المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقوال الفرق في الإيمان



أبو المهاجر المصري
06-26-05, 01:11 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم ، أما بعد

فهذه فائدة موجزة حول أقوال الفرق في مسألة الإيمان أصلها مستفاد من تعليقات الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود ، حفظه الله ، على كتاب "الإيمان" ، لشيخ الإسلام ، رحمه الله .


أولا : مذهب جمهور أهل السنة ، وهو أن الإيمان يزيد وينقص ، ومن الأدلة على ذلك :
في الزيادة : جاءت نصوص القرآن والسنة ، مثبتة لزيادة الإيمان ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) ، وقوله : (وزدناهم هدى) ، وقوله : (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) ، وقوله : (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) ....... الخ .

ومن السنة : حديث شعب الإيمان ، فانقسام الإيمان إلى شعب ، دال على التفاوت في الإيمان زيادة ونقصانا ، تبعا لتمسك صاحبه بها ، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حنظلة الأسدي ، رضي الله عنه : (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، لكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات) ، فدل هذا على زيادة إيمان الصحابة حال مجالستهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الترمذي ، رحمه الله : باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان ، وساق فيه حديث عائشة ، رضي الله عنه قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله) ، وقال : هذا حديث صحيح ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة ، وقد رواه الحاكم ، رحمه الله ، وقال : صحيح على شرط مسلم وصححه الذهبي في تلخيصه .

وفي النقصان : لم تأت نصوص قرآنية في نقصان الإيمان ، ولعل هذا مما جعل الإمام مالك ، رحمه الله ، يتوقف في مسألة نقصان الإيمان ، ولكن جاءت نصوص كثيرة من السنة تثبت نقصان الإيمان ، ومنها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه
وذلك أضعف الإيمان) ، فأثبت ضعف الإيمان ، وهذا يستلزم القول بنقصانه ، وقوله : (ما رأيت من ناقصات
عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي العقول منكن) ، فأثبت لهن نقصان الدين ، لأنهن يحضن ، فيمتنعن عن
الصلاة ، ولا شك أن هذا مما يضعف الإيمان ، وإن كان شيئا قد كتبه الله عليهن ، فلا إثم عليهن ، بل إنهن يأثمن
إن صلين حال حيضهن .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان) ، وفي رواية :
(أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل) ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم :
(يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال لا إله
إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما
يزن ذرة) ،
وقوله صلى الله عليه وسلم :
(يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع ، فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين) ، فهم من أنقص
الناس إيمانا ، ولكن أصل الإيمان لم ينتف من قلوبهم ، فنفعهم في عدم الخلود في النار ، وقوله صلى الله عليه
وسلم :
(لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) ، فنفى عنه كمال الإيمان الواجب للنجاة من الوعيد ، وإن لم ينتف عنه
أصله ، وهذه قاعدة هامة ، (وهي أن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ، ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا
بقيد) ، وعليه فنفي الإيمان في الحديث السابق ، يقع على الإيمان الكامل ، لأنه أطلق اللفظ ، فقال "وهو مؤمن" ،
ولم يقل "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ناقص الإيمان" ، ونفي مرتبة الكمال لا يلزم منه نفي الحقيقة
كلية .
وقد قال أحمد رحمه الله في تفسير هذا الحديث بأنه يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام ، وهي
دائرة أوسع ، فكل مؤمن مسلم ، ولا عكس ، ومعلوم أن اسم الإسلام يتناول أصل الإيمان ، وهو التصديق الباطن
، ويتناول أصل الطاعات ، كما قرر ذلك ابن الصلاح ، رحمه الله .

ومن أقوال الصحابة ، ما نقله شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "الإيمان" :
· ما روى الناس من وجوه كثيرة مشهورة : عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي ، رضي الله عنه : الإيمان يزيد وينقص ، فقيل له : وما زيادته وما نقصانه؟ قال : إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه .
· وما رواه إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال : الإيمان يزيد وينقص .

· وقال أحمد بن حنبل : حدثنا يزيد ، حدثنا جرير بن عثمان قال : سمعت أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال : إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص ، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه .

· وروى إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة قال : الإيمان يزيد وينقص .

· وقال أحمد بن حنبل : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن طلحة ، عن زبيد عن ذر قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا ، فيذكرون الله عز وجل .

· وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمه الله في "الغريب" في حديث علي : (إن الإيمان يبدو لمظة في القلب وكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة) ، قال الأصمعي : اللمظة مثل النكتة أو نحوها .

· وقال أحمد بن حنبل : حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال : سمعت ابن مسعود يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها .

ثم ذكر آثارا أخرى عن معاذ وعبد الله بن رواحة وعمار بن ياسر وجندب بن عبد الله وابن عمر .

فشيخ الإسلام ، رحمه الله ، كعادته ، في استقصاء الأقوال في المسألة ما أمكن ، ذكر آثارا عن 11 صحابيا ، تثبت زيادة الإيمان ونقصانه ليقرر بذلك ثبوت لفظ الزيادة والنقصان من الإيمان عن الصحابة ، ولم يعرف فيه مخالف منهم .


ومن أقوال العلماء في هذا الباب :
· ترجمة الإمام البخاري ، رحمه الله في كتابه : كتاب الإيمان ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (بني الإسلام على خمس) ، وهو قول وفعل ويزيد وينقص .

· وقول ابن عبد البر ، رحمه الله : وعلى أن الإيمان يزيد وينقص جماعة أهل الآثار والفقهاء وأهل الفتيا في الأمصار .

· وقول الشيخ حافظ بن أحمد ، رحمه الله ، في معارج القبول : وعلى هذا إجماع الأئمة المعتد بإجماعهم أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، وإذا كان ينقص بالفترة عن الذكر فلأن ينقص بفعل المعاصي من باب أولى .

· وقال في موضع آخر من المعارج : والمقصود بيان أن الناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان في قلوبهم بل والله يتفاوتون ويتفاضلون في عمل واحد يعمله كلهم في آن واحد وفي مكان واحد ، فإن الجماعة في الصلاة صافون كلهم في رأي العين ، مستوون في القيام والركوع والسجود والخفض والرفع والتكبير والتحميد والتسبيح والتهليل ، والتلاوة وسائر الأذكار والحركات والسكنات ، في مسجد واحد ووقت واحد وخلف إمام واحد ، وبينهم من التفاوت والتفاضل ما لا يحصى .......الخ .

· وقول الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي ، رحمه الله ، في كتابه "التحرير في شرح صحيح مسلم" : الإيمان في اللغة هو التصديق ، فإن عني به ذلك ، فلا يزيد ولا ينقص ، لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى ، والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص ، وهو مذهب أهل السنة . اهــــــ

ومن كلام الإمام أبي عبد الله ، رحمه الله ، يتبين غلط المرجئة ، في قصرهم الإيمان على التصديق فقط ، لأنهم فسروا ألفاظ الشارع عز وجل بلسان اللغة ، فنقلوا الحقيقة اللغوية على أنها الحقيقة الشرعية ، ومعلوم أن الحقيقة الشرعية هي : حقيقة لغوية مقيدة ، وهي المقدمة في تفسير نصوص الشرع ، فالصلاة على سبيل المثال في لسان الشرع يقصد بها : أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ، وفي لسان اللغة يقصد بها : الدعاء ، فهل يمكن أن يقول عاقل بأن الصلاة المفروضة هي مجرد الدعاء ؟

وقد ناقش النووي ، رحمه الله ، في "شرح مسلم" ، رأي أبي عبد الله بعدم جواز زيادة التصديق ونقصه ، فقال :
قال المحققون من أصحابنا المتكلمين : نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص ، والإيمان الشرعي يزيد وينقص ، بزيادة ثمراته وهي الأعمال ، ونقصانها ، قالوا : وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون ، وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرا حسنا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض ، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة ......... ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، لا يساويه تصديق آحاد الناس ، ولهذا قال البخاري في صحيحه : قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل ، والله أعلم . اهـــــ .

