المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطوفــان(1/2)



sabet
05-09-05, 07:58 PM
بدائــــل مبارك
الطوفــان(1/2)



قاموس الردة:

المسلم متشدد والملتزم أصولي والأصولي إرهابي والاستشهادي انتحاري والجهاد جريمة أما الإيمان فليس بالله بل بمبارك وعبد الله وشارون وبوش والشيطان



اللهم ارحم عبدك حسن وتغمده بغفرانك ورحمتك..



بقلم د. محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab@gawab.com



طوفان بغير سفينة نوح، وردة لا أبا بكر لها، وفتنة بلا عمر، وصليبيون دون صلاح الدين، وتتار دون قطز، وخونة يبرئهم قضاة النار ويلبسونهم ملابس الأبطال، ودعار يضعون شروط العفة ويدعون براءة الأطفال، ومزورون يشرفون على صندوق الانتخاب، وزنادقة يحددون شروط الإيمان، وعهار يدرّسون الأخلاق، وطواغيت جعلوا من أنفسهم حراسا على الحرية، ومجالس أمة دونها مجالس الشيطان، وصحف بزت مسيلمة، وكذب ليس له في التاريخ مثيل، وخسة ليس لها في العالم نظير، وقلب مكسور، وجرح مفغور، وذنب أمة أخشى أن يكون غير مغفور، وعقل مهدر، وخطايا بلا مبرر وبلا استغفار وبلا توبة، ونار ليست سلاما، واكتشاف بئيس أن الخطأ ليس في الحكام، بل في الأمة المشلولة التي نست الله فأنساها نفسها وسلط عليها من الطواغيت مثل أولئك الذين تسلطوا عليها، فلما آن أوان وصولهم إلى مأواهم في مزابل التاريخ إذا بالمهرجين يتقدمون ليحكموا أمة تستحقهم فكما تكون يُولّ عليها.

***

نعم ..

طوفان أرى أمواهه و أسمع هدير أمواجه و أخوف ما أخافه و أخشى ما أخشاه أنه لن يقبض أرواحنا ولن يهدم بيوتنا ولن يخرب عمراننا ولن يغرق بلادنا..

لن يفعل أيا من ذلك..

لكنه سيفعل ما هو أخطر.. وسيقضي على ما هو أهم.. وسيغرق ما هو أغلى و أقيم..

سيقضي على ديننا..

لا على الإسلام كدين -فالله خيرا حافظا- بل على المسلمين كجيل أو أجيال..

طوفان يستهدف لا إله إلا الله..

طوفان فيه المسلم متشدد والملتزم أصولي والأصولي إرهابي والاستشهادي انتحاري والجهاد جريمة أما الإيمان فليس بالله بل بمبارك وعبد الله وشارون وبوش والشيطان.

طوفان عجز طيلة الماضي أو على الأحرى هرب من تعريف الإرهاب الذي يخشاه منا أو من توصيف الإسلام الذي يريده منا.. لكنه بعد أن استيقن – في مخيلاته وهلاوسه- من فنائنا و هلاكنا أسفر عما يخفيه.. فإذا بالإرهاب الذي يقصده هو الجهاد، نعم، هو الجهاد، الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، لا كراهية في الجهاد فقط مع الموافقة على ترك باقي الإسلام دون الجهاد، إنما المقصود الجهاد كذروة وكرأس، فأنت حين تقطع رأس إنسان لا تقتل الرأس ثم تدع باقي الجسد حيا، و إنما تقتل الجسد كله، لذلك فإنهم لم يعودوا يخفون الآن أن الإسلام الذي يعنونه ليس إسلامنا الذي عرفناه عبر القرون كما ينقل لنا د. يحيى هاشم فرغل ( .. نعم.. "د".. دكتور حقيقي وفذ أيضا.. لأن حرف الدال الذي يسبق اسمه يعنى: دكتور، أما معظم أسماء النخبة المسبوقة بذات الحرف فإنه لا يرمز فيها لكلمة: "دكتور" و إنما يرمز إلى شيء آخر و إلى كلمة أخرى قد تكون : دبا أو دابة أو داءا أو دبرا أو دُّجَّةُ – بمعنى شدة الظلمة وفي الحديث {هؤلاء الدّاجُّ وليسوا بالحاج} أو دجالا أو درنا بمعنى الوسخ أو لعل حرف الدال اختصار لكلمة داعر أو دفر – بمعنى نتن- أو دميم أو دنئ أو دنس أو داهية دهياء ودهواء أو دودة أو دون أو دائص – بمعنى اللص-أو الدبح : دّبَّحَ الرجل تَدْبِيحاً إذا بسط ظهره وطأطأ رأسه فيكون رأسه أشد انحطاطا من أليتيه وفي الحديث {أنه نهى أن يدبح الرجل في الركوع كما يدبح الحمار}‏ .. وربما يكون ذلك الحرف: حرف الدال قد تم تصحيفه ليتحول إلى ذال، فيصبح الحرف دالاً على كلمات كالذيل أو الذليل ) ..

أقول : ينقل لنا د.يحيى هاشم فرغل – بالنص في مقالته بالشعب 8-4-2005 - رأي البارونة كوكس وزميلها جون ماركس للحالة الإسلامية في كتابهما " الإسلام والإسلاموية: ؟ " حيث يبدأ الكتاب كما يقدمه الدكتور عزام التميمي بديباجة من التعريفات للتمييز بين المسلم المقبول والمسلم المرفوض من وجهة نظر المؤلفين . يقول المؤلفان أن الغالبية العظمي من المسلمين هم مواطنون مسالمون ومتقيدون بالقوانين، ولا مشكلة مع هؤلاء علي الإطلاق. إنما المشكلة في رأيهما مع المسلمين المؤدلجين، المتطرفين ، ممن يسمون بالإسلاميين ، وهم أولئك القلة من المسلمين الذين يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى في كافة شؤون حياتهم. (!!)

نعم..

واقرءوها يا قراء وعوها.. وواجهوها إن أردتم ولا أقول إن استطعتم..

الإسلام المرفوض.. الإسلام الإرهابي .. الإسلام الذي سيخلصنا المارينز منه جبرا إن لم نتخلص منه طوعا هو إسلام أولئك القلة من المسلمين الذين يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى في كافة شؤون حياتهم. (!!)

نعم.. هو الطوفان..

طوفان بدأ أعداؤنا يعدون له منذ ألف عام، وكان الشيطان يعد له منذ بدء الخليقة..لكن أكثر من ساهم فيه ومكّن من حدوثه ومهد له هم نحن..

نعم..

نحن..

***

طوفان نواجهه ببعض من كانوا السبب فيه فكأنما نواجه العدو بجواسيسه وطابوره الخامس فينا.

طوفان إن واجهناه بمبارك أو بأي من بدائله المطروحة فإننا من المغرقين..

طوفان له ألف معني كل معنى ينهمر من ألف جانب..

لقد سألت نفسي و أنا أتأمل الطوفان القادم هل يستطيع مبارك أو عبد الله – عبد الله الشقي لا الصبي – أو بشار أو عار العابدين أو الشيخ الصابئ أو أمير الغلمان أو.. أو.. أو .. مواجهته..

وعدت إلى فكرة كانت قد خامرتني بعد التغيير الوزاري الأخير عندما حل بالناس إحساس الفجيعة واليأس والفقد، كنت قد أدركت أن الحد الأقصى للتغيير الممكن لن يغير من الأمور شيئا، حتى لو تغير مبارك نفسه، وجاء رئيس جديد، وكتبت أيامها أن الأمة تحت وطأة الضغوط الهائلة والخيانات السافرة قد انشقت، و أن تغيير فرد أو وزارة أو رئيس لن يغني عنا شيئا لأننا نواجه فساد نخبة تدرك أن مكانها الحكم أو السجن أو القبر.. مكانها البورصة أو نيابة الأموال العامة.. و أن هذه النخبة لا تقل عن عدة ملايين، وهم منظمون جيدا ويعرفون ما يفعلون، وقد خططوا له، و أنهم يملكون القوة والثروة والسلطة ولا يردعهم دين ولا ضمير ولا انتماء، و أنهم سيقاتلون بشراسة منقطعة النظير، وقلت أن ذلك لم يحدث في مصر فقط بل في العالم الإسلامي كله. لقد دبر الصهاينة والصليبيون أمرهم جيدا، دبروه جيدا حتى أن التغيير أصبح يحتاج إلى حرب أهلية ضروس كي يتم.

***

لكن..

هل تكفي الحرب الأهلية للتغيير..

هل يمكن على سبيل المثال، وحتى لو قامت حرب أهلية في مصر ضد المستغربين وعملاء أمريكا و إسرائيل، هل يمكن أن ننتصر فيها وشارون يحكم في الشمال والجنوب والشرق والغرب..

هل يمكن أن ننتصر وعبد بوش عن يميننا وغلامه عن يسارنا وخصيانه يحيطون بنا..

هل يمكن لتغيير و إصلاح حقيقي أن يتم في بلد بمعزل عن الآخر؟!..

وهل يمكن أن يكون هذا التغيير في الاتجاه الذي يسير فيه الآن.. اتجاه الصهيونية والصليبية وانعدام الهوية والمزيد من الكفر والعهر والشذوذ التي تجتمع تحت وصف الليبرالية الجديدة؟..

بل هل يمكن أن يكون التغيير الجوهري أو الإصلاح الحقيقي إلا عكس هذا الاتجاه ونقيضه؟!

هل يمكن..؟

هل يمكن..؟

ثم من سيقودنا إلى هذا التغيير..

***

تساءلت – مستنكرا – إذا ما كان مبارك و أضرابه هم الذين سيقودون..

وعما إذا كان هناك بدائل تستطيع المواجهة..

لكننا قبل أن ندرس البدائل لا بد أن ندرس الأصل..

علينا أن نسأل مثلا :

- هل مبارك رئيس جمهورية حقيقي وشرعي؟!..

والسؤال لا يقتصر على مبارك بل ينسحب على كل حاكم عربي..

ولكي نتصور المسألة فلنقدم مثلا بسيطا.. فلنتصور طبيبا في مستشفى أو مهندسا معماريا.. و أننا نريد بديلا له.. الحل إذن أن نفحص شهادات وخبرة الطبيب الأول الموجود فعلا، ثم نقارن بها شهادات وخبرة من يتقدم كبديل. سيكون للعوامل الأخرى دور وتأثير ولكن الأساس سيكون في الشهادات والخبرة . لن ندعي الرفعة ولا العصمة وسنعترف بدور للوساطة والمحسوبية.. بل وسنتقبل قدرا مقدرا من الغش والتزوير ما دام ذلك غير مؤثر تأثيرا جذريا على النتيجة النهائية.. ..

