المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يبني طالب العلم مكتبتة



سيف الحنابلة
12-08-04, 07:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



كيف يبني طالب العلم مكتبته
للشيخ عبد الكريم الخضير
........................
الحلقة الأولى :
قال السائل : أرى انه من المهم أن نبدأ بمقدمة حول هذا الموضوع نتحدث فيها عن بداية التدوين والتصنيف متى بدأ هذا الأمر ؟
قال الشيخ : الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد , فالمقصود بالتصنيف والمصنفات والكتب والمكتبات سوى القرآن الكريم المحفوظ من التبديل والتغيير الذي أنزله الله على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وتكفل بحفظه فنحن لسنا بصدد الحديث عن القرآن وكيفية نزوله وكتابته في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي عهد أبي بكر وفي عهد عثمان والحاجة الداعية إلى ذلك. إنما المقصود بالحديث ما سوى القرآن . ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : " لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه " . جاء النهي عن الكتابة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر خشية أن يعتمد الناس عليها وينسوا الحفظ الذي هو أولى ما ينبغي أن يهتم به طالب العلم , أو أهم المهمات فيما يعتني به طالب العلم , فإذا اعتمد على الكتابة نسي الحفظ وضعف الحفظ . ومن أهل العلم من يرى أن النهي متجه إلى كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط القرآن بغيره , فلما دون القرآن وكتب في الصحف وأُمِن ذلك وزال خشية اللبس أُذِن في الكتابة إذنا عاما . ثبت أيضا في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالكتابة " اكتبوا لأبي شاه " وقال أبو هريرة رضي الله عنه " ما كان أحد أكثر مني حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " . ولعل هذا على حسب وهمه رضي الله عنه وأرضاه وأنه كان يتوقع أن عبد الله بن عمرو أكثر منه لأن المكتوب الذي يرى ليس كالمحفوظ فالمحفوظ موجود في الأذهان , لاوجــود لـه في الأعيان فلا يمكن بيان حجمه ما دام موجود في الأذهان , أو كانت مقولة أبي هريرة رضي الله عنه قبل الدعوة النبوية لما طلب منه أن يبسط رداءه فبسطه ثم ضمه بعد أن دعا له النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس شيئا قط وصار بذلك أحفظ الصحابة وأجمع الصحابة حفظا وأكثرهم رواية ولا يقاربه ولا يدانيه أحد منهم ولجمعه هذا الكم الهائل من السنة وهو صحابي جليل دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن يحببه إلى الناس وأن يحبب الناس إليه , ولذا لا يبغضه إلا منافق نسأل الله السلامة والعافية , ولا يطعن فيه وفي حفظه وعلمه إلا من يطعن في الدين , وفي السنة على وجه الخصوص , لأننا لم نرأحدا طعن في المقلين من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام لأن الطعن في المقل الذي لا يروي إلا حديثاً أو حديثين هذا ليس له من الأثر ما لأثر الطعن في المكثر, فنسف قدر أبي هريرة نسف لقدر كبير من السنة و من ثم الدين , " فأبيض بن حمال " الذي لا يروي إلا حديثا واحدا لم نجد أحداً يطعن فيه . إذ تتبع مثل هؤلاء متعب . بينما الطعن في واحد يحمل السنة أو جل السنة يريح الخصم . والله المستعان. المقصود أن الكتابة أذن فيها بعد المنع , وأجمع العلماء على جوازها , ولا شك أن للكتابة أثر في الحفظ , فالإنسان الذي يعتمد على الحفظ دون الكتابة تستمر حافظته قوية ويستذكر متى شاء والناس يتفاوتون في هذا الباب , لما أذن في الكتابة صار الناس يكتبون كتابات فردية في المائة الأولى ثم لما جاء عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية أمر بن شهاب الزهري بتدوين السنة وهنا جاء التدوين الرسمي للسنة . فصنفت المصنفات في السنة ثم أخذت تزيد قليلا قليلا حتى جمع ما في الصدور مما تفرق في البلدان فصارت المؤلفات هذا بالنسبة للسنة.
السائل : ما كتب عن الصحابة كانت كتابات فردية ؟
الشيخ : ما كتب عن الصحابة كانت كتابات فردية كل يكتب لنفسه ثم بعد ذلك أمر عمر بن عبد العزيز محمدا بن مسلم بن شهاب الزهري بالكتابة الرسمية ثم تتابع الناس في التأليف والتصنيف فألفت المصنفات والموطآت والمسانيد والجوامع والسنن وغيرها من فنون الحديث الشريف هذا بالنسبة لعلم الحديث . علم اللغة بعد أن فتحت البلدان واختلط العرب بغيرهم وخيف على اللغة , بل وجدت مظاهر اللحن , احتيج إلى التدوين في اللغة . العلوم الأخرى سبب التدوين فيها الحاجة الماسة إليها ثم بعد أن جمعت الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين ودُوِّن فقه الصحابة وفقه التابعين , بعد ذلك احتاجوا إلى مسائل وحوادث نازلة فاضطروا الناس إلى أن يقيسوا على ما جاء في الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة والتابعين وتوسعوا في هذا الباب فاحتيج إلى تدوين المسائل الفقهية في كتب الفقه على شتى المذاهب , المذاهب الأربعة المتبوعة وغيرها , ثم احتيج أيضا إلى علوم تخدم الكتاب والسنة وتخدم أيضا ما ثبت عن السلف في أبواب الدين . احتيج إلى ما يسمى بعلوم أصول الفقه ومصطلح الحديث وعلوم القرآن وغيرها من العلوم التي تخدم الأصلين الكتاب والسنة فدونت المصنفات وتشعبت وكثرت كثرة بحيث يستحيل الإحاطة بها وما من عالم إلا ولديه مكتبة وما من عالم إلا وله مصنفات إلا ما ندر إلا ما ضاع منها .
السائل : هذا بالنسبة لما يتعلق باللغة العربية وما بعدها ؟
الشيخ : نعم وما بعدها من العلوم , كل العلوم احتيج إليها , ألفت الكتب الاصطلاحية التي تعين على فهم الكتاب والسنة كما ذكرنا في علوم القرآن ومصطلح الحديث وأصول الفقه , و ظهرت الفرق المخالفة للمنهج السليم الصافي المستمد من الكتاب والسنة ظهرت طوائف البدع بعد أن ترجمت الكتب فاحتيج إلى التصنيف في العقائد والرد على هؤلاء المخالفين .
السائل : لكن نستطيع أن نقول أن هذا التصنيف هو البداية الحقيقية لعناية المسلمين بالمكتبات على شتى الأنواع ؟
الشيخ : لا هذا بداية التصنيف . أما لما كثرت هذه المصنفات واحتاج الناس إليها ممن يطلب هذا العلم بدأت العناية بالمكتبات الفردية والجماعية الرسمية والشعبية .
السائل : هل نستطيع يا شيخ أن نبين هذه المكتبات أشهرها وأين هي ؟
الشيخ : على كل حال كثرة الكتب التي أشرنا إليها لا يمكن الإحاطة بها . وجدت محاولات قديمة وحديثة لجمع أسماء الكتب والمصنفات . صنف ابن النديم كتابه الفهرس فجمع أسماء كتب ومدونات كثيرة جدا لا يتجاوز مبلغ علمنا بها حدود عناوينها ,لا نعرف عنها إلا العناوين, ثم بعد ذلك ألف حاجي خليفة كتابه الشهير : " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " فذكر فيه الألوف من أسماء الكتب التي وصلت إلى علمه ثم ذُيِّل عليه بذيول والكل لا يفي بالمقصود وإن أسقط بعض الواجب . " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " كتاب نافع في هذا الباب مع ذيوله على أوهام فيه فهو لا يسلم من أوهام . وفي تراجم أهل العلم ذُكر منهم من عني بجمع الكتب وهم كثير جدا . هذا أخ للقاضي الفاضل الكاتب المشهور جمع من الكتب ما يملأ البيوت حتى كان عنده من صحاح الجوهري ست عشرة نسخة . الوزير القفطي ت 646 هـ اشتهر بحبه الشديد للكتب وكلفه بجمعها ووصف بأنه جماعة للكتب حريص عليها جدا كما وصفه بذلك عصريه ياقوت الحموي , ومن كبريات خزائن الكتب القديمة التي طار صيتها خزانة الصاحب بن عباد وخزانة القاضي الفاضل فقد تجاوز عدد كتب كل منها 100.000 مجلد , تصور هذا الكم الهائل من الكتب وليست مطبوعة ولكنها كتب قلمية ومخطوطات وهذا شخص واحد هذا الذي يملك 100.000 كتاب . الآن يوجد من المعاصرين من يملك ما يقرب من هذا العدد لكنها مطبوعات يقتني الكتاب عشرة مجلدات عشرين مجلد في لحظة . أما مثل هذه الكتب متى تكتب ومتى تصحح ومتى تقابل ومتى تجمع ؟
السائل : لكن يعرف مثلا أن هذه النسخة عند فلان في مكتبة فلان معروفة التاريخ وإذا أراد شخص أن يأخذ منها نسخة يأتي وينقلها نقلا أم ماذا ؟
الشيخ : إما أن يستعير ويأخذ منها ما يحتاج ويفيد منها . والمتقدمون أهل العناية بالكتب يشددون في مسألة الإعارة ومن قول أحدهم : ( ألا يا مستعير الكتب دعني فإن إعارتي للكتب عار ) وضاع كثير من الكتب وتشتت شمل كثير من الموسوعات بهذه الطريقة . نظير ما ذكرت من مكتبة خزانة الصاحب بن عباد والقاضي الفاضل ما يوجد عند أبي مطرف القاضي بقرطبة جمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس وكان عنده ستة وراقــين يـنسخـــون لـه باستمرار بمثابة مطابع عنده ستة أشخاص ينسخون وهذا كله لمكتبته فهو مثلا يجد كتاباً عند فلان أو في المكتبة الفلانية فيحضره للوراقين بإعارة أو بإجارة فينسخون له نسخة من هذا الكتاب إما أنهم يقتسمون الأجزاء أو كل واحد ينسخ له كتاباً معين . أقول لا يخلو عالم أو طالب علم من مكتبة لأنه لا يمكن أن يستغنى عن الكتب , حتى زاد هذا الاهتمام ووصل إلى حد التكاثر والتفاخر . في " نفح الطيب " للمقري في وصف قرطبة قال : وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا وأشد الناس اعتناء بخزائن الكتب . صار ذلك عندهم من آلات التعين والرئاسة حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة , يحتفل ويهتم أن يكون في بيته خزانة كتب. وقد يكون لا يقرأ ولا يكتب وينتخب فيها ليس إلا أن يقال فلان عنده خزانة كتب , الكتاب الفلاني لا يوجد إلا عند فلان لا يوجد عند غيره فصارت المسألة تفاخر وتكاثر .