ثانيا : مذهب الخوارج والمعتزلة وجماهير المرجئة : حيث قالوا بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، فهو معنى واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله ، ومثلوا لذلك بمن معه 10 دراهم ، فإنه لو أنفق درهما ، زال عنه اسم العشرة ، وعليه إذا ذهب بعض الإيمان ، زال اسمه وبالتالي زال الإيمان كلية ، ورغم تعارض الخوارج والمعتزلة من جهة ، والمرجئة من جهة أخرى ، في الحكم على مرتكب الكبيرة ، حيث قال الأولون بخلوده في النار إن مات من غير توبة ، على تفصيل ، ليس هذا موضعه ، فغلبوا جانب الوعيد ، وقال الآخرون بأنه مؤمن كامل الإيمان ، فغلبوا جانب الوعد ، رغم هذا التباين ، إلا أن لازم القولين في هذه المسألة واحد ، فالخوارج والمعتزلة قالوا بأن الإيمان معنى واحد غير قابل للزيادة والنقصان ، ليسوغ لهم تكفير مرتكب الكبيرة ، لأن اسم الإيمان سوف ينفى عنه ، وبالتالي يحكم عليه بالكفر ، والمرجئة ، قالوا بأن الكبيرة لا تنقص الإيمان ، لأنه عندهم أيضا معنى واحد ، غير قابل للزيادة أو النقصان ، فلو كانت الكبيرة تنقص الإيمان ، لوجب نفي اسم الإيمان عنه ، فاحترزوا بإخراج الأعمال من الإيمان لئلا ينقص الإيمان بزعمهم ، فيزول وصفه عن صاحبه بالكلية .

وممن رد عليهم فأجاد ، شيخ الإسلام ، رحمه الله ، حيث قسم المعاني المركبة ، كالإيمان الذي يتركب من أجزاء ، إلى قسمين :

· المركب الذي إذا نقص ، زالت عنه التسمية ، وإن لم تزل الحقيقة ، فمن عنده 10 دراهم ، كما قالوا ، إذا أنفق درهما ، فإن اسم العشرة يزول عنه يقينا ، ولكن حقيقة ملكه للتسعة الباقية ، لم تزل ، فما زال عنده رصيد من مال ، وكذا من نقص إيمانه بارتكاب معصية ، زال عنه اسم الإيمان المطلق (أي الكامل) ، ولكن بقي معه (مطلق الإيمان) ، أي أصله ، ما لم يأت بناقض كلي للإيمان ، كأن يرتكب الكبيرة مستحلا لها .

· ثانيا : المركب الذي إذا ذهب بعضه ، لم تزل عنه ، حتى التسمية ، وهو اسم الجنس الجمعي كالماء والتراب ، فإذا كان لديك كمية من ماء أو تراب ، ففقدت بعضها ، فإنه يصدق عليك قول من قال بأنك ما زلت تملك ترابا أو ماءا ، وإن كانت الكمية أقل من الكمية الأصلية ، وكذا الإيمان ، إذا ذهب بعضه ، لم يذهب اسمه عن صاحبه لأنه فقد جزءا منه ولم يفقده كله ، لأنه لم يأت بناقض كلي للإيمان . اهــــــ . (بتصرف من تعليقات الشيخ عبد الرحمن المحمود ، حفظه الله ، على كتاب "الإيمان" ، لشيخ الإسلام ، رحمه الله .


ومن قال منهم بزيادة الإيمان ، حصرها في أداء الواجبات فقط ، كمن عنده نصاب زكاة ، فأدى زكاة ماله الواجبة ، فإن إيمانه يزيد بذلك ، فإذا نقص ماله عن النصاب ، لم تجب عليه الزكاة ، فينقص إيمانه بهذا ، رغم أنه غير آثم ، لأن الوجوب لم ينعقد في حقه أصلا ، وأهل السنة يقولون بزيادة الإيمان بأداء الواجبات ، ولكنهم لا يحصرون أسباب الزيادة في الواجبات فقط ، وإنما الإيمان يزيد بكل طاعة فرضا كانت أو نفلا .

ومن الشبه التي أوقعتهم ، في هذا القول ، قاعدة : (لا يجتمع في القلب إيمان وكفر) ، فإما إيمان وإما كفر ، وقد ادعى أبو الحسن الأشعري ، رحمه الله ، الإجماع على ذلك ، فالخوارج قالوا بأن المعاصي ، من الكفر ، ولا يجتمع الكفر مع الإيمان في قلب واحد ، ولذا يحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر ، إن مات مصرا عليها دون توبة ، وإن لم يكن مستحلا ، والمرجئة ، سلكوا الطريق المضاد ، لنفي غلو الخوارج في الإفراط ، فوقعوا في غلو التفريط ، فقالوا بعدم نقصان الإيمان بارتكاب المعاصي ، لأنه لو نقص ، لكان كلام الخوارج حقا ، وللزم منه تكفير مرتكب الكبيرة .

وأما أهل السنة ، فهذه القاعدة مقيدة عندهم ، فهم يقرون بأنه لا يجتمع إيمان مع كفر أكبر في قلب واحد ، فلا يجتمع الإيمان مع ما ينافي أصله ، بينما يجتمع مع المعاصي التي أطلق عليها الشرع لفظ الكفر ، وهي بالإجماع لا تخرج من الملة ، فالإيمان يجتمع مع ما ينافي كماله الواجب أو المستحب ، ولكنه لا يزيله بالكلية .