لكن..

لكن..

إذا ما اكتشفنا أن شهادات الطبيب الأول مزورة، و أنه لم يحصل على بكالريوس الطب أصلا.. و أنه مارس المهنة طول عمره بدون ترخيص .. وبالتالي بدون علم ولا خبرة..

عند هذا يختلف الأمر ويكون الاستمرار في البحث عن بديل مهزلة.. بل إن أي شخص حتى عمال النظافة يستطيعون القيام بدور البديل لطبيب شهاداته مزورة.

ربما يخطر ببال قارئ أن يسأل ولماذا لا تبلغ إدارة المستشفى عن الطبيب الذي زور أوراقه.. والإجابة أن الإدارة ليست إدارة فأوراقها مزورة هي الأخرى. لا أحد في موقعه ولا أحد في عمله ولا أحد هو هو. والأمر أشبه بقراصنة استولوا على سفينة أو لص سيارات سرق سيارة وطمس كل ما يمكن أن يكشف جريمته..

نعم.. قراصنة وطمس هوية..

لكن.. فلنعد إذن إلى ما كنا فيه..

هل الرئيس مبارك ( كمجرد مثل ) رئيس شرعي؟..

هل يمكن أن يكون رئيسا بالمقاييس الأمريكية أو الأوروبية أو اليابانية مثلا؟!..

لن نعود إلى شرعية مشكوك فيها – بل لم يعد فيها شك- لثورة 23 يوليو..

ولا إلى استخلاف غير شرعي للسادات.. ( ألم يقولوا أن السادات نفسه كان عميلا للمخابرات الأمريكية..وهو بالطبع قومي.. وما ينطبق عليه ينطبق نظريا –على الأقل – على الأقران والسلف والخلف.. وتلك قضية أخرى لكنها تفسر الاستخلاف.. من .. ولماذا)..

لن نتحدث عن ذلك..لكننا نقرر أنه إذا كان هناك اتفاق كلي لا يشق إجماعه أحد على تزوير كل الانتخابات والاستفتاءات فإن ذلك يعني أن رئيس الجمهورية الذي نبحث له عن بديل ليس رئيس جمهورية أصلا..

دعنا من الأختام المزورة والمستندات المصطنعة ولنستدع شاهدا لا يمكن أن يكون ضد الرئيس مبارك.. بل إن أكثر ما يؤخذ عليه هو مديحه له.. لنستدع مصطفي بكري للشهادة كيف تزور الانتخابات.. والقارئ يدرك بالطبع أنه إذا كان هناك دافع لتزوير الانتخابات فإن هناك مائة دافع لتزوير الاستفتاءات.. و أنه إذا كان هناك دافع لتزوير الانتخابات لصالح وزير الأوقاف وضد مصطفى بكري فإن هناك ألف دافع لتزوير الانتخابات لصالح الرئيس مبارك..

لنستدع مصطفى بكري إذن لنسمع شهادته المنشورة في العدد الأخير من الأسبوع 25-4-2005 حين استدعى الأمن المجرمين للسيطرة على المعركة الانتخابية:

"منذ الصباح الباكر، كانت سيارات الميكروباص، تنقل الجيوش الزاحفة، وجوه غريبة، عيون يتطاير منها الشرر.. جاءوا بهم من كل حدب وصوب، أخرجوهم من الزنازين، ووعدوهم بالمكافأة إن استطاعوا إنجاز المهمة علي الوجه الأكمل.. دفعوا بهم أمام اللجان الانتخابية، لقد تلقوا التدريبات جيدا علي يد خبراء محترفين، امسكوا في أيديهم بالمطاوي والخناجر والسيوف ووقفوا يتربصون بالناخبين.. لم يكن المشهد عاديا، إنه إبداع جديد، صاغته عقول شيطانية، رأت فيه أن ذلك هو الأسلوب المناسب للتعامل مع الشعب المصري!! صدق الناس حديث الرئيس، ودعوته لهم بالمشاركة في الانتخابات، زحفوا إلي أقسام ومراكز الشرطة وقيدوا أسماءهم في اللجان الانتخابية، هذه المرة كان لديهم يقين بأن الإشراف القضائي علي الانتخابات سوف يضع حدا لعمليات التزوير، وينهي إلي غير رجعة بلطجة الحزب الحاكم وأجهزته المختلفة.. في دائرة حلوان والتبين لم أصدق ما رأيت، منذ الصباح الباكر قرروا حسم الانتخابات علي طريقتهم، قرءوا الخريطة جيدا كنت قد حصلت في الجولة الأولي علي 7500 صوت، وكان منافسي وزير الأوقاف السابق محمد علي محجوب قد حصل علي أربعة آلاف صوت، ولكن يا للعجب فقد انقلب الحال في انتخابات الإعادة فحصل هو بقدرة قادر علي 7500 صوت وحصلت أنا علي أربعة آلاف صوت!! كان المشهد مفزعا في انتخابات الإعادة، جحافل الأمن المركزي تزحف إلي حلوان منذ الواحدة صباحا، تحتل كافة اللجان الانتخابية ، الضباط يصطحبون معهم الكلاب البوليسية الشرسة، وبعد قليل تصل سيارات الميكروباص، حيث يجري توزيع البلطحية والمسجلات آداب علي كافة اللجان التي حققت فيها أعلي الأصوات في الجولة الأولي من الانتخابات، كانت النساء المسجلات يرتدين ملابس صارخة، يطلقن ألفاظا تخدش الحياء، ما أن تتقدم سيدة للإدلاء بصوتها حتى يبدأ فاصل الردح الفظيع الذي لا يستطيع أحد أن يجابهه. كانت المسجلات يمسكن بزجاجات القار الأسود، وكان البلطجية يمسكون بالسيوف والمطاوي ويهددون كل من يقترب من صناديق الانتخابات. تجمهر الناس في كل مكان، رحنا نستنجد بالقضاة، لم يستطع رئيس اللجنة العامة أن يفعل شيئا، لقد راح ضباط الشرطة يهددون كل قاضي يحاول أن يسأل عن السبب.. في مدينة 15 مايو كان عدد المصوتين في الجولة الأولي يزيد علي الألفين وخمسمائة حصلت علي اغلبها، وفي جولة الإعادة بلغ عدد المصوتين فقط حوالي 16 صوتا، انهم المندوبون الذين سمحوا بدخول بعضهم إلي داخل اللجان.. كانت المطاردات التي يقوم بها البلطجية والمسجلات تجري تحت حماية ورعاية أمنية كاملة، كنا نستنجد بالكبار والصغار لكن الجميع قرروا صم الآذان، فقد كان الأمر محسوما.

كانت خطة محكمة، منذ الصباح الباكر اعتقلوا اثنين من أشقائي وأكثر من أربعين من أبناء بلدتي، أطلقوا عليهم البلطجية أمام منزل الأسرة في المعادي، واقتادهم ضباط الشرطة إلي قسم البساتين، حيث أذاقوهم كافة صنوف التعذيب النفسي والبدني..

لم نكن وحدنا الذين تعرضنا للتهديد، كان القضاة أيضا يرون أنفسهم عاجزين، وكم كان مؤلما أن يذهب أحد القضاة إلي ضابط في إحدى اللجان الانتخابية بمدينة 15 مايو، يسأله لماذا تمنعون الناخبين، كان الضابط جالسا والقاضي واقفا.

نظر الضابط إلي القاضي من أسفل إلي أعلي، وقال له بلغة تحمل كثيرا من التهكم.. خليك في لجنتك وليس لك علاقة بما يجري خارجها..!!

تعجب القاضي من الأمر، وقال له بلغة لا تخلو من الألم.. هذا تجاوز للقانون، ساعتها انتفض الضابط ووقف غاضبا وقال: انت بتشتمني..!!

انسحب القاضي في هدوء، ومضي إلي لجنته، وقد شعر بجرح غائر في كرامته، فقد اتضح في نهاية الأمر أن وجوده هنا ليس اكثر من ديكور، وأن سلطته مقيدة بقرار حكومي، وانه يشارك من حيث لم يرد في هذه المهزلة التي تجري باسم 'النزاهة والإشراف القضائي'.

كان ذلك واحدا من أهم إبداعات وزارة الداخلية لضمان إجراء انتخابات نزيهة وعادلة، يمنع فيها من التصويت كل من تحوم حولهم الشبهات بأنهم سيمنحون أصواتهم لغير المرضي عنهم حكوميا."

***

وهنا أنبه القراء إلى أن نفس الشيء حدث في الأسبوع الماضي وهذا الأسبوع في الجامع الأزهر.. حيث دأب أعضاء في حزب العمل – جزاهم الله خيرا- منذ ثلاثة أعوام على مخاطبة الأمة بعد صلاة كل يوم جمعة، وسط حصار من السلطة، وتعتيم من الفضائيات، ومقاطعة من المعارضة التي لا تقل سوءا عن السلطة. ومنذ الأسبوع الماضي قررت السلطة مواجهة ذلك عن طريق رجال أمن متنكرين في ثياب مدنية تصرفوا داخل المسجد و أمام المنبر بمنتهى البذاءة والسوقية حتى لقد تفوهوا بسباب قذر يتناول أعراض الأمهات والآباء، حتى أن خطيب المسجد احتج هذا الأسبوع على ما حدث في الأسبوع الماضي.. لكن بعد الصلاة حدث نفس الشيء.. وهجمت قوات الأمن – بملابس مدنية ودون دروع – على أعضاء حزب العمل ومنعوهم من الحديث للناس.

***

فلنعد إلى مصطفى بكري حيث يواصل كشف العصابة.. نعم .. فمن يفعل ذلك عصابة لا حكومة:

"وكان الإبداع الثاني لا يقل ديمقراطية عن الإبداع الأول لقد جيء بالبلطجية والمسجلات آداب وبعض أنصار المرشحين الحكوميين.. أعدت لهم بطاقات شخصية في مكاتب السجل المدني، أنها بطاقات حقيقية عليها صورة المواطن، ولكن بأسماء ناخبين مدونين في اللجان الانتخابية المختلفة. لقد أعدوا لكل شخص ممن جيء بهم عشرين بطاقة شخصية بأسماء عشرين ناخبا في عشرين لجنة، وأمسك الضباط بهذه البطاقات في حوزتهم، وانطلقوا بباصات كبيرة إلي اللجان الانتخابية المختلفة، وقبيل الوصول إلي اللجنة بقليل يوزعون البطاقة بالاسم، يهبط ركاب الباص يدلون بأصواتهم في حراسة الضباط والمخبرين، كل شيء معد جيدا، القضاة لا يستطيعون الاعتراض، فالبطاقة سليمة واسم الناخب يتطابق مع الاسم المدون علي البطاقة، يدلون بأصواتهم ثم يعودون إلي الباص ليتجه بهم إلي لجنة أخري، تجمع منهم البطاقات، تقدم إليهم بطاقات جديدة بأسماء جديدة للتصويت في لجنة أخري مختلفة.. وهلم جرا!!

