المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يمزق القرآن الكريم ويهان ؟؟



علي بن نايف الشحود
08-14-05, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين
أما بعد :
فقد سمعنا جميعا ما فعله أعداء الإسلام من تمزيق لكتاب الله تعالى وإهانته في سجون قوانتنامو وغيرها
وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن نعرف أنه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة التي يمزق فيها كتاب الله تعالى ويهان
بل هذا غيض من فيض
بل إن القرآن الكريم يمزق ويحرق ويهان في بلاد المسلمين أمام مرأى الناس وأعينهم وهم ساكتون !!!!
فإذا فعلها الكفار الأصلاء فلا غرابة في هذا أبدا فهذا من طبع القوم وديدنهم عبر التاريخ كله
والأدهى من ذلك وأمر أن تتباين ردود الفعل الإسلامية ما بين منكر وما بين مبرر
وما بين من يقول عمن فعل هذا ((شوية عيال )) كما قال ذلك شيخ الأزهر !!!!
*************
إن هؤلاء الكفار ما تجرؤوا على كتاب الله تعالى إلا بعد أن تجرأ عليه من هم محسوبون على الإسلام والمسلمين ((زورا وبهتانا )) حيث إنهم قد طلقوا القرآن ثلاثا واستبدلوه بأحكام الجاهلية الجهلاء ((شرقية كانت أم غربية ))
قال تعالى : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (50) سورة المائدة
وكذلك قد فرغوه من محتواه فلا وجود له على أرض الواقع فحياة المسلمين في واد وكتاب الله تعالى في واد آخر
وضحكوا على السذج من المسلمين بأن يحفظوهم كتاب الله حفظ الببغاوات دون فهم ووعي وتطبيق وعمل ويقولون لهم هذا هو الإسلام !!!
*************
لم يتجرأ الأعداء على هذه الجرائم إلا لأنهم يعلمون أن المسلمين لن يحركوا ساكنا
فهم ما بين ساكت أو مبرر أو قامع أو مستنكر بلسانه وينتهي الأمر عند هذا الحد
لقد فات هؤلاء الطغاة وأعوانهم وأولئك الكفار وشياطينهم أن هذا الكتاب
« فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِى غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِى لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلاَ تَنْقَضِى عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِى لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ) مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »
لن يتحدى القرآن أحد إلا أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كائنا من كان
{000 وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (21) سورة يوسف
ولكن الأدهى وأمر في هذا الأمر الجلل سكوت المسلمين ولا سيما مشايخهم على ما يفعل في كتاب الله تعالى في بلاد المسلمين
ثم إنكارهم على ما يفعل هنا وهناك من قبل الكفار الأصليين
وهذا هو عين النفاق
فعند الإمام أحمد رحمه الله في مسنده 23056- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ ». تحفة 2102 معتلى 1330 مجمع 5/239
بل هم أخطر من الدجال على هذه الأمة
ففي مسند أحمد 21903- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ أَبِى تَمِيمٍ الْجَيْشَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ كُنْتُ مُخَاصِرَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْماً إِلَى مَنْزِلِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ « غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِى مِنَ الدَّجَّالِ ». فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ شَىْءٍ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنَ الدَّجَّالِ قَالَ « الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ ». معتلى 8114
*********************
إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار ، إنما هو الإيمان . .
أو . . فلا إيمان . .
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . .
ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين . .
والأمر إذن جد . .
إنه أمر العقيدة من أساسها . .
ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها . .
إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق ، وشفاء كل داء: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين . .
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . .
ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه ، ولا تسلك في أمر نفسها ، وفي أمر إنسانيتها ، وفي أمر سعادتها أو شقوتها . .
ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة . .
وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز . ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه ، فترده إلى المصنع الذي منه خرج ، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب ، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف ، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: إنه عليم بذات الصدور . ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ . .
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة . البشرية المسكينة الحائرة ، البشرية التي لن تجد الرشد ، ولن تجد الهدى ، ولن تجد الراحة ، ولن تجد السعادة ، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير ، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير !
ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ، ونكبة قاصمة في حياتها ، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات . .
لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعد ما فسدت الأرض ، وأسنت الحياة ، وتعفنت القيادات ، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة ؛ و ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس . .
تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن ، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن ، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور .
. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته . لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم ؛ كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا ، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور ، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء . .
نعم !
لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال ، والعظمة والارتفاع ، والبساطة واليسر ، والواقعية والإيجابية ، والتوازن والتناسق . . .
بحيث لا يخطر للبشرية على بال ، لولا أن الله أراده لها ، وحققه في حياتها . . في ظلال القرآن ، ومنهج القرآن ، وشريعة القرآن .
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة . ونحي الإسلام عن القيادة . نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى ، في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم ، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان !
إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية . يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ؛ ثم يقولون لها:اختاري !!! اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة ، وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله !!! وهذا خداع لئيم خبيث . فوضع المسألة ليس هكذا أبدا . .
إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني . إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة . .
ذلك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض . هذا المقام الذي منحه الله له ، وأقدره عليه ، ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه ؛ وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه ؛ ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع . . على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام ، والتقيد بشرطه في عقد الخلافة ؛ وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله . فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة ، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى . . فهم سيئو النية ، شريرون ، يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال ، وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح ، وأن تؤوب من المتاهة المهلكة وأن تطمئن إلى كنف الله . . .
وهنالك آخرون لا ينقصهم حسن النية ؛ ولكن ينقصهم الوعي الشامل ، والإدراك العميق . .
هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية ، وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة . فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية ، وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ؛ ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا ، وللقيم الإيمانية مجالا آخر ؛ ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية ، وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا . اتبعوا منهج الله أم خالفوا عنه . حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس !
هذا وهم . . إنه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين . فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء . ونتائجها مرتبطة ومتداخلة ؛ ولا مبرر للفصل بينهما في حس المؤمن وفي تصوره . . وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن . ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها وأثر هذا الانحراف في نهاية المطاف:
ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم . ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم . وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه: فقلت:استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا . .
وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . .
إن الإيمان بالله ، وعبادته على استقامة ، وإقرار شريعته في الأرض . . . كلها إنفاذ لسنن الله . وهي سنن ذات فاعلية إيجابية ، نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التي نرى آثارها الواقعية بالحس والاختبار .
ولقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية ، حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية . .
هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق ؛ ولكنها تظهر حتما في نهايته . . وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه . لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية . وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما . وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا . .
وفي الطرف الآخر تقف الحضارة المادية اليوم . تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار ، بينما جناحه الآخر مهيض ، فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني . ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك . . لولا أنهم لا يهتدون إلى منهج الله وهو وحده العلاج والدواء .
إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون . فإنفاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون . .
والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير . فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم ، كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم . وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني ، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير ، ونظافة في الشعور ، وضخامة في الاهتمامات ، ورفعة في الخلق ، واستقامة في السلوك . . .
وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية . .
فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود .
والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود . وعمله وإرادته ، وإيمانه وصلاحه ، وعبادته ونشاطه . . . .
هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة للوجود . .
وكلها تعمل متناسقة ، وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق ، بينما تفسد آثارها وتضطرب وتفسد الحياة معها ، وتنتشر الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . .
فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين ماجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع . ولا يوحي بتمزيق هذا الارتباط ، ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق ، ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية ، إلا عدو للبشرية يطاردها دون الهدى ؛ وينبغي لها أن تطارده ، وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم . .
******************
وهذا القرآن ينبغي أن يكون هو كتاب هذه الدعوة , الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله , قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه . والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس , وكيف يوقظون القلوب الغافية , وكيف يحيون الأرواح الخامدة .
إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله , خالق هذا الإنسان , العليم بطبيعة تكوينه , الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها . .
وكما أن الدعاة إلى الله يجب أن يتبعوا منهج الله في البدء بتقرير ألوهية الله - سبحانه - وربوبيته وحاكميته وسلطانه ; فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق - على ذلك النحو - كيما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده , والاعتراف بربوبيته المتفردة وسلطانه . .