وعليه تحمل كل النصوص التي أطلق الشرع فيها لفظ "الكفر" ، على بعض المعاصي التي لا يكفر صاحبها ، ومنها :


· قوله صلى الله عليه وسلم : (سباب السلم فسوق وقتاله كفر) ، ومعلوم أن قتال المسلم ، دون استحلال دمه من غير تأويل أو شبهة تأويل لا يكفر صاحبه بالإجماع .

· قوله صلى الله عليه وسلم : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، والحلف بغير الله ، مع عدم اعتقاد أن المحلوف به أعظم من الله عز وجل ، لا يخرج من الملة بالإجماع .

· قوله صلى الله عليه وسلم : (من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر) ، والموقوف على أبي هريرة ، رضي الله عنه أصح ، ومعلوم أن من أتى امرأة في دبرها ، غير مستحل لذلك من غير تأويل ، كأن يعتقد ضعف أحاديث إتيان النساء في أدبارهن ، فلا يعمل بها ، لا يكفر بالإجماع .

والكفر ، كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم ، رحمه الله ، كفر نعمة ، وهو الذي لا يخرج من الملة ، وقد يجتمع مع الإيمان في قلب واحد ، وكفر اعتقاد ، لا يجتمع مع الإيمان في قلب واحد .

فلا يخرج المرء من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ، بارتكاب ذنب ، إلا إذا استحله ، كما قرر ذلك الطحاوي ، رحمه الله ، ويستثنى ، من ذلك المعاصي ، التي دل نص الشارع وإجماع أهل العلم ، أو قول بعضهم ، على خلاف بينهم ، على أن مرتكبها يكفر ، وإن لم يستحل ، كسب الخالق عز وجل ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما نقل ابن راهوية وسحنون ، رحمهما الله ، الإجماع على ذلك ، وكقتل نبي من الأنبياء ، وكترك الصلاة ، عند من يقول بكفر تاركها ، للنصوص التي جاءت في هذه المسألة ، والخلاف فيها شهير ، ولا مجال لبسطه هنا ، وفي هذا رد على المرجئة من جهتين :

· أولا : قولهم بأن التصديق يكفي ، لإثبات الإيمان ، وهذا خطأ محض ، فإبليس ، لعنه الله ، من العارفين ، ومع ذلك لم تنفعه منفعته ، لما كفر ، كفر عناد واستكبار ، وكذا حال كل من عرف الحق وأعرض عنه استكبارا وعنادا دون شبهة ، من جهل أو تأويل ترفع عنه حكم الكفر .

· ثانيا : قولهم ، بأن نفي التصديق فقط ، هو الذي يخرج من الملة ، وعليه فإن ساب الله عز وجل ، ونبيه صلى الله عليه وسلم ، وقاتل أحد أنبيائه ، إن كان مصدقا باطنا ، فهو ناج !!!! .


ثالثا : مذهب القول بالزيادة ، والتوقف في النقصان ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، رحمه الله ، إذ لا يجوز نقصان التصديق ، لأنه إذا نقص صار شكا ، وخرج عن اسم الإيمان ، وقد قال بعضهم ، كما ذكر النووي ، رحمه الله ، في شرح مسلم ، موجها لقول مالك : إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موقف الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب ، لأن الغلو ، في إثبات نقص إيمان العاصي ، قد يؤدي للقول بنفيه كلية ، كما حدث من الخوارج .

وقال البعض بأن مالك ، رحمه الله ، إنما توقف لعدم ورود النقص في القرآن الكريم ، خلاف الزيادة التي نص عليها القرآن في أكثر من موضع ، والله أعلم .

وجدير بالذكر أن الرواية الأخرى عن مالك ، رحمه الله ، موافقة لرأي جمهور أهل السنة ، كما قرر ذلك عبد الرزاق ، رحمه الله ، ونقله عنه النووي في شرح مسلم .

رابعا : مذهب القول بالزيادة ، والجزم بعدم النقصان ، وهو شبيه بالرأي الثالث ، إلا أن فيه جزما بعدم النقص ، بينما الأول فيه توقف في هذه المسألة ، والله أعلم .

مشكاة
06-26-05, 10:24 AM
وجزاك الله خيراً على طيب الفائدة

أبو المهاجر المصري
06-29-05, 12:42 AM
....