المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشهادة في سبيل الله



ناهد الخراشي
03-08-05, 10:52 PM
الشهادة في سبيل الله

ناهـد الخراشي
كاتبة اسلامية وعضو مجلس ادارة المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة


الشهادة هي القتال في سبيل الله حتى الموت دفاعاً عن نصرة الدين، وإعلاء كلمة الله.

وهي ثمرة من ثمرات الجهاد في سبيل الله.

ورد عن أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:

{ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو الشهيد، قال: إن شهداء أمتي أذن لقليل}

وينبغي الإكثار من سؤال الشهادة:

قال عليه الصلاة والسلام:

{من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه}

ويهب الله عز وجل درجة منازل الشهداء لبعض عباده:

قال تعالى:

{وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء} [آل عمران: 140]



وعن جابر بن عيتك أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:

{الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون(1) شهيد، والغرق(2) شهيد، وصاحب ذات الجنب(3) شهيد، والمبطون(4) شهيد، وصاحب الحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت التي بجمع(5) شهيد}

[رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح}

هؤلاء جميعاً لهم في الآخرة ثواب الشهداء، أما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم، خلاف الشهيد الذي قتل في سبيل الله (في المعركة) فهو يدفن بدمه.

فضل الشهادة
الشهادة في سبيل الله من أعظم الأعمال أجراً، وفضلها أعظم من أن يحاط به وأجل وأكبر من أن يأخذه حد ومقدار ولها مرتبة عظيمة عند الله.

قال الله تعالى:

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}

[آل عمران: 169-171]

تبلور لنا الآية الكريمة عظمة مكانة الشهداء عند الله وفضله سبحانه عليهم حيث أنهم أحياء ينعمون ويرزقون من الجنة.

يقول الحق عز وجل {ولا تحسبن} أيها الرسول أو أيها السامع الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل هم أحياء ينعمون بالجنة ويسرحون فيها ويرزقون من ثمارها حيث شاءوا.

فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين بأنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة.

وهؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله، يستبشرون بنعمته وفضله وهو ثواب الله لهم على جهادهم في سبيله لإعلاء كلمته ونصرة دينه.

واطمئنانهم إلى فضل الله بأنه عز وجل لا يضيع أجر المؤمنين سواء ماتوا في الجهاد أو على فرشهم حيث حسنت سريرتهم.

قال صلي الله عليه وسلم:

{إن لله عباداً يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء}

وتستوقفنا لطائف الإشارات عند هذه الآية الكريمة في لحظات من التأمل مع النفس والروح حيث يقول علم الإشارة:

(لا تحسبن الذين بذلوا مهجهم وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها وعكس مراداتها في طلب معرفة الله حتى ماتت نفوسهم وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم حياة لا موت بعدها، فلا تظن أنهم ماتوا بل هم أحياء على الدوام وإن كانوا ماتوا حساً...

... فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم، وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من المحبة الإلهية، والقرب من القريب المجيب.

يستبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين.

فلا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار وخرق العوائد أنه قد مات بل هو حي لا يموت.

قال الله تعالى:

{لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56]

فإذا ماتت نفس المريد المحب، واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليه فضاء الشهود.

فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالاً وتمتعاً وشهوداً، فهي في الترقي أبداً سرمدياً، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار.

وتنتقل بنا الآيات الكريمة حيث تتبلور عظمة مكانة الشهداء بأن الله عز وجل لن يضل أعمالهم وسيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم:

{والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم}

[محمد: 4-5]





تكريم الله عز وجل للشهداء

قال صلي الله عليه وسلم:

{إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه}

وقال عليه الصلاة والسلام:

{ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله}

وكان أعظم تكريم وفضل من الله سبحانه وتعالى للشهداء أنه جعلهم في مصاف الأنبياء والصديقين.

{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً} [النساء: 69-70]

وتثمر الآيات القرآنية كنوزاً نورانية تكشف عن جانب في الحياة الآخرة مما يدل على تكريم الله عز وجل للشهداء حيث ترشد الآيات في سورة الزمر عن وجود الشهداء مع الأنبياء أحياء في أجسام أثيرية من نشأة جديدة (وننشئكم) فيما لا تعلمون وذلك عند إحضار الملائكة للنبيين والشهداء بعد مجيء القيامة دون بعث لهم:

{وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} [الزمر: 69]

ولنتأمل معاً لفظ "وجيء" مما يدل على أنهم أحياء يرزقون عند ربهم.