وهكذا استطاعت الحكومة أن تجد الوسيلة المناسبة لإنجاح مرشحيها بطريقة تبدو ديمقراطية للغاية، ولا يستطيع أحد أن يشكك فيها، فالأوراق سليمة، والبطاقات نزيهة، والقاضي لا يستطيع أن يعترض!!

كان هناك العديد من الضباط يشعرون بالذنب وعذاب الضمير، لكنها الأوامر والتعليمات التي صدرت من الحزب الحاكم للكبار والصغار، لكن أحدا لم يكن يستطيع أن يوقف المهزلة..!

وما حدث معي حدث مع الكثيرين، وليسوا فقط المحسوبين علي التيار الإسلامي خاصة في الجولتين الثانية والثالثة بعد أن أدركت قيادات الحزب الحاكم أن حزبهم لم يحقق أية انتصارات تذكر في الجولة الأولي".

***

لقد أطلت – متعمدا – في نشر شهادة الأستاذ مصطفي بكري مذكرا القارئ أنها كتبت بعد الحدث بخمسة أعوام، بعد أن انطفأت النار وخبا الأوار ولم تعد إلا الذكرى ورماد الحنظل، أما من يريد أن يقرأ الأحداث بسخونتها ولهيبها كما وقعت فليرجع إلى أعداد الأسبوع في ذلك الوقت، كانت دامية وكانت مأساة. وكانت تنطق وتصرخ أننا لا نواجه انتخابات ولا وزارات ولا دولة. إنما نحن نواجه عصابة أيا كانت المسميات فيها.

***

إنني لا أقصد مصر فقط، بل أقصدها كمثل، لذلك فإنني أورد الواقعة الثانية من المغرب، ليس لأن التعذيب في المغرب أكثر من مصر ولا لأن التزوير في مصر أكثر من المغرب، ذلك ليس صحيحا، لأن التزوير والتعذيب وما شابه تخضع لإدارات مركزية ليس لدي شك في أن قياداتها العليا تقبع في الموساد أو البنتاجون.

***

في المغرب.. أصدر ضابط المخابرات السابق أحمد بخاري كتابا عن "الأجهزة السرية في المغرب" وقد طبع الكتاب في الدار البيضاء عام 2003.يكشف المؤلف كيف أسس الموساد والـCIA جهاز الأمن المغربي.. وكيف اخترق النخبة المغربية كلها بسبب ذلك ( أظن كل أجهزة الأمن في العالم العربي كذلك)..

ربما لذلك لم تعان أجهزة الأمن في عالمنا العربي أي انفصام بين ما تؤمن به وبين ضمائر أفرادها كمواطنين في الأمة لهم عقائدهم وقيمهم.

تربت هذه الأجهزة منذ البداية بفلسفة صهيونية صليبية ضد دين أمتها، وضد دولها و أوطانها.. ولقد تناقضت طول الوقت مع كل شيء.. إلا شيئا واحدا: مصالح الصليبيين والصهاينة..

كان الدور الملقى على عاتقها هائلا: سلب روح الأمة.. وقد فعلوا..

***

ومع فضائح أجهزة الأمن في المغرب والجزائر إثر مذكرات واعترافات الضباط الهاربين إلى فرنسا بالجرائم التي ارتكبوها فاجأت المغرب العالم بالتلفاز المغربي يظهر بعض المواطنين على لكي يتحدثوا في مشاهد تفاعلية حية وسط جمهور، عن التعذيب التي تعرضوا لها على أيدي أجهزة أمن الدولة.

يقول أحد المعتقلين:

" كنا نخاف من مسألة واحدة هو أن نجرح أو نصب بعطب في جسمنا وليس هناك دواء حيث أننا كنا نتمنى أن نموت على أن نجرح أو نعطب لأنه ليس هناك دواء. العقارب كانت موجودة بكثرة وكنا في الليل قبل أن ننام كنا نقول أنه علينا أن نركز على شيء واحد في رؤوسنا هي أنه علينا أن لا نتحرك أثناء النوم إذا ما عبر فوق أجسامنا أي شيء لأن العقرب هكذا لن يلسعنا وكنا في أحلامنا كنا نحلم بأن العقارب تلدغنا. ضرب أحد الحراس أحد المختطفين بالمجرفة التي نحمل بها التراب ضربه بجزئها الحديدي ضربه على هذا الجزء من رأسه فجرح جبهته والعضمة التي تحمي العينين وجزء من وجهه ومن طبيعة الحال ليس هناك دواء ليس هناك طبيب وبالتالي تعفنت هذه المنطقة من وجهه إلى أن توفي. في الواقع الحالات التي مرت بي هي أنني أرى معتقلين يحتضرون هكذا طريحي الفراش في وضع منهك وقد بلغت بهم النحافة لدرجة لا تتصور إذ أن عظامهم البادية للعيان وكأنها عارية من أي لحم وقد قضوا نحبهم ومنهم على وجه الخصوص محمد الشيخ والذي لم يكن يتجاوز على أكثر تقدير سن 14 من العمر فقد أطلق صرخة مدوية يوم لفظ أنفاسه. من المسائل التي أخذنا نتفق عليها هي أنه يجب أن يعيش منا على الأقل واحد يجب أن نتحدى الموت ويعيش واحد حتى يخرج منا على الأقل واحد لكي يشهد ما عشناه وكانت إذن هذه هي من أصعب الفترات بحيث أنه كان هناك صراع ليس بيننا وبين الحراس كما كان من قبل ولكن صراع بيننا وبين الموت. يجب أن نحيى لكي نشهد بما عشناه لكي نقول للمغاربة نقول للملأ أن هناك أماكن حيث يدفنوا المغاربة لا لشيء ولا لسبب يذكر."

***

إنني أنبه القارئ أن أي محاولة لوصف التعذيب هي إهانة لضحاياه لأن الوصف لا يمكن أن يقارب الحقيقة كما أننا لا نستطيع أن نصوغ من الكلمات بلسما يداوي الجروح ويزيل الندوب.

كما أنبه القارئ إلى إدراك هذه الأجهزة الشيطانية ودراساتها الفائقة في كيفية تحطيم شخص ( وبالتالي جماعة أو أمة) بإذلاله معنويا وجسديا.. فإن استعصى على التحطيم قتل..

فلسفة الأمن في مصر هي ذات فلسفته في سوريا والمغرب وتونس والرياض وتل أبيب – فقط للمسلمين- وأبي غريب وجوانتانامو بل وفي سجن يكون السجين فيه من المسلمين في أي بقعة في العالم..

نفس الفلسفة ونفس الفكر..

نفس الأساتذة ونفس التدريب..

نفس أدوات التعذيب ومستوردة من نفس البلاد.. ( أليس غريبا رغم تغير الحكومات في العالم كله أنه لا توجد حكومة واحدة جاءت بعد ما يزعمون أنه تصحيح وإصلاح ودمقرطة.. أقول لم تأت حكومة واحدة تكشف مصادر استيراد أدوات التعذيب)..

تغيرت النظم من النقيض إلى النقيض .. وفضح كل نقيض نقيضه إلا في أجهزة التعذيب..

ذلك أن كل أجهزة الأمن في عالمنا العربي تنتمي إلى نفس المصادر ونفس الأساتذة ونفس التدريب.. بل ونفس الشيطان الذي يعبدونه من دون الله.

نعم.. نفس الفكر.. ونفس التدريب.. ونفس الشيطان يعبدون.

***

والآن ..لنعد إلى المغرب..

أخيرا يفرج عن أحد المعتقلين واسمه عبد الناصر حيث يروي قصته الدامية ليلة الإفراج عنه:

"أفرج عني.. ولم أُخبر أن كان والدي لازالوا أحياء أو ماتوا.. وإن كانوا لازالوا قاطنين في نفس المنزل أو غيروه. وصلت إلى المدينة وكانت الساعة حوالي الثالثة أو الرابعة فجرا. لا أستطيع ضبط الوقت. وأتيت إلى المنزل. وقفت في باب المنزل. وأخذت أتردد هل أطرق هذا الباب أم لا. هل لازالت أسرتي تسكن بهذا المنزل أم لا. وقررت أن أطرق الباب وأرى ما يمكن أن أراه. وكان هناك ثقب في الباب. وفكرت أن أطل من الثقب. وكان الوقت ليلا. كان الظلام. وكانت ليلة باردة جدا. فقد كانت يوم الثلاثين من ديسمبر سنة 1984. وفعلا.. عندما فتح.. عندما أشعل الضوء من داخل المنزل.. رأيت فعلا امرأة قادمة من خلال الثقب.. أردت أن أنسحب كما فكرت.. ولكنني لم أستطع.. حيث أنني كنت أقدر أن أحرك كتفي وظهري ولكن رجلي شدت إلى الأرض كأنهما دكتا في الأرض لا أستطيع تحريكهما.. وفتحت امرأة فتحت الباب وسألتني من أنت؟.. وهو أمر غريب جدا لأن هذه المرأة كانت هي والدتي ولكنني لم أتعرف عليها خلال تلك اللحظة رغم أن صورتها لم تفارقني طيلة التسع سنوات سواء في يقظتي أو في منامي.. وسألتني من أنت؟.. وبشكل غريب لا أفهمه لحد الآن أجبتها : أنني ابنك عبد الناصر.. وكان جوابها أن ليس لها ابن بهذا الاسم.. وأخذت ألح عليها أنني ابنها وأن عليها أن تتركني أدخل.. وكما قلت كانت الفترة ليلا.. وهذه المرأة التي يدق على بابها.. يطرق على بابها شخص لا تعرفه.. دخلت إلى المنزل وتركت الباب مفتوحا.. وذهبت توقظ إخوتي لتقول لهم استيقظوا فهناك في الباب شخص يقول أنه أخوكم.. كانت لحظة رهيبة صرت فيها لا أعرف.. أنا أتحدث مع امرأة على أنها والدتي.. وأنا لا أعرفها.. وهي تتحدث معي وهي تنكر إن كان لها ابن بهذا الاسم.. بطبيعة الحال لم استطع الوقوف في باب المنزل ودخلت.. وجدت أخوتي قد استيقظوا. لم يفهموا ما يقع. في تلك اللحظة خامرني شك في أن كل هذا مجرد تمثيلية.. حتى لا يقولوا لي نحن نرفضك لا نريدك.. وشعرت كأن سكينا انغرزت في داخلي.. وفكرت في أن أنسحب باعتبار أنهم لا يريدونني.. في تلك اللحظة الأخ الأكبر كأنه استفاق.. وارتمي علىّ.. وأخذ يقبلني.. وابتدأ البكاء.."

