المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسبال الإزار دون خيلاء



أبو حمزة الغريب
04-03-05, 10:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة على رسول الله وآله ومن والاه وبعد
انتشر في مجتمعاتنا المسلمة عادة إسبال الإزار والله المستعان
مع تقصير ملاحظ عند بعض العلماء والدعاة في التنبيه على هذه العادة المخالفة للسنة في أقل أحوالها
وكنا قد تعودنا على سماع تعليلات المسبلين وحججهم لما استحلوه من إطالة الإزار
لكننا أمسينا نسمع اليوم أصوات تنكر على من عمل بالسنة وطبقها بل وحتى تنكر على من عمل بالمباح في الإزار بأن جعله فوق الكعبين ودون نصف الساق
فأسأل الله أن يجعل كلماتي هذه نصرة للسنة وإحياء لها خالصة لوجهه سبحانه إنه ولي ذلك والقادر عليه
أولا السنة في الإزار أن يكون إلى نصف الساق :
لما عند مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (( مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء فقال يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال زد فزدت فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم إلى أين فقال أنصاف الساقين ))
وعند أبي داود وابن ماجه واحمد : ( عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ( عبد الرحمن بن يعقوب الجهني ) قال سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ))
وما جاء عند الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه قال : (( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي فقال هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فلا حق للكعبين في الإزار ))
قال النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم : ((والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهية ما تحته إلى الكعبين فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع ))
ثانيا الإسبال للخيلاء محرم بلا خلاف وفيه الوعيد الشديد وقد تواترت الأحاديث في ذلك منها
ما روى البخاري والنسائي واحمد (( بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ))
وعند الشيخان (( لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء ))
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري : وفي هذه الأحاديث أن الإسبال للخيلاء كبيرة
ثالثا رد شبه مستحلي الإسبال والقائلين بجوازه :
لا شك أن الوعيد الشديد جاء في الإسبال للمخيلة كما ذكر ابن عبد البر والنووي والشافعي وابن حجر وغيرهم من العلماء رحمهم الله أجمعين
لكن هل هذا حجة ليكون إسبال الإزار أمرا مباحا !! ؟
الشبهة الأولى التي تذكر في الباب أن علة المنع من الإسبال هي الخيلاء فإن زالت جاز معها الإسبال :
أقول وهذا قول مردود وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أربعة علل للإسبال تقضي بتحريمه غير علة الخيلاء وهي :
1-الإسراف 2- التشبه بالنساء 3- خشية نجاسة الثوب 4- أنه مظنة الخيلاء
فمن زعم أن علة النهي هي الخيلاء وان النهي يدور معها فقط أوردنا عليه هذه العلل الأربعة الأخرى في الإسبال وهي لا تنفك عنه بحال وبيانها فيما يأتي من كلام ابن حجر رحمه الله قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح : ((وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر أيضا ))
وقال النووي رحمه الله : ((الإسبال تحت الكعبين الخيلاء فإن كان لغيرها فهو مكروه وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء قال النووي : والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهية ما تحته إلى الكعبين وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه ))
ثم قال الحافظ ابن حجر : ((فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم ولا سيما إن كان قصد ليث وقع لأبي بكر وان كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسه المرأة
وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل والنسائي من طريق أشعث بن أبي الشعثاء وأسم أبيه سليم المحاربي عن عمته واسمها رهم بضم الراء وسكون الهاء وهي بنت الأسود بن حنظلة عن عمها واسمه عبيد بن خالد قال (( كنت أمشي وعلي برد أجره فقال لي رجل أرفع ثوبك فإنه أنقى وأرقى فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إنما هي بردة ملحاء فقال أما لك في أسوة قال فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه(( وسنده قبلها جيد وقوله ملحاء بفتح الميم وبمهملة قبلها سكون ممدودة أي فيها خطوط سود وبيض وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه أرفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك وقد تقدم في المناقب ويتجه المنع أيضا في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء
قال ابن العربي لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبة ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظا ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في فإنها مسلمة بل إطالته ذيله دالة على تكبره اه ملخصا وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللباس الخيلاء ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن بن عمر في أثناء حديث رفعه وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن بينها الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال يا رسول الله إني حمش الساقين فقال يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه يا عمرو إن الله لا يحب المسبل الحديث وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته عن عمرو بن فلان وأخرجه الطبراني أيضا فقال عن عمرو بن بينها وفيه وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال يا عمرو هذا موضع الإزار ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال يا عمرو هذا موضع الإزار الحديث ورجاله ثقات وظاهره أن عمرا المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء وقد منعه من ذلك لكونه مظنة وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد أسبل إزاره فقال ارفع إزارك فقال أني أحنث تصطك ركبتاي فقال ارفع إزارك فكل خلق الله حسن أخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم وفي آخره ذاك أقبح مما بساقك وأما ما أخرجه بن أبي شيبة عن بن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال أني حمش الساقين فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب وهو أن يكون إلى نصف الساق ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن بينها والله أعلم وأخرج النسائي وابن ماجة وصححه بن حبان من حديث المغيرة بن شعبة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين )) انتهى كلام ابن حجر رحمه الله
وأما الشبهة الأخرى التي تورد في الباب فهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه لست ممن يفعله خيلاء
أقول أولا نص الحديث
روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة قال أبو بكر إن احد شقي إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه قال صلى الله عليه وسلم لست ممن يفعله خيلاء ))
الأمر الأول في الحديث أن ثوب أبا بكر لم يكن مسبلا وإنما كان على السنة لكنه كان ينسدل ويسترخي لنحافة جسم أبي بكر كما ذكر ابن حجر رحمه الله
ووصفت عائشة رضي الله عنها أباها بقولها : (( كان أحنى لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه ))
فهل هذه أوصاف الذين يستبيحون إسبال الإزار وهل أثوابهم على السنة لكنها تسترخي لنحافتهم ؟؟!!
وقد سبق قول ابن حجر رحمه الله : ((فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم ولا سيما إن كان قصده ليس الخيلاء وقع لأبي بكر)) فابن حجر اشترط لمن بحالة أبي بكر أن يكون ثوبه أصلا على قدر لابسه مما فوق الكعبين لا أن يسدله من أصله فتنبه لهذا
ثانيا ما أثنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبا بكر لم يقله مع غيره من الصحابة مع جلالة قدرهم رضوان الله عليهم وكونهم أبعد الناس عن الخيلاء فقد سبق بيان ذلك في بداية المقال من أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر وحذيفة برفع الإزار وكذلك الحال مع عمرو وابن مسعود وسفيان مما سبق إيراده في كلام الحافظ ابن حجر
فهل فاق مستبيحوا الإسبال حال هؤلاء الصحابة وبلغوا جميعا حال أبي بكر وإيمانه رضي الله عنه هذا لو قبلنا القول جدلا أن ثوب أبا بكر كان مسدلا وهو مردود كما ذكرنا اعلاه
ويزيد هذا المعنى وضوحا النصوص التي ذكرت من عموم النهي عن الإسبال كقوله صلى الله عليه وسلم : ((وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة ))
فجر الإزار من المخيلة ولو زعم صاحبه أنه ليس للمخيلة واعيد ذكر كلام القاضي ابن العربي الذي نقله ابن حجر وهو :
(( قال ابن العربي لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبة ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظا ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في فإنها مسلمة بل إطالته ذيله دالة على تكبره )) وتبعه قول ابن حجر ((وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللباس الخيلاء ))
وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله لا يحب المسبل )) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا حق للكعبين في الإزار )) وغيرها
ختام المقال أسال الله عز وجل أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه
وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل
واسأله سبحانه أن يحيينا على السنة و أن يميتنا على السنة و أن يبعثنا على السنة بفضله ومنه سبحانه
قال الإمام أحمد رحمه الله : ( آية في كتاب الله أظهرت كل دعي ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) (آل عمران : 31 )
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مســك
04-03-05, 11:40 AM
جزاك الله خيراً يا ابا حمزة على هذا البحث القيم والمفيد ..
وحياك الله مجدداً بعد طول انقطاع ..
ونسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ..