المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبهات حول الإمام الزهري رحمه الله



أبو المهاجر المصري
06-13-05, 01:55 AM
من المعلوم لدى علماء الحديث ، وطالبيه ، والمهتمين به ، والباحثين في تاريخه ، بل وصغار طلبة العلم ، وقطاع كبير من المسلمين ، مكانة الإمام محمد بن شهاب الزهري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 124 أو 125 هـــــ ، فقد ضرب بسعة حفظه الأمثال ، فكان ، رحمه الله ، وعاء من الأوعية التي حفظ الله فيها ، سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وتبرز مكانة الزهري ، رحمه الله ، من ثناء كبار أئمة عصره ، على سعة إلمامه بالسنة حفظا وكتابة ، حيث كان أكثر من كتب السنة في عصره ، وكانت له ، مع سعة محفوظاته ، كتب في الحديث والمغازي والأنساب ، وكان يدون كل ما يسمعه من الحديث ، كما كان يدون أقوال الصحابة والتابعين ، وقد كان بعض قرنائه يقتصرون على كتابة الحلال والحرام في حين دون هو كل شيء مرفوعا وموقوفا ، ولذا قال صالح بن كيسان ، رحمه الله : "لقد كتب الزهري ، ولم أكتب ، ولهذا فقد نجح وضيعت" .

وقد خلد الله ذكرى هذا العالم الجليل ، فكان أول من جمع السنة ، ودونها ، تدوينا رسميا ، تحت إشراف الدولة ورعايتها ، بأمر من الخليفة الراشد ، أمير المؤمنين ، عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، وكان الزهري ، رحمه الله يفتخر بذلك فيقول : ما دون هذا العلم أحد قبل تدويني ، وهو يقصد التدوين الرسمي ، لا المحاولات والجهود الفردية ، فقد كانت معروفة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أدل على ذلك من صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، المسماة بــــ "الصادقة" ، وفي هذا رد على مزاعم وافتراءات الستشرقين ، ومن تابعهم من مستغربي المسلمين ، الذين زعموا تأخر تدوين السنة إلى القرن الثاني الهجري ، بل وتمادى بعضهم وقال بأنه تأخر إلى القرن الثالث الهجري ، ليشككوا في صحة السنة . اهـــــ ، بتصرف من "حجية السنة" ، د/ الحسين شواط ص159 و ص169 .

وتبعا لمكانة الزهري ، رحمه الله ، بصفته جامع السنة الأول ، تركزت افتراءات المستشرقين وأذنابهم على شخصه ، للتشكيك في جمعه ، فاتهموه بالكذب والوضع وممالأة السلطان ، ونحن لا ننكر دخول الزهري ، رحمه الله ، على حكام بني أمية ، فهذا أمر ثابت من الناحية التاريخية ، ولكنه لم يكن ممن دخل عليهم طامعا أو متزلفا ، وإنما دخل واعظا ناصحا ، وما موقفه مع الخليفة هشام بن عبد الملك ، رحمه الله ، بخفي ، لما أراد هشام أن ينسب أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، إلى تولي كبر الإفك ، فزجره الزهري ، حتى أشفق هشام من غضبته ، وطلب منه الصفح .

بل إن ابن معين ، رحمه الله ، وهو من هو في الكلام على الرواة ، لم يتكلم في عدالة الزهري ، رحمه الله ، وإن قدم عليه الأعمش ، رحمه الله ، لأنه لم يداخل السلطان .

ومن أشهر ما دسه المستشرقون ، على إمامنا ، اقتطاع المستشرق المجري اليهودي الخبيث "جولد سيهر" ، لجملة من كلام الزهري قال فيها : "وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة أحاديث" ، وهي كلمة مبتورة من سياق قصة طويلة ، بترها ذلك الخبيث ، ليشنع على إمامنا ، ناهيك عن تحريفه لكلام الزهري ، حيث حذف "أل" في كلمة "الأحاديث" ، فأصل الكلام : " وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث" ، وليس "أحاديث" .

و أصل القصة أن هشام بن عبد الملك ، أصر أن يملي الزهري على ابنه أحاديث ليحفظها ، فأملى له الزهري بعض أحاديثه بسندها ثم خرج من عند هشام ونادى في الناس بأعلى صوته ، "وتنبه لكلام الزهري بأكمله دون بتر" : أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرا قد بذلناه الآن لهؤلاء ، " وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث فتعالوا أحدثكم بها" ، أي لتكتبوها . اهــــــ ، بتصرف من حجية السنة ص315 .

فأل هنا "للعهد" ، بمعنى الأحاديث التي منعتكم من كتابتها من قبل ، فهي أحاديث معروفة لديهم ، ولكنه كان يمنعهم من كتابتها لئلا يضعف حفظهم ، فلما أجبر على إملائها ، رأى ، من الأمانة العلمية ، أن يمليها على عموم الطلبة ، لئلا يتميز أبناء الأمراء على غيرهم .

وأما سياق "جولد سيهر" ، فهو يوحي "وخاصة مع تنكير كلمة الأحاديث" ، بأنه أجبر ، تحت التهديد ، على تقول أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يقلها .


ومن ذلك ما ذكره الدميري ، في كتاب "الحيوان" ، (ولا أدري ما عقيدة هذا الرجل ، وما درجته من حيث الثقة في نقل الروايات ، وإن كنت أذكر أن الشيخ محمد المنجد ، حفظه الله ، اتهمه بالكذب في أحد محاضراته المسجلة ، والمسألة تحتاج لمزيد تحقيق ، أرجو من إخواني إتمامه بذكر ترجمة هذا الرجل) ، حيث ذكر قصة ملخصها أن عبد الملك بن مروان ، رحمه الله ، أراد أن يصرف الناس عن الحج لبيت الله ، إبان حكم عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه ، لئلا يدعوهم ابن الزبير لبيعته ، فأوعز إلى الزهري ، بوضع حديث يجوز للناس الطواف حول قبة الصخرة ، في الشام ، عوضا عن الكعبة المشرفة !!!!!! ، وقد فند الشيخ محمد مصطفى الأعظمي ، هذه الفرية في كتابه "دراسات في الحديث النبوي" .

والله أعلى وأعلم

الشبهتان والرد عليهما مستفادان من حجية السنة للشيخ الدكتور الحسين شواط ، ومن الشرح المسجل لألفية السيوطي للشيخ الحميد حفظه الله .