السائل : حتى هذا وُجد في هذا العصر فأحياناً بعض علية القوم تجده يهتم بوجود مكتبة نادرة من أجل هذا .
الشيخ : لا شك في ذلك , وأعظم من ذلك وُجد تحف على هيئة كتب تصف في خزائن بحيث يظن أنها كتب , فأين النيات والله المستعان .؟
في " نفح الطيب " نقل : قال الحضرمي : أقمت بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب لي بطلبه اعتناء إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح ففرحت به أشد الفرح فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إليّ المنادي بالزيادة عليّ إلى أن بلغ فوق حده فقلت له يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه ما لا يساوي . قال : فأراني شخصاً عليه لباس الرئاسة فدنوت منه وقلـــت لــه أعـز الله سيدنا الفقيه إذا كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده فقال لي لست بفقيه ولا أدري ما فيه ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت بها لأتجمل بها بين أعيان البلد وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب فلما رأيت حسن الخط وجودت التجليد استحسنته ولم أبالِ بما أزيد فيه والحمد لله على ما انعم به من الرزق فهو كثير . قال الحضرمي : فأحرجني وحملني إلى أن قـلـت لــه : نعــــم لا يكون الرزق كثيراً إلا عند مثلك يُعطى الجوز من لا له أسنــان و أنـا الـــذي أعلـــم ما في الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون رزقي قليلاً وتحول فقلت ما بيدي بيني وبينه " أ.هـ . على كل حال الاعتراض على القدر مذموم يعني كون الإنسان يُزاد في رزقه أو يضيق عليه هذا قدر الله . فكل إنســان مكــتوب له رزقه وأجله وليس لإنسان أن يعترض وليس بسط الرزق خير على كل حال وليس ضيق اليد شر محض على كل حال والله المستعان .
إذا وصل جمع الكتب والعناية بها إلى هذا الحد صارت ممن يلهي ويشغل عن تحصيل العلم والعمل الصالح فيدخل دخولاً أولياً في قول الله جل وعلا : " ألهاكم التكاثر " لأنه مجرد تكاثر هذا وجد في المتقدمين والمتأخرين .
السائل : هذا يا شيخ ما كنت سأسأل عنه لأن بعضهم يتفاخر بأنه وجد عنده مثلاً أوائل النسخ من هذا الكتاب . فهل لهذا مردود ؟
الشيخ : أنا بلغني أن بعض الكتب التي يطبع منها أربع نسخ و خمس نسخ تودع في البنوك خشية أن يُسطا عليها . هل هذا مما يوصل إلى مرضاة الله عز وجل ؟ يكون العلم المطلوب الشرعي ميسر ولله الحمد بدأً من القرآن " ولقد يسرنا القرآن للذكر " تجد أرخص الكتب في المكتبات القرآن كقيمة شرائية لا أعني القيمة الأخرى , فلا يوجد كتاب متعبد بتلاوته سوى القرآن لكن القيمة الشرائية , تجد أحوج الناس أو أشد الناس حاجة إلى كتاب تجده أرخص ما يباع وهذا من السنن الإلهية. يعني أحوج ما يكون الناس إلى شيء تجده أرخص شيء . يعني مثلاً ما يحتاجه الناس في مطاعمهم في الأكل والشرب تجده أرخص شيء ثم بعد ذلك الترف . الكماليات أغلى ثم يأتي ما يزيد عليها من أمور السرف أغلى وأغلى .
قس على هذا الكتب بالنسبة للقيمة الشرائية أرخص ما يوجد مثلاً القرآن والبخاري ومسلم ورياض الصالحين والأذكار والكتب التي يحتاجها عامة المسلمين تجدها رخيصة ولله الحمد لكن تأتي إلى كتب الناس ليسوا بحاجة إليها .
السائل : نسمع أن بعض الكتب تصل قيمتها 50.000 أو 60.000 ريالاً .
الشيخ : نعم القانون لابن سينا بيع بـ 90.000 لأنه طبعة أوربية نادرة وهذا الكتاب وهو القانون لابن سينا تدري أن النووي أدخله في مكتبته فصعب عليه الحفظ حتى أخرجه من مكتبته. أغلى ما يوجد الآن كتب الذكريات , كتب الرحلات . فهل المسلم بحاجة إلى هذه ؟ نعم من حيث العبرة , المتعة , الاستجمام يحتاج إلى مثل هذه الأمور لكن أن تصل إلى هذا الحد هذا مبالغة يدخل في حيز السرف . لكن لو احتاج الإنسان إلى صحيح البخاري ولم يجد نسخة إلا بثمن مرتفع نقول ( لاسرف في الخير ) .
على كل حال لو وصل الحد في الجمع أو وصل الجمع والنهم في الكتب إلى هذا الحد صار عائقاً عن التحصيل ولا يَعرف هذا إلا من جَرَّب . تحتاج الكتاب وعندك منه عشر نسخ يغطى بعضها على بعض ويصد بعضها عن بعض قد لا تحصل ولاعلى نسخة . يقول ابن خلدون : (كثرة التصانيف مشغلة عن التحصيل) على الإنسان أن يكون متوسطاً في أموره كلها , ما يحتاجه من الكتب يقتنيه و ما ينفعه عند المراجعة يقتنيه . أما أن يجمع كل كتاب يسمع عنه يحتاجه أو لا يحتاجه ليقال أن عنده من كل كتاب نسخة مصيبة هذه !! . إن الفائدة من جمع الكتب تحصيل العلم الشرعي , والعلم الشرعي من أمور الأخرى المحضة التي لا يجوز التشريك فيها فإذا دخلت النوايا مثل هذه المقاصد ليقال إن عند فلان مكتبة أو عنده أكبر مكتبة خاصة أو عنده اكبر مكتبة هذه حقيقة مرة وقدح ظاهر في الإخلاص وإن وجدت عند بعض المتعلمين نسأل الله السلامة والعافية .

الحلقة الثانيه
........................
السائل : هل وُجد مكتبات رسمية ؟
الشيخ : وُجد مكتبات رسمية رعتها الدول الإسلامية . يعني في بغداد يوجد دور. في قرطبة وحدها أكثر من 70 مكتبة رسمية , وفي بغداد , في بلاد الحرمين في مصر وفي غيرها من بلدان المسلمين , في المغرب , في الشرق , في الهند وتكون مفتوحة طوال اليوم يستفيد منها الناس . على كل حال موجودة والحمد لله العناية بالكتب و توجد العناية الرسمية والشعبية للكتب إلى يومنا هذا . اليوم بعض المساجد فيها كتب مثل مكتبات متكاملة يستفيد منها طلاب العلم . الجامعات الآن ترعى مكتبات نادرة تضم شتى العلوم و المعارف . وأيضاً كذلك غير الجامعات , فالمكتبات العامة عندنا في هذه البلاد المباركة الشيء الكثير في بلاد الحرمين وفي نجد وفي الإحساء مكتبات عامرة . أيضاً مكتبات شعبية أسسها أفراد وهي مكتبات متكاملة فضلاً عن المكتبات الخاصة بدور العلماء وطلاب العلم .
السائل : عندما أشرتم يا شيخ إلى مكتبات المساجد وهي خطوة مهمة بدأت تظهر بحمد الله يعني لا بد أن نشير إلى شيء من هذا مثل مكتبة جامع شيخ الإسلام ابن تيمية بالرياض باعتبارها مكتبة كبيرة ولها صيت قوي وتدعم من قبل وزارة الشئون الإسلامية دعماً قوياً. بدأ عدد كبير من المساجد والجوامع يحتذون حذو هذه المكتبة التي أفادت طلبة العلم كثيراً.
الشيخ : نعم , لاشك أن الرياض الآن صارت مترامية الأطراف ويصعب على طالب العلم الذي في الرياض أو في شرقها أن يرتاد المكتبات التي في وسط الرياض أو في شماله . فوجدت هذه الفكرة وسبق إليها إخواننا في جامع شيخ الإسلام في مكتبة ابن القيم وقد زرتها أكثر من مرة وأطلعونا على شيء يَسُرّ , من كثرة الرواد ومن المنتفعين بهذه المكتبة وهي تضم كتب كثيرة جدا , ولدينا فكرة إن شاء الله لإنشاء مكتبة أيضا في شرق الرياض تضاهيها إن شاء الله .
