المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منقول : حول تقنين الشريعة ؛ رد الراجحي على العبيكان



أوان الشد
05-17-05, 4:09 PM
هذا الرد نشرة الشيخ سليمان الخراشي في بعض المنتديات



بسم الله الرحمن الرحيم

بعث إليّ الأخ الكريم الشيخ عبدالعزيز بن فيصل الراجحي - سلمه الله - هذا المقال التعقيبي على ما كتبه الشيخ العبيكان - هداه الله - قبل مدة يسيرة في جريدة الرياض حول موضوع " تقنين الشريعة " . ( والعنوان منه ) .



الشيخ عبد المحسن العبيكان بين التناقض والمغالطة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه ، وبعد :

فقد قرأتُ وسمعتُ لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان مؤخَّرا منذ نحو أربع سنوات ، نقدا لـ«هيئة كبار العلماء» بالمملكة ، ونقدا للنظام القضائي فيها أيضا ، وبيان بَعْضِ أوجهِ الخلل فيه .

ولا أذكرُ أَنِّي رأيتُ له ، أو سمعتُ منه في برامجه نقدًا لها على هذا النّحو قبل سنوات ! فكان نقدُه ـ حَقًّا أو باطلاً ـ مُتزامنًا مع حملة الغَرْبِ لأعلى وأكبر هيئة علمية في المملكة !

وكان اللائقُ به : أَنْ يَخُصَّ بنصائحِه تلك ونَقْدِه ، ولاةَ الأمر ، أو العُلماءَ القائمين عليها ، ولا حاجةَ لنشرها ولا إذاعتِها ، ولا فائدة لعامَّة الناس مِنْ معرفة ما ذكرَهُ على فرض صحَّته .

ولهذا كان الأصل في المناصحات «الإسرار» ، كما قال الشافعي رحمه الله :

تعمدني بنُصحك في انفراد

وجنبني النصيحة في الجماعة

وهذا في حال الُمنَاصَحِ إذا كان فَرْدًا وَحْدَهُ ، فكيف إذا كانت النصيحة لقطاع كبير عريض ؟!

فإِنْ كان الشيخ قد نصح للولاة أو العلماء : فما الحاجة حينئذ من إذاعتِها وإعلانها ؟!

وإِنْ لم يفعل : فَلِمَ ترك السّبل النافعة المأمونة ، واتَّجَهَ إلى سبل أُخرى أحسن أحوالـها عدم تحقّق المصلحة المأمولة !

ولم يَكْتَفِ الشيخ عبد المحسن بنقده لـ«هيئة كبار العلماء» فحسب ، وإنما صرَّح بمخالفتِه جُمْلةً من فتاواها ، واستنكر مُسْتغربًا بعض استدلالاتها ! كمُخالفته لها في «مسألة التأمين» ، ومخالفته لـ«اللجنة الدائمة للإفتاء» في «مسلسل طاش ما طاش» ! وكان يَسَعُهُ أَحَدُ أمرَيْنِ :

(1) إِمَّا الاكتفاء بفتواهم ، وإحالة الناس عليها ، حفظا لانضباط الفُتيا ، وبقاءً لقَدْرِهم . وليس مُضْطرًّا لا إلى المخالفة ولا إلى الموافقة ، وقد كُفِيَ الفتوى فيها . ولنا في حال الصحابة رضي الله عنهم وأتباعِهم ـ في تدافعهم الفتوى وعدم تصدُّرهم لها ، والفرح بمَنْ يكفيهم إيَّاها ـ عِظَةٌ وعِبْرَةٌ وقُدْوة .

(2) وإِمَّا ـ إِنْ أَبَى ـ أَنْ يُفْتِيَ بمُخالفتِهم ، دون إعلانٍ للمُخالفة ، ولا استغراب فتاواهم وتهوين قَدْرها .

