المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ترجمة هذا الرجل



الدّاعي
04-17-05, 10:32 PM
http://www.almeshkat.com/vb/images/slam.gif
أخوتي في الله
مررت بترجمة هذا الرجل في كتب البداية والنهاية لابن كثير وقد زهلت منها وطرت بها فرحا لما في تاريخ الإسلام من أمثال هذا الرجل مع حزني الشديد أني أعرف أسم الرجل ولا أعرف عنه أي شيء حتى أن قرأت هذه الترجمة فأردت أن أعرضها عليكم لعلها تعجبكم كما اعجبتني
في وفاة الملك نور الدين محمود زنكي وذكر شيء من سيرته العادلة
هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن الملك الأتابك قسيم الدولة عمادالدين أبي سعيد زنكي الملقب بالشهيد بن الملك آقسنقر الأتابك الملقب بقسيم الدولة التركي السلجوقي مولاهم ولد وقت طلوع الشمس من يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب ونشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة الكبيرة وتعلم القرآن والفروسية والرمي وكان شهما شجاعا ذا همة عالية وقصد صالح وحرمة وافرة وديانة بينة فلما قتل أبوه سنة إحدى وأربعين وهو محاصر جعبر كما ذكرنا صار الملك بحلب إلى ابنه نور الدين هذا وأعطاه أخوه سيف الدين غازي الموصل ثم تقدم ثم افتتح دمشق في سنة تسع وأربعين فأحسن إلى أهلها وبنى لهم المدارس والمساجد والربط ووسع لهم الطرق على المارة وبنى عليها الرصافات ووسع الأسواق ووضع المكوس بدار الغنم والبطيخ والعرصد وغير ذلك وكان حنفي المذهب يحب العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم ويحسن إليهم وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة واتباع الشرع المطهر ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه ويجتمع إليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتيون من سائر المذاهب ويجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد المعلق الذي بالكشك ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمة حتى يساويهم وأحاط السور على حارة اليهود وكان خرابا وأغلق باب كسان وفتح باب الفرج ولم يكن هناك قبله باب بالكلية وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة وأمر بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجده وإنما كان يؤذن بحي على خير العمل لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها وأقام الحدود وفتح الحصون وكسرالفرنج مرارا عديدة واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين كما تقدم بسط ذلك في السنين المتقدمة وأقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجيج وبنى بدمشق مارستانا لم يبن في الشام قبله مثله ولا بعده أيضا ووقف وقفا على من يعلم الأيتام الخط والقراءة وجعل لهم نفقة وكسوة وعلى المجاورين بالحرمين وله أوقاف داره على جميع أبواب الخير وعلى الأرامل والمحاويج وكان الجامع دائرا فولى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبدالله الشهزوري الموصلي الذي قدم به فولاه قضاء قضاة دمشق فاصلح أموره وفتح المشاهد الأربعة وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة وأضاف إلى أوقاف الجامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها ولا يعرف شروطهم فيها وجعلها قلما واحدا وسمى مال المصالح ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك وقد كان رحمه الله حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية متبعا للآثار النبوية محافظا على الصلوات في الجماعات كثير التلاوة محبا لفعل الخيرات عفيف البطن والفرج مقتصدا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس حتى قيل إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا ولم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى صموتا وقورا قال ابن الأثير لم يكن بعد عمر بن عبدالعزيز مثل الملك نور الدين ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم فكان يقتات منها وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا ولو مات جوعا وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال إنما الأعمال بالنيات وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر وتعليمها ذلك ونحن لا نترك الجهاد وكان لا يلبس الحرير وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه وركب يوما مع بعض أصحابه والشمس في ظهورهما والظل بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا وظله يتبعه فقال لصاحبه أتدري ما شبهت هذا الذي نحن فيه شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها وتطلب من يهرب منها وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى
مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل يمشي معك
أنت لا تدركه مستعجلا * فإذا وليت عنه تبعك
وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة وسمع الحديث وأسمعه وكان كثير الصلاة بالليل من قوت السحر إلى أن يركب
جمع الشجاعة والخشوع لديه * ما أحسن الشجعان في المحراب
وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدين تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا وجراية كثيرة
فألبس الله هاتيك العظام وإن * بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا
سقى ثرى أودعوه رحمه ملأت * مثوى قبورهم روحا وريحانا
وذكر ابن الأثير أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري وارسل نور الدين إلى القاضي أن لاتعاملني إلا معاملة الخصوم فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي حتى انفصلت الخصومة والحكومة ولم يثبت للرجل على نور الدين حق بل ثبت الحق للسلطان على الرجل فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور الى الشرع إذا دعي إليه فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله ص ولشرعه
فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه فما أمر به امتثلناه وما نهانا عنه اجتنبناه وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي ومع هذا أشهدكم اني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له قال ابن الأثير وهو أول من ابتنى دارا للعدل وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين وقيل أربع مرات وقيل خمس ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل يصل إليه القوي والضعيف فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه فيكشف المظالم وينصف المظلوم من الظالم وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادي كان قد عظم شأنه عند نور الدين حتى صار كانه شريكه في المملكة واقتنى الأملاك والأموال والمزارع والقرى وكان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي والأملاك العدل وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء إلا أسد الدين هذا فما كان يهجم عليه فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد إلى نوابه أن لا يدعوا لأحد عنده ظلامة وإن كانت عظيمة فإن زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم أو يوقفه مع خصم من العامة ففعلوا ذلك فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة ولم يرد أحدا يستعدي على أسد الدين سأل القاضي عن ذلك فأعلمه بصورة الحال فسجد نور الدين شكرا لله وقال الحمد لله الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم وأما شجاعته فيقال إنه لم ير على ظهر فرس قط أشجع ولا أثبت منه وكان حسن اللعب بالكرة وكان ربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهوى بيده ثم يرميها إلى آخر الميدان ولم ير جوكانة يعلو على رأسه ولا يرى الجوكان في يده لأن الكم سائر لها ولكنه استهانة بلعب الكرة وكان شجاعا صبورا في الحرب يضرب المثل به في ذلك وكان يقول قد تعرض للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك ولو كان في خير ولي عند الله قيمة لرزقنيها والأعمال بالنية
وقال له يوما قطب الدين النيسابوري بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك فإنك لو قتلت قتل جميع من معك وأخذت البلاد وفسد حال المسلمين فقال له اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب على الله ومن هو محمود من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو ومن هو محمود قال فبكى من كان حاضرا رحمه الله وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الإفرنج فاستشار الأمراء فيه هل يقتله أو يأخذ ما يبذل له من المال كان قد بذل له في فداء نفسه مالا كثيرا فاختلفوا عليه ثم حسن في رأيه إطلاقه وأخذ الفداء منه فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه فجاء به سريعا فأطلقه نور الدين فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه وبنى من ذلك المال المارستان الذي بدمشق وليس له في البلاد نظير ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين وإذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه فلا يمنع منه الأغنياء ومن جاء إليه فلا يمنع من شرابه ولهذا جاء إليه نور الدين وشرب من شرابه رحمه الله قلت ويقول بعض الناس إنه لم تخمد منه النار منذ بني إلى زماننا هذا فالله أعلم وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات والأبراج ورتب الخفراء في الأماكن المخوفة وجعل فيها الحمام الهوادي التي تطلعه على الأخبار في أسرع مدة وبنى الربط والخانقات وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعظمهم وكان يحب الصالحين وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء وهو قطب الدين النيسابوري فقال له نور الدين ويحك إن كان ما تقول حقا فله من الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقا على أني والله لا أصدقك وإن عدت ذكرته أو أحدا غيره عندي بسوء لأوذينك فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك وقد ابتنى بدمشق دارا لاستماع الحديث وإسماعه قال ابن الأثير وهو أول من بنى دار حديث وقد كان مهيبا وقورا شديد الهيبة في قلوب الأمراء لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إلا بإذنه ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إذن سوى الأمير نجم الدين أيوب وأما أسد الدين شيركوه ومجد الدين بن الداية نائب حلب وغيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون وإذا أعطى أحدا منهم شيئا مستكثرا يقول هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا وقد سمع عليه جزء حديث وفيه فخرج رسول الله ص متقلدا السيف فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس لما ثبت عنه عليه السلام وكيف يربط الأجناد والأمراء على أوساطهم ولا يفعلون كما فعل رسول الله ص ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إلا متقلديها ثم خرج هو في اليوم الثاني إلى الموكب وهو متقلد السيف وجميع الجيش كذلك يريد بذلك الإقتداء برسول الله ص فرحمه الله وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين فأمره بأن يكتب مناشير بوضع المكوس والضرائب عن البلاد وقال له هذا تأويل رؤياك وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم ويقول لهم إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم وكتب بذلك إلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار وكان يقول في سجوده اللهم ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب وقيل إن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين في استعانته في حروب الكفار بأموال المكوس وقال له مرة كيف تنصرون وفي عساكركم الخمور والطبول والزمور ويقال إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أن الواعظ أبا عثمان المنتخب ابن أبي محمد الواسطي وكان من الصالحين الكبار وكان هذا الرجل ليس له شيء ولا يقبل من أحد شيئا إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج إلى مجلس وعظه وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس أنشد نور الدين أبياتا تتضمن ما هو متلبس في ملكه وفيها تخويف وتحذير شديد له
مثل وقوفك أيها المغرور * يوم القيامة والسما تمور
إن قيل نور الدين رحت مسلما * فاحذر بأن تبقى وما لك نور
أنهيت عن شرب الخمور وأنت في * كاس المظالم طائش مخمور
عطلت كاسات المدام تعففا * وعليك كاسات الحرام تدور
ماذا تقول إذا نقلت إلى البلى * فردا وجاءك منكر ونكير
ماذ تقول إذا وقفت بموقف * فردا ذليلا والحساب عسير
وتعلقت فيك الخصوم وأنت في * يوم الحساب مسلسل مجرور
وتفرقت عنك الجنود وأنت في * ضيق القبور موسد مقبور
ووددت أنك ما وليت ولاية * يوما ولا قال الأنام أير
وبقيت بعد العز رهن حفيرة * في عالم الموتى وأنت حقير
وحشرت عريانا حزينا باكيا * قلقا وما لك في الأنام مجير
أرضيت أن تحيا وقلبك دارس * عافى الخراب وجسمك المعمور
أرضيت أن تحيا وقلبك دارس عافي الخراب وجسمك المعور
أرضيت أن تحظى سواكض بقربه * أبدا أبدا وأنت معذب مهجور
مهد لنفسك حجة تنجو بها * يوم المعاد ويوم تبدو العور
فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدا وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد وكتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل وكان قد أمر الولاة والأمراء بها أن لا يفصلوا بها أمرا حتى يعلموا الملا به فما أمرهم به من شىء امتثلوه وكان من الصالحين الزاهدين وكان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا إن المفسدين قد كثروا ويحتاج إلى سياسة ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء يشهد له فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه والعقول المظلمة لا تهتدي والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك وكتاب الملك إلى الزاهد وجاء إليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رحل أنه سبه ورماه بأنه يرائي وأنه وأنه وجعل يبالغ في الشكاية عليه فقال له السلطان أليس الله تعالى يقول وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقال وأعرض عن الجاهلين فسكت الشيخ ولم يحر جوابا وقد كان نور الدين يعتقده ويعتقد أخاه أبا البيان واتاه زائرا مرات ووقف عليه وقفا وقال الفقيه أبو الفتح الأشري معيد النظامية ببغداد وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين قال وكان نور الدين محافظا على الصلوات في اوقاتها في جماعة بتمام شروطها والقيام بها بأركانها والطمأنينة في ركوعها وسجودها وكان كثير الصلاة بالليل كثير الإبتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في اموره كلها
قال وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون أن القسيم ابن القسيم يعنون نور الدين له مع الله سر فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعوه فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا قال فهذا كلام الكفار في حقه وحكى الشيخ أبو شامة أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي تليه نصفه على تطييب جامع دمشق والنصف الآخر يقسم عشرة أجزاء جزآن على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنيفة والثمانية اجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة وهي مسجد الصالحين بجبل قيسون وجامع القلعة ومسجد عطية ومسجد ابن لبيد بالعسقار ومسجدد الرماحين المعلق ومسجد العباس بالصالحية ومسجد دار البطيخ المعلق والمسجد الذي جدده نور الدين جوار بيعة اليهود لكل من هذه المساجد جزء من إحدى عشر جزء من النصف ومناقبه ومآثره كثيرة جدا وقد ذكرنا نبذة من ذلك يستدل بها على ما وراءها وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين كثيرا من محاسنه وذكر ما مدح به من القصائد وذكر أنه لما فتح أسد الدين الديار المصرية ثم مات ثم تولى صلاح الدين هم بعزله عنها واستنابة غيره فيها غير مرة ولكن يعوقه عن ذلك ويصده قتال الفرنج واقتراب أجله فلما كان في هذه السنة وهي سنة تسع وستين وخمسمائة وهي آخر مدته أضمر على الدخول إلى الديار المصرية وصمم عليه وارسل إلى عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشلام حفظا لها من الفرنج في غيبته ويركب هو في جمهور الجيش إلى مصر وقد خاف منه الملك صلاح الدين خوفا شديدا فلما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة ركب إلى الميدان الأخضر القبلي وصلى فيه صلاة عيد الفطر وكان ذلك نهار الأحد ورمى العتق في الميدان الأخضر الشمالي والقدر يقول له هذا آخر أعيادك ومد في ذلك اليوم سماطا حافلا وأمر بانتهابه وطهر ولده الملك الصالح إسماعيل في هذا اليوم وزينت له البلد وضربت البشائر للعيد والختان ثم ركب في يوم الإثنين وأكب علىالعادة ثم لعب بالكرة في ذلك اليوم فحصل له غيظ من بعض الأمراء ولم يكن ذلك من سجته فبادر إلى القلعة وهو كذلك في غاية الغضب وانزعج ودخل في حيز سوء المزاج واشتغل بنفسه وأوجاعه وتنكرت عليه جميع حواسه وطباعه واحتبس أسبوعا عن الناس والناس في شغل عنه بما هم فيه من اللعب والإنشراح في الزينة التي نصبوها لأجل طهور ولده فهذا يجود بروحه وهذا يجود بموجوده سرورا بذلك فانعكست تلك الأفراح بالأتراح ونسخ الجد ذلك المزاح وحصلت للملك خوانيق في حلقه منعته من النطق وهذا شأن أوجاع الحلق وكان قد أشير عليه بالفصد فلم يقبل وبالمبادرة إلى المعالجة فلم يفعل وكان أمر الله قدرا مقدورا فلما كان يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من هذه السنة قبض إلى رحمة الله تعالى عن ثمان وخمسين سنة مكث منها في الملك ثمان وعشرين سنة رحمه الله وصلى عليه بجامع القلعة بدمشق ثم حول إلى تربته التي أنشأها للحنفية بين باب الخواصين وباب الخيميين علىالدرب وقبره بها يزار ويحلق بشباكه ويطيب ويتبرك به كل مار فيقول قبر نور الدين الشهيد لما حصل له في حلقه من الخوانيق وكذا كان يقال لابنه الشهيد ويلقب بالقسيم وكانت الفرنج تقول له القسيم ابن القسيم وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة قد أوردها أبو شامة وما أحسن ما قاله العماد
عجبت من الموت لما أتى * إلى ملك في سجايا ملك
وكيف ثوى الفلك المستد * ير في الأرض وسط فلك
وقال حسان الشاعر الملقب بالعرقلة في مدرسة نور الدين لما دفن بها رحمه الله تعالى
ومدرسة ستدرس كل شيء * وتبقى في حمى علم ونسك
تضوع ذكرها شرقا وغربا * بنور الدين محمود بن زنكى
يقول وقوله حق وصدق * بغير كناية وبغير شك
دمشق في المدائن بيت ملكى * وهذي في المدارس بنت ملكي
*3* صفة نور الدين رحمه الله تعالى
@ كان طويل القامة أسمر اللون حلو العينين واسع الجبين حسن الصورة تركي الشكل ليس له لحية إلا في حنكه مهيبا متواضعا عليه جلالة ونور يعظم الإسلام وقواعد الدين ويعظم الشرع