المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسالة الربانية (محمد سليمان ) الجزء الأول



الناصح الأمين
06-02-05, 1:46 PM
الرسالة الربانية

إن أخطر انحراف وقع في الفكر الإسلامي المعاصر هو تفسير الإسلام تفسيراً سياسياً ، وتأويل رسالة القرآن وتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام في ضوء هذا التفسير ، الذي نجم عنه قيام حركات دينية سياسية متطرفة, تعمل ضد الأنظمة السياسية القائمة إسلامية كانت أو غير إسلامية بدعوة إقامة الحكومة الإلهية ... ووصل الأمر إلى خطورة قصوى ... إذ أن الشباب المسلم في الوطن العربي أو خارجه بدأ يتأثر بهذه التفاسير السياسية المتطرفة فيؤدي دور المواجهة السياسية ليتحطم على صخرتها بدون فائدة متوهما أنه قد أدى دور الجهاد في سبيل الإسلام ... وهذه الظاهرة السائدة في كل مكان تقريبا تقدم أسوأ نتيجة للتفسير السياسي لرسالة القرآن ... والحقيقة أنه لا مصداقية شرعية ولا عقلية لمثل هذه التفاسير ... فقد نجمت عن تأويل خاطئ لرسالة القرآن , وتطبيق غير سليم لها , وسوء فهم للتاريخ الإنساني والإسلامي والانخداع بسراب الأماني ... والسؤال الهام كيف نشأ هذا التفسير السياسي الخاطئ لرسالة الإسلام؟.. إن في الجواب على هذا السؤال بداية لتصحيح مسار الوعي والعمل برسالة القرآن .

ظهورالتفسير السياسي

إن بداية ظهور التفسير السياسي كانت مع أبي الأعلى المودودي ( 1903م- 1979م) عندما قدم تصوراً في إحدى المحاضرات التي ألقاها في مدينة " لاهور " سنة 1939م حول " نظرية الإسلام السياسية " فطُبعت منها عشرات الآلاف من النسخ باللغة الأردية وتُرجمت إلى اللغة الإنجليزية وكثير من اللغات الهندية وظهرت الترجمة العربية لأول مرة سنة 1946م في " لاهور" , ومن هناك وُزعت في البلاد العربية وظهرت الطبعة الثانية لها في القاهرة سنة 1950 م .

وفي هذه المحاضرة أشار المودودي إلى معالم النظرية السياسية في الإسلام ( كما فهمها ) والتي ارتكزت على تفسيره لمعاني ( الإله ) و ( الرب ) - بالمعنى السياسي- وأن مهمة الرسل الحقيقية هي دعوة الناس إلى النظام الإلهي وهذا هو معنى التوحيد - عند المودودي- الذي وقف عليه الرسل حياتهم, وهو جوهر النزاع بين الرسل وملوك وحكام كل العصور ... وفي ضوء هذا المفهوم فسر النزاع بين النمرود ونبي الله إبراهيم عليه السلام ... ولقد أشار المودودي بأن النمرود لم يكن منكراً لله أو لربوبيته ولكن كان منكراً لتطبيق شريعته التي سوف تفرض عليه التنازل عن سلطانه الأرضي ... فمن يرفض الحكم بما أنزل الله إنما يرفض ألوهية الله ... فجعل أساس دعوتهم للتوحيد في هذه الدنيا أن يقيموا الدولة الإلهية, وهو الأمر الذي ليس له دليل في القرآن أو في السنّة .

إن المودودي أخضع القرآن وتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته لفكرة الحاكمية لدرجة أنه قدم تفسيراً جديداً للإسلام أساسه الدعوة إلى الانقلاب السياسي وهي مهمة الرسل: " لم يكن بينهم خلاف في وجود الله وفي أنه خلق الخلق وبيده ملكوت كل شيء فمن الظاهر أن الرسل ما جاءوهم ليدعوهم إلى تلك العقيدة التي كانوا يعتقدونها ويعترفون بها". ( نظرية الإسلام وهديه ص: 16)
وعندما تُرجمت أعمال المودودي إلى اللغة العربية خصوصاً ( نظرية الإسلام السياسية ) و( الجهاد في سبيل الله ) وكتابه الأساسي ( المصطلحات الأربعة ) قام الكاتب والناقد الأدبي ( سيد قطب ) بتبني هذا التفسير السياسي والدعوة إليه في تفسيره المشهور (في ظلال القرآن ) في الطبعة الثانية منه .