ومِنْ آخر ما رأيتُ له مُنْدرجًا فيما سبق : دعوتُهُ لـ«تقنين الشريعة» في المحاكم في المملكة ، مع عِلْمِه بمُخالفة «هيئة كبار العلماء» ذلك ! بالإجماع أو الأغلبيَّة ، كما صَرَّحَ ـ هو ـ به في لقائه في «برنامج إضاءات» بـ«قناة العربية» يوم (28/10/1425هـ ) .

وجاءتْ دعوتُه هذه لـ«تقنين الشريعة» في لقاءٍ أجرتْهُ معه «جريدة الرياض» ، يوم الجمعة الموافق (20/3/1426هـ ) ، عدد ( 13458) . إِذْ أفتى بجواز «تقنين الشريعة» ! وأَنَّ هذا أَمْرٌ لا يَشُكُّ في صِحَّتِه عاقلٌ ! ولا يستطيعُ أحدٌ تحريمَه ولا منعَه ! وكَأَنَّ «هيئة كبار العلماء» وغيرهم من المانعين ، لا عقول صحيحة لهم ! ولا يخفى ذا لُبٍّ أَنَّ «تقنين الشريعة» في المحاكم قنطرةٌ للحُكْمِ بـ«القوانين الوضعية» !

وأَنَا أُجْـمِلُ مآخذي على الشيخ عبد المحسن العبيكان في وقفات ثمان :

الوقفة الأولى

قال الشيخ عبد المحسن العبيكان : ( إِنَّ صياغة الفقه على شكل مواد وقوانين ، لا يستطيع أحدٌ أَنْ يمنع هذا ، ولا أَنْ يحرِّمَهُ ، لأَنَّ الصياغة لم يَأْتِ بها نَصٌّ من كتاب ولا سُنَّة ، في أَنَّهُ لا يَصِحُّ إلا هذه الصياغة ، أو لا تَصِحُّ إلا هذه العبارة . إنما الذي جاء من الآيات الكريمة ، أو الأحاديث الصحيحة هي التي ينبغي أَنْ يُحافَظَ على نصوصها ) اهـ .

والجواب : أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ «التَّقنين» ، ليس إيجابَ المانعين التزامَ صياغة أو عبارة مُعيَّنة ، وإِنَّما لأَوْجُهٍ أُخْرَى ذكرَها المانعون ، كما في كتاب «تقنين الشريعة أضراره ومفاسده» للشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن البَسَّام رحمه الله ، وكتاب «التقنين والإلزام» للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله .

ولم أَرَ أحدًا من المانعين إطلاقا عَلَّلَ المنعَ بوجوب لزوم عبارة أو صيغة ! وهذا أَمْرٌ معلومٌ ، لا يحصل فيه النزاع .

فالشيخ عبد المحسن يختلقُ لخصمِه عِلَّةً لم يَقُلْ بها البتّة ! ثم ينبري مُهاجمًا ومُدافعًا لبيان فسادها ! مع عدم وجود تلك العِلَّة ! وعدم وجود خَصْمٍ مُسْتَدِلٍّ بها ! لكنَّهُ يذكر ذلك لِيُظْهِرَ خصمَه بحُجَّةٍ ضعيفةٍ لا يقوم بها استدلالٌ ، ويُظْهِرَ نفسَه مُحاجًّا لخصمِه خاصمًا له ، وإِنْ لم يكن في الحقيقة شيءٌ من ذلك !

الوقفة الثانية

قال الشيخ عبد المحسن العبيكان : ( كون لدينا كتب فقهية متنوعة ، وبعبارات ربما ثقيلة أو قوية على كثيرين من الناس ، الذين لا يستطيعون أَنْ يفهموا هذه العبارات القويَّة . أيضًا قد تكون تلك العبارات مُتناسبةً والعصر الذي سُجِّلَتْ هذه العبارات فيه . أَمّا اليوم : فقد تغيَّرت العبارات التي يُخاطب بها الناس ، فلا بُدَّ من أَنْ تكون هناك عبارات واضحة لِـمَنْ يقرأها أو يسمعها ) اهـ .

