المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول قراءة الفاتحة خلف الإمام



أبو المهاجر المصري
07-08-05, 02:49 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد
فهذه المسألة من المسائل الخلافية الشهيرة ، وقد تشعبت فيها آراء العلماء إلى 4 أقوال رئيسية :

أولا : قول أبي حنيفة ، رحمه الله : بأن المأموم لا يجب عليه القراءة خلف الإمام سواء في السرية أو الجهرية ، وظاهر كلام البهوتي الحنبلي ، رحمه الله ، في منتهى الإرادات 1/248 ، يؤيد هذا القول ، وفيه :
ويتحمل إمام عن مأموم قراءة الفاتحة ، فتصح صلاة مأموم بدون قراءة لقوله تعالى : (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ، وحديث أبي هريرة مرفوعا : (إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا) ، رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد في رواية الأثرم ، فلولا أن القراءة لا تجب على المأموم بالكلية لما أمر بتركها من أجل سنة الاستماع ، وحديث : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، رواه سعيد وأحمد في مسائل ابنه عبد الله والدارقطني ، وهو إن كان مرسلا ، فهو عندنا حجة . اهــــــ

والبهوتي ، رحمه الله ، احتج بآية ، لا تمنع القراءة في سكتات الإمام ، وهو ما أكده بعد ذلك بقوله : وسن لمأموم أيضا أن يقرأ الفاتحة وسورة حيث شرعت السورة في سكتاته . اهــــــ
وكذا حديث أبي هريرة ، بمفهومه ، لا يمنع القراءة خلف الإمام ، في سكتاته ، لأنه علق الإنصات على قراءة الإمام ، وعليه فلا مانع من القراءة بعد فراغ الإمام من قراءته .
وأما استدلاله بحديث : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، فقد أقر بنفسه أنه مرسل ، والمرسل من أنواع الضعيف ، وسيأتي إن شاء الله ، مناقشة هذا الدليل بالتفصيل لأنه أصرح أدلة القائلين بعدم وجوب قراءة المأموم خلف الإمام ، وإن لم يكن أصحها ، ويكفينا في هذا المقام أنه معارض بأدلة أقوى منه ، منها ما رواه الجماعة من حديث عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) .
وقوله ، رحمه الله : وهو إن كان مرسلا ، فهو عندنا حجة ، ليس على إطلاقه ، كما قرر الحنابلة ، رحمهم الله ، فهو حجة ، مقدم على آراء الرجال ، إذا لم يكن في الباب غيره ، وإما إذا عارضه ، ما هو أقوى منه ، كما هو الحال في هذه المسألة ، فهو غير معتبر ، بل إن الناظر المتأمل ، يجد أن أحمد ، رحمه الله ، إنما عنى بالضعيف الذي يقدم على آراء الرجال ، الحديث الحسن ، في اصطلاح المتأخرين ، وليس المرسل حسنا ، إلا إذا عضد بما يقويه ، فأين المقوي هنا ؟ .

ثانيا : قول مالك ، رحمه الله : بأن المأموم يقرأ معه فيما أسر ، ولا يقرأ معه فيما جهر به ، وهذا ما عرف عند المالكية ، رحمهم الله ، بمسألة السكوت إلى بدل ، في حالة الإنصات لقراءة الإمام ، والسكوت لغير بدل ، في حالة إسرار الإمام بالقراءة ، أو عدم سماعه ، فهنا يلزم المأموم أن يقرأ .

ثالثا : قول أحمد ، رحمه الله ، وهو قول مشابه لقول مالك ، إن لم يكن مطابقا له ، حيث أوجب القراءة إذا لم يسمع الإمام ، ولا يقرأ إذا سمع ، فعلق الأمر على قراءة الإمام .

رابعا : قول الشافعي ، رحمه الله ، وهو يرى الوجوب مطلقا ، في الجهرية والسرية ، واختاره البخاري ، رحمه الله ، وذكر الترمذي ، رحمه الله أن العمل على هذا الحديث (أي حديث عبادة المتقدم) ، عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام) ، وقد أجمل الترمذي القول في هذه المسألة ، ومقصوده كما يقول الشيخ عادل بن يوسف العزازي ، حفظه الله في تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة : أن هؤلاء الأئمة كلهم يرون القراءة خلف الإمام إما في جميع الصلوات ، أو في الصلاة السرية فقط ، وإما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب ، كتاب الصلاة (1/115) .
واختاره الخطابي ، والبيهقي ، والنووي رحمهم الله ، من الشافعية ، قال النووي :
والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية .
واختاره ابن حزم ، رحمه الله ، و من تابعه من الظاهرية ، رحمهم الله .
وممن اختاره من المعاصرين :
الشيخ سيد سابق ، رحمه الله ، في فقه السنة (1/95 _ 96) ، وساق له 7 أدلة ، من أبرزها :
حديث عبادة بن الصامت المتقدم ، وحديث أبي هريرة ، رضي الله عنه مرفوعا : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ، وفي رواية : بفاتحة الكتاب ، فهي خداج هي خداج غير تمام) ، وقد علق عليه الخطابي ، رحمه الله ، بقوله : هي خداج : أي ناقصة نقص بطلان وفساد ، وحديث : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) ، عند ابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم ، وحديث : (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، عند الدارقطني ، رحمه الله ، بإسناد صحيح ، وحديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، مرفوعا : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ، وفي بعض طرق حديث المسيء صلاته : (ثم اقرأ بأم القرآن) ، إلى أن قال له : (ثم افعل ذلك في كل ركعة) ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل ، ولم يثبت عنه خلاف ذلك ، ومدار الأمر في العبادة على الاتباع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، رواه البخاري . اهـــــ ، ومعلوم عند الأصوليين ، أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الاستحباب ، إلا في بيان الواجب المجمل ، فإنه يحمل على الوجوب ، وفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، هنا في بيان الصلاة الواجبة التي أتى الأمر بها مجملا في الكتاب .