يقول فهمي هويدي :
( ونحن لا نكاد نعثر على إشارات لمعنى الحاكمية أو لفظها في الكتابات الإسلامية المبكرة للأستاذ سيد قطب وطبقاً لما هو متاح من مصادر بين أيدينا, فإنّ أول ظهور لفكرة الحاكمية في كتبه كان تفسيره للقرآن المعروف " بالظلال " الذي صدر بعد محنة اعتقاله الأولى سنة 1954م, إذ نجده يقول في تعقيبه على الآية " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " : " إن الذي لا يحكم بما أنزل الله, إنما يرفض ألوهية الله, فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية "). ( ندوة التيارات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي: ص 133 - مطبوعات رسالة الجهاد / طرابلس )

(ونظراً لأن المودودي المؤسس لهذا التفسير في البداية وأن سيد قطب قد قام بتبنيه ونشره خصوصاً في تفسيره وكتابه ( معالم في الطريق ) والذي ذهب فيه مسافة أبعد في تنظيره لمسألة الحاكمية , حتى صارت هذه الفكرة تحتل الركن الأساسي في الكتاب). ( المصدرالسابق : ص 134 )

ولذا سوف يكون النقد لهذا التفسير الجديد للدين بالاقتصار على أهم المؤلفات التي عرضت لهذه النظرية عند المودودي وسيد قطب ... ومن خلال النقد التحليلي سوف تظهر بإذن الله حقيقة الرسالة الربانية.

الرسالة الربانية

ليس في منهج الرسل والأنبياء أن تكون السلطة السياسية هدفاً مباشراً لدعوتهم ... وليس من منهجهم السعي للإطاحة بالأنظمة السياسية القائمة بدعوى إقامة " حاكمية الله " ... بل إن الله قد حدد غاية إرسال الأنبياء والرسل وهي إقامة التوحيد الذي يعني الخضوع له وحده وإفراده بالألوهية (العبادة).
" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " . (الأنبياء: 25)
ونظراً لأن الله خلق الحياة الدنيا للاختبار فقد أرسل الرسل ليقيموا الحجة على خلقه :
" رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " . (النساء:165)
ولهذا فقد جعل أساس الدعوة وقاعدتها الجوهرية هو الإنذار من اليوم الآخر : " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق " . (غافر: 15)
وينطبق الأمر على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم : " وكذلك أوحينا إليك قرآناًً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير " . ( الشورى: 7)

ولكن بعض المفكرين المسلمين زعموا أن الله أ رسل الرسل لتقرير " حاكمة الله القانونية " على البشر ... وأن هذا هو جوهر النزاع الذي وقع بين رسله والفراعنة والنماردة أو أقوامهم الذين أرسلوا إليهم ... وأن الهدف هو رد هذه الحاكمية المغتصبة إلى الله ... وزعم هؤلاء المفكرون أن أصل الخلاف : من يحكم ؟.