والجواب من وجوه :

أحدها : أَنَّ عامَّة الناس مِـمَّنْ لا يُدْركون عبارات الفقهاء ، لِقُوَّتِهَا أو ثِقَلِهَا : ليسوا مُطالبين أصلاً بالتَّفقه منها ، والأخذِ عنها ، وإنما الواجب عليهم سؤال أهل العِلْم عَمَّا جَهِلُوا ، والتّفقه بقَدْرِ ما يُقيمون به عباداتِهم ، وهذا شيءٌ لا يحتاج مِنَّا إلى إعادة صياغات ، لقوله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، وقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) .

فهذا فرض كفاية ، إذا قام به مَنْ يكفي سقط عن الباقين ، وقد قام به العلماء .

الوجه الثاني : أَنَّ جَهْلَ العامَّةِ ومَنْ في حكمهم لألفاظ الفقهاء ليس بمُسْتغربٍ ولا غريبٍ ، وليس هذا مُختصًّا ولا مُقتصرًا على كتب الفقه ، بل إِنَّ مُصنَّفات الأئمة في كل عِلْمٍ وفَنٍّ بهذه المثابة عندهم !

بل إِنَّ هذه العِلَّةَ المزعومةَ ، مُتَحقِّقةٌ كذلك في القرآن ! ففيه كثير من الألفاظ تخفى على العامّة ، وهو مصدر تشريع أساسي .

أَمَّا أهل العلم وطلابه : فهم أهل الفنّ وأربابُه ، فَإِنْ أشكل عليهم منه شيءٌ ، فعندهم من مُصنَّفات الأئمّة ما يُزيله ويرفعه .

ولو كانت كتب الفقهاء على هذه الصورة : لَتُرِكَتْ ولَـهُجِرَتْ ، ولم يستطع العلماءُ الاستنادَ والاعتماد عليها . ولكنَّها ليستْ على تلك الصورة إطلاقًا ، إلا على الُجهَّالِ مِنْ أهل البلادة والغباء ، الذين بلدت عقولُهم عن إدراك معاني ألفاظهم الرّفيعة الجليلة ، فانصرفوا عن الاعتراف ببلادتِهم ، إلى رمي كتب الفقهاء بالعبارات القويّة الثقيلة !

الوجه الثالث : أَنَّ وَجْهَ استصعاب الناس ـ من غير العلماء ـ بعضَ عباراتِ الفقهاء ، غالبًا لا يكونُ من حيث فَهْمُ اللفظةِ مُفْرَدَةً ، وإنّما من حيث تركيبُها مع غيرها في سياق . وهذه المشكلة لا تزول بمُجرَّدِ إعادة الصياغة والعبارة . وإنما بالشرح والاستفاضة في بيان المراد والتمثيل له . وهذا الأمر موجود في الكتب الفقهيَّة الُمطوَّلة لا المختصرات التي في عباراتها اختزالٌ مُرادٌ لكثيرٍ من المعاني ، تسهيلا للنّاشئة ومَنْ في حُكْمِهم في حفظها .

الوجه الرابع : أَنَّ الشيخ العبيكان ، إِنْ كان يَقْصِدُ بلغة تخاطب الناس اليوم «العامِّيَّة الدّارجة»: فهذا لا يقول عاقل بإعادة صياغة كتب الفقهاء بها ! مع اختلاف اللهجات وتباينها تباينا كبيرا في النطق والُمفْرَدةِ والمعنى .

وإِنْ كان مقصده بلغة التخاطب «الفصحى»: فليس النّاس اليوم يتخاطبون بها ! فكيف نكتب الفقه بعبارة أو صياغة ليس لها وجود ؟!

الوجه الخامس : أَنَّ مُرادَ أصحاب هذه الفِكْرة الخبيثة ، المدسوسة مِنْ دول الكُفْرِ والاستعمار ، تبديلُ الأحكام الشرعية التي يجدها الناس في كتب علمائهم ظاهرة ، فأرادوا صَرْفَ الناس عنها بتلك الترهات التي لا قيمة لها ، ولا حَظّ من نظر ، إلى كتبٍ عصريّةٍ خاليةٍ من تلك الأحكام ، فيها شريعة وشَرْعٌ لم يَشْرَعْ كثيرًا منه الله ولم يَأْتِ به رسولُ الله × ، بحُجَّةِ إعادة كتابة الفقه بصياغة جديدة وعبارة مُفيدة ! وإنما هو إعادة تشريع ، وإزالة شريعة .

والشيخ العبيكان يُرَدِّدُ ما يقولُه غَيْرُهُ دون نظرٍ فاحصٍ ، ولا فراسةٍ مُصِيبةٍ هداه الله ورَدَّهُ إلى الصّواب . ولا أُخْفي أَنِّي وجدتُ في عبارات الشيخ عبد المحسن العبيكان ما يُشْعِرُ بتأثُّره بتلك الدّعوات ! وبيانه في الوقفة الثالثة .

الوقفة الثالثة

قال الشيخ عبد المحسن العبيكان : ( نحن في هذا الزمن نحتاج إلى فقه جديد ، مع المحافظة على القواعد الشرعية ، والنصوص من الكتاب والسنة . فالأصول والنصوص يجب المحافظة عليها ، ولكن نحتاج إلى فقه جديد ، لا يخالف تلك النصوص ، ويستمد الأحكام منها . ولكن بدون تعصب لقول . وأيضا اختيار القول المناسب الذي يصلح لهذا الزمان والمكان ) اهـ .

والجواب من وجوه :

أحدها : أَنَّ دعوى الشيخ العبيكان في التمسك بالنصوص من الكتاب والسّنّة وبالقواعد الشرعية ، يُخالِفُها ويُنَاقِضُهَا ويُعَارِضُهَا ، زَعْمُهُ حاجتَهُ إلى فقه جديد ! إِذْ أَنَّ ما في النصوص والقواعد الشرعية فِقْهٌ قديمٌ ، مضى عليه أئمَّةُ الإسلام في كل عَصْرٍ ، مِنْ كُلِّ مذهبٍ ، مع اختلاف اجتهاداتهم . وليس خلافُهم مُخْرِجَهَا عن القِدَمِ . ولا يكونُ الفقه جديدا ، إلا بخروجه عنها .

فإِمَّا أَنْ يبقى العبيكان على النصوص والقواعد الشرعية : فلا فقه جديد حينئذ .

وإِمَّا أَنْ يجعلَهُ خلفَهُ ظهريًّا : فيكون حينها مُخترعًا فِقْهًا جديداً ! لكنَّه ليس من الإسلام في شيء .

ومُجرَّدُ تغيير العبارات والصِّيغِ لا تجعل الفقه قديمًا ولا جديدًا ، فما مُرادُ الشيخ العبيكان من الفقه الجديد الذي يُبَشِّرُ به ويسعى إليه ؟!

الوجه الثالث : أَنَّ في قوله «اختيار القول المناسب الذي يصلح لهذا الزمان والمكان» وقفةً أُخْرَى ! فهي لفظةٌ خطيرةٌ خبيثةٌ ! فأين زعم الشيخ العبيكان التمسّك بالكتاب والسّنّة ، وعدم مُخالفة نصوصهما ، إذا كان المُرجِّحُ عنده عند اختلاف العلماءِ ، واختيارِ الأقوال : صلاحيةَ الزّمانِ والمكانِ المزعومة ؟!

ولا أدري بعد ضابط الشيخ العبيكان هذا : ما حَالُ الُمحرَّماتِ والكبائر في عصر الصحابة والتابعين قبل خمسة عشر قَرْنًا ، أهي اليوم مُباحة ؟! أم هي مَسْنونةٌ سُنَّةً مُؤكَّدة ؟!

وما حَالُ ما حَرَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ على عباده في المدينة المُنوَّرة أهو حَرَامٌ عليهم في مَكَّةَ أم هو مُباحٌ ؟!

وما مُدَّةُ صلاحية أحكامِه الجديدة في فِقْهِه الجديد بعد ضابط صلاحيةِ الُحكْمِ للزَّمان ؟! أَهِيَ سَنَةٌ ، أو عَشْرٌ ، أو قَرْنٌ ، أو أكثر أو أقلّ ؟! وهل سَيَكْتُبُ فضيلتُه على مُنتجه الفقهيّ الجديد بعد اكتماله مُدَّةَ الصّلاحية ! وتاريخ الإنتاج ! أو يجعل ذلك مَنُوطًا بالجهات الصِّحيَّة والبلديَّة في المملكة ؟!

وهل سَيُعَمِّمُ فقهَهُ الجديدَ علينا في المملكة نَجْدًا وحجازًا وشمالاً وجنوبًا وشَرْقًا وغَرْبًا ؟ أَوْ أَنَّهُ سيجعل لِكُلِّ جِهَةٍ فِقْهًا جديدا ؟! وهل يَصِحُّ لغير السّعوديّين استخدامُ فقهه الجديد ؟ أَوْ أَنَّ ضابط المكان إذا تغيَّرَ لم يَصْلُحْ معه فِقْهُهُ الجديدُ للاستخدام ؟! فهل يقول بهذا مَنْ له مسكة من عقل ؟!

الوقفة الرابعة

قال الشيخ عبد المحسن العبيكان : ( إذن صياغة الفقه على شكل مواد ، بعبارات واضحة تتناسب مع هذا العصر : أَمْرٌ لا يشك في صِحَّتِه عاقلٌ . كذلك لسنا مُلْزَمِيْنَ بأَنْ نأخذ بمذهب واحد ، وإنّما نحن نبحث عن الدّليل والقول الرّاجح .

والتقليدُ المذمومُ الذي حصل في حُقْبَةٍ من الزّمن ذَمَّهُ الُمحقِّقُونَ وأنكروه . كذلك الأئمَّةُ أنكروا التّقليد ، وأمروا باتّباع القول الذي يسنده الدّليل من الكتاب والسّنّة ) اهـ .

والجواب من وجوه :

أحدها : أَنَّ نتيجتَهُ هذه مَبْنِيَّةٌ على مُقدِّماتٍ غير مُسَلَّمَةٍ أصلا له ، فنتيجتُها غير مُسَلَّمَةٍ أيضًا . بل إِنَّ مُقدِّماتِها فاسدةٌ ، فهي نتيجةٌ فاسدة .

الوجه الثاني : أَنَّ صياغةَ الفِقْهِ على شكل مواد ، وهو الُمسمَّى بـ«تقنين الشريعة» قد أفتى بتحريمه جماعاتٌ من أهل العِلْمِ ، فأفتتْ «هيئة كبار العلماء» في المملكة بتحريمه ، وصَنَّفَ في التّحريم الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرّحمن البَسّام كتابًا سَمَّاهُ «تقنين الشريعة أضراره ومفاسده» طُبعَ قَبْلَ أكثر من خمس وأربعين سنة ، وغيرُه .

فكيف بعد هذا يقول العبيكان : إِنَّهُ أَمْرٌ لا يَشُكُّ في صِحَّتِه عاقلٌ ؟!

الوجه الثالث : قوله «لسنا مُلزمين بأَنْ نأخذ بمذهب واحد ، وإنما نحن نبحث عن الدليل والقول الراجح»: مُنَاقِضٌ ومُخَالِفٌ لِـمَا دعى إليه وسعى فيه مِنْ «تقنين الأحكام» !

وهذا مِنْ جُمْلةِ تناقضاته الكثيرة ! فَإِنَّا إِنْ كُنَّا لسنا مُلزمين بمذهبٍ واحدٍ ، مع كون أَئِمَّةِ هذه المذاهب مُجْمعًا على فَضْلِهم وتَقَدُّمِهم ، فكيف يُلْزِمُنَا الشيخُ العبيكان بـ«تقنينٍ للشريعة» وَضَعَهُ عَصْريُّون ؟! وإذا كان مدار العبيكان على الدّليل والقولِ الرّاجح : فلماذا يُلْزِمُنَا بـ«تقنين الشريعة» ؟! أَمْ أَنَّهُ يرى موادَّ شريعتِه الُمقنَّنة أَدِلَّةً رافعةً للنزاعِ والخلاف ، وأقوالاً راجحةً وغيرها مرجوحة ؟!

ثُمَّ أَخْذُنَا بالقول الرّاجح ! على مَذْهَبِ مَنْ ؟! وباختيارِ مَنْ ؟! وبترجيح مَنْ ؟! وما مُرَجِّحاتُ ذلك القول الرّاجح ؟! وأَدِلَّةُ رُجْحَانِه على غَيْرِه ؟!

وكُلُّ عالمٍ في كُلِّ مذهبٍ يَزْعُمُ لقولِه ومذهبِه الرُّجْحانَ على غيره ، فما الميزانُ لاختيار الأقوال الرّاجحة من المرجوحة عند «التّقنين» ؟!

الوجه الرابع : أَنَّ دعوى العبيكان في ذَمِّ التقليد دعوى كاذبةٌ ، يُنَاقِضُهَا فِعْلُهُ ! بدعوته إلى «تقنين الشريعة» ! فهل يبقى لِأَحَدٍ اجتهادٌ أو قَوْلٌ بعد «التّقنين» ؟!

بَلْ إِنَّ التقليدَ المذمومَ الذي ذكرَهُ العبيكان ، وذَكَرَ ذَمَّ العلماءِ له ، أفضلُ بكثيرٍ من اتّباع «التّقنين» ، وذلك مِنْ وجهَيْنِ :

أحدهما : أَنَّ الُمقلِّدين التّقليدَ المذمومَ ، لا تُنْقَضُ أحكامُهم ، ولا يُلْزمون من أَحَدٍ بذلك التقليدِ المذمومِ ، فمتى أراد أحدٌ منهم مُخالفةَ ما ذهب إليه إمامُه فَعَلَ ، ولا بأس عليه .

أَمَّا مُخالفةُ «التّقنين»: فهي مُخالفةٌ نظاميةٌ تَنْقُضُ الأحكامَ ، وتَطَالُ تَبِعَتُهَا الُحكَّامَ ! فَإِمَّا أَنْ يحكم بما حَكَمَ به غيرُه دون بصيرةٍ ولا رَأْيٍ ولا هُدًى ، وإِلَّا فحكمُه مَنقوضٌ ، وشأنُه حينها مخفوضٌ !

الآخر : أَنَّ التقليدَ المذمومَ هو تقليدُ إِمَامٍ مُعتبرٍ اتَّفقتِ الأمةُ على فضلِه ورسوخِ قَدَمِه ، ولهجتِ الألسنُ بذكر عِلْمِه ، ووفورِ عَقْلِه ، بحيث لا يُخالِفُه المُقَلِّدُ في شيءٍ قَلَّ أو كَثُرَ ، وإِنْ بلغَهُ في ذلك دليلٌ صحيحٌ .

أَمَّا تقليد «التّقنين»: فهو تقليدُ عَصْريِّيْنَ لم يحصلْ لهم ـ مهما كانوا ـ ما حصل للأئمَّة السابقين من العِلْمِ والحفظِ والفقه والتَّقدُّمِ . بل رُبَّما كان فيهم مطاعنُ في دينهم وأمانتِهم وعِلْمِهم .

مســك
05-18-05, 5:50 AM
هداه الله ورَدَّهُ إلى الصّواب ...
وكل يؤخذ من قوله ويرد .