وبعد العصور المتقدمة والاعتماد على المخطوطات والكتب القلمية ظهرت الطباعة ولنستصحب منع الكتابة في أول الأمرلأثر الكتابة على الحفظ . ظهرت الطباعة في أوروبا والأستانة ثم في سوريا وبيروت ثم في مصر وغيرها من بلدان المسلمين وخشي العلماء في هذه الحقبة على التحصيل العلمي من التأثر لسهولة الحصول على الكتب . لما كانت الخشية في أول الأمر من الكتابة في أنها تؤثر على الحفظ , الآن خشي من الطباعة أن تؤثر على التحصيل , كيف ؟ التجربة أثبتت أنه كلما سهل الحصول على الكتابة أو على المعلومة ضعفت الإفادة . هذا شيء مجرب . خشي العلماء على التحصيل من جراء الطباعة فأفتى علماء الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية . هذا أول ما بدأت الطباعة , أذنوا بطباعة كتب التاريخ والأدب واللغة وغيرها أما الكتب الشرعية فلا تجوز طباعتها . كان العالم أو طالب العلم في السابق إذا احتاج إلى كتاب اضطر إلى نسخه , ومعاناة الكتابة - وهذا شيء جربناه وجربه غيرنا - أفضل من القراءة مرارا . فأنت إذا احتجت إلى كتاب لابد أن تكتب الكتاب أو تستعيره وتنسخه أو تستعيره وتقرأه وتدون ما يهمك منه . هل هذا مثل أن تذهب إلى مكتبة وتشتري كتاب وترصه مع إخوانه في الأدراج ؟ أنا أقول كتابة كتاب عن قراءته عشر مرات . لا أبالغ إذا قلت هذا .
السائل : هذا ممكن في الكتب الصغيرة اليسيرة . أو بعض الفوائد فهل يمكن مثلا " فتح الباري" يكتب يا شيخ ؟!
الشيخ : بعد الطباعة لا يمكن . لكن قبل الطباعة ممكن . وقد كُتِب مرارا . وشخص ما أدركناه أدركنا أحد أولاده يقول إن أباه يكتب كل يوم نسخة من النونية . والنونية 5820 بيتا وكل نسخة بريال وهو يقتات من هذا النسخ . نعم إذا لم يكن لديه الأهلية للتحصيل مجرد وراق قد لا يستفيد. لكن إذا كان من أهل العلم ولديه أرضية ولديه أهلية للتحصيل واحتاج إلى هذا الكتاب لما فيه من علم ونسخه لا شك أن مثل هذا يقع موقعه في القلب .
بعد أن اضطر الناس إلى الإقرار بالواقع . الأمر الواقع الذي فرض نفسه من الطباعة . أفتى العلماء بجواز طباعة الكتب الشرعية وطبعت لكن أثرها على التحصيل ظاهر . لاشك أن الطباعة نعمة والحواسب الآلية - التي يأتي الحديث عنها - نعمة . لكن لا تكون على حساب التحصيل . يعني لا يعتمد الإنسان اعتماداً كلياً عليها ويقول أنا اقتنيت فتح الباري أو تفسير ابن كثير أو الطبري أو القرطبي ثم ماذا ؟ وبعض الطلبة عنده تفسير ابن كثير ولم يقرأه أبدا .
طبعت الكتب الشرعية وأجمع الناس على جوازها والإفادة منها وأثرها على التحصيل ظاهر . قد يقول قائل هي نعمة فلماذا تمنع؟ نقول هي تيسرت والحمد لله ونقر بأنها نعمة وكذلك الحواسب الآلية نعمة لكن نستفيد منها بقد ما يعيننا على تحصيل العلم منها ولا نعتمد عليها اعتمادا كليا .
بعد الطباعة وتجاوزنا مرحلة الطباعة واقتنى الناس الكتب ورصوها في الخزائن وبعض الناس اقتنى ألوف مؤلفة من الكتب ومات ولم يطلع على شيء منها إلا العناوين . يأتي ويرتبها وينظفها وهذا قبل هذا , وهذا بعد هذا . هذه العناية مفيدة في شيء واحد وهي أن السوس والأرضة تؤمن بإذن الله بسبب تقليبها يميناً وشمالاً من درج إلى درج لكن التحصيل أين ؟
قد يقول قائل إن معرفة الكتب ومعرفة الطبعات فن . نقول فن لكن ليس فن غاية لكنه فن وسيلة إلى غيره . جاءت الحواسب الآلية التي جمعت من العلوم والمعارف على أقراص صغيرة ما لم يحلم به عالم أو متعلم , أشياء مذهلة لا نبالغ إذا قلنا إن بعض العلماء من المتقدمين قبل الطباعة مثل الحواسب في حفظهم يعنى من يحفظ 700.000 حديث . أكبر برنامج للسنة فيه 523.000 حديث يعنى رأس هذا الشيخ أحسن من هذا , وليس آلة جامدة صماء إذا صحف الخبر ما خرج . يفيد يجمع طرق يقدم يؤخر ويرتب ويستنبط ويعلم ويعمل . صار طالب العلم إذا احتاج إلى أي معلومة في أي فن من الفنون بعد هذه الحواسب ما عليه إلا أن يضغط زر يصل بواسطته إلى ما يريد بأسرع وقت . وهذا أيضا على حساب التحصيل العلمي لأن العلم متين لا يستطاع براحة الجسم كما قال يحيى بن أبي كثير .
يحيي بن أبي كثير كما ذكر الإمام مسلم في صحيحه أثناء حديث المواقيت قال يحيى بن أبي كثير: " لا يستطاع العلم براحة الجسم " لوكان العلم يستطاع براحة الجسم ما أدرك الفقراء شيء ولصار الناس كلهم علماء . فالعلم لا يخفي ما ورد فيه من النصوص تحث عليه وبيان منزلة أهل العلم ورفعهم درجات . نعم كان الناس كلهم علماء إذا كان العلم يستطاع براحة الجسم , لكن لابد من معاناة لابد من سهر لابد من عكوف على الكتب لابد من مزاحمة الشيوخ والزملاء .
السائل : لو أراد طالب علم أن يخرج حديثاً عن طريق الحاسب الآلي يحصل على المعلومة بسرعة . ولو رجع إلى الكتب تجد أنه يستفيد في طريق المرورعلى هذا الحديث يستفيد مئات الفوائد من أن يصل إليه.
الشيخ : الآن يريد بحث مسألة في كتاب , فيقلب هذا الكتاب فيقف على عشرات المسائل , كثير منها أهم من مسألته التي يبحث عنها , لكن يضغط زر يطلب مسألة يجد المسألة من أولها إلى آخرها بمصادرها ثم ماذا هل يحفظها طالب العلم بهذه الطريقة . لا يمكن . لأن الشيء الذي يأتي بسهولة لا يمكن أن يستوعب بسهولة أو يحفظ بسهولة بل يفقد بسهولة .
يحيي بن أبي كثير لما قال لا يستطاع العلم براحة الجسم , لا شك من خلال معاصرة ومعايشة للعلم ولما رأى عليه شيوخه وزملاءه وأقرانه من معاناة . يتصور قبل وجود هذه النعم من الكهرباء التي لا يختلف فيها الليل عن النهار بالنسبة للضوء . فقد كانوا - أي القدماء – يكتبون على ضوء القمر . بهذا حصلوا العلم ونحن نريد الحاسب والشخص متلفلف بغطائه على فراشه يضبط حاسبه ويتعلم أو جالس في ملحق أو استراحة مع زملاء يتبادلون الأحاديث وأطراف الأحاديث وعندهم أنهم يطلبون العلم . العلم لابد له من معاناة . نعود إلى يحيي بن أبي كثير وإلى كلمته التي أودعها الإمام مسلم بين أحاديث المواقيت – مواقيت الصلاة , لماذا ؟ هذا مناسبته أعجز الشراح أن يوجدوا مناسبة لكلام يحيي بن أبي كثيرالذي أودعه الإمام مسلم في هذا المكان . الإمام مسلم أعجبه سياق هذه الأحاديث . المتون والأسانيد بهذه الطريقة فأراد أن ينبه بأنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى مثل هذه العلوم بهذه الطريقة بهذا السبك العجيب براحة الجسم فأتى بهذا بشعور أو من لا شعور . نعم هذه الوسائل نعم إن أستفيد بها واستعين بها على الوجه المناسب ولم يعتمد عليها وإلا فهي عائق عن التحصيل . من وجوه الانتفاع بهذه الحواسب : إذا ضاق الوقت على خطيب أو محاضر وأراد أن يتثبت من حديث أو أثر أو نقل أو غير ذلك بحيث لا يستطيع الرجوع إليه لضيق الوقت , فلــه ذلـــك يرجع إلى الحاسب . كذلك من أراد اختبار عمله بحيث بحث مسالة في جميع ما وقف عليه من كتب وجميع ما قيل فيها , وإن كان حديثاً . جمع جميع ما وقف عليه من الطرق ثم أراد أن يختبر عمله إن كان هناك زيادة. فهذه الزيادة التي يأخذها من الحاسب تقع في قلبه موقع بحيث تثبت مثل ما لو بحثها في كتاب , أما أن تكون هذه الآلات وسائل للتحصيل ابتداء عوضا عن القراءة والحفظ وحضور الدروس ومجالس العلم فلا .

الحلقة الثالثةاتصال هاتفي :
من الشيخ يوسف الخلاوي :
السائل : أرجو أن تحدثونا عن الاستفادة لطلبة العلم عن طريق الإنترنت .
الشيخ يوسف الخلاوي : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولا : أقدم شكري الجزيل على هذا البرنامج ثم على مثل هذه الموضوعات المهمة والقيمة . الحقيقة الاستفادة من التقنية الحديثة لبناء طالب العلم لابد أن ننتبه أنها تختلف كثيرا عن الاستفادة من هذه التقنية لمجرد الثقافة أو مطالعة الأخبار أو غير ذلك من مجالات الفوائد العلمية الأخرى . طالب العلم عنده معايير تختلف في معرفة هذه الكتب مثلا الجودة ونحو ذلك ولذلك للأسف الشديد مع ما يمكن أن يجنيه من فوائد عن طريق التقنية إلا أنها أضافت إلى هذه الفوائد جملة من المظاهر السيئة التي ينبغي أن ننتبه لها . لكنني الآن سأركز على شتى من الفوائد .