المصدر: قناة الجزيرة- يحكى أن -الأربعاء 22/8/1425 هـ - الموافق6/10/2004 م

***

أما آن الأوان أن تستفيق الأمة ويبتدأ البكاء..

أما آن أن نئوب إليك يا رب..

أما آن لك أن تئوبي يا أمة لم تدافع عن دينها وهويتها كما كان يجب عليها..

أما آن للأمة أن تكتشف خديعتها بالبطاقات المزورة والهويات المدمرة حيث المؤذن حاخام والإمام قسيس وقائد الجيش جاسوس للأعداء.

***

ثمة مثل آخر آتيكم به هذه المرة من سوريا..

مثل يصب في نفس الاتجاه.. لكي يقتنع الناس أننا لا نرى ما يحدث بل نرى ما يمثلون علينا أنه يحدث.. وبالطبيعة لابد أن يكون فخا لاصطيادنا وشركا للإيقاع بنا.. وما دام فخا فلابد أن نكون فئران تجارب.. ولابد أن تكون التجارب التي يجرونها علينا لها هدف ما. لها توجيه ما.. ورغبة في أن نقتنع بشيء معين يصوغ وجداننا بطريقة معينة ويدفع عقولنا للتفكير بصورة معينة فيوجه عواطفنا وسلوكنا وقراراتنا.

و إنني أنبه القارئ مرة أخرى .. أنني أقصد بتعدد الاستشهادات من دول مختلفة أن أثبت نفس المرض وليس أمراضا متعددة.. ذلك أن نفس المرض يبدو بأعراض مختلفة في الأعضاء المختلفة.. فإذا غرتنا الظواهر وعالجنا الأعراض بدلا من المرض قتلنا مريضنا..

كما أقصد أن المؤامرة واحدة.. و أؤكد أن العلاج لا يمكن أن يتم على أساس قطري..

ولكن.. لننته من المثل السوري أولا..

لقد لاحظت العار الذي يحس به الناس بسبب الانسحاب المخزي للجيش السوري من لبنان بأمر أمريكي.

ولقد شعرت على المستوى الشخصي بهذا الخزي والعار.. شعرت به رغم أنني أدرك الحقيقة ربما لأنني أعرف أن بشار الأسد ليس مأزورا بآثام أبيه وجرائمه..

وهو بالتأكيد عار وخزي.. لكن فهم التفاصيل كما حدثت قد يغير من وجهة نظرنا للأمر.. لأننا لم ننتقل من طهر إلى عهر بل كان العهر من قديم.

ولقد كنت أنا واحدا من ضحايا الخديعة ذات يوم، ليس بصورة كاملة، وكنت عندما أسمعهم ينتقدون السلوك الإجرامي لحافظ الأسد، أقول لنفسي: هو الوحيد الباقي ضد إسرائيل..هو آخر من بقي من جبهة الصمود والتصدي التي تحولت إلى جبهة الاستسلام والتردي.. فآثامه إذن كآثامهم لكن ليست لهم مزاياه.. وكنت أرفض المغالاة في الاتهام والمبالغة في الأرقام.. فهل يعقل مثلا أن يقصف الأسد الإخوان المسلمين في مدينة حماة بالطائرات ويسحق المدينة بالدبابات ليبلغ الشهداء واحد وثلاثون ألف قتيل والمفقودون خمسين ألف.. أما في تدمر .. ففي قبر واحد دفن ما يقارب من ألف عالم وداعية ..

كنت أرفض هذه المبالغات الفجة.. فكيف يحدث ذلك دون أن ينقلب العالم وتشتعل وكالات الأنباء وتنفجر منظمات حقوق الإنسان..

وكنت أعاتب الإسلاميين على تلك المبالغات قائلا: ما ضركم لو قلتم الحقيقة دون مبالغة.. لماذا لا تقولون الرقم الحقيقي.. ثلاثون مثلا.. أو حتى ثلاثمائة.. لكن.. ثلاثون ألفا..!!

لكنني اكتشفت بعد ذلك سذاجتي وفجاجتي أنا لا فجاجة المبالغات..

كان الصحافي البريطاني باتريك سيل – وهو بالنسبة لحافظ الأسد مثل أنتوني ناتنج بالنسبة لعبد الناصر.. واحد من أشد المعجبين به- هو الذي أكد هذه المعلومات في كتابه عن سيرة حافظ الأسد.. وذكر نفس الأرقام..

وربما كانت هذه القربة إلى الشيطان ما قدم للأسد إلى الغرب كي يظل في الحكم آمادا لم تتعودها سوريا..

كان خطئي في المنهج فادحا..

و إنني هنا أستدرك قبل أن يظن قارئ أنني كنت ضد دخول الجيش السوري إلى لبنان.. أو أنني ضد تحرير لبنان. لأنني مع تحرير سوريا ولبنان والعالم الإسلامي كله.. كما أنني أدرك أن الجيوش الوطنية قد تحولت إلى جيوش احتلال تحارب الدين والأمة.. أقولها وقلبي يقطر دما.. أقولها وقد كنت مستعدا طول عمري أن أحمل على رأسي حذاء أي جندي بشرط أن يكون مجاهدا في سبيل الله.. أقولها أن جيوشنا تحولت إلى جيوش احتلال لبلادنا.. فالجيش المصري يحتل مصر.. والجيش السوري يحتل سوريا – وليس لبنان- والجيش السعودي يحتل مهبط الرسالة ونبع النور والهداية... وهكذا وهكذا وهكذا.. بل إن جيش الاحتلال المحلي عادة ما يكون أكثر قسوة و إجراما من جيش الاحتلال الأجنبي الذي تضبطه ولو في الظاهر قوانين بلاده أو على الأقل المناورات السياسية بين أحزاب مختلفة كل منها يريد أن يلوث الآخر كي يصل إلى الحكم على حسابه.. وحتى هذه ليست في بلادنا.. فالقانون تحت نعال الحكام الذين يحميهم الجيش.

أقول أن الأصل في العالم الإسلامي دولة واحدة.. وأن الأمة تريد ذلك.. يمنعها حكام خونة تحرسهم جيوش خائنة ويبرر لهم كتاب ميامس.. وفي هذا الإطار فإنني مع الوحدة ولو بالقوة.

***

والآن لنعد إلى كيفية دخول الجيش السوري إلى لبنان لنحسب كمّ الخزي في خروجه المهين.

وفي أواخر سنة 1975 دخل الجيش السوري إلى لبنان وكان المتصور أنه دخل ليوقف انهيار الأمور في لبنان خوفا من تدخل إسرائيل و أمريكا. وكان واضحا حتى أيامها أنه دخل ليقف مع الموارنة ضد الفلسطينيين والدروز والسنة والشيعة.. وكان ميزان القوي يميل بشكل حاسم في صف المسلمين، حتى قيل أنه لو تأخر التدخل السوري يوما واحدا لتم القضاء على الموارنة.

وكان تدخله لصالح الموارنة ضد المسلمين غصة في القلب لكن أجهزة الإعلام زفت الأمر إلينا كما لو كانت ضريبة الدم التي تحمي الكيان اللبناني الهش من الانهيار.. وكأنك كأنما تلجأ إلى ضرب ابنك بشراسة و قسوة كي لا يندفع الآخرون إلى قتله.. ولم يخفف ذلك من مرارة القرار لكنه ساعدنا – وسط افتقاد منهج إسلامي – على تقبله..

ولنكن صرحاء.. فإن قسما كبيرا من الموارنة في لبنان لا يخفي هويته الصهيونية الأمريكية بل إن بعضهم أشد عداوة للمسلمين والعرب.. وهم يحملون من خلال المنهج الشيطاني ذات الصفات الخسيسة التي خبرناها في اليهود دائما.. وفي بعض المسيحيين.. كما حدث من بعض النصارى المصريين مؤخرا في قضية وفاء قسطنطين.. حيث لجئوا إلى الكذب .. ثم المبالغة في الكذب.. ثم الابتزاز بالكذب.. ثم مهاجمة من يكشف هذا الكذب والادعاء عليه واتهامه بالكذب.. ثم المطالبة بتكميمه وسحقه لأنه إرهابي ويضطهد الأقباط.. وهذا الكذب لم يتورط فيه الأوباش – كالكمالين : خليل وغبريال- أو الصعاليك الذين يجمعونهم للتظاهر في الكنائس بل السادة والزعماء والرؤساء.. واستقووا بالخارج بالكذب.. وحصلوا على ما يريدون بالكذب.. ثم راحوا يواصلون بالكذب ادعاء أنهم مظلومون مغبونون.. ويطالبون المسلمين بالإنصاف والاعتذار.

منهج شيطان..

منهج شيطان اسمه ليس إبليس و إنما جورج بوش اعتبر محمد الدرة و إيمان حجو إرهابيين واعتبر شارون بطل سلام.

منهج قذر خسيس وحشي همجي رخيص..

ولقد كان هذا المنهج بنفسه هو منهج إسرائيل في سرقة وطن ومحاولة اغتيال شعب.. ثم بعد هذا يكون اللص المجرم الفاجر – إسرائيل- متحضرا ويكون الشعب المقاوم إرهابيا وهمجيا ومطالبا بالتوقف عن المقاومة والاعتذار.

***

قيل أيامها أن السذاجة السياسية هي التي دفعت المسلمين لحصار الموارنة ووضعهم في هذا المأزق.. لأن النتيجة سوف تكون تدخلا أمريكيا أو إسرائيليا.

من الطرف الآخر كان هناك من يقول أن التركيبة الطائفية في لبنان تركيبة مزورة بناء على استفتاءات مزورة أظهرت أن الموارنة يتمتعون بالأغلبية العددية ولذلك فإن من حقهم رئاسة الجمهورية.. بينما الواقع يؤكد أن تعداد المارونيين لا يتجاوز 30% من اللبنانيين.. لذلك قر قرار التحالف الإسلامي بعد هزيمة المارون على ترشيح كمال جنبلاط رئيسا للجمهورية.

