المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تخريب منظم لعقول الناشئة



sabet
06-12-05, 07:22 PM
تخريب منظم لعقول الناشئة


تخريب منظم لعقول الناشئة

في المجتمعات الإسلامية

بقلم: د. نبيل صبحي الطويل

مجلة الأمة – صفر 405هـ

عرض وتعليق على مقال (المبشر العصري) بقلم هوارد بلس رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق ببيروت.

ما هي الجامعة الأمريكية ببيروت؟ وما هو دورها المرسوم؟

يقول (هوارد بلس) في تعريفه بها: (هي مؤسسة تبشيرية متميزة، وهي أنموذج مطابق تماماً للكليات والمشروعات التبشيرية الأخرى. ليس لها، بالتأكيد علامات مشروع تبشيري تقليدي.. ولكنها في الوقت الذي تسخر فيه جهودها لإعطاء الطلاب تربية عصرية صلبة(!). وتصنع منهم مهنيين فاعلين.. لا تعتبر – أي الكلية – أن واجبها قد بدأ حقاً – ولم ينته بالتأكيد بعد – حتى تعلم طلابها ما تتمسك هي به كقيمة أسمى في الحياة، وهو: أن تبني المثاليات النصرانية هو الأسلوب الأفضل لتحضير الإنسان ليلعب دوراً ذا قيمة في الدراما العظيمة للحياة[1] .

ويستمر (بلس) في التوضيح الكامل لأهداف المنصرين قائلاً:

(وبمقدار العمق والشغف في إيمان الكلية بقيمة معتقدها برسالة يسوع إلى العالم فهي مستعدة، بالمقدار نفسه من العمق والشغف، لإقناع طلابها بتمثل وهضم هذه المثاليات في ملعب الرياضية وفي قاعة الدرس، وفي الحياة الاجتماعية والدينية(!)، وفي المجتمعات التي يعيشون فيها في معابدهم وبيعهم ومساجدهم(!)، في محاكمهم ودور المحاسبة.. وفي كل مكان (ص 181).).

و(المستر بلس) أذكي من أن يهتم بالإطار الخارجي، مثلما يفعل كثير من المسلمين اليوم مع الأسف، بل غايته المحتوى، لذا ليس مهماً لديه أن يُغير المُبشَّر - دينه خطياً أو شفهياً طالمــا تبنى (وجهة نظرهــم) في كـل شيء: من التربية.. إلى السياسة، اسمعوه يقول: (وعندما يلزم إنسان نفسه مع، أو بدون التغيير الحاصل في انتسابه الديني – يتأكد المنصّر أن قوة قد بدأت وستفعل المعجزات(!) في عالم هذا الإنسان: في محيطه الشخصي والمدني والمجتمعي وميدان العلاقات السياسية(!).. وهذه خميرة مخبأة.. وكل شيء بعدها.. سيتخمر) (ص 194).

والخطورة في كلام بلس هذا، والذي قبل عام 1920م، أنه حاصل الآن على المستوى الفردي والمستوى العام: ومآسي لبنان اليوم هي من (الخمائر) المخبأة والمعلنة.. وإليكم بعض الأمثلة الواقعة المحزنة:

1- بعض المنصَّرين احتفظوا باسمهم المسلم وتنصّروا، ما عدا ذلك، في كل شيء من التربية.. إلى السياسة، كما قال بلس: وهناك (منصَّر) كان يشغل حتى الأمس القريب منصباً وزارياً ذا حقيبتين في بيروت، ومن السخرية أنه جاء ممثلاً لطائفته المسلمة، وهو في الحقيقة (إنجيلي) نشط منذ كان طالباً ثانويا في المعاهد التنصيرية.. ولا يزال أستاذاً كبيراً في الجامعة إياها.

وهذا لعمري تكرار – على المستوى الفردي – لحركة (الدونمة) التي قامت في قلب الدولة العثمانية ولا تزال تنخر بخُبث ولُؤم وسرية في المجتمع التركي المسلم.

2- إن جذور مأساة لبنان، كما ذكرت، هي في التخريب التربوي الذي قام به – ولا يزال – المُنصِّرون الغربيون بجميع طوائفهم وفرقهم من فرنسيين وأمريكان وإيطاليين وإنكليز.. وليس هناك دولة غربية كبيرة لم يكن لها مؤسسات تعليمية ثقافية في لبنان.

ولم تقم (المسألة الشرقية) أصلاً في أذهان أقطاب الاستعمار الصليبي خلال ضعف وانحلال الدولة العثمانية إلا على أساس التدخل المباشر في بنية المجتمع في بلاد المسلمين لتفتيتها على محاور عرقية ودينية وطائفية: وأثير موضوع (الأقليات) في القرنين الماضيين، مواكباً تزايد نشاط الإرساليات التنصيرية الذي بلغ أوجه في الحقبة الاستعمارية المزدهرة!، ولم يكتف المُنصِّرون بتلقين (غير المسلمين) دروس التميز عن المجتمع الشرقي بدعوى انتسابهم إلى الحضارة الغربية – كذا – وانفصالهم عن خلفياتهم العربية الأصلية، و(تعاليهم) على مواطنيهم من المسلمين، وإثارة الكراهية والحقد بين أبناء البلد الواحد – كما يقول ويفعل الانعزاليون الآن في لبنان – أقول: لم يكتفوا بكل ذلك بل كثفوا جهودهم التنصيرية في مجال الأقليات الطائفية المسلمة لتمزيق وحدة الأمة، وآزرهم في ذلك كل أعداء الإسلام من صهاينة وماركسيين ورأسماليين استعماريين، حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن من التفتت والفرقة والنزاعات الدموية الوحشية..

