يكنّ سبباً في إثارة أطماع مرضى القلوب ، ذلك أنّ حلاوة الصوت وجاذبيته كثيراً ما تُحرك أرباب الشهوات فيبذلون ما في وسعهم لإشباع غرائزهم مع ذات الصوت الجميل !

وقد قيل :

يا قوم إنّ أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً

2- تعريض أهل العفة والصلاح إلى فتنة محققة :

قد يكون الرجل في أصله صالحاً ، ذا خُلق وعفة ، لا تخطر سفاسف الأمور ، وقبيح الفعال على قلبه ، فيبتلى بامرأة لعوب ذات صوت حسن ، ونغمة رقيقة ، وغُنج متعمد فتثير لديه شهوة خاملة ، وفتنة نائمة ، فيخرج عن طوره ، ويتخلى عن أدبه ووقاره ، وكم من الصالحين وقعوا ضحايا الغانيات الماجنات ، والفاتنات الناعمات !

وصدق نبينا الكريم عليه السلام حيث يقول فيما رواه مسلم من طريق أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) .

3- شيوع الفاحشة في المجتمع :

إنّ اعتياد بعض النسوة والفتيات الخضوع بالقول ، وطمع بعض الرجال من مرضى القلوب فيهن ، وافتتان آخرين بأصواتهن كفيل بإرباك المنظومة الأخلاقية في المجتمع ، وإقحامه في أتون الفواحش والرذائل ، وتعريض عامة الناس إلى الفتنة العمياء ، والردّة الصمّاء !

وقد رأينا كيف وقعت بعضُ المجتمعات ضحية تهتك النساء ، وتخنت الرجال ، فراجت الفاحشة ، وانتشرت الرذيلة ، وذهب الحياء ، وقلّ الوقار .

بل قد احترف النساء الغناء والعزف ،والرقص والتمثيل , بل لعبن كلّ الأدوار التمثيلية المطلوبة بما فيها دور الزوجة النائمة بجانب زوجها عارية تحت لحاف واحد تتبادل معه القبلات الحارة والمضاجعة التي تضج من هولها الجبال .

وما كان ليحدث شيء من هذا لولا تبذل النساء وتغنجهن , وشروعهن في طريق الإغواء خطوة خطوة حتى آل الأمر إلى ما ترى وتسمع والله المستعان !

4- الخضوع بالقول جرأة على حدود الله ، وقواعد الشريعة .

لا ريب أنّ صوت المرأة في حدّ ذاته مهما كان جاداً بعيداً عن الريبة والخضوع مثير لشهوة ضعاف النفوس لئام الطبع فكيف إذا صاحب الصوت تغنجٌ وتكسرٌ ولين وعذوبة ؟ !

إنّ الأثر حينئذ خطير ، والمفسدة متحققة لا محالة ، وأبرزها .



إفتتانُ الرجال بجمال الصوت ودلاله، فالغريزة في الذكور تجاه الإناث قابلة للهيجان عند أدنى مؤثر صادر عن المرأة حتى ولو كان خفق نعليها ، فكيف إذا كان الصوت صادراً من حنجرة لعوب ، ولسان ماكر ؟!

قال الله تعالى : ((وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ )) (سورة النور : 31)

5- الافتتان بالدميمات .

إنّ هيئة المرأة وصورتها قد لا تكون مثيرة للإعجاب لدى كثير من الرجال بسبب دمامة الوجه وقبح المنظر ، بيد أنّ نعومة الصوت وجاذبية قد يتغلبان على ذلك النقص الجبلي ، فيقع عقلاء الرجال فضلاً عن سفهائهم ضحية تلك الأصوات العذبة فتطيش عقولهم ويذهب وقارهم عند أقدام النساء !!

6- ذهاب حياء المرأة وزيادة جرأتها :

ومن الآثار السيئة لخضوع المرأة بالقول ما يتبعه من خطوات أخرى أشد فحشاً ومنها ذهاب حيائها شيئاً فشيئاً ، ومن ثمّ جرأتها على إذاعة صوتها عبر الإذاعات ، والقنوات، والمداخلات في الفضائيات وغيرها فإنّ صفيقات الوجوه هنّ اللواتي يُكثرن من هذه المشاركات بلا مبرر ، ضروري ، بسبب ما تعودن عليه من التكسر والتغنج بأصواتهن ، بل ربما جرّهن ذلك إلى الإنشاد والغناء وإلّا من أين خرجن هؤلاء المطربات الفاجرات ؟!

خاتمة: الى هنا تم المقصود بحمد الله ونعمته وكرمه, والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم , وأن ينفع به جامعه وناسخه وناشره وقارئه وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] تفسير ابن كثير 6/ 405.

أمة الجليل
08-18-05, 09:02 PM
مبحث مهم .. جمع الأقوال و رجح بينها ..جزى الله خيرا كاتبه و ناقله