دخل الجيش السوري إلى لبنان..

ثم تم اغتيال كمال جنبلاط..

وتم تكريس الطائفية كما كانت.

وتم تبرير مذابح كمذبحة تل الزعتر ومذابح ومجازر أخرى شملت جميع المسلمين في لبنان بأنها حكمة الزعيم السوري الملهم الذي شاءت حكمته أن يكون هو منقذ المارون بدلا من أن يلتجئوا إلى أمريكا أو إسرائيل..( التجئوا بعد ذلك إلى أمريكا و إسرائيل.. وخانوا وكونوا جيشا وذبحوا الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا.. ولم يمنعهم الجيش السوري من ذلك كله)..

تم أيضا تزوير الوقائع والأحداث فبدا أن الجيش السوري دخل إلى لبنان بطلب من مؤتمر القمة العربية..

وتم أيضا تزوير الوقائع ليبدو الوجود السوري في لبنان طيلة الأعوام الماضية تحديا لأمريكا و إسرائيل وانتصارا للعروبة.. بل وبلغت عملية استغفالنا أن بدت أمريكا ضائقة عاجزة حائرة لا تدرك كيف تواجه الزعيم العربي الملهم ( نفس الشيء حدث قبل ذلك مع الأسد الأب وعبد الناصر وصدام)..

لكن..

ألا يختلف الأمر لو ثبت أن الجيش السوري عندما دخل إلى لبنان إنما دخل بطلب أمريكي!!

ألا يختلف حين ندرك أنه حين دخل كان ذلك لمصلحة موارنة لبنان وضد مصلحة المسلمين .. وأنه حينذاك أُمرَ أن يدخل فدخل.. ثم تغيرت الأمور بعد أن تم سحق جزء كبير من الأمة الإسلامية و أصبحت مصلحة الموارنة في خروج جيش سوريا فأُمر أن يخرج فخرج.. و أن سوريا لم تكن عزيزة في الدخول ذليلة في الخروج بل كانت في الحالتين ذليلة..

فلنرجع إذن إلى كتاب أحمد بهاء الدين: " محاوراتي مع السادات" ولنقرأ فيه:

".. كان تقديري أن هذه الدول المقترحة لديها قوة ضغط كافية على الفئات المتحاربة في لبنان وقلت له( يعنى للسادات) : إن فلسطين ضاعت وأخشى أن تستفيد إسرائيل من الموقف وتضيع لبنان، وكيف يمكن للرأي العام العربي أن يصدق أن زعماءه قادرون على إعادة الأراضي المحتلة إذا كانوا غير قادرين على منع ضياع لبنان ؟ وأن الضغط على كميل شمعون أو كمال جنبلاط أصعب من الضغط على جولدا مائير.

وظل السادات يحاورني طويلا في هذا الأمر وأنا ألح عليه بمداومة الجدل بشكل غير مألوف حتى قال لي كأنه ضاق ذرعا:

- طيب .. مادام بتلح كده . . أحب أقولك إن الموضوع حسم !

- إزاى يا ريس ؟

- الجيش السوري سيدخل لبنان خلال 48ساعة !

- مستحيل يا ريس ! والوضع الداخلي؟ ورد فعل إسرائيل ؟

- جيرالد فورد (الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت وكان وزير خارجيته هو كيسنجر أيضا) طلب من حافظ الأمد أن يدخل الجيش السورى لبنان لإنقاذ الموقف » لأنه لا يوجد حل آخر وحتى لا يحدث رد فعل إسرائيلى يلخبط الدنيا!!.

- وعلى أي أساس سيتم هذا الدخول ؟

- رتبت أمريكا مع سليمان فرنجية أنه كرئيس للدولة يطلب القوات السورية. . وأمريكا أبلغت إسرائيل وأبلغت الأردن بما سوف يحدث حتى لا يفهم أحد دخول الجيش السوري على غير حقيقته؟!

وعندما كررت دهشتي وارتيابي قال لي:

- أنت قاعد معانا في مصر لحد امتى؟!!.

- لآخر الأسبوع.

- طيب إذا لم يدخل الجيش السوري لبنان بعد 48ساعة تعالى إلى هنا في البيت بدون

موعد وحاسبني على هذا الكلام!!.

***

وفى السطر التالي مباشرة يردف أحمد بهاء الدين بفصل الخطاب فيقول:

وبعد 48ساعة دخل الجيش السوري لبنان !!.

آآآآه..

تم دخول الجيش السوري إلى لبنان بأمر أمريكي.. فلا تلطموا الخدود يا ثكالى إذ ينسحب مخذولا مدحورا لأنه ينسحب بأمر أمريكي كما دخل بأمر أمريكي. وفي الحالين كان يخدم مخططا أمريكيا ضد الإسلام والمسلمين.

في عام 1980 أصدرت الحكومة السورية القانون 49 لعام 1980 القاضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

لعل أمريكا ترضى..

وقد رضيت..

أليس كثيرا أن يمتد رضاؤها ثلاثين عاما.. وأن تبلغ درجة الرضا توريث الحكم.. فلماذا نغضب إذن إذا غير الواهب وصيته واسترد صاحب الوديعة وديعته..

ألتاع فالتاعوا معي..

أصرخ فاصرخوا معي..

يا للأحلام المهدرة والشرف المسفوح والارتياع دون سبب للارتياع والمفاجأة دون سبب للمفاجأة..

أتذكر بيت شعر للعقاد -غفر الله له - عندما أحب امرأة وتعذب وجدا ورغبة في وصال لم يجرؤ على البوح به.. ليكتشف أن المرأة داعرة تبيع نفسها لمن يدفع الثمن.. وعندما يواجهها في ثورة صاخبة ترد عليه في دهشة عاتبة: لكنك لم تطلب.. ولو طلبتني لمنحتك ما تريد مني.. فإذا بالعقاد يقول بيت شعر من أعذب ما قال:

فإن كان لا بد للكاس والطلا.. ففي غير بيت كان بالأمس مسجدي!!

***

أردت قط أن أضرب هذه الأمثلة قبل أن أناقش نوع الإصلاح ونوع البدائل وحجم الطوفان الذي نواجهه.

طوفان أحد منابعه تزييف التاريخ، و أحد منابعه تجهيل الناس ونشر السطحية والجهل والفساد ومحاصرة المثل الأعلى، و أحد منابعه الجرأة على الدين، و أحد منابعه نشر مساوئ الأخلاق والترويج لها كمكارم، و أحد منابعه الفخر بالفاحشة، و أحد منابعه استمراء الكذب، و أحد منابعه طمس الهوية، و أحد منابعه تولية السفهاء وسجن العظماء، و أحد منابعه سيطرة زوجات الحكام على الحكم، و أحد منابعه استخلاف الأبناء، و أحد منابعه التزوير، وأحد منابعه التلفيق، و أحد منابعه اصطناع كلاب بشرية مهمتها التعذيب، و أحد منابعه تحول النيابة العامة إلى قطاع من الشرطة، و أحد منابعه فساد القضاء و إفساده..و أحد منابعه أن يكون الكتاب من أتباع مسيلمة.. و..و..و..

طوفان ألغى الثوابت فإذا أحد منابعه أيضا الصحف وما تنشره من أكاذيب أو من كلمات حق يراد بها باطل..

ثمة صحف كالشرق الأوسط والحياة وعشرات الصحف الأخرى تكاد تكون أبواقا للمخابرات الأمريكية والموساد..

لقد فعلها اللورد كرومر بذكاء شيطاني ذات يوم، حين ساعد بطرق مباشرة و غير مباشرة على إصدار ثلاثمائة صحيفة في مصر، تكفلت بإغراق الأمة في الدوار، فكل الآراء مطروحة، وكل الاحتمالات ممكنة، وكل الممكنات محتملة، لكن ذلك كله يحدث في وسط مرسوم جيدا و إلا أفلتت السيطرة. ذلك أن الهوية الإسلامية والوطنية كانت قد طعنت في الصميم، وكانت القيادات الفكرية قد استؤصلت، واصطنعت قيادات غيرها على منهج كرومر، ثم كان نشر الفساد والانحلال، وتسليط بعض ضعاف النفوس من النصارى ، وبعد هذا كله وبسببه كله أصبح الناس الذين تعرض عليهم كل يوم ألف فكرة غير قادرين على الإيمان بأي فكرة ، والأخطر أنهم أيضا غير قادرين على رفض أي فكرة.

ما فعله كرومر والبريطانيين فعل الأمريكيون أضعافه.. لذلك فإن حيرة الناس أكثر ودوارهم أشد.

ولنستمع إليهم بعد أن فعلوه ماذا يقولون عنا:

"اتهمت صحيفة »الواشنطن بوست« في افتتاحيتها الصحافة المصرية بأنها تعمل بالأوامر! ! وقالت إنها تستعد لخوض موجة جديدة من الحملات المضادة لأمريكا! ووصلت وقاحة الصحيفة إلي حد وصف قيادات الصحافة المصرية بأنهم أغبياء ومرتزقة! ! كما تطاولت الصحيفة علي رجال القضاء في مصر ووصفتهم بأنهم »عملاء« للنظام المصري الحاكم" القدس العربي 16-3.

هل يتطاول الأمريكيون علينا أم يعرفون من حقائق أحوالنا أكثر مما نعرف.. وهل نستطيع إن كنا نخاف الله تكذيبهم..

ولكن..

فلندعم شهادة الأمريكيين بشهادة محلية من كتاب شكل فضيحة للوسط الثقافي كله..

كتاب كتبه مدير مكتب وزير الثقافة ومستشار التحرير في صحيفة القاهرة. والكتاب بعنوان: "مثقفون تحت الطلب" وقد كتبه الرجل بعد اختلافه مع الوزير، وطرح الكتاب في السوق يوما واحدا، ثم سحب منه، و أظن أن الأمن لم يسحبه.. و إنما سحبه من فضحهم الكتاب. وربما المؤلف نفسه . خاصة أن الوزير لم يرتدع من نشر الكتاب.. بل رد على الابتزاز بنشر خطابات من محمد عبد الواحد له تظهر مزيجا من العلاقة الحميمة والعاطفة المتأججة ما بين العتاب وما بين الغضب بين الوزير ومدير مكتبه ثم الابتزاز المالي من الصحفي الوسيم للوزير الأشد وسامة، والذي كشفه الخطابات التي أظهرها الوزير.