لماذا يرتكز التنصير الصليبي على المؤسسات التربوية؟

يجيب (هوارد بلس) على ذلك قائلاً: (الواقع أن الفائدة الرئيسية التي تقدمها الكلية للمنصَّر كحقل غني لنشاطاته، هي في الحقيقة أن بدائرته جسماً مختاراً من الشباب قادة المستقبل في بلادهم، ينفردون بالاستجابة لفكر جديد في الأخلاق والدين والمثل) (صفحة 184).

ولقد نجح التنصير في طبخ قادة كثيرين تسللوا – ولا يزالون – إلى مراكز السلطة في العالم المسلم كله تقريباً. ولقد وصل فعلاً خريجو الجامعة الأمريكية، ممن غسلت أدمغتهم، إلى المناصب القيادية في أكثر البلاد العربية.

يقول بلس: إن الجامعة (توفر مناخاً نفسياً لا يستطيع واحد الإفلات من تأثيره، والطالب لا يعي حقاً التغييرات الحاصلة دائماً في داخله، وقد يُنكر، بكل نية حسنة، إنه يتأثر تأثيراً شديداً بمحيطه، وثمرة هذه البذرة قد لا تأتي إلا بعد مدة طويلة من مغادرة الطالب للكلية) ويتابع بلس: (... وحيثما يذهب هذا الرجل يمهد الطريق للتربية ويهدم الطغيان – كذا – وليخفف حدة التعصب – ويقصد تعصب المسلمين.. طبعاً – والدعوة لحرية الدولة والكنيسة(!)، وأمثلة بلغاريا وتركيا واليابان والهند شهادات كافية على ذلك) (ص 193).

وحتى لا يشك أحد أن الكلام عن تحضير (القادة) في الشرق الأوسط هو من تأويلنا لنستمع لما قاله بلس بلا جمجمة ولا غمغمة ولا (رتوش):

(.... ولكن مبشرنا يسعى إلى أمور محددة أكثر من هذه التأثيرات الحاصلة بطريقة لا شعورية، فبين آلاف الطلاب – وكلهم يستحقون التربية – فئة صغيرة من المتحمسين الجادين.. قادة المستقبل في الشرق الأدنى.. هؤلاء هم الذين يدربهم مبشرنا ليصبحوا أساتذة وأطباء وتجاراً وصيادلة وأطباء أسنان ومهندسين وممرضين من الرجال والنساء الذين يتجاوبون بوعي أكثر واستعداد أكبر من باقي زملائهم مع المناخ النفسي للكلية وهم يُحَضّرون بطريقة محددة ليصبحوا مراكز الأضواء والقيادة في كل هذه المنطقة) (ص 193 – 194).

(.... وهناك طلب شديد لخدمات هؤلاء الخريجين وهناك ألفان وثمانمائة منهم[2]. وهؤلاء هم الذين تحدث عنهم بحرارة، وأسبغ عليهم المديح: (اللورد كرومر) و(اللورد كيتشنر) و(السير إلدون غوروست) و(السير ريجنالد ونغث) و(الفيلد مارشال اللورد اللنبي)[3] لأعمالهم الرائعة في مصر والسودان) (ص 194).

استراتيجية المنصرين!

يبدأ نشاطهم في دوائر واسعة ثم يركزون في إطارها على دوائر أصغر، وهكذا ينتقل القس (هوارد بلس) من دائرة الفئة الصغيرة من (المتحمسين الجادين قادة المستقبل في الشرق الأدنى) إلى دائرة أضيق، فبعد أن يشعر بالامتنان العميق لرواج (سوق) خريجيه الذين درّبهم هو وصحبه، على عينه، يقول: إن أمله الرئيس هو في مجموعة أصغر من الطلاب الذين يرتدون عن دينهم:

(لهذا كله يشعر المنصِّر بالامتنان العميق.. إلا أن أمله الرئيس يتعلق بمجموعة أصغر، مجهولة العدد بالنسبة له، إلا أنه يسعى ويصلي كل يوم من أجل زيادة عددها.. مجموعة الذين اتخذوا القرار(!) بذكاء وحرية وإخلاص كامل...

قرار الحياة كأبناء للأب الكبير في روح يسوع المسيح (ص 194).

ويُذكِّر (بلس) الحركات التنصيرية بأن العمل في مجال التنصير صعب شاق وبحاجة لتضحيات بالمال والراحة والروح. وأشهد أنني سمعت وقرأت وشاهدت بنفسي استماتة بعض المنصرين في أداء أعمالهم في أقسى الظروف، وبعضهم ماتوا في أفريقيا وآسيا على أيدي قطاع الطرق أو ضحايا حروب أهلية قائمة أو بأمراض مستوطنة خطيرة.