يقول أبو الأعلى المودودي :
" لم يكن الخلاف في وجود الله وفي أنه خلق الخلق وبيده ملكوت كل شيء, فمن الظاهر أن الرسل ما جاءوهم ليدعوهم إلى تلك العقيدة التي كانوا يعتقدونها ويعترفون بها, فلم كانت بعثتهم وعلى أي شيء قام النزاع بينهم وبين من أرسلوا إليهم من الأمم ؟ " . ( نظرية الإسلام وهديه: ص 15 )
وجواب المودودي على أن قضية النزاع ليست عبادة الأوثان والأصنام والكواكب والنجوم ,لأن هذه كلها لا تنطق ولا تستطيع أن تأمر الإنسان بأن يعبدها من دون الله ... يقول المودودي : " تحسب أنه يوجد شيء في ما خلق الله من السماوات والأرض يقوم في وجه الإنسان ويقول له : إني إلهك وربك فاعبدني ؟ أيدعي ذلك الحجر أو الشجر أو الحيوان أو الشمس أو غيرها من الأجرام السماوية . لا ,لا. والله لا يقوم في وجه الإنسان شيء من هذا يدعي الألوهية والربوبية. بل إنما الإنسان وحده الذي يبعثه حب السلطة وهوى الأثرة على أن يجعل نفسه إلهاً لغيره من أبناء نوعه يستعبدهم وينفذ فيهم أمره " . ( المصدر السابق : ص 17 )

ومعلوم أن القرآن الكريم والسنّة والتاريخ يثبت أن الإنسان عبد كل هذه المعبودات من دون الله ... ولكن المودودي يجعل أصل النزاع بين الرسل والأمم التي أرسلوا أليها هو " حاكمية البشر " عن طريق حصولهم على السلطة ... " إنما الإنسان وحده هو الذي يبعثه حب السلطة وهوى الأثرة على أن يجعل نفسه إلهاً لغيره من أبناء نوعه يستعبدهم وينفذ فيهم أمره " ... ويقوم المودودي بتبرير نظريته هذه من خلال عرضه لمثال على ذلك حول النزاع الذي حدث بين إبراهيم وملك العراق النمرود والذي ورد في القرآن الكريم : " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين " . ( البقرة:258 )

ويعلق المودودي : " فالنزاع لم يكن في أنه من رب السماوات والأرض ومن بيده ملكوت كل شيء بل كان جداله من هو مالك رقاب الناس عامة والذين منهم في بابل خاصة ؟ فلم يكن من دعواه أنه الله بل كان يقول إني رب هذه البلاد وأهلها " . (نظرية الإسلام وهديه: ص 19)
وهذا التأويل ليس له أصل عند كافة المفسرين وأهل اللغة ... وعلى سبيل المثال, يقول المفسر ابن كثير في تفسير الآية " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " : " أي وجود ربه, وذلك أنه أنكر أن يكون إله غيره كما قال فرعون لملئه : "ما علمت لكم من اله غيري ". ( تفسير ابن كثير: 1 / 271 )
وحين يبحث صاحب" مفهوم الحاكمية " على دليل أو قرينة تثبت ما يقول لا يجد إلا أن يستدل بمقالة فرعون لملئه ليصرفهم عن اتبّاع موسى : " قال للملإ من حوله إن هذا لساحر عليم , يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون " . ( الشعراء:34 - 35)

يقول سيد قطب :" ولقد أدرك فرعون وملؤه خطر الدعوة إلى رب العالمين وأحسوا أن توحيد الربوبية معناه سلب سلطان فرعون وسلطانهم المستمد منه فعبروا عن هذا الخطر : " قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم , يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون " . ( في ظلال القرآن: 9\ 9 )
ومعلوم أنه لا يمكن أن يحتج بقول فرعون أو ملئه على معنى توحيد الربوبية, لأن فرعون حين أعجزته الحيلة في مواجهة التحدي الذي كشفه موسى عن قدرة الله لم يجد بُداً من أن يصرف هذا الأمر إلى قضية وقتية وهي أن موسى يريد السلطة ويريد إخراجه من مصر, وهو بلا شك محض افتراء وخديعة اعتاد الذين ينكرون الحق أن يستخدموها عندما يعجزون عن إقامة الدليل على بطلان الحق ... ومن العجيب أن يتجاوز المفسر معنى الربوبية الحقيقي إلى المعنى الذي أراده فرعون وملؤه ... فالمودودي يخالف كافة المفسرين في تأويله لمفهوم " الربوبية " فهو يقول عن النمرود : "لم يكن منكراً لله بل كان يعتقد أن الله سيد الكون وبيده مقاليد السماوات والأرض " . ( نظرية الإسلام وهديه: ص 9 )
وفي الألوهية يقول المودودي : " خلاصة القول أن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة ". (المصطلحات الأربعة : ص 24)
أما سيد قطب فيقول - عن مفهوم الربوبية : " إن رد الربوبية كلها لله سبحانه معناه رد الحاكمية كلها لله, فالحاكمية هي مظهر ربوبية الله للناس " ... ويقول بناءً على هذا التفسير لمعنى الربوبية : " لقد أدرك فرعون وملؤه خطر الدعوة إلى ربّ العالمين, وأحسوا أن توحيد الربوبية معناه سلب سلطان فرعون .... أو كما يقال اليوم في قوانين الجاهلية لمثل هذه الدعوة بذاتها أنها محاولة لقلب نظام الحكم " . ( في ظلال القرآن 9 / 9 )