يؤكد الكاتب أن أغلب رموز المثقفين المصريين توجد لهم علاقة بالسلطة، وأن "ما نراه من مواقف مكتوبة لا يعبر عن حقيقة ما يتشدقون به ويذكر بنظرية فاروق حسني الشهيرة التي تقول إنّ المثقف نوعان: واحد يُشترى بعشوة وسفرة، وآخر تدفع فيه 10 آلاف جنيه ليس أكثر؟ كما كشف الكتاب حقيقة أن معظم المثقفين المصريين لديهم الاستعداد للعمل كخدم في بلاط الوزير بما فيهم الذين هاجموه من قبل..

ويحمل غلاف الكتاب صورة لوزير الثقافة في صورة مايسترو يقود المثقفين وهم جميعا متشابهون ورؤوسهم فارغة ، أما الغلاف الخلفي فيحمل قصيدة عامية سبق نشرها في صحيفة "القاهرة" والقصيدة – مجازا – تشكل غزلا جنسيا صريحا في سيادة الوزير الهمام الذي يعتبر اختياره والإبقاء عليه من أهم إنجازات السيد الرئيس حسني مبارك:

تقول بعض كلمات القصيدة – أستغفر الله العظيم- للسيد الوزير :

زي لغم قابض على الرجلين..

حبستني جوه البرواز..

كتفتني..

حللتني..

بالضبط زي الأرض ما بتملك الميتين..

طلعني يا فنان!!

***

آسف لن أعلق..

يخجلني أن أعلق..!!

***

يلخص محمد عبد الواحد رأيه في المثقفين من خلال علاقتهم بالوزير بقوله أن الثقافة المصرية في عهد الوزير لغز ومادة خصبة للكتابة والكذب والحقيقة.وأن من الأسماء التي يستخدمها الوزير أو يستخدمون أنفسهم للوزير جابر عصفور والأبنودي وعز الدين نجيب وسيد خميس وصلاح عيسي وغيرهم.. إن راتب جابر عصفور يزيد علي 12 ألف جنيه شهريا وإنه ناقد أدبي جيد في رأي الوزير, غير أن له أغراضًا سياسية ظهرت بعد دخوله المجلس القومي للمرأة وإنه استغل منصبه أفضل استغلال بما يتيح له فتح أماكن للكتابة في المجلات العربية الكويتية وغيرها مثل «مجلة العربي» والحياة اللندنية.

يتمتع صلاح عيسى بأكبر قدر من الفضح والإدانة..

ويتحدث الكاتب عن موقف عبد الله السناوي رئيس تحرير العربي و أنه أقام معه علاقة حيث كانت صحيفته تهاجم الوزير بضراوة .. وتوالت إعلانات الوزارة على العربي وموافقة الوزير على مئات من طلبات التعيين لأصدقاء السناوي الذي اشتكى الوزير منه له عشرات المرات وضاق ذرعا بكثرة طلبات السناوي الذي انتقل - كما يشير الكتاب - إلي مثقفي التبرير والتجميل, حيث كانت «العربي الناصري» التي كانت تهاجم الوزير بضراوة قد انتقلت إلي المهادنة .

ولم أفاجأ بموقف عبد الله السناوي لأنني أدرك أبعاد القوميين الآن و أنهم لا يملكون إلا حناجر صارخة للإيهام بقوتهم في الشارع، لأنهم يحصلون على ثمن هذه القوة المزعومة.

أقول أن ما فوجئت به ليس موقفه السياسي والاجتماعي ولا حتى المالي..

وإنما ما فاجأني هو أنه في مرحلة من مراحل الغضب والعتاب والبعد ثم القرب بين الوزير ومدير مكتبه.. منح عبد الله السناوي محمد عبد الواحد عمودا يكتب فيه في صحيفته، ولم يكن العمود ما أذهلني و إنما مهاتفته الوزير ليخبره أن مدير مكتبه قد لجأ إليه – السناوي – لجوءا سياسيا.. فإذا بالوزير يعلق ضاحكا:

- لجوء سياسي ماشي.. لجوء عاطفي لأ‍‍!!..

ذهلت..

يا إلهي.. لجوء سياسي ماشي.. لجوء عاطفي لأ‍‍!!.. ما معنى هذا..

***

تعلق صحيفة آفاق عربية - 3 مارس-على الكتاب بقولها:

- الكتاب 400 صفحة وفيه سيرة أسماء كثيرة من المثقفين وعلاقتهم بالوزير أمثال صلاح عناني – الأبنودي- سمير سرحان –رجاء النقاش – حلمي سالم- العويضي – ساويرس - مجدي مهنا - عادل حمودة – نجم – خيري شلبي – عز الدين نجيب - سلوى بكر وآخرين واغرب ما شدني في هذا الكتاب أن معظم المثقفين المصريين لديهم الاستعداد للعمل كخدم في بلاط الوزير حتى الذين هاجموه من قبل وان الوزير استطاع بخبرته الأمنية الانتقام منهم حينما واجهوه بحملة عاتية من الرفض إبان تعيينه وزيرا منذ18 عاما وقد اسر معظمهم في حظيرته كما يحب أن يقول دائما.

***

لقد أعطينا مثلا على التزوير في مصر، ومثلا على التعذيب من المغرب، ومثلا على الدجل السياسي من سوريا، ثم مثلا علي المثقفين الميامس الخدم في مصر.

***



والآن لنستعرض نموذجا لنوع الرؤساء الذين تريدهم أمريكا.. نموذج يمثله الفاسق المجرم جلال طالباني رئيس العراق.. واستعراض هذا المثل هنا ضروري جدا.. لأنه سيكون أشبه بعلامة الطريق على الاتجاه الذي تريد منا أمريكا السير فيه.. أو أشبه بالنوذج أو الموديل الذي على الجميع احتذائه..

وليس ذلك فقط..

لأن اتجاه هذا الطريق سيدلنا على نوع التنافس والتصارع بين مبارك وبدائله.. تصارع وتنافس من يعرفون الإجابات النموذجية للامتحان فيتصارعون ويتنافسون على تطبيقها للحصول على أعلى الدرجات ثم الفوز.

سيكون عليهم أن يصلوا إلى درجة الانحطاط والسفالة التي بلغها رئيس جمهورية العراق حين قال منذ ثلاثين عاما:

«متى نعيد لمحمد أوراقه الصفراء التي أتى بها على جمل أجرب»

السبيل الأردنية بتاريخ: 06/01/2004 د. أحمد نوفل

طالباني.. الرجل الذي لا مبادئ له ولا ثوابت عنده .. الرجل الذي كتب عنه الأستاذ طلال سلمان في (السفير) منتصف التسعينات مقالة ذائعة الصيت عنوانها (الكردي التائه) قال فيها: انه يتلون حسب الظروف والمواسم، تجده كردياً يزايد علي ملا مصطفي، وشيعياً ينافس الخميني، وناصرياً يسابق عبد الناصر، وبعثياً يتفوق علي ميشيل عفلق، وصهيونياً يجادل شيمـــون بيريز.

لعلنا نذكر ذلك الصحافي العميل الذي ملأ الدنيا حديثا عن النعوش الطائرة وعن صدام الذي ادعى الألوهية واختار لنفسه تسعة وتسعين اسما.. بل ونشرت صحيفته هذه الأسماء رامية صدام حسين بالكفر..

هذا الكلب الذي يقتني سيارة فاخرة هدية من صدام.. هذا الكلب لم يطلق نبحة واحدة على الكافر المرتد جلال طالباني الذي سب الرسول هذا السباب الفاحش حتى ليرى معظم الفقهاء أن يقتله ولي الأمر دون استتابة..

الصحافي العميل لم يطلق نبحة واحدة..

***

والآن ينعقد المزاد..

فليأت الأصل ولتعرض البدائل نفسها.. كعرض الجواري والنخاسين للعبيد..

من يزور أكثر من مصر ويعذب أكثر من المغرب ويشعوذ أكثر من سوريا ويتعهر أكثر ممن يتعهر من الكتاب..

من..!!

من يستطيع أن يزايد أكثر و أن يخفي حقيقته على الناس أكثر.. فيبيع مدعيا أنه يضحي.. ويخون خادعا بأنه يفدي.. ويسرق مدعيا أنه يعطي.. ويزني مدعيا أنه يصلي..

الآن ينعقد المزاد..

من يكفر أكثر من طالباني..

من يتسفل أكثر منه..

من.. من .. من..

رفعت السعيد أم نعمان جمعة أم أيمن نور.. أم.. أم.. أم.. وهل سيرشح مبارك نفسه على هذه المبادئ..

انعقد المزاد.. ومن المفاجآت التي تسحق القلب أن هيكل كان حاضرا فيه..

كان حاضرا.. لا كمتنافس بل كمؤرخ وصديق لطالباني .. طالباني الذي عبر عن نفسه في نفس الوقت الذي يذكره فيه هيكل بقوله: «متى نعيد لمحمد أوراقه الصفراء التي أتى بها على جمل أجرب» ..

يقول هيكل في حلقة مذاعة على قناة الجزيرة في 19-8-2004:

أنا بعرف مثلا واحد زي جلال طالباني، جلال طالباني كان صديقي وهو موجود في القاهرة وأنا كنت مسؤول عن ولاده لما اضطر يسافر.

إنه لا يعرفه فقط.. إنه صديقه.. وليس صديقا عاديا.. بل بلغت الصداقة مرحلة أن يوصيه بأبنائه إذا ما حدث له شيء.

***

لم تنته الحكاية..

لأننا هنا نسأل وكلنا ارتياب.. ما الذي جعل محمد حسنين هيكل يدفع جلال طالباني إلى صدارة حديثه في قناة الجزيرة..

هل كان يعرف شيئا ما؟..

هل كان الأمر صدفة؟..

هل طلب منه أن يذكر اسم جلال طالباني دون أن يقال له لماذا..

المصادفة العجيبة أن من يذكره هيكل على قناة الجزيرة منوها أنه صديقه يأتي رئيسا للجمهورية في أقل من عام..

