المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين البيهقي والطحاوي



أبو المهاجر المصري
06-22-05, 11:58 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد

فهذه مناقشة علمية موجزة بين البيهقي والطحاوي :

وهما إمامان من أئمة أمتنا ، وعلمان من أعلامها ، أولهما من أئمة الشافعية ، في المشرق ، وهو صاحب أياد بيضاء على المذهب الشافعي ، حتى عد صاحب منة على الشافعي ، رحمه الله ، لكثرة ما صنف في نصرة وتقرير مذهبه ، كما ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني ، رحمه الله .

والثاني ، شافعي البداية ، حنفي النهاية ، من كبار أئمة الأحناف ، رحمهم الله ، في مصر ، صاحب "العقيدة الطحاوية" ، أحد أشهر متون العقائد عند أهل السنة والجماعة ، كما هو معلوم .

والأول يتميز عن الثاني ، بأنه محدث ناقد ، رغم تأخره ، توفي سنة 458 هــــ ، بينما الثاني ليس كذلك ، رغم تقدمه ، توفي سنة 321 هـــــ .

والثاني ، يتميز عن الأول ، بسلامة عقيدته من التأثر بمنهج المتكلمين ، في تقرير مسائل العقيدة ، (خلاف معظم متأخري الأحناف الذين تلبسوا ببدع كلامية مختلفة) ، بينما الثاني ، وإن وافق أهل السنة ، في مسائل ، إلا أنه سار على منهاج المتكلمين في كثير من مسائل العقيدة ، وله في ذلك تأويلات مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة ، ولعله تأثر في ذلك بشيخه الأصولي الشافعي الشهير ابن فورك ، رحمه الله .

والمسألة التي بين أيدينا ، هي مسالة فقهية ، اختلف فيها الإمامان الجليلان ، رحمهما الله ، وهي مسألة الدعاء في الركوع والسجود :

حيث ذهب الشافعية ، رحمهم الله ، إلى جوازه ، واستدلوا لذلك ، بعدة أحاديث ، منها :
· حديث عائشة ، رضي الله عنها ، مرفوعا : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي يتأول القرآن . اهــــ ، بمعنى يمتثل أمره .

· وحديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، مرفوعا ، وفيه : (وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء ، فإنه قمن أن يستجاب لكم) ، وهم نصان في محل النزاع .

وقد عدى الشافعية ، رحمهم الله ، الحكم بالجواز ، إلى التسبيح بعد آيات التسبيح ، كقوله تعالى : (سبح اسم ربك الأعلى) ، كما جاء في حديث ابن عباس ، مرفوعا : (كان إذا قرأ "سبح اسم ربك الأعلى" ، قال : سبحان ربي الأعلى ، وكما جاء عند ابن أبي شيبة ، رحمه الله ، أنه ثبت من فعل أبي موسى والمغيرة ، رضي الله عنهما ، ولم يفرقوا بين الفرض والنافلة .

وتوسعوا توسعا ثالثا ، فقالوا بجواز الدعاء مطلقا ، سواء لأمر ديني أم لأمر دنيوي ، وإن كان لذة من ملاذها ، أم لأشخاص أو على أشخاص بعينهم ، لحديث : (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) ، حيث ورد الإطلاق في الدعاء ، فيشمل كل دعاء ، وحديث : (ثم يدعو لنفسه ما بدا له) ، وفيه أيضا ، إطلاق للدعاء ، وحديث : (اللهم انج الوليد بن الوليد .......) ، ففيه الدعاء لأشخاص بأعيانهم ، وحديث : (اللهم العن رعلا وذكوان .......) ، ففيه الدعاء على أشخاص بأعيانهم .

فهم ، كما يتضح ، مما سبق ، أوسع المذاهب ، في هذه المسألة ، وأقواهم دليلا .

وأما الأحناف ، رحمهم الله ، فقد قالوا بعدم الجواز ، حيث اعتبروا حديث عقبة بن عامر الجهني ، رضي الله عنه : لما نزلت : (فسبح باسم ربك العظيم) ، قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : (اجعلوها في ركوعكم) ، ولما نزلت : (سبح اسم ربك الأعلى) ، قال : (اجعلوها في سجودكم) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، ناسخا لكل الأحاديث التي فيها الأمر بالإكثار من الدعاء في الركوع والسجود ، كما قرر ذلك الطحاوي ، رحمه الله ، بل وذهب الطحاوي إلى أبعد من ذلك ، فقال بأن قوله تعالى : (سبح اسم ربك الأعلى) ، نزل قبل وفاة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في مرضه الذي قبض فيه ، فجعلها من آخر ، ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم ، ليؤكد دعوى النسخ ، ورغم ذلك ، فقد خالف الطحاوي ، رحمه الله ، قوله ، في موضع آخر ، لما أراد أن ينصر مذهب الأحناف ، بالنهي عن التطوع بعد الفريضة (بمعنى إعادة الصلاة المفروضة في جماعة ، ولكن بنية التطوع) ، حيث قال بأن حديث معاذ ، رضي الله عنه ، لما كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، صلاة العشاء ، ثم ينحدر إلى قومه فيصلي بهم ، مرة ثانية ، وهو دليل الجواز ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يقرأ بسور ، وذكر منها : (سبح اسم ربك الأعلى) ، وهو الصحيح إن شاء الله ، كان في أول الأمر ، ثم نسخ بالنهي عن إعادة الصلاة المفروضة !!!!! .
فقال بأنها من آخر ما نزل في موضع ، وبأنها كانت في أول الإسلام في موضع آخر ، لينصر مذهبه في كل موطن ، ولعله غفل ، رحمه الله ، ولم ينتبه لهذا التناقض في الاستدلال ، ناهيك عما في هذا القول من مخالفة للوقائع التاريخية ، حيث أنه من الثابت أن قوله تعالى : (سبح اسم ربك الأعلى) ، نزل بمكة .

وهذا يؤكد حقيقة علو شأن البيهقي ، رحمه الله ، على الطحاوي في الصناعة الحديثية ، وإن نزل عنه في المعتقد ، كما سبق .


بتصرف من "أبو بكر البيهقي وجهوده في خدمة الحديث النبوي" ، للدكتور أحمد يوسف سليمان ، ص171 _ 175 .