كيف يمكن أن يطلب من النمرود أو فرعون " الحكم بما أنزل الله " وهما لا يؤمنان بالله أصلا , بل كانا يزعمان بألوهيتهما ... فضلا عن أنه لا يوجد دليل على أن الشريعة قد نزلت على إبراهيم حتى يطالب بها النمرود, ومعلوم أن موسى لم تنزل عليه التوراة إلا بعد خروجه مع قومه من مصر.
إن التفسير الصحيح هو أن خطاب إبراهيم وموسى عليهما السلام ودعوتهما ليس المقصود منها نزع سلطان النمرود أو فرعون أو الإطاحة بنظام السلطة القائمة في العراق ومصر, بل كان الخطاب دعوة للإيمان والتصديق بالله وإفراد العبادة له وحده، وهذا هو التفسير المجمع عليه من كافة المفسرين والشّراح.

ولقد تقدم المودودي أكثر في تفسيره لمعنى لا إله إلا الله بمعنى الحاكمية المشار إليها, فجعل أصل النزاع بين المشركين وخاتم الرسل - أيضا - يدور في هذه الحلقة , فيؤكد المودودي وكذلك صاحب الظلال أن معنى " لا إله إلا الله " لا يخرج عن مدلول" الحاكمية " أو أولى خصائص الألوهية: " لقد كان العرب يعرفون من لغتهم معنى " إله " ومعنى "لا إله إلا الله " كانوا يعرفون أن الألوهية تعني " الحاكمية العليا " وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلى الله .... كانوا يعلمون أن " لا إله إلا الله " ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية " . ( معالم في الطريق: ص 22)

وخلاصة الأمر عند أصحاب نظرية الحاكمية أن أصل دعوة الرسل إثبات حاكمية الله على البشر وهو ما كان المشركون ينكرونه, فهم يقبلون بربوبية الله, وينكرون حاكميته مثل فرعون والنمرود لأنهم كانوا ينكرون أن تنفذ شريعة الله، ولقد وصل الأمر بأن جعل المفسر ( المودودي ) كافة الحكام الذين لا ينفذون شريعة الله في مرتبة فرعون والنمرود : " فهذه الألوهية التي ادعاها فرعون والنمرود ليست بقاصرة عليهما بل نجد كل الملوك في كل أرض وفي كل زمان ينتحلون تلك الألوهية ويدعونها " . وينطبق الشرك من جهة أخرى على الناس : " وكان الناس يقومون لهم بجميع ما يكون من آداب العبودية ...وما زال الناس في العصور الغابرة سائرين على هذه الخطة وكذلك حالهم اليوم في معظم أقطار العالم". ( نظرية الإسلام وهديه : ص 19-21 )

الفــــرق

ومن أجل دفع الالتباس على القارئ في إدراك معنى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية نشير إلى الفرق بينهما معتمدين على القرآن وعلى شروح المفسرين, وفي مقدمتهم : الإمام ابن تيميه من خلال مؤلفاته كـ " رسالة العبودية " .