لكن المصادفة الأكثر مدعاة للعجب أن يفعل جمال الغيطاني نفس الشيء ليصدر في أخبار الأدب ملفا خاصا عن جلال طالباني في العدد 589 ـ تاريخ 24 تشرين الثاني 2004.. رغم أن الغيطاني لم يشتهر بالتنبؤ ولا بالكهانة.. إنه يرسل لطالباني واحدا من كتاب روايات العهر السافة التي صادرتها وزارة الثقافة _ تصوروا- ليكتب عنه كلاما لا يجوز إلا على الصديقين، ثم أن جمال الغيطاني يكتب بنفسه افتتاحية العدد مقدما للملف، مشيرا إلى اللقاء الذي جرى في أوائل الستينات بين الزعيم الكوردي جلال طالباني، والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وكيف أن هذا الأخير عامل طالباني معاملة خاصة ومتميزة، وفي أماكن أخري من الملف تتضح لنا واقعة مذهلة في ضراوتها.. لقد كان جمال عبد الناصر أول من أعطى السلاح للأكراد ليبدءوا المقاومة المسلحة ضد الحكومة العراقية.. فإذا أضفنا هذه الكارثة لكارثة أخرى ذكرتها في مقالة سابقة عن أن جمال عبد الناصر كان أول من سلح الوثنيين والنصارى في جنوب السودان ليبدءوا المقاومة المسلحة ضد الشمال المسلم الذي تعاطف مع الإخوان المسلمين في مصر ومع محمد نجيب فرفض الوحدة مع مصر تحت طغيان العسكر.. إذا أضفنا هذه لتلك برح الخفاء وسقطت أوراق التوت..

لماذا فعل جمال الغيطاني ما فعل؟؟..

وما علاقة أخبار الأدب بطالباني؟؟

أم أن الأمر يتعلق بالمخابرات؟!!

ولتقرءوا معي جملة في التحقيق .. جملة تأتي في ملف أخبار الأدب تمزق الستر على العورات القبيحة.. يقول مراسل أخبار الأدب إلى طالباني:

... لدينا صورة لامرأة مقتولة بسكين في ظهرها، والجنود يلعبون الورق عليها" !! هل ثمة صورة أقسى من هذه؟؟ وأين كانت تلك الأصوات ـ التي تحرم، الآن، على الكورد الترحيب بالأمريكي المحرر ـ حينما كان صدام يقوم بهذه البشاعات والفظاعات؟؟؟..

الموضوع كله كان إذن كان تزيينا للباطل كما يزين القواد الزنا لبغي.. ولكي يصبح الأمريكي محررا والمقاوم إرهابيا وجلال طالباني في النهاية رئيسا.. أما كل من ذكرت فلكل منه وظيفته ودوره في دولاب المخابرات الأمريكية والإسرائيلية.

نعم..

جمال عبد الناصر.. هيكل.. الغيطاني.. طالباني..

والحلقات تكتشف والسر يخرج من مخبئه..

نعم .. هيكل يقدم لنا جلال طالباني منذ عام..

وهيكل ليس ساذجا ولا غرا.. وهو لا يلقي الكلام على عواهنه.. ولا يقوله اعتباطا..

لقد كان هيكل مع طالباني في لقائه مع عبد الناصر عام 63.. ومن المؤكد أنه اطلع – إن لم يكن قد توسط- في تسليح الأكراد للثورة على نظام الحكم في العراق.

لم يكن الأمر جديدا..

ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر تأسست إذاعة كردية في القاهرة في بدايات عام 1958 والتي لعبت دوراًً هاماً في توعية وتعبئة الجماهير الكردستانية.

يا إلهي..

قومية عربية ..

ويثير غير العرب على العرب..

الوثنيون والنصارى في جنوب السودان.. والأكراد في العراق.. أما المصادفة السعيدة فهي أن من ساعدهما عبد الناصر منذ نصف قرن.. أحدهما: الملحد عينته رئيسا للعراق.. والآخر.. الصليبي التبشيري أصبح – بفضل أمريكا- نائب رئيس السودان و أعلن أنه سيرشح نفسه لرئاسة الجمهورية في السودان..

ثم يأتي خنزير مصري يعيش في أمريكا يطالب بانتهاز الفرصة وترشيح رئيس قبطي لمصر منوها أنه منذ عشرة أعوام فقط كان المستحيل بعينه أن يكون طالباني رئيسا للعراق أو جارانج مرشحا للرئاسة في السودان فلماذا لا نتخيل بعد عدة أعوام مواتية أن يكون رئيس مصر قبطيا.

لا يقتصر الأمر على ذلك..

لأن على القارئ أن يؤبط بين الإشارات هنا وهناك كي تكتمل الصورة أمامه..

ولعل القارئ يذكر ما كتبته في مقال سابق حين وصلت صحيفة العربي – لا غفر الله لها – إلى ذروة نشوتها عندما استنطقت الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح – غفر الله له وهداه- لتحصل منه على اعتراف ما أنزل الله به من سلطان..

اعتراف بجواز أن يكون مصر مسيحيا..

ولعل القارئ يذكر أنني علقت أيامها أن العربي ليس لديها أي بأس أن يكون الرئيس المصري مسيحيا لكن كل الكوارث ستحدق لو كان هذا الرئيس مسلما.

ثم يأتي من ينكر أن ثورة يوليو كانت أمريكية!!..

***

ما أريد أن أقوله الآن.. و أعيده .. و أكرره.. و أؤكد عليه.. أن التغيير كله يسير في عكس الاتجاه الصحيح.. و أن التغيير الحقيقي يجب أن يكون عكس الاتجاه المطروح تماما.. و أن أي محاولة للمناورة مقضي عليها بالهزيمة و أنه ما من سبيل أمامنا سوى الإسلام المجاهد..

نعم..

المطروح أمامنا كله عمالة وخيانة و إن اختلفت اللافتات والستائر والحجب ووسائل الإخفاء والتمويه.

لقد سمعنا سبيل المثال ما قاله الرئيس مبارك من أن جهات أجنبية قد دفعت سبعين مليون دولار لتمويل الانتخابات القادمة..

ولست أشك مطلقا في صحة ما يقوله الرئيس مبارك..

وهو صادق بلا شك..

لكن ما أشك فيه هو صحة الرقم.. إذ ربما كان هذا الرقم سبعمائة مليون أو أكثر..

وليس هناك أيضا من أبرئه من اتهام مبارك المنقض والمحلق فوق الرؤوس والذي لم يحدد حزبا معينا كي يصب عليه اتهامه مما يجعل جميع الأحزاب متهمة فما من حزب محصن وما من قيادة فوق مستوى الشبهات. صحيح أن الرئيس كان يقصد حزب الغد ورئيسه أيمن نور الذي انقض عليه انقضاض الموت والخراب والشؤم من حيث لا يحتسب من بعد ربع قرن لم ير فيه منافسا، والأنكى والأشد أن شعبية أيمن نور تزداد و أن الغرب يؤيده، فثمة احتمالات إذن أن يحدث للرئيس ما حدث للشاة، وربما ما حدث لنورويجا، وهناك احتمال إذن أن يحدث لعائلته و أبنائه ما حدث لأهل الأسير صدام حسين – فك الله أسره. من المحتمل أيضا أن يحدث في مصر ما حدث في أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيا حيث تمكنت الشعوب من الإطاحة بالحكام الطغاة بوسائل مختلفة.

***

ولقد لمحت الرئيس مبارك– دون سابق قصد أو ترصد – فرأيت صورة العجز والخوف والانكسار على وجهه.. ولقد تحولت مشاعري تجاهه من دهر تمنيت فيه رحيله إلى دهر تمنيت فيه عدم رحيله بل محاكمته ليعترف بما سببه للأمة من كوارث وما ارتكب في حقها من موبقات آخرها جريمة لم يرتكبها من حكام المسلمين عبر التاريخ إلا واحد.. ألا وهي رد المؤمنات و إرجاعهن إِلَى الْكُفَّارِ: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ..

نعم..

رد المؤمنات آخر مخازيه التي لا يحصيها عد.

وهي جريمة لم يرتكبها قبله إلا واحد انتهي بما يستحق.. بالموت والخراب كما يخبرنا الشيخ محمد الغزالي في كتابه: قذائف الحق :

" بعد ضياع الأندلس تطلع الأسبان المسيحيون لاحتلال المغرب. وانتهز ملك قشتالة " فرديناد " الثالث أن " إدريس أبو العلا المأمون " طلب مساعدته على استعادة ملكه في المغرب، فأمده بجيش من اثني عشر ألف جندي مسيحي، وذلك مقابل الشروط الآتية التي التزم بها المأمون:

1- أن يعطى المأمون لفرديناد قواعد يختارها ملك قشتالة.

2- إذا فتح المأمون مدينة مراكش وجب عليه بناء كنيسة للمسيحيين.

3- للجنود الأسبان حق المجاهرة بشعائر دينهم، وأن يضربوا النواقيس لمناداة المصلين معهم.

4- إذا) أراد بعض المسيحيين أن يسلم لا يسمح له بذلك ويتم تسليمه إلى النصارى كي يطبقوا عليه أحكامهم.

4- وإذا أراد بعض المسلمين أن يتنصر لم يتعرض له أحد !!

هذه الحادثة التاريخية تبين كيف أن تهافت بعض الرؤساء على السلطة جعلهم يقبلون مثل هذا الشروط.. على أن هذا " المأمون " قضى عليه آخر الأمر، وأمكن طرد الجنود النصارى الذين استجلبهم، فلم ير في المغرب بعد ذلك مسيحي.

***

لا يمكن إذن أن يأتي تغيير حقيقي على يد مبارك.. فالمطروح هو العكس..

إنهم يطلبون منه أكثر.. وهو لم يعد لديه ما يمكن أن يقدمه.. كما أن اتهاماته للآخرين بالعمالة والتمويل الأجنبي لا يمكن أن تخدع أحدا.. فأي اتهام من هذا النوع سوف يكون له شخصيا قصب السبق فيه.. ولكي نتجنب المحاذير دعنا من مسميات العمالة والخيانة.. وبعد ذلك – مع ملاحظة تغيير المسميات- فليس مطروحا في الساحة من هو أقرب لأمريكا من مبارك ولا من هو أشد منه وفاء لها.. إنه بتعبير الكاتب محمد عبد الحكيم دياب في صحيفة القدس العربي (26-3) مستعد، في سبيل البقاء في الحكم، لما هو أكثر من الاستسلام والتفريط..

نعم.. في الأعوام الماضية كنت أتمنى محاكمته والحصول على اعترافاته..

لكن يبدو الآن أن هذه المحاكمة ستكون أمريكية.. لذلك أتراجع ولا أملك إلا ما قاله امرؤ القيس عندما بلغه قتل أبيه (ليس ثمة أبوة أبدا لكنه سحر التعبير الباقي والمعبر) :

- ضيعتنا صغيرا وحملتنا دمك كبيرا..

نعم .. ضيعنا صغيرا وحملنا دمه كبيرا..