من هذه الفوائد معرفة الكتب الجديدة واقتنائها إذا كانت نسخا مصححة وهذا موجود الآن بفضل الله فيزداد يوماً بعد يوم بكثرة خاصة إذا كان طالب العلم فقيرا لا يستطيع أن يقتني كثيرا من الكتب الكبارفيمكن أن يجدها متاحة بشرط أن تكون هذه الإتاحة في مكان معروف في موقع معروف , يشْترط الشروط العلمية المعتبرة للتوثيق . هذه من أهم الفوائد . من الفوائد الأخرى المشاركة والتنادي للعمل الجماعي في كثير من الأعمال العلمية مثل البحث عن النسخ الخطية أو اقتناء النسخ الصحيحة القديمة .
السائل : هذه تقومون بها يا شيخ في موقعكم تهتمون بهذا الجانب ؟
الشيخ يوسف : الموقع حتى الآن مختص بالإعلان عن الكتب الجديدة وتقديم قراءات علمية فيها . لكن هناك حاجة ماسة للتخصص في مجال الأشياء القديمة مثل الكتب القديمة ونحو ذلك .
السائل : هل نستطيع أن نقول أنه من خلال موقعكم مثلا أننا نرصد مستوى الدخول على الكتب الشرعية أنه مستوى عال أم لا نستطيع . هل عندكم مؤشرأيهما أكثر كتب الحديث أم كتب الفقه؟
الشيخ يوسف : نعم هناك مؤشرات وفي الغالب الكتب الشرعية لها حضور قوي جدا بالإضافة إلى الكتب التي تهتم بالوقائع المعاصرة لو أردنا نقارن نجد تساوي المجالين من حيث العناية من قبل الناس وهذا له جمهور وذاك له جمهور آخر . لكن لازال حضور الكتب الشرعية كثير . وأنبه هنا إلى قضية وهو أنه في عامة المعارض التي أحضرها للكتب لاشك أن حضور الكتب الشرعية هو الأول بالرغم مما قد يذاع في بعض المصادر من أن الكتاب كذا كان من أهم الكتب المقتناة , لكن دون مبالغة أقول في أي معرض يحضره الإنسان فإن مثل تفسير بن كثير بالرغم من كثرة طبعاته هو رقم (1) وصحيح البخاري أيضا هو رقم (1) وهذا يدل على تعلق الناس وحاجتهم إلى مثل هذه الكتب .
نشكر لك هذه المداخلة الطيبة ونتمنى لكم التوفيق .
السائل : هل لدى الشيخ – عبد الكريم – تعليق ؟
الشيخ : أخونا الشيخ يوسف معروف بالعناية بالكتب أولاً ثم بهذه الآلات , وهو يفيد منها على الوجه المطلوب , ولا شك أن هذه الآلات كما قلت مرارا أنها نعم استفيد منها على وجه المطلوب. يستفيد منها طالب العلم بعد أن يؤسس وبعد أن يحصل , ويُكون نفسه تكوينا علميا على الجادة المعروفة عند أهل العلم بالطرق المتبعة , فيستفيد من هذه لاشك , وقلنا إنه يمكن أن يختبر عمله وما نقصه من علم في بعض الجوانب , أو ضاق عليه الوقت وأراد أن يتثبت من مسألة فلا بأس .
السائل : نأتي إلى الموضوع الأهم في حديثنا وهو ما ينتظره عدد كبير من الإخوة وهو أن نذكر نماذج لما يقتنيه طالب العلم من كتب . إن أذنتم لنا أن نبدأ بالتفسير وعلوم القرآن , هل يمكن أن نقول لطالب العلم مجموعة من النماذج لما يقتنيه طالب العلم من هذه الكتب ؟
الشيخ : في المقدمة التي قدمناها ذكرنا أن الكتب كثيرة جدا لا يمكن الإحاطة بها وأن الإكثار منها أيضا على حساب التحصيل , وأنه عائق عن التحصيل , لكن على طالب العلم أن ينتقي ما يفيده . ويُعْنى بهذه الكتب بطبعاتها المتميزة المعروفة لدى أهل العناية , ويسأل قبل أن يقتني عن الطبعة المناسبة , فكم من كتاب طبع مرارا وهو مشتمل على التحريف والتصحيف والنقص والزيادة أحيانا من بعض النساخ , أو إدخال بعض الحواشي في الكتاب مما تزفه هذه المطابع التي لا تعتني بالإخراج العلمي الصحيح .
على طالب العلم في البداية أن يعتني بهذا الأمر لئلا يضطر أن يشتري الكتاب مرة ثانية وثالثة ورابعة لأنه وجد في هذا الكتاب من الخلل كذا وفي هذا من الخلل كذا .
اتصال هاتفي :
معنا فضيلة الدكتور عبد المحسن العسكر.
السائل : هل لديكم تعليق ؟
الشيخ عبد المحسن : أولا أشكر بادئ الرأي إذاعة القرآن في برامجها الثمينة وطرحها المميز القيم وهذا الموضوع عن الكتاب شؤونه وشجونه أقول : قد طرق فضيلة الشيخ عبد الكريم جوانب عدة من الموضوع وغني عن البيان أن نفصح عن قيمة الكتاب . الكتاب في الحقيقة هو لذة العالم وأنيس الجليس وسلوة الغريب . أقول إن العلماء لا يملكون ثروة ولكن ثروة العالم مكتبته وريحانته كتابه وقد قرأت في كتاب تقييد العلم للخطيب البغدادي رحمه الله قوله: ( ومع ما في الكتب من المنافع العميمة والمفاخر العظيمة فهي أكرم مال وأنفس جمال والكتاب آمن وجليس وأسر أنيس وأسلم نديم وأنصح كليم ) ثم روى الخطيب رحمه الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى " وكان تحته كنز لهما " قال اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز فقال بعضهم كان صحفا فيها علم مدفون وقالوا ما كان ذلك ذهبا ولا فضة قال صحفا وعلما , وعلق الحسن بن صالح على ذلك : " و أي كنز أفضل من العلم " .
الذي أريد أن أقول فيه القول وأدلي فيه بدلوي مع فضيلة الدكتور هو العلاقة بين طالب العلم والكتب القديمة . أو الكتب في طباعتها الأولى فكلنا يعلم أن الثورة الطباعية لنشر الكتب في عالمنا الإسلامي والعربي إنما كان قبل قرن ونصف تقريبا , أنا لا أريد بداية الطباعة ولكن أريد الانفجار الطباعي الذي قام في منتصف القرن السالف والذي قام بهذا العمل الطباعي وقام على نشر تلك الكتب وتصحيحها في ذلك الزمان علماء كبار بل كانوا من فحول العلماء . لهم نصيب في نشر العلم ولهم مصنفات وكانوا علماء في اللغة والفقه والأصول . كان في مصر مثلا الشيخ محمد العدوي , والشيخ طه محمود , والشيخ نصر الهوريني , والشيخ إبراهيم الدسوقي , والشيخ إبراهيم الفيومي , والشيخ محمد الغمراوي , والشيخ محمد الحسيني , والشيخ محمد البلبيسي , والشيخ سيد بن على المرصفي , وكان في العراق ممن قام على نشر كتب السلف وعلومهم , والشيخ محمد شكري بن عبدالله الألوسي , وفي الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي . أقول إن هؤلاء العلماء وأضرابهم هم في الحقيقة الذين أخرجوا للناس الكتب ونشروا فيهم آثار السلف في الحديث واللغة والفقه والتاريخ والأدب وغير ذلك من فنون الإسلام , لا يمتري أحد في أن ما أخرج هؤلاء أصح نصاً , فهؤلاء أعلم من غيرهم وأدرى بأساليب المصنفين , لأنهم علماء , وكان الواحد منهم يعكف على الكتاب الواحد سنين عدداً , يدقق ويتحرى ويصحح , هذا " تاج العروس " في طبعته الأولى وأجزائه العشرة الضخام أخرجه رجل واحد , " لسان العرب " بأجزائه العشرين نشره وصححه رجل واحد هو الشيخ محمد الحسيني , " اتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين " أخرجه الشيخ محمد الزهري الغمراوي , وهو في عشر مجلدات كبار, وهذا " مسند الإمام أحمد " بأجزائه الستة وهو معروف طبعه رجل واحد هو محمد الغمراوي , و" شرح البخاري " للقسطلاني وأجزاؤه عشرة قام بطبعه رجل واحد هو الشيخ إبراهيم الدسوقي , كان من أولئك العلماء المتقدمين من وضع مدرسة تعلم أصول النشر كما فعل الشيخ سيد بن على المرصفي المصري رحمه الله فإنه تخرج لديه في النشر والتحقيق ثلة من كبار العلماء , منهم الشيخ أحمد شاكر, وأخوه الشيخ محمود شاكر, والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد , هؤلاء كانوا علماء وهم الذين نشروا فينا العلم في ذلك الزمان وما زلنا نقرأ في كتبهم وفيما أخرجوه لنا , ولكننا مع تقادم الأيام وتجدد معطيات الحضارة , وإعجاب الناس بالجديد , فقد توجه كثير من الناشرين إلى إعادة طباعة تلك الكتب , وربما يكون من أسباب إعادة الطبع قلة تلك الطبعات الأولى أو انعدامها , أما ما أعيد طبعه محققا تحقيقا علميا على أيد عالمة أمينة فلا بأس به. ولكني أتحدث عما طبع مجددا دون تحقيق , أو ما كتب عليه أسماء غيرمعروفة , بدعوى التحقيق ولا تجدفي تلك الكتب إلا مجرد الحرف الجديد وإلا مجرد اللون البراق للورق , وحدث ما شئت عن الأغلاط والتحريف الأعوج , وضرر ذلك على العلماء وعلى العلم فادح , ولهذا فإنني من على هذا المنبر الكريم, وعبر هذا البرنامج الأمثل أوجه نصيحة لإخواني طلاب العلم وأسترشد بفضيلة الشيخ عبد الكريم في هذا المجال أرشد إخواني أن يعنوا بالطبعات القديمة بالكتب وألا يستدبروها اغترارا بالصف الجديد والورق اللامع , وأنا أذكر الآن أن بعض مشايخنا في الجامعة أيام الطلب في كلية اللغة العربية كانوا يوصوننا باعتماد كتاب سيبوية في طبعة بولاق الأولى دون الرجوع إلى الطبعة المحققة , وذلك لأن طبعة بولاق أصح والذي قام عليها عالم من العلماء السابقين , وكل أو جل ما طبعته مطبعة بولاق هو صحيح بالجملة . وصيتي أيضا إلى الناشرين وأصحاب المطابع بألا يتعجلوا بإعادة طبع أي من الكتب التي طبعت قديما إلا إذا كان في الطبع مزيد فائدة , مثل أن تجمع عدة نسخ في كتاب , أو أن يكون في المطبوع قديما خلل ونقص . وإلا يكن الأمركذلك فأرى أن يصور الكتاب في طبعته القديمة وينشرعلى ما هو عليه , ففي تلك الطبعات خير , وصوابها أكثر من صواب الطبعات الحديثة , وغلطها أقل من غلط الطبعات المعاصرة . إنني أسمع من بعض الناس لوما لأولئك الذين يشترون الكتب في طبعاتها الأولى بدعوى أن أسعارها غالية ولكن تبين لنا – معشر الباحثين – وطلاب العلم أن في تلك الطبعات خير وأنها طبعت على أصول صحيحة وأن الذي قام عليها علماء كما أسلفت . هذا ما لدي وشكرا لكم .