أولاً : معنى توحيد الربوبية : هو إثبات وجود الله وإثبات صفات الخلق له, والملك ، والإحياء، وهو الذي يحيي ويميت، وهو ربّ السماوات والأرض ... وكان هذا النوع من التوحيد لا ينكره جل المشركين في العصور القديمة .. والقرآن والرسالات السماوية السابقة تجعل من هذا التوحيد أساساً لدعوتهم إلى نبذ عبادة الأصنام والأوثان وما يعبدون من دون الله إلى عبادة الله وحده ... ومثال ذلك من القرآن : " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون, الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم, ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون " . ( العنكبوت:61 - 63 )وقال تعالى : " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون, سيقولون لله قل أفلا تذكرون, قل من ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ". ( المؤمنون: 84 -87 )

ثانياً : توحيد الألوهية : وهو الذي يلزم أو يأتي تبعاً لتوحيد الربوبية فهو الأخص وإذا كان توحيد الربوبية يتعلق بإثبات الخالق وأفعاله وصفاته, فتوحيد الألوهية يتعلق بأفعال العبد تجاه خالقه وربه الذي آمن به, والألوهية - في اللغة - بمعنى العبادة وهي المطلوب الأصلي من العبد تجاه ربه, وهي أصل الدعوة الإسلامية عند كافة الرسل : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه انه لا إله إلا أنا فأعبدون ". ( الأنبياء: 25)

ومعنى ( لا إله إلا الله ) لا معبود بحقّ سوى الله, وعندما يُقرّ العبد بصدق هذه الحقيقة فإنه يكون قد نفى عن نفسه الشرك وأثبت أن العبادة والألوهية من حق الله وحده ، أي لا ينبغي أن تصرف لغير الله , والعبادة بمعنى التذلل والخضوع للمعبود وتشتمل على الحب والخشية, فالعبادة واقع شعوري ولا يمكن أن تكون عبادة المسلم ناقصة أو غير مقبولة عند الله إذا لم يكن الحكم بالشريعة قائماً.
يقول الإمام ابن تيميه : " وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب, فان المسلم لو أسره أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات, ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله فهذا يضره ولو كان في الظاهر ملك الناس " . ( رسالة العبودية : ص 20 )

وكما نعلم أنّ دعوة الرسل تقوم على أساس إثبات توحيد الربوبية والألوهية معاً لله ... وكان الأسلوب الذي انتهجوه هو إثبات الربوبية لإثبات الألوهية .. كما هو في حوار موسى عليه السلام مع فرعون : " قال فرعون وما ربّ العالمين .. قال ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين .. قال لمن حوله ألا تستمعون .. قال ربكم وربّ آبائكم الأولين .. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون .. قال ربّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون .. قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ". ( الشعراء: 23 - 29 )

يعلقّ ابن كثير على هذا الحوار : " يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله " وما ربّ العالمين " وذلك أنه كان يقول لقومه " ما علمت لكم من إله غيري " , " فاستخف قومه فأطاعوه " , وكانوا يجحدون الصانع جلّ وعلا, ويعتقدون أنه لا ربّ لهم سوى فرعون, فلما قال له موسى إني رسول رب العالمين ، قال له فرعون ومن هذا الذي تزعم أنه ربّ العالمين غيري ؟
هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف حتى قال السُدّي هذه الآية كقوله تعالى : " قال فمن ربكما يا موسى .. قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط , فإنّه لم يكن مُقراً بالصانع حتى يسأل عن الماهية بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر" . ( تفسيرابن كثير: 3 / 286 )

والقرينة التي يسوقونها أيضاً للتدليل على نظرية الحاكمية هي قوله تعالى : " إن الحكم إلا لله " . ( الأنعام:57)
وقوله تعالى : " قل إن الأمر كله لله ". ( البقرة: 154 )
ومعلوم أن الأمر في مثل هذه السياقات لا يقصد به ( الحكم السياسي ) أو القانوني, بل هذه صفة من صفات الربوبية للخالق, وتعني مطلق القدرة على التصرف والقضاء في مخلوقاته .. وهو ما يسميه الإمام ابن تيميه وغيره " الأمر القدري أو الحكم الكوني " وهو غير الحكم الشرعي .. ويقول الإمام ابن كثير في تفسيره للآية " إن الحكم إلا لله " في سورة يوسف عليه السلام : " أخبرهم - يوسف لصاحبيه في السجن- أنّ الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله ". ( تفسيرابن كثير:2 /414 ) .. ولهذا فلا يصح القول أن هؤلاء الحكام اغتصبوا ( حكم الله ) لأن حكم الله المطلق بيده, وهي صفة من صفات الربوبية " ولا يشرك في حكمه أحداً " .( الكهف: 26 ) .. " إن الله يحكم ما يريد ". ( المائدة:1 )
ولو سلمنا بتأويل هؤلاء المفكرين لصار الأمر لغير الله, ولصار الحكم بيد البشر, ولو كان ذلك حقيقياً كما يزعم هؤلاء المفكرون إذن لكانوا أرباباً فعلاً .. وهذا كما هو واضح عند كل المفسرين المتدبرين في القرآن قياس فاسد, وهو قياس لا يقول به إلا من جعل معنى ( الحكم ) في الآيات (الحكم السياسي ) أو ( الملك الأرضي ) الذي هو بيد الله وليس بيد غيره حسب منطوق الآية : " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " . ( آل عمران : 26 )

ويقدم المودودي قرينة أخرى في غير سياقها, وهي الآية التالية في وصف أهل الكتاب :
" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " . ( التوبة:31 )

وعبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم كما فسرها الرسول صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الطائي:
" بلى إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلوّا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم". ( تفسيرابن كثير: 2/ 302)

إن أهم نقطة في خطأ الاستدلال بهذه الآية لتدعيم نظرية الحاكمية .. أن العبادة المشار إليها صُرفت للأحبار والرهبان ... أيّ رجال الدين عند النصارى وليس لذوي السلطة فيهم .. لسبب واضح وجليّ وهو أن الطاعة الدينية تقدم لمن يفترض فيهم القدسية والعصمة ... وهي انحراف خطير وقع في أهل الكتاب لتقديسهم الأعمى لرجال دينهم ... ولقد أورد الإمام ابن تيميه الأثر التالي عن أبي العالية في تفسير الآية يؤيد هذا الواقع : " كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم فاستصحبوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ". ( الإيمان:64)

فهذا الحكم ينطبق على رجال الدين بالدرجة الأولى ولهذا يقول أحد العلماء المعاصرين :" والحق أن قداسة أولي الأمر أو عصمتهم أو الظن أن أوامرهم كأوامر الله تعالى أو أن لهم أن يحلوا ما حرّمه الله أو يحرّموا ما أحلّه الله ذلك كله معدوم الوجود بين غالب المسلمين " . ( دعاة لا قضاة : ص 105 )

وكما أدى الاستدلال بالآية السابقة إلى إلصاق " الشرك " بالمسلمين المعاصرين استدلوا بالآية : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " . ( المائدة:44 ) ... فزعموا على ضوء هذه الآية أن الحاكم بغير ما أنزل الله قد كفر فهو "طاغوت " ... وقالوا إن الكفر بالطاغوت لازم .. ومن لم يحكم بكفر هذا الأخير فهو بدوره لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر .. ولقد ذكر الإمام ابن تيميه في صدد تأويل هذه الآية قول السلف : " إن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان , وشعبة من شعب النفاق, وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية .. كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره - كفر دون كفر .. وهذا قول عامة السلف وهو الذي عليه أحمد وغيره " . ( الإيمان : ص301 )

ولقد أورد الطبري رواية عن طاوس بن كيسان عن أبيه , قال : سُئل ابن عباس عن قوله " ومن لم يحكم" الآية .. قال هي به كفر .. قال ابن طاوس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .. وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء انه قال : كفر دون كفر .. وظلم دون ظلم .. وفسق دون فسق . ( تفسيرابن كثير: 2 / 56)

باحث شرعي
06-02-05, 6:19 PM
.