ونحن الذين كرهناه – في الله بكرهه للمسلمين و إيذائه لهم و إساءته للإسلام – العمر كله نجد أنفسنا نخاف الآن من نكاية الأمريكيين فينا بأن يفعلوا فيه ما فعلوه في شاه إيران وفي صدام حسين وفي قصي وعدي.. ولقد تمكنت الشعوب في أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيا من الإطاحة بالحكام الطغاة بوسائل سلمية، ولذلك من غير المستبعد بالمرة أن تصل هذه العدوى إلى الأقطار العربية.

نعم.. تحولت مشاعري من الرغبة في محاكمته إلى الرغبة في إنقاذه من بطش أمريكي متوقع.. لا لأنه عارضهم أو قاومهم.. على العكس.. لقد فعل لهم كل ما يريدون بل و أكثر مما يريدون لكنهم استنفدوا أغراضهم منه.. وقد آن أوان جزائه الأخير.. جزاء سنمار.

***

يجهل الطغاة موقف سادتهم، فأولئك السادة المجرمون كرؤساء العصابات، بل هم رؤساء عصابات فعلا على سبيل الواقع لا المجاز ولا التشبيه، وقد استأجر السادة الصليبيون والصهاينة مجرما قاتلا مأجورا هنا وهناك.

نعم.. رؤساء عصابات دوليون استأجروا قتلة مأجورين بدرجة ملوك و أمراء ورؤساء جمهورية. وما من رئيس عصابة مهما كان إجرامه و خسته يمكن له أن يحترم أو أن يحتفظ بقاتل أجير أدى مهمته. يظل القاتل الأجير قاتلا أجيرا ولا يتحول أبدا إلى صديق أو ند.. بل هو جزء من الأجهزة القذرة التي يلقى بها إلى القمامة بعد استعمالها مرة أو مرات.

***

هذا هو مبارك إذن.. فهل يختلف عنه بدائله؟..

لست أنفي إذن اتهامات مبارك لبدائله كحزب الغد أو أيمن نور، وبرغم شهرة النظام الذي لا تدانيها شهرة في التزوير والتشهير والكذب، فإنني لا أرد الاتهام ولا أدحضه ولا أنفيه. لكنني أقول فقط أن أي اتهام لحزب الغد مردود على الحزب الوطني أضعافا مضاعفة. فلا يمكن على سبيل المثال أن تكون علاقة أيمن نور أو سعد الدين إبراهيم أو حتى الحيزبون الشمطاء أو ذلك الآخر المجنون بأمريكا أوثق من علاقة مبارك بها مهما سميت هذه العلاقة . تماما كما يظل الزنا زنا واللواط لواطا مهما تغيرت اللافتة التي يستتر خلفها من صداقة إلى حرية شخصية إلى حقوق إنسان إلى.. إلى.. إلى..

***

أخشى أن الأمر شديد الخطورة والتعقيد.. و أنه لا يوجد حزب ولا هيئة ولا مؤسسة في مصر والعالم العربي والإسلامي إلا وقد تم اختراقها حتى النخاع..

أحزاب كالوفد والغد والتجمع والناصري مفروغ من اختراقها..

لكن ما يرعبني الاختراق الذي حدث للأمل..

لحزب العمل على سبيل المثال..

وما يرعبني نوع الاختراق الذي سيحدث للإخوان المسلمين.

و إنني أنبه القارئ لنوع الاختراق الذي حدث لحزب العمل.. بعدة أشخاص كانوا قريبين جدا من الرأس.. وهم عملاء لأمن الدولة.. أحدهم بلغ من إسفافه وانحلاله أنهم يلحقون اسمه دائما بالعاهرة الأمريكية " مونيكا" فلا يقولون إلا " فلان مونيكا" أما الآخر فهو شخصية رئيسية استولت على أرشيف صحيفة الشعب وحرقته.. وقد كان مطلوبا من هذين وغيرهما في الفترة الماضية فصل مجدي حسين ورفاقه المجاهدين من الحزب مع وعد من الحكومة التي أهدرت عشرات الأحكام القضائية بعودة الحزب وصحيفته.. أقول كان هناك وعد بالعودة الفورية للحزب والصحيفة إذا ما تم عزل الشق غير المخترق في الحزب.. ومن شاء الاستزادة فعليه أن يقرأ مقالات الأستاذ صلاح بديوي خلال شهر أبريل الماضي.

***

الاختراق حادث إذن لكل البدائل.. لكن أخطر الاختراقات هو ما أظنه حدث لكبري الحركات الإسلامية.. الإخوان المسلمين..

ومن المؤكد أن هذا الاختراق ليس حديثا.. بل ربما تم في نفس الوقت الذي تم فيه تجنيد عملاء كجارانج وطالباني لكي يتولوا الحكم بعد نصف قرن من تجنيدهم..

أنظر بقلب واجف إلى الأستاذ محمد مهدي عاكف بطيبته وذكائه والقبول الذي منحه الله له فأتساءل في أسى مرعوب عن العلاقة بين شخصيته وشخصية محمد نجيب.. و أتساءل: إذن من هو جمال عبد الناصر الذي سيستولي على الأمر كله لصالح أمريكا مرة أخرى.

***

طال المقال.. ولم يعد يتسع لمناقشة هذه الأمور التي أرجو أن أناقشها تفصيلا في المقالات القادمة

لكنني قبل أن أنتهي أنوه لأمرين:

أولهما أن الاختراق لا يكون فقط بتجنيد العملاء بل بغواية الأقوياء..

ولقد حدث في الآونة الأخيرة أمران كانا على قلبي كذوب رصاص منصهر.

فثمة صديق حميم كنت أغبطه و أحسده في شهر رمضان الماضي على كل شئ.. على صلاته وصيامه وقيامه وعبادته واعتكافه..

كان يسبقني في كل شئ ..

وكنت أحسده..

بعدها بشهور .. علمت قدرا.. أنه رئيس نادي الروتاري في منطقته..

وانسحق قلبي أمام دهشته من دهشتي..

وانفجرت فيه انفجارا عاتيا.. ورغم توبته فما زال سؤالي مستمرا:

- كيف جاز لمثله أن يتورط.

الأمر الآخر أشد وطأة.. فهو يتعلق بصديق أهم.. وأخ في الله أكبر من الآخر.. وأمل.. وعمل .. وتاريخ.. ومجد.. وتضحية.. وجهاد.. و.. و.. و..

فوجئت به ضيفا على قناة الكفر والعهر المسماة بالحرة..

ولولا وصية سيدي وحبيبي ومولاي:"هلا سترته" لكنت قد كشفت أمره..

لكنني أرأب صدعا و أرتق فتقا و أسد ثغرة و أتجاوز عن خطيئة من أحسبه مجاهدا في سبيل الله..

انسحق قلبي..

انسحق..

وبالرغم من تراجع الصديقين فإن قلبي لم يتعاف من انسحاقه.. ولم يبرأ من هواجسه عن هول الاختراق.. وعن الاحتمالات المرعبة لتداعياته..

ويطاردني الرعب من تعس ذلك الذي يعمل عمل أهل الجنة حتى يكون قاب قوسين أو أدنى فيعمل عمل أهل النار فيدخلها..

ويطاردني الرعب من أولئك الذين استبطئوا النصر ووعد الله قال فيهم المصطفي صلى الله عليه وسلم : ولكنكم قوم تستعجلون..

يصيبني الرعب من أن يكون أيا من أصحابي من الأشقياء الذين قال الله فيهم:

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)

***

يبقى انسحاق آخر للقلب حول التفجيرات الأخيرة في القاهرة..

سوف أتحدث بالتفاصيل في مقالات قادمة لكنني أدين و أحتقر تشويه من قاموا بهذه العمليات.. ( صحيفة حزبية شهيرة حقيرة كانت شامتة بأن أشلاء الشهيد – إن شاء الله - حسن بشندي قد ألقيت في المجاري) .. و كنت أهتف من قلب مكلوم: إنه ما يزال طفلا.. سحقا لقوم خانوا أماناتهم فدفعوه لما فعل..

وبرغم اعتقادي الجازم في أن هذه التفجيرات بصورة مباشرة أو غير مباشرة تخضع لتخطيط مركزي من الأمن ( وليست لدي أوهام بوجود حواجز بين أجهزة أمننا والموساد والسي آي إيه) خاصة بعد ما ثبت أن أحد المتهمين عميل للمباحث..

وليس لدي شك أن الجهاز الباطش الجبار ذو الخبرات العالمية قد استغل كل ذلك للسيطرة على طفل وعلى توجيهه ( دون أي انتقاص لنبل الشهيد مهما كان خطؤه).

وبرغم ما يمكن إثارته من تساؤلات فإن جهاز الأمن الغبي أو العميل يمكن أن يعمل ضد النظام الذي ينتمي إليه( شعراوي جمعة والسادات مثلا) أو بصورة أوضح ما فعله وزير الداخلية جمال عبد الناصر شخصيا كما يروي عبد اللطيف البغدادي في مذكراته– الجزء الأول – ص146 وهو أحد الضباط الأحرار الرئيسيين:

.....".... وفي المؤتمر المشترك من مجلس الثورة وأعضاء الوزارة المنعقد في 20/3/1954م تحدث( جمال عبد الناصر) عن وقوع ستة انفجارات نسف في مبنى السكة الحديد وفي الجامعة وفي محل جروبي في وقت واحد، وعلَّق على ذلك بأن ذلك جرى بسبب سياسة اللين في موقف الحكومة، وأن خطوة العودة إلى الحكم النيابي لا تصلح في هذا الوقت". ولكنه يعترف في اليوم التالي لكلٍّ من حسن إبراهيم وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين بأنه هو الذي قام بهذه التفجيرات، وعزا السبب في ذلك بأنه "كان يرغب في إثارة البلبلة في نفوس الناس، ويجعلها تشعر بعدم الطمأنينة حتى يتذكروا الماضي أيام نسف السينمات ويشعروا أنهم في حاجة إلى مَن يحميهم".

الكفر ملة واحدة ولدينا من السوابق ما يؤيد ما نذهب إليه..

وعلى أي حال و أي صورة.. ومهما كانت الوسيلة والغواية أو الصواب والخطأ فإن أسوأ ما يمكن أن يقال في حسن بشندي ورفاقه أنهم اجتهدوا فأخطئوا.. و أنهم طلبوا الحق فأخطئوه.. أما ما يمكن أن يقال في مبارك وبدائله أنهم قوم طلبوا الباطل فأصابوه..

فاللهم اغفر لحسن بشندي ورفاقه وتقبلهم على نيتهم – إن شاء الله شهداء – وتغمدهم برحمتك..

اللهم آمين.

باحث شرعي
05-10-05, 12:38 AM
جزاك الله خير