السائل : هل للشيخ عبد الكريم تعليق على ما ذكره الدكتور عبد المحسن العسكر؟
الشيخ : جزى الله خيرا أخانا الدكتور عبد المحسن العسكر على ما أبداه . والعناية بما ذكره معروفة , ذكرناها في دروس ومناسبات كثيرة جدا وما زلنا نوصي طلاب العلم أن يقتنوا الطبعات القديمة لأنها أصح في الجملة . لا يماري في ذلك أحد , اللهم إلا الكتب التي جمعت لها النسخ وانبرى لتحقيقها البارع من طلاب العلم فهذا مثل ما أشار إليه الشيخ عبد المحسن ولا نختلف معه في شيء , وهذا رأيي وهذه وجهة نظري من قديم , ورددتها وكررتها , ومكتبتي جلها من هذا النوع ووصيتي أيضا لطلابي بهذا والشيخ عبد المحسن يعرف هذا , وغيره مما له معرفة بنا وبطريقتنا . على كل حال أنا خشيت من الملل من كثرة ما أوصي بالكتب القديمة , والطبعات القديمة , لأنه مثل ما أشار فضيلة الشيخ , الذين يتولون الطباعة في الزمن الأول علماء . أما الذين يتولون الطباعة وأرباب الطباعة اليوم في الغالب ولا أقول الجميع تجار يهمهم الكسب فلا يبحثون عن نوادر الرجال لتحقيق الكتب وإخراجها . كم من كتاب طبع فيه من النقص والخلل الشيء الكثير . فمثلاً نُسْأل كثيرا عن أفضل طبعات " فتح الباري " على سبيل المثال , فنقول طبعة بولاق وصورت ولكن مع الأسف حتى التصوير ندر أيضا . رغم أن الكتاب طبع مرارا بعد ذلك لكن لا يغني عن طبعة بولاق أي طبعة . من أراد أن يكتفي بالسلفية الأولى التي طبعت في حياة الشيخ عبد العزيزبن باز 1380 هـ , والشيخ عبد العزيز باز تولى تصحيح جزء ين وبعض الثالث بنفسه وترك الباقي للطابع محب الدين الخطيب على أن يعتمد على طبعة بولاق , لأنها نسخة صحيحة ومتقنة . ومتى يطبع " فتح الباري " بالمستوى الذي طبع في مطبعة بولاق مهما قيل عن الطبعات الجديدة أنها قوبلت وقدمت وعلق عليها وخرجت، لا يمكن . حتى السلفية الثانية والثالثة فيها من الخلل الكبير ما لا يوجد في السلفية الأولى . لماذا؟ لبعد البون بين الشيخ محب الدين الخطيب وبين أولاده ومن تولى الطباعة بعده . فالشيخ محب الدين تولى الطبعة الأولى بنفسه بينما الثانية والثالثة تولاها غيره . ولا شك أن للعالم بصمات فيما يتولاه . والكتب القديمة عندنا ترتيب للمطابع معروف وأولويات للاقتناء يطول بسطه , وهذا يطغى عن موضوعنا والحديث ذو شجون وذكرنا ذلك في مناسبات وفي دروس وألمحنا له في البرنامج المعروف شرح التجريد مرارا . ولا يمر بنا كتاب إلا و نذكر طبعته المهمة .
الحلقة الرابعه
....................



السائل : لعلنا نكمل ونستمر فيما يتعلق بمكتبة طالب العلم فيما يتعلق بالتفسير وعلوم القرآن .
الشيخ : طالب العلم يحتاج من كتب التفسير ما يعينه على فهم كتاب الله عز وجل , وما يعينه على تدبر كتاب الله , وما يعينه على الاستنباط من كتاب الله . فهناك كتب مختصرات مناسبة للمبتدئين وإن كان في بعضها بعض المخالفات التي يجب التنبيه عليها.
هناك تفسير مناسب لطبقات المجتمع كله , تفسير إنشائي مستمد من كتب التفسير الموثوقة وهو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي , هذا مناسب للمتعلم وغير المتعلم , للمتخصص في العلوم الشرعية وفي غيرها , للطبيب , للمهندس , للمثقف , للتاجر , لرب الأسرة , لربة البيت , كل يستفيد منه , لأنه صيغ بأسلوب العصر . هناك أيضا تفسير مختصر جدا وغير منتشر بين طلاب العلم للأسف وهو يفيد كثيراً وهو تفسير الشيخ فيصل بن مبارك : " توفيق الرحمن لدروس القرآن " , هذا الكتاب مطبوع قديما وطبع حديثا . وقد طبع في أربعة أجزاء وهو مستمد ومختصر من الطبري والبغوي وابن كثير وهذا كتاب رغم اختصاره نافع في بابه لمن لا يسعفه الوقت للرجوع إلى الأصول القديمة لاسيما الثلاثة المذكورة .
هناك أيضا تفسير مناسب ومختصر جدا هو " تفسير الجلالين " جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي وهوأشبه ما يكون بالمتن , متن علمي متين بحاجة إلى مطالعة حواشي ويحتاج أيضا إلى من ينبه على ما فيه من ملحوظات من أهل العلم , وإلا فالكتاب من أنفع ما ينفع طالب العلم لأنه مختصر جداً .
السائل : هل سبق أن أخرجتم بعض الملاحظات على هذا التفسير ؟
الشيخ : نحن شرحنا بعض هذا الكتاب في دروس المسجد , ونشر منه ما يتعلق بسورة الفاتحة في أربعة أشرطة , ولكن رأيته على طريقتنا هذه يطول جداً . فإذا كانت الفاتحة أربعة أشرطة فماذا عن البقرة مثلاً . على كل حال الشيخ عبدالــرزاق عفيفي لــه تعليقات نافعة على ربعه الأخر, عندما كان مقرراً على المعاهد العلمية , وهذا التفسير في غاية الاختصار . شخص من طلاب العلم في اليمن قبل قرن أو أكثر احتاج إلى أن يقرأ في هذا التفسير فأشكل عليه هل يقرأه بطهارة أو بدون طهارة , فقـــيل لــه الحكـــم للغـــالب التفسير أو القرآن فأخذ يعد حروف القرآن وحروف التفسير فوجدها إلى سورة المزمل واحدة لا تزيد حرف . ثم من المدثر إلى آخر القرآن زاد التفسير قليلا فانحلت عنده المشكلة . على كل حال هذا التفسير رغم أهميته ومكانته إلا أن فيه شيء من المخالفات العقدية .
وهناك تفسير أوسع منه بل أشهر وهو " تفسير البيضاوي " أوسع من " الجلالين " وهو أيضا كتاب متين متقن يستفيد منه طالب العلم لاسيما ما يتعلق بالصناعة اللفظية , عليه حواشي عديدة , و العلماء لهم به عناية عجيبة , فقد بلغت الحواشي عليه أكثر من 120 حاشية , ويندر أن يأتي نسخة من تركيا أو سوريا وليس عليها حواشي قلمية فالكتاب وضــــع لــه القبول . هناك تفسير مختصر جدا يسمى " التسهيل " تفسيرابن جزي الكليبي , وهو تفسير مختصر ومحرر ومتقن ومضبوط , وهناك أيضاً تفسير النسفي , وهذه كلها مختصرات لكن تفسير الشيخ ابن سعدي لا يستغنى عنه أحد . و تفسير فيصل ابن المبارك أيضاً يحتاجه طالب العلم لا سيما عند ضيق الوقت وتفسير الجلالين أيضاً مهم بالنسبة لطالب العلم , وكذلك تفسير البيضاوي وما عليه من حواشي , ونذكر بعضها مثل حاشية زاده , التي يتفق المترجمون على أنها أفضل الحواشي , هناك حاشية الشهاب , وهناك حاشية القونوى وهناك حاشية ابن التمجيد, وهناك حاشية الكازروني , حواشي كثيرة منها المطبوع ومنها المخطوط . هناك كتب في التفسير أطول من هذه يتصدرها تفسيرالإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى , وهو مناسب لكافة المتعلمين , قد يمله غير المتخصص في السنة لكثرة ما يسوقه من آثار بالأسانيد , وما فيها من تكرار . ولذا انبرى لاختصاره جمع من أهل العلم , من أفضل المختصرات اختصار الشيخ أحمد شاكر" عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير" . ومنها " تيسير العلي القدير" للشيخ محمد نسيب الرفاعي رحمة الله على الجميع , هذه مختصرات جيدة لتفسيرالحافظ ابن كثير على أن الأصل لا يغني عنه شيء , لكن من كان يمل من ذكر الأسانيد لأنها أمور قد لا يستفيد منها كثير من قراء التفسيرفهذه المختصرات تكفيه إن شاء الله . وأيضاً هناك " تفسير البغوي " وهو تفسير أثري سلفي , لا يخلو من ملاحظات يسيرة جداً لكنه في الجملة أثنى عليه شيخ الإسلام وأئمة الإسلام وواقع الكتاب يشهد بذلك .
" تفسير الخازن " وهو مختصر من البغوي مع إضافات , وله شهرة وانتشار في غير هذه البلاد , وصاحبه يذكر أقوال بعض المتصوفة وله عناية بذكر ما يتعلق بالمرققات " الرقائق " .
أما " تفسير الزمخشري " : وهو" الكشاف " على ما فيه من اعتزاليات يقرأه طالب العلم بحذر ويقرأ ما كُتب من حواشي تبين هذه الاعتزاليات . وفيه حواشي تبين اعتزاله . " ابن المُنِّير" وغيره بَين اعتزاله . وكثير من أهل العلم تصدى له . على كل حال هو مفيد في بابه يستفاد منه في الناحية اللغوية .
" تفسير الخطيب الشربيني " وهو يكاد يجمع بين البيضاوي والزمخشري . أطول من هذه الكتب تفسير إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري الذي هو أعظم تفسير على الإطلاق , ويجمع تفاسير السلف بالأسانيد , والكتاب مطبوع مراراً , طبع أولاً في المطبع الميمنية , ثم في بولاق , ثم حققه محمود شاكر , وحقق إلى " سورة إبراهيم " في ستة عشر جزءاً . أُكْمل بعد ذلك , ثم حققه الدكتور عبدالله التركي , وطبعة الشيخ أحمد شاكر أنا قرأتها بكاملها , وهي من أنفس ما يقتنيه طالب العلم , فإذا أضيفت إلى طبعة بولاق التي هي الأصل واعتمد عليها الشيخ محمود شاكر اعتماداً مع ما وجده من نسخ لكن طبعة بولاق لا يعد لها شيء , ثم طبعة الشيخ أحمد شاكر اعتمدت على هذه بدقة .
طبعة الشيخ عبدالله التركي إقتنيتها مؤخراً , ولا أستطيع الحكم عليها . كلام الشيخ عبدالمحسن اختصر علينا الكثير في العناية بالطبعات القديمة , وإلا كانت النية أن أبين طبعة كل كتاب معه في أثناء ذكره لكن أظن الوقت لا يستوعب . هناك من له عناية باللغة عليه أن يعتني بتفسير"البحر المحيط" لأبي حيان , والبحر المحيط يكاد يكون كتاب لغة , وله مختصرات : " النهر الماد من البحر" , و " الدر اللقيط من البحر المحيط " المقصود أن هذا الكتاب ينفع في الناحية اللغوية في القرآن . وهناك تفسير الرازي ويسمى " التفسير الكبير " للفخر الرازي وهذا التفسير طالب العلم المبتدئ والمتوسط الذي لم يتأهل للنقد لا ينبغي أن ينظر فيه البته , لأن مؤلفه بارع قد يمرر كثير من الشبه على آحاد المتعلمين , بل قد لا يدرك بعض المتأهلين بعض الشبه والسياقات التي يسوقها في تقرير بعض الشبه . واتهم في ذلك , حتى قيل إنه يسوق الشبه نقداً ويجيب عنها نسيئة , يضعف عند ردها . هناك شبه لا يرتضيها وليست من مذهبه يعني أعظم من مذهبه , فوق مذهبه , ثم بعد ذلك يسوقها ويجليها بقوة ثم يضعف عن ردها , ولذا لا ينصح طالب العلم بقراءة هذا التفسير حتى يتأهل . أما إذا تأهل فالتفسير فيه فوائد وقـــد قـــيل فيه : إن فيه كل شيء غير التفسير, لكن هذا جور , ففيه تفسير .
هناك " تفسير ابن عطية " أثنى عليه شيخ الإسلام متداول محقق وهو كتاب نافع .
هناك تفسير الألوسي أيضاً , تفسير مطول أسمه " روح المعاني " , لأبي الثناء محمود الألوسي الجدّ , فليس المؤلف محمود شكري بل الجدّهذا التفسير جمع فيه ما هب ودب , و نقل فيه النقول المتباينة فيقول قال شيخ الإسلام ابن تيمية , ويقول قال الإمام المحقق ابن القيم , ويقول قال محيي الدين ابن عربي قُدَّس سره , وهذا خلط , والمقصود أن فيه فوائد يستفيد منه طالب العلم لا سيما المتأهل وفيه أيضاً عناية بالتفسير الإشاري تفسير الصوفية. على كل حال الطالب المتأهل لا خوف عليه , على أنه ينبغي لطالب العلم أن يجعل في مكتبته ختم لتبرأ ذمته يكتب فيه : هذا الكتاب فيه مخلفات عقدية , هذا الكتاب فيه كذا , هذا الكتاب مذهب صاحبه كذا, ليبرأ من عهدة وجوده ممن يأثره بعده أو يطلع عليه في مكتبته ويتأثر بمثل هذه الكتب , لذا كان عليه أن يختم هذا الكتاب .
هناك كتب ألفت في جوانب من القرآن مثل : " أحكام القرآن " , أحكام القرآن أولاها أهل العلم عناية من ذلك " أحكام القرآن للشافعي " فقد جمع من كلام الشافعي . و " أحكام القرآن لإبن العربي " كتاب لطيف ونفيس طبع في أربعة أجزاء , وفيه نكت ولطائف ونوادر حصلت لابن العربي مع شيوخه , ومع بعض أقرانه , وفي رحلاته . المقصود أن طالب العلم يستفيد من هذا الكتاب . هناك " أحكام القرآن للجصاص " . إستنباط أحكام القرآن من وجهة نظر الحنفية كتاب ماتع نافع جامع , لكن لا يسلم من لوثة إعتزال . هناك " أحكام القرآن للطبري الهراسي" وهو أيضاً كتاب نافع وفيه لطائف وفوائد , وللطبري موقف من الحنابلة وقصته مشهورة . وهناك الجامع وهو بحق " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي - وكل الصيد في جوف الفرا - هذا التفسير جامع على اسمه , وطبع مراراً وأجود طبعاته طبعة دار الكتب المصرية ليست الأولى, ولكن الطبعة الثانية , وهناك ثانية أكثر من مرة . الكتاب يشكل في طبعته . الجزء الأول طبع خمس مرات , الجزء من الثاني إلى الثاني عشر طبع ثلاث مرات ثم من الثالث عشر إلى العشرين طبع مرتين ثم من الواحد إلى العشرين هذه الطبعة الأخيرة بدار الكتب المصرية التي قوبلت على نسخ كثيرة . فبعض الأجزاء قوبل على ثلاث عشرة نسخة , فالكتاب عني به من ناحية الطباعة عناية فائقة . وفيه الإحالات السابقة واللاحقة وهذه ميزة , فالكتاب الكبير عشرون مجلداً , فإذا قال تقدم , قال الطابع : أنظر جزء كذا صفحة كذا , وإذا قال سيأتي , يقول : انظر صفحة كذا جزء كذا , هذه ميزة الطبعة الثانية , أما الطبعة الأولى فليس فيها مثل هذا , بل الطبعة الأولى الثلاث مجلدات الأولى ليس فيها إحالات , ولا فيها تعليقات , وليس فيها آيات , بينما الطبعة الأخيرة كاملة من كل وجه . المقصود أن هذا الكتاب بحر محيط فيما يتعلق بأحكام القرآن , وممكن أن يؤخذ منه فقه المالكية . يعنى ما ينسبه إلى المذاهب الأخرى قد يقع فيه شيء من الخطأ في النسبة , لا من حيث أن هذا القول لا يوجد في هذا المذهب , لكن قد لا يكون هو المعتمد في المذهب , فعلى طالب العلم أن يعنى به عناية كبيرة . هناك كتب في إعراب القرآن وكتب في علوم القرآن كثيرة جدا , كل فن من الفنون يحتاج إلى حلقة .
اتصال هاتفي : من الأستاذ عبد العزيز العويّد .
قال الأستاذ العويد بعد أن حمد الله وأثنى عليه : الحقيقة أحسن الأخوة الاختيار , وأضافوا على حسن الاختيار اختيارالعالم المتخصص في هذا المجال , فجزى الله الجميع خيرا . أنا لا أستطيع أن أقول أني أقدم شيئا , ولكنها استفسارات وأسئلة علمية أوجهها لفضيلة الشيخ وأطمح منه متفضلا مشكورا أن يضع النقاط على الحروف . المسألة الأولى هي : طريقة طلب العلم الشرعي يا فضيلة الشيخ , ألا ترى أنها تهمش دور الكتاب اليومي في حياة الطالب , باعتماد التعليم في المسجد أو في الكلية المتخصصة في العلم الشرعي على الكتابة أو على المذكرة . أريد من فضيلتكم وقفة حول هذا المنهج وذكر الطريقة الصحيحة.
المسألة الثانية : في المكتبات , المكتبة الإلكترونية , الأقراص الكمبيوترية , يعيش طلاب العلم بين مُعَظِّم لها على حساب الكتاب المقروء ومهمش أيضا لها , وثمة رأي ثالث يرى أنها تفيد الطلبة في تقريب المعلومة وسهولة الحصول عليها مع الحاجة الشديدة للكتاب . نريد القول الصواب في الموقف الصحيح منها لطالب العلم .
المسألة الثالثة : اليوم توجد مكتبات في بيوت طلاب العلم لكن هذه المكتبات مع كونها قيمة يلحظ أنها تموت بموت أصحابها , لإهمال الورثة , أو لعدم حاجتهم إليها وعدم اعتنائهم , أولأنها تمثل مالا زهيدا بالنسبة لمال المورث . ألا يرى فضيلتكم أن أعظم وسيلة لحفظها هو التوعية بإيقاف هذه المكاتب خاصة بعد الوفاة , وخاصة أنها لا تمثل نسبة عالية من مال صاحبها مع ما لا يخفى من ابتغاء الأجر بالعلم الذي ينتفع به والصدقة جارية , والإيقاف من معاني بقاء هذه الكتب محفوظة باقية وتكون مكتبات مستديمة ثابتة . وأشكركم .
الشيخ عبد الكريم : نشكر لفضيلة الدكتور عبد العزيز على هذه الأسئلة والاستفسارات , و أما بالنسبة لطريقة تحصيل العلم الشرعي وإتيان هذا الباب المهم أو الأمر العظيم من بابه والجادة المطروقة عند أهل العلم , هذه بينت مرارا في مناسبات كثيرة , لكن مع الأسف الشديد بعض من يزاول التعليم النظامي يحيل بعض الطلبة على شيء من كتابات المعاصرين أو يكتفي الطلبة بما ينقلوه من كلامه في مذكرات . لاشك أن هذه إماتة , لاشك أن تربية طالب العلم سواء كان في التعليم النظامي أو غير النظامي على كتب المتقدمين وتعويدهم على أساليب المتقدمين , والتعامل مع كتب المتقدمين , وفهم كلام المتقدمين , لاشك أن هذا هو المهم , لأن طالب العلم الذي تخرج على هذه المذكرات لا يستطيع أن يراجع الكتب القديمة , و لو تعين في قرية وليس عنده من يحل الإشكال فيريد أن يراجع مسألة فلا يستطيع أن يفهم , لا يعلم من الفقه لا بالقوة ولا بالفعل , يعني لا يستطيع أن يراجع الكتب وليس في ذهنه حصيلة .
الشيخ العويّد : هذا واضح في التربية العلمية في الكليات الشرعية أن طلبة العلم لا يعرفون الكتب الأولوية في تخصصاتهم , فضلا عن منهجها وطريقتها وأسماء مؤلفيها .
الشيخ عبد الكريم : ولقد عتبنا على بعض المنظمين للدورات العلمية أن قرروا في هذه الدورات كتب معاصرين ووكلوا شرحها إلى أصحابها . نقول يا إخوان كتب المعاصرين كتبت بلغة العصر وبلهجة العصر , يفهمها طالب العلم وهو في بيته , دعوا هؤلاء العلماء - قبل أن تتمنوا وجودهم وحصولهم - يشرحوا ويبينوا لطلابهم كلام المتقدمين الباقي . فيكون طالب العلم ينفرد في قرية أو ينزوي إما قاضي أو معلم أو خطيب أو داعية يستطيع أن يحلل كلام أهل العلم لأنه عود عليها ومرن عليها وبينت له وشرحت له , فالإعتماد على كتب المتقدمين هذا لاشك أنه خلل , يعني إحالة طالب العلم في التعلم سواء كان النظامي أو الحر في المساجد أو البيوت أو غيرها , إحالتهم إلى المذكرات أو ما يكتبه المعاصرون رغم أهميته , نعم يستفيد منها لكن العمدة تكون كتب المتقدمين , وما أجمل ما يقرأ في " فتح القدير" مثلا للطلاب ويشرح , وكيف يستفاد من هذا الكتاب العظيم , يقرأ سبل السلام ويعلق عليه الشيخ بما آتاه الله من علم ويوضح ويحلل ويحرر المسائل ويرجح , فيربط الطلاب بكتب المتقدمين , لأنها هي التي ستبقى عنده . أيضا حصيلة الطالب من هذه المذكرات , آخر عهده بهذه المذكرة الامتحان , ولذلك نعاني من جمع هذه المذكرات عند الأبواب وامتهانها , في الجامعات وغيرها من الجامعات يؤكدون على هذا الجانب , وفي لقاءات مع المسئولين في الجامعات يحذرون أشد التحذير من اعتماد المذكرات , لأنه كيف يتخرج طالب علم متخصص في العلم الشرعي على المذكرات , كيف ينفع الجيل القادم وعمدته المذكرات . المقصود أنه لابد من العناية من كتب المتقدمين وهذه المسألة الأولى.
أما المكتبة الإلكترونية فقد تحدثنا عنها وأفضنا فيها , والقول الوسط هو المعتمد , يعني لا نقول أنها لا يمكن الاستفادة منها , ولا نقول أنه يعتمد عليها , بل يستفاد منها بقدر الإمكان , لكن الكتاب هو الأصل , يبقى أن الوسيلة الوحيدة للتحصيل هي قراءة الكتاب على الشيخ , وهذا لا يستغنى عنه وهذا يأتي التنبيه عليه إن كان الوقت يسعف .
أما ما يتعلق بوقف المكتبات , فإنه يمر علينا أمور من المعاناة من الورثة . فمثلاً شخص توفي رحمه الله في بعض القرى , فما كان من أولاده إلا أن خلعوا باب المكتبة , وبنوه بالطين , وشمعوا عليها بالطين , واعتبروها غير موجودة , ولما تحدثوا مع أحد المختصين , وبينت لهم أهميتها فتحوا الباب فوجدوها قد أكلتها الأرضة . ذُكر لنا قاضي من قضاة الخرج توفي رحمه الله , ذُكر أنه كان لديه مكتبة , فذهبنا إليها لنشتريها ففوجئنا أنهم انتقلوا من البيت الأول إلى بيت ثاني فيلا جديدة , فقال أولاده وقال نساؤه إن هذه الكتب تجمع علينا الحشرات والصراصير ورميناها في الزبالة في الشارع , وقس على هذا كثير , يعني مخطوطات وجدت في الزبالة .
الشيخ العويّد : توفي أحد طلبة العلم رحمه الله وله مكتبة , تقريبا عشرة أمتارطولاً وعشرة أمتارعرضاً , فرحلوا إلى بيت آخر, وأوصوا الناس أن البيت مفتوح ومن يريد أن يأخذ منه يأخذ منها ما يريد .
الشيخ عبد الكريم : أدهى من ذلك أن أحد طلاب العلم المعروفين توفي قبل أربعين سنة , فجمعت مكتبته في دورة مياه لكنها ملغاة- ليست مستعملة- في السطح , فتلفت من الأمطار والسيول , فهذه كلها مآسي . ومعنى ذلك أن الإيقاف هو الوسيلة الوحيدة التي يستفاد منها , وعرفنا أن الجامعات لها عناية بالكتب , ولدي ملاحظة هي أن يتولى هذه المكتبات العامة أناس من هواة الكتب , من أصحاب الكتب , من أهل الكتب , لا يكفي أن يكون متخصص في المكتبات . مع الأسف الشديد أنا حضرت محاضرات في مكتبات مركزية كبيرة بين أمين المكتبة وبين المستعير . أمين المكتبة يقول لا هذه النسخة لا تعار, وهذه النسخة لا بأس خذها , فإذا النسخة المتاحة للإعارة هي الأصلية , والنسخة التي لا تعار هي نسخة دار الكتب العلمية ومكتوب عليها لا تعار . وهناك الشيء الكثير الذي يعتصر القلب , يعني مسألة التخصص أمر لابد منه ويجمع مع هؤلاء أناس الذين هم هواة الكتب


الحلقة الرابعة
والآن نعود إلى استكمال الكتب :
هناك كتب إعراب القرآن : الكعبري والنحاس , والمتأخرون أيضا لهم مساهمات جيدة في هذا الباب وعندي أن كتب إعراب القرآن ينبغي أن يستفاد منها , ويفاد منها في فهم القرآن , وفي إتقان اللغة , وفي إتقان النحو والصرف , فطالب العلم إذا عني بكتب إعراب القرآن استفاد فوائد عظيمة أتقن اللغة من جهة , وفهم القرآن . وخير ما يمرن عليه طلاب العلم في اللغة وهذا إقتراح نوجهه إلى المتخصصين في هذا الباب أن يعربوا القرآن , درس نحو مثلا أو في نهاية الفصل يكلف الطلاب بإعراب الفاتحة مثلا , ثم بعد ذلك يقابل إعرابهم بكتب إعراب القرآن فيصوب ويسدد , ويمكن أن يقوم به أي شخص , بمفرده يقوم بهذا العمل , يعرب الفاتحة ثم يعرض ما كتبه على كتب إعراب القرآن ويستفيد فوائد عظيمة .
هناك كتب علوم القرآن : " مقدمة التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية في غاية الأهمية , وفيها توجيهات وأمور لا توجد في غيرها , و" منظومة الزمزمي " منظومة مختصرة وعليها شروح , و" الإتقان في علوم القرآن " للسيوطي وهو كتاب جامع , و" البرهان " للزركشي كتاب حافل , و" مناهل العرفان " للزرقاني أيضا هذا كتاب مرتب ومنظم رغم أنه ناقص , و" القواعد الحسان في تفسير القرآن " للشيخ عبد الرحمن بن سعدي من خير ما يستفيد منه طالب العلم , المقصود أن الكتب كثيرة , ولسنا بصدد سرد قوائم للكتب أو أسماء الكتب , لأن هذه تكفل بها المختصون في كل فن .
أما العقيدة : لما ظهرت الفرق والطوائف واحتاج الناس إلى تدوين العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة . ألف العلماء المتقدمون كتب العقائد وسموها كتب السنة بالأسانيد وجمعوها من الكتاب والسنة ومن أقوال الصحابة والتابعين التي هي العمدة في هذا الباب , وليس لمتأخر أن يخرج عن هذه المصادر في هذا الباب , فهناك كتب كثيرة منها " السنة " للإمام أحمد أو عبد الله بن الإمام أحمد , وهناك " الإبانة " أيضا , وهناك كتب كثيرة , لكن مما ينبغي أن يعنى به طالب العلم بالنسبة لكتب العقيدة : كتب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أحاط بما قاله السلف في هذا الباب , وجمع ما كتبوه وما ذُكر وما نقل عنهم , وحرره وضبطه وأتقنه في كتب كثيرة كالواسطية والحموية والتدمرية , أيضاً " مجموع الفتاوى " فيه مجموعة بحوث كثيرة جدا في هذا الباب , له أيضا كتب مطولة في هذا الباب , وله " درء تعارض العقل والنقل " الذي ( ما في الوجود له نظير ثان ) كما يقول ابن القيم , وله أيضا " نقض التأسيس "
( وكذلك التأسيس أصبح نقضه أعجوبة للعالم الرباني )
وله أيضا " منهاج السنة " في الرد على المخالفين من الرافضة, وله أيضا " اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم " في التشبه . المقصود أن كتب شيخ الإسلام لا يستغنى عنها طالب علم , ولا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة . كتب ابن القيم أيضا , " الصواعق " و" النونية " وغيرها من كتبه التي خدمت هذا المجال . مؤلفات أئمة الدعوة : الشيخ المجدد الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وعلى رأسها " كتاب التوحيد", و" كشف الشبهات " , " الأصول الثلاثة " , " القواعد الأربعة " , كتب لا يستغني عنها طالب العلم . أيضا كتب تلاميذه من أولاده وأتباعه المدونة في الدرر السنية لا يستغني عنها أيضا طالب العلم. المقصود أن الكتب كثيرة والوقت ضاق جدا .
أما بالنسبة للفقه : فهناك كتب للمتقدمين ألفها الأوائل من أصحاب المذاهب وأتباعها من تلاميذهم , ثم وجد أيضا كتب لهذه المذاهب المتبوعة من قبل المتوسطين , والمتأخرين , ولهم طرق وقواعد في ترتيبها وأولوياتها والمذهب عندهم بالنسبة للمتقدمين والمذهب عند المتأخرين , والمذهب عند المتوسطين , وهذا يحتاج إلى مزيد بسط , لكن لو اقتصرنا على بعض الكتب المختصرة في المذاهب وجدنا مثلا عند الحنابلة كتاب " الزاد " أو " دليل الطالب " أو " عمدة الفقه " .
أما مؤلفوها : " فالزاد " لشرف الدين موسى الجحاوي , و" الدليل " للشيخ مرعي الكرمي الحنبلي , و " العمدة " للموفق , ثم بعد ذلك ألف بعده " المقنع " للطبقة الثانية , و" الكافي " للطبقة الثالثة , ثم " المغني " للمنتهين . على كل حال كتب الفقه تحتاج إلى بسط , وهي مرتبة عند أصحابها على سائر المذاهب , لكن على الطالب المنتهي الذي يحتاج إلى مراجع تهمه تحرر هذه المسائل على طريقة هذه المذاهب . وإن كانت هذه الكتب ليست دساتير لا يحاد عنها , بل هي كتب بشر من خلال ترجيحاتهم . قد يكون فيها الراجح وقد يكون فيها المرجوح فينظر فيها والحَكَم هو الدليل . إذا فالطالب المنتهي إذا اقتنى هذه الكتب المختصرة مع شروحها , اقتنى أيضا " المغني " لابن قدامة . و" المجموع " للنووي و" الاستذكار" لابن عبد البر أو أحد شروح ( الخليل ) على ما فيها من تعقيد لمن لم يألف مختصر خليل وشروحه . أما كتب الحنفيةعندهم كتب من أنفسها " شرح فتح القدير" لابن الهمام . والكتب مشكلتها أنها كثيرة جدا. وأيضا علم شيخ الإسلام في " مجموع الفتوى " من 21 إلى آخر الفتاوى لا يستغني عنها طالب العلم في هذا الباب . وأيضا " المحَلَّى " لابن حزم للمنتهين من طلاب العلم لا يمكن أن يستغنى عنه , لأنه فقه السلف , لولا ما فيه من شدة على الأئمة , فطالب العلم المبتدئ والمتوسط لا ينبغي أن ينظر في هذا الكتاب , لئلا يكتسب من حدة المؤلف , فشدّ على كثير من أهل العلم , وقال في حقهم بعض العبارات التي لا تليق بمقامهم .
السائل : نرجو وصية لطالب العالم !
الشيخ : طالب العلم أولاً وآخراً ينبغي أن يستحضرأثناء الطلب وأثناء الاقتناء وأثناء المطالعة أن يستحضر الإخلاص لله عز وجل , أثناء شراء الكتاب , وأثناء مطالعته , وأثناء الإفادة منه , لأن الهدف من القراءة تحصيل العلم الشرعي , والعلم الشرعي من علوم الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك . فعلى طالب العلم أن يستحضر الإخلاص , والنية شرود وفي خضم هذا الكم الهائل من الكتب ويبحث يمين ويسار وقد يغفل عن هذا , فعليه أن يستحضر هذا فهو الأساس وهو الأصل . على طالب العلم أن يهتم باقتناء الطبعات المصححة والمحققة وسبق أن أشار الشيخ عبدالمحسن إلى شيء من هذا ويسأل عما يشكل عليه من أمر الطبعات , فكم من طبعة مصحفة ومحرفة اعتمد عليها من لا يعرف , وأن يفرق بين المطابع . وأيضاً لا يعتمد الطالب على الكتاب ويهمل حضور الدروس فمن كان علمه من كتابه كان خطأه أكثر من صوابه . الطالب الذي لا يعرف الكتاب إلا في الدرس عند الشيخ قَـلّ أن يفلح , لا بد أن يعنى بالمطالعة قبل الحضور والمراجعة بعد الحضور والمذاكرة مع الزملاء . الشيخ عبدالقادر بن بدران له درس مع مجموعة من الطلاب عند شيخ من الشيوخ يقول : أولاً نحفظ القطعة ثم كل واحد في زاوية من المكان يشرح هذه القطعة قبل الاطلاع على الشرح , ثم بعد ذلك يطالعون الشرح , الصواب يُقر ويشاد به والخطأ يصحح , وبهذا يثبت العلم , يقرءون الحواشي , يذهبون إلى الشيخ يسدد ما عندهم ويزيد ما عندهم . والمطالعة يختلف الطلاب فيها إختلافاً كبيراً , منهم من هو صبور دؤوب يأخذ الكتاب لا يخلطه بغيره حتى ينتهي , ومنهم الملول يخبط هذا ساعة وهذا ساعة . فالصبور الدؤوب ليس عنده مشكلة , فهو يقرأ الكتاب حتى ينتهي بالطريقة التي تُشْرح فيما بعد إن شاء الله .
أما الملول يجب أن يضع جدول بحيث لا يرتبك يضع جدول ثابت , فبعد صلاة الصبح له قراءة في كذا , وبعد انتشار الشمس في كذا , جدول يلزم به نفسه . أيضاً أثناء المطالعة يستحضر الطالب نفسه , ويفرغ نفسه من المشاغل , ويصحب أقلام ملونة يدون بها المسائل , وكثير من المخطوطات والمطبوعات القديمة مكتوب عليها : " قف " " تأمل " للأمور المهمة . بعض شيوخنا له طريقة في كتبه , وُجِدَت بعد موته يضع نقطة حمراء وأحياناً سوداء وأحياناً زرقاء وأحياناً خضراء . الحمراء : لما يريد أن يراجعه فيحفظه , الزرقاء : لما يريد أن يراجعه ويكرر النظر فيه , الخضراء : لما يريد أن ينقله إلى مذكراته . و كل طالب علم لا بد أن يكون لديه مذكرة . المقصود أنه لابد من التمييز بين ما يقرأ , والكلام في ذلك يطول . والله أعلم . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحلقة الخامسة :
السائل : تحدثنا عن مكتبة طالب العلم , و تحدثنا عن بداية التدوين , وعن بعض المكتبات العامة والخاصة التي اشتهرت في العالم الإسلامي في الماضي , وأشرنا أيضاً إلى جزء يسير مما يتعلق ببناء طالب العلم لمكتبته في التفسير وعلوم القرآن . بقي لنا مواضيع عديدة حول بناء مكتبة طالب العلم , أستأذنكم بأن نـبدأ فضيلة الشيخ بالحديث عن السنة النبوية عن الحديث كيف يبني طالب العلم مكتبته في هذا العلم المهم ؟
الشيخ : الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : فعلم السنة بل السنة النبوية من أهم ما ينبغي أن يعنى به طالب العلم لأنها هي المبينة للقرآن , ومفســرة لــه . فلتكن همة طالب العلم مصروفة لحفظ ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم , وفهمه , بمطالعة ما اعتمد عند أهل العلم من شروح وإلا فالشروح لا يمكن الإحاطة بها . فعلى سبيل المثال صحيح الإمام البخاري رحمه الله شروحه بالمئات , فبما يعتني طالب العلم من هذه الشروح , وهل يغني بعضها عن بعض؟ قديماً قيل : لا يخلو كتاب من فائدة , فإذا أمكن لطالب العلم أن يجمع أكبر قدر ممكن من هذه الشروح لتكون مراجع له عند الإعواز والحاجة فهذا هو المطلوب , لكن قد لا يتيسر ذلك لضعف القدرة المادية مثلاً أو ضيق المكان أو غير ذلك من الظروف التي تضطَّـر بعض طلاب العلم على عدم استكمال ما ينبغي استكماله من الشروح فضلاً عن الإحاطة بجميع ما دون في هذا الباب . فلا شك أن هذه الكتب إذا أردنا الاستغناء التام ببعضها عن بعض لم يمكن لنا ذلك , نقول لا يمكن الاستغناءالتام ببعضها عن بعض بدليل انه لا يمكن أن تستغنى بفتح الباري مثلاً بغيره من شروح الصحيح ولا يمكن أن تستغني