واختاره ابن باز وابن عثيمين ، رحمهما الله .
واختاره الشيخ محمد الشنقيطي ، حفظه الله ، واستدل بحديث أبي هريرة المتقدم : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ، وفي رواية : بفاتحة الكتاب ، فهي خداج هي خداج غير تمام) ، وحديث : (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ؟ ، قالوا : نعم ، قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ، وفي هذا الحديث رد صريح على من قال بوجوب الاستماع لقراءة الإمام مطلقا .

وقد ناقش الشيخ ، حفظه الله ، دليل المخالفين ، وهو حديث جابر ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، فقال :
إن القول بنسخ هذا الحديث لأحاديث الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام ، دعوى لا دليل عليها ، فلا يوجد ما يدل على تأخره عنها .
أنه حديث ضعيف ، لأنه مرسل ، كما تقدم ، فلا يقوى على النهوض أمام الأدلة المعارضة ، وحسبك أن البخاري ، رحمه الله ، قد ضعفه ، ونقل ابن حجر ، رحمه الله ، الاتفاق على ضعفه ، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الله السعد ، حفظه الله ، في شرحه لكتاب "التمييز" للإمام مسلم ، رحمه الله ، في المحاضرة الثامنة .

أن المقصود بالقراءة هنا ، أي قراءة الإمام بعد الفاتحة ، فقراءة الإمام بعد الفاتحة تجزئ عن قراءة المأموم بعد الفاتحة ، ويشهد لهذا المعنى ، قوله صلى الله عليه وسلم : (ما لي أنازعها) ، أي سورة الأعلى ، وهي مما يقرأ بعد الفاتحة .

وقد أفرد البخاري ، رحمه الله ، هذه المسألة ، بجزء جديثي هو : "جزء القراءة خلف الإمام" ، وقيل أنه ألفه خصيصا للرد على أصحاب الرأي الذين قالوا بعدم القراءة لا في الجهرية ولا السرية ، كما تقدم .

وأفردها شيخ الشافعية في زمانه ، الحافظ أبو بكر البيهقي ، رحمه الله ، في مصنف مستقل هو "القراءة خلف الإمام" ، مع أنه عالجها في "السنن الكبرى" ، لأن أحد الأحناف ، جمع بعض الأخبار تحت عنوان "القراءة خلف الإمام" ، وهي أخبار ملفقة قد جانبه فيها الصواب ، كما يقول البيهقي : "لأنه لا علم له بصحيح الأخبار ، ينقل منها ما يمكنه التعلق به ، ويدع الباقي ، ليوهم من نظر في كتابه أنه حجة له ، ولا يفكر في نفسه أن المطلع على السرائر عالم بفعله ، وأنه ربما ينظر في كتابه من هو عالم فيطلع على تلبيسه" .

واعتمد البيهقي ، في نصرة قول الشافعي ، على حديث عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، مرفوعا : صلى بنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، صلاة الغداة ، فثقلت عليه القراءة ، فلما انصرف قال : إني لأراكم تقرؤون وراء الإمام ، قلنا : نعم ، قال : "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن" .

وقد رواه البيهقي بطرقه المختلفة ، واعتبره أصح ما روي في هذه المسألة ، ثم ناقش خصمه الذي اعتمد رواية جابر الجعفي ، ورفض حديثا في سنده محمد بن إسحاق ، رحمه الله ، رغم أن أبا حنيفة نفسه ، قال : (ما رأيت فيما رأيت أفضل من عطاء ، ولا لقيت فيما لقيت أكذب من جابر الجعفي" ، فكيف يستدل بحديثه لتأييد قول من كذبه .
ثم نقل البيهقي ، من جهة أخرى ، ثناء أهل العلم على محمد بن إسحاق . اهــــ
ومن ذلك وصف شعبة ، رحمه الله ، لابن إسحاق بأنه أمير المؤمنين في الحديث .

وناقش استدلال المخالف بقوله تعالى : (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ، حيث قال بأن الإنصات هنا المراد به : الإنصات خلف الإمام ، ولا يرى تعارضا بين الإنصات وقراءة الفاتحة ، لأن المأموم يمكنه القراءة في إحدى سكتتي الإمام قبل الفاتحة ، أو بينها وبين السورة ، وإذا كان الخصوم يشككون في حديث السكتتين ، فهو ، كما يقول البيهقي : أثبت من كل حديث يحتج به من يقول بترك القراءة خلف الإمام في جميع الصلوات عند أهل المعرفة بالحديث .
وقد تأثر البيهقي ، في كتابه هذا ، بأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، رحمه الله ، ونقل من كتابه الآنف الذكر . اهــــ ، بتصرف يسير من "أبو بكر البيهقي وجهوده في خدمة الحديث النبوي" ، للدكتور أحمد يوسف سليمان ص189 _190 .

ومما سبق يتضح أن الرأي الأرجح و "الأحوط" ، هو قول من قال بوجوب قراءة الفاتحة في كل الركعات فرضا أو نفلا ، سرا أو جهرا ، والله أعلم .