ولتعريف الناس بربهم الحق , ونفي كل شبهة شرك , يعني المنهج القرآني ببيان طبيعة الرسالة , وطبيعة الرسول . .
ذلك أن انحرافات كثيرة في التصور الاعتقادي جاءت لأهل الكتاب من قبل , من جراء الخلط بين طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة - وبخاصة في العقائد النصرانية - حيث خلعت على عيسى - عليه السلام - خصائص الألوهية وخصائص الربوبية ; ودخل أتباع شتى الكنائس في متاهة من الخلافات العقيدية المذهبية بسبب ذلك الخلط المنافي للحقيقة .
ولم تكن عقائد النصارى وحدهم هي التي دخلت في تلك المتاهة ; فقد خبطت شتى الوثنيات في ذلك التيه ; وتصورت للنبوة صفات غامضة ; بعضها يصل بين النبوة والسحر ! وبعضها يصل بين النبوة والتنبؤات الكشفية ! وبعضها يصل بين النبوة والجن والأرواح الخفية !
وكثير من هذه التصورات كان يخالج الوثنية العربية . .
من أجل هذا كان بعضهم يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينبئهم بالغيب ! وبعضهم كان يقترح أن يصنع لهم خوارق مادية معينة ! كما أنهم كانوا يرمونه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر , وبأنه "مجنون" - أي على صلة بالجن ! - وبعضهم كان يطلب أن يكون معه ملك . . .
إلى آخر هذه المقترحات والتحديات والاتهامات التي كانت متلبسة بالتصورات الوثنية عن طبيعة النبي وطبيعة النبوة !
ولقد جاء هذا القرآن ليجلي الحقيقة كاملة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي ; وعن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ; وعن حقيقة الألوهية المتمثلة في الله وحده - سبحانه - وحقيقة العبودية التي تشمل كل ما خلق الله وكل من خلق ; ومنهم أنبياء الله ورسله ; فهم عباد صالحون ; وليسوا خلقا آخر غير البشر ; وليس لهم من خصائص الألوهية شيء ; وليسوا على اتصال بعوالم الجن والخفاء المسحور ! إنما هو الوحي من الله - سبحانه - وليس لهم وراءه شيء من القدرة على الخوارق - إلا بإذن الله حين يشاء - فهم بشر من البشر , وقع عليهم الاختيار , وبقيت لهم بشريتهم وعبوديتهم لله - سبحانه - كبفية خلق الله .
******************
قال تعالى : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ? إنما يتذكر أولو الألباب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق , والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل , ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب . والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم , وأقاموا الصلاة , وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية , ويدرأون بالحسنة السيئة , أولئك لهم عقبى الدار . . .) .
وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم - بشهادة الله سبحانه - عمي . وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون . وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب , وهؤلاء تطمئن قلوبهم بذكر الله , وتتصل بما هي عارفة له ومصطلحة عليه بفطرتها العميقة , فتسكن وتستريح .
وإن الإنسان ليجد مصداق قول الله هذا في كل من يلقاه من الناس معرضا عن هذا الحق الذي تضمنه دين الله , والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول الله . . فإن هي إلا جبلات مؤوفة مطموسة . وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها , وهو يسبح بحمد ربه ; وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره .
وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميا - بشهادة الله سبحانه - فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول الله , ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله . .
لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى !
وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقا بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان ; أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته ; أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه . .
وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" أنتم أعلم بشؤون دنياكم " . فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى الله ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله , أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق . .
فهو أعمى بشهادة الله سبحانه . . ولن يرد شهادة الله مسلم . .
ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم !!!
إنه لا بد لنا أن نأخذ هذا الدين مأخذ الجد ; وأن نأخذ تقريراته هذه مأخذ الجزم . . وكل تميع في مثل هذه القضية هو تميع في العقيدة ذاتها ; إن لم يكن هو رد شهادة الله - سبحانه - وهو الكفر البواح في هذه الصورة !
وأعجب العجب أن ناسا من الناس اليوم يزعمون أنهم مسلمون ; ثم يأخذون في منهج الحياة البشرية عن فلان وفلان من الذين يقول عنهم الله سبحانه:
إنهم عمي . ثم يظلون يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون !
إن هذا الدين جد لا يحتمل الهزل , وجزم لا يحتمل التميع , وحق في كل نص فيه وفي كل كلمة .
فمن لم يجد في نفسه هذا الجد وهذا الجزم وهذه الثقة فما أغنى هذا الدين عنه . والله غني عن العالمين !
وما يجوز أن يثقل الواقع الجاهلي على حس مسلم , حتى يتلقى من الجاهلية في منهج حياته ; وهو يعلم أن ما جاءه به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ; وأن الذي لا يعلم أن هذا هو الحق(أعمى) . ثم يتبع هذا الأعمى , ويتلقى عنه , بعد شهادة الله سبحانه وتعالى . .
وأخيرا نقف أمام المعلم الأخير من المعالم التي تقيمها هذه السورة لهذا الدين . .
إن هناك علاقة وثيقة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض وبين ذلك العمى عن الحق الذي جاء من عند الله لهداية البشر إلى الحق والصلاح والخير . فالذين لا يستجيبون لعهد الله على الفطرة , ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عنده ويعلمون أنه وحده الحق . . هم الذين يفسدون في الأرض ; كما أن الذين يعلمون أنه الحق ويستجيبون له هم الذين يصلحون في الأرض , وتزكو بهم الحياة:
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ? إنما يتذكر أولو الألباب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل , ويخشون ربهم , ويخافون سوء الحساب . والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم , وأقاموا الصلاة , وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية , ويدرأون بالحسنة السيئة , أولئك لهم عقبى الدار . . . . .
(والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه , ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل , ويفسدون في الأرض , أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) . .
إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق . ومن ثم يوفون بعهد الله على الفطرة , وبعهد الله على آدم وذريته , أن يعبدوه وحده , فيدينوا له وحده , ولا يتلقوا عن غيره , ولا يتبعوا إلا أمره ونهيه . ومن ثم يصلون ما أمر الله به أن يوصل , ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه ; ويخافون سوء الحساب , فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل خالجة وكل حركة ; ويصبرون على الاستقامة على عهد الله ذاك بكل تكاليف الاستقامة ; ويقيمون الصلاة ; وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية ; ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان
إن حياة الناس في الأرض لا تصلح إلا بمثل هذه القيادة المبصرة ; التي تسير على هدى الله وحده ; والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه . .
إنها لا تصلح بالقيادات الضالة العمياء , التي لا تعلم أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق وحده ; والتي تتبع - من ثم - مناهج أخرى غير منهج الله الذي ارتضاه للصالحين من عباده . . إنها لا تصلح بالإقطاع والرأسمالية , كما أنها لا تصلح بالشيوعية والاشتراكية العلمية ! . .
إنها كلها من مناهج العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو وحده الحق , الذي لا يجوز العدول عنه , ولا التعديل فيه . .
إنها لا تصلح بالثيوقراطية كما أنها لا تصلح بالديكتاتورية أو الديمقراطية ! فكلها سواء في كونها من مناهج العمي , الذين يقيمون من أنفسهم أربابا من دون الله , تضعهي مناهج الحكم ومناهج الحياة , وتشرع للناس ما لم يأذن به الله ; وتعبدهم لما تشرع , فتجعل دينونتهم لغير الله . .
وآية هذا الذي نقوله - استمدادا من النص القرآني - هو هذا الفساد الطامي الذي يعم وجه الأرض اليوم في جاهلية القرن العشرين . وهو هذه الشقوة النكدة التي تعانيها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها . . سواء في ذلك أوضاع الإقطاع والرأسمالية , وأوضاع الشيوعية والاشتراكية العلمية ! . .
وسواء في ذلك أشكال الديكتاتورية في الحكم أو الديمقراطية ! . .
إنها كلها سواء فيما تلقاه البشرية من خلالها من فساد ومن تحلل ومن شقاء ومن قلق . .
لأنها كلها سواء من صنع العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد من ربه هو الحق وحده ; ولا تلتزم - من ثم - بعهد الله وشرعه ; ولا تستقيم في حياتها على منهجه وهديه .
إن المسلم يرفض - بحكم إيمانه بالله وعلمه بأن ما أنزل على محمد هو الحق - كل منهج للحياة غير منهج الله ; وكل مذهب اجتماعي أو اقتصادي ; وكل وضع كذلك سياسي , غير المنهج الوحيد , والمذهب الوحيد , والشرع الوحيد , الذي سنه الله وارتضاه للصالحين من عباده .
ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله , هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله , فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه .
إن هذا الاعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الأساسي , فهو في الوقت ذاته يسلم الخلافة في هذه الأرض للعمي الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه , ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض . . فهذا الفساد في الأرض مرتبط كل الارتباط بقيادة العمي ! . .
ولقد شقيت البشرية في تاريخها كله ; وهي تتخبط بين شتى المناهج وشتى الأوضاع وشتى الشرائع بقيادة أولئك العمي , الذين يلبسون أردية الفلاسفة والمفكرين والمشرعين والسياسيين على مدار القرون . فلم تسعد قط ; ولم ترتفع "إنسانيتها" قط , ولم تكن في مستوى الخلافة عن الله في الأرض قط , إلا في ظلال المنهج الرباني في الفترات التي فاءت فيها إلى ذلك المنهج القويم . (الظلال)
***********************
هذا وقد قسمت هذا الموضوع حسب التسلسل التالي :
الأسباب التي دفعت هؤلاء وأولئك لتمزيق كتاب الله :
1. لأنه يهدي للتي هي أقوم وهم لا يريدون ذلك
2. ولأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور
3. ولأن فيه حياة ما بعدها حياة
4. ولأنه بصائر وهدى ورحمة
5. ولأنه هدى للمتقين
6. ولأنه يدعوهم إلى كلمة سواء
7. ولأن الله تعالى أمرنا بحكم به في شئون حياتنا كلها لأنه منهج حياة متكامل
8. ولأنه لا عوج في هذا الكتاب بعكس الكتب الأخرى
9. ولأننا أورثنا الكتاب دونهم
**********************
ثم تحدثت طبيعة الكفار والفجار فقد ذكرها القرآن الكريم مفصلة لنكون على بينة من أمر ديننا وعلى حذر تامين من خلال النقاط التالية :
• عدم رضاهم عن المسلمين ما داموا مسلمين
• الحسد والحقد
• البغي والعدوان
• ولأنهم يتمنون إضلالنا ويكفرون بآيات الله ويلبسون الحق بالباطل ولأنهم مخادعون
• كفرهم بآيات الله وصدهم عن سبيل الله
• يريدون منا أن نضل السبيل
• قولهم للمشركين أنهم أهدى من المسلمين
• النقمة على المسلمين لأنهم مسلمون
• ولأن الله تعال أمرنا بجهادهم
• إصرارهم على قتال المؤمنين حتى يرتدوا عن دينهم
• ولتكذيبهم بالآيات
• المكر بآيات الله
• كرههم لتلاوة الآيات
• ادعاؤهم أن القرآن إفك مبين
• يريدون منا اتباع الشهوات مثلهم
• إن ظفروا بنا حاولوا كفرنا بكل الوسائل
• لا يرقبون فينا إلا ولا ذمة
• الرجم أو العودة للكفر
• تمني كفرنا
• يزلقونك بأبصارهم
• لا تسمعوا لهذا القرآن
*********************
ماذا طلب الله منا إزاءهم

1. التحذير من طاعتهم
2. التحذير من توليهم
3. تحريم حبهم
4. عدم مجالسة من يسخر بآيات الله تعالى
5. تحريم اتخاذهم أولياء
6. أشد الناس عداوة لنا
7. مغضوب عليهم
8. تحريم التحاكم إليهم وإلى قوانينهم
********************
تكفل الله تعالى بحفظ هذا الكتاب رغم أنف الكائدين والمعتدين
***********************
وعد الله تعالى لنا بالنصر عليهم :
• عدم الاغترار بقوتهم
• هزيمتهم يقينا
• عدم الاغترار بأموالهم
• نصر الرسل وأتباعهم على الكفار والفجار
• الاستخلاف في الأرض
• صفات الذين ينصرون دين الله
• نصر الله قريب
********************
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره آمين
قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف
علي بن حمزة الشامي
9 ربيع الآخر 1426 هـ