ويكرم الله سبحانه وتعالى الشهداء بنور وأجر عظيم:

{والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19]





مكانة الشهداء في الإسلام
للشهداء مكانة رفيعة في الإسلام:

أولاً: الشهداء أرفع الناس درجة بعد الأنبياء والصديقين:

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم القتلى ثلاثة:

- رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل. فذلك الشهيد (الذي شرح صدره للإسلام) في جنة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بفضل النبوة.

- ورجل فرق على نفسه (خاف على نفسه من ذنوبه) من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل: فتلك ممحصة أي أن القتل في سبيل الله يطهر صاحبه من الذنوب. محت ذنوبه وخطاياه.. إن السيف محاء للخطايا وأدخل من أي باب من أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب بعضها أفضل من بعض، ولجهنم سبع أبواب.

- ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فذلك في النار لأن السيف لا يمحو النفاق}

(رواه أحمد والحديث حسن)



ولقد جعل الله عز وجل الصدق أعظم مرتبة من الشهادة:

قال الله تعالى:

{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]

فبدأ سبحانه بذكر النبوة، ثم الصدق، ثم الشهادة ثم الصلاح.

فالصديق صدق الله في بذل نفسه له في جميع عمره، والشهيد صدق الله في بذل نفسه له في وقت الوفاة، وإنما نال الكرامة.

وبذلك تصبح الشهادة في سبيل الله أرفع درجة بعد النبيين والصديقين.



ثانياً: الشهادة في سبيل الله توجب الجنة:

توجب الجنة لمن قتل في سبيل الله:

قال تعالى:

{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111].



ثالثاً: الشهيد يتمنى أن يرده الله إلى الدنيا:

روى البخاري ومسلم عن ابن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلمقال:

{ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد بأنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة} وفي رواية (لما يرى من فضل الشهادة)



رابعاً: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في الجنة:

روى مسلم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:

{إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل}

يقول ابن النحاس في كتابه شارع الأشواق إلى مصارع العشاق ص270 مبيناً الحكمة في جعل أرواح الشهداء في أجساد الطيور ذات اللون الأخضر والقناديل المعلقة في ظل العرش:

(لأن ألطف الألوان اللون الأخضر، وألطف الجمادات الشفافة الزجاج، ولهذا جعل أرواح الشهداء في ألطف الأجساد وهو الطير واختار ألطف الألوان وهو الأخضر ويأوي ذلك الطير الأخضر إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة المفرحة في ظل العرش لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم).



خامساً: الملائكة تظلل الشهيد بأجنحتها:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جيء بأبي إلى النبي قد مثل به فوضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قوم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم:
{ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها} متفق عليه.

سادساً: الشهيد يشفع في سبعين من أهله:

يقول الرسول صلي الله عليه وسلم:
{يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته}



كرامات الشهداء:

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:

{أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات، لم يكرم بها أحد من الأنبياء ولا أنا:

أحدها: أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت، وهو الذي سيقبض روحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يسلط أرواحهم ملك الموت.

الثاني: أن جميع الأنبياء قد غسلوا بعد الموت، وأنا أغسل بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا.

الثالث: أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن، والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم.

الرابع: أن الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتاً وإذا مت يقال: قد مات، والشهداء لا يسمون موتى.

الخامس: أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة، وشفاعتي أيضاً يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون.

(الجامع لأحكام القرآن)







ولقد كان فضلاً عظيماً من الله أن يتخذ من عباده شهداء الذين تخلص قلوبهم وتنقى سريرتهم حتى لا يشاهدوا في الوجود إلا الله فقهروا شهوات أنفسهم وجاهدوا هواهم، وفروا إلى الله وهاجروا إليه سبحانه بأعمالهم وسلوكياتهم وأخلاقهم، فبلغوا منازل الشهداء وإن ماتوا على فراشهم.

{وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} [آل عمران: 140]

إذاً فلنجدد العزيمة في الجهاد الأكبر، جهاد النفس حتى نبلغ منازل الشهداء وننعم بما أنعم الله عليهم مع النبيين والصديقين والصالحين.








--------------------------------------------------------------------------------

(1) المطعون من مات بالطاعون.

(2) الغرق: الغريق.

(3) صاحب ذات الجنب: القروح التي تصيب الإنسان داخل جنبه وتنشأ عنها الحمى والسعال.

(4) المبطون: من مات بمرض في البطن.

(5) بجمع: أي التي تموت عند الولادة.

مســك
03-09-05, 5:53 AM
نسأل الله أن يرزقنا الشهادة مقبلين غير مدبرين .