وحتى لا نبخس الناس أشياءهم يجب أن نعترف بخجل، أن بعض المنصرين هم أشد حماساً ومراساً وأكثر اندفاعاً وتضحية من بعض من يدّعون الدعوة للإسلام بالكلام الكثير والمؤترات المتعددة!! والزيارات القصيرة المرتجلة لبعض وجهاء المسلمين إلى أماكن البؤس والحرمان والتخلف في العالم المسلم في أفريقيا وآسيا وما يعقبها من تصريحات.. لا تستطيع مواجهة تخطيط المنصرين الذين استوطنوا العالم الثالث منذ مئات السنين، وهم يعملون بدأب وصبر وعناد.

وينصح بلس المنصّرين بتغيير لغة التنصير حسب الزمان والمكان والثقافة والديانة: ولعله من المفيد في هذا المجال تذكير من يتطوعون من المخلصين للدعوة الإسلامية أن يكونوا على مستوى العصر في أساليب الدعوة، فلقد أصبح الأسلوب التقليدي عقيماً تقريباً، ولا يزال بعض الطيّبين يعتقد، لسوء الحظ، أن إلقاء خطبة حماسية – لا يبقى تأثيرها في العواطف المدغدغة إلا ساعات قلائل – هو الأسلوب الأمثل. إنه استنقاع على طريقة بالية ليس لها مردود عملي، فكل إثارة للعواطف دون محاولة التركيز على تحويل هذه العواطف الخيّرة إلى قدرة فاعلة واعية هو مضيعة للجهد والوقت، فمتى يستفيق هؤلاء على الواقع الذي تجاوز هذه الأساليب؟.

ثم إن مجالات عمل التنصير تشمل أكثر ميادين الحياة، ولهم وجود دائم في الأجواء الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والرياضية والصحية والسياسية، فإرسال بعض علماء المسلمين – وأكثرهم لا يتكلم لغة البلد التي يزورها – للتدريس في المسجد بعد صلاة المغرب مثلاً، لا يفي وحده بالغرض، هناك المدرسة والجامعة والمستشفى والميتم والنوادي والفعاليات الاقتصادية، وأجهزة الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وهناك التبرعات الدائمة الضخمة للمنصرين، والبعثات والخبراء الذين يتغلغلون في الأجهزة الدولية بمختلف فروعها، وهناك دوائر المعونات وجمعيات الإسعاف والمؤسسات الخيرية والصليب الأحمر، والمساعدات الغذائية ورعاية اللاجئين، ومئات الوسائل الأخرى التي لم يترك التنصير موجة عالية منها إلا ركبها في سبيل إنجاح باطله. لذا فالترهل – الجسمي والذهني – في بعض المسلمين غير قادر على مواجهة هذا الطوفان من الفاعليات التنصيرية المستمرة بالتصريحات... وبعض التبرعات الوقتية المرتجلة التي لا تُغني من جوع، بل إن هذا الأسلوب ضار، على المدى الطويل، لأنه يوحي بالأمان الزائف فيظن الناس أن المسلمين المسؤولين القادرين.. يفعلون (شيئاً ما) لصد الغزو التنصيري الجائح لبلاد المسلمين، فتتخدر الأحاسيس عند بعضهم على أساس الظن الخاطئ أن هناك من يقوم بفرض (الكفاية).. ولا حاجة لفرض (العين) في هذا الأمر الخطير!

يجب مواجهة التنصير بأساليبه نفسها.. والمكر بأهل المكر صدقة.

تقول الشائعات – وأرجو الله ألا تكون صحيحة – إن هناك تفكيراً بإقامة فرع للجامعة الأمريكية في الخليج..!! فلعل الذين بيدهم الأمر يعون حقائق الأمور ويتصرفون بما يرضي الله ورسوله، ويقي أجيال المسلمين من الاستعمار الثقافي الذي يتسلل تحت شعار المساعدة على التعليم والتربية والتدريب على التقنية الحديثة، ويحمل لواءه، عادة، أقطاب التنصير الصليبي.

من هو القس هوارد بلس؟

القس (هوارد بلس) هو ثاني رئيس للجامعة بعد المؤسس (دانيال بلس) الذي حوّل الكلية الإنجيلية السورية التي أقيمت عام 1866م، إلى جامعة، واستلم (دانيال بلس) دفّة القيادة في هذه المؤسسة التنصيرية الضخمة من عام 1866م إلى عام 1902، ثم جاء كاتب مقال (المبشر العصري) القس (هوارد بلس) من عام 1902، إلى عام 1920م، وكان المقال خلاصة تجاربه ونشاطاته التنصيرية.

نشر المقال للمرة الأولى عام 1920م في مجلة أمريكية هي (أتلنتك مانثلي) ثم جعله رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق (ستيفن بنروز: 1948م – 1954م) الفصل الحادي عشر في كتابه: (حتى تكون لهم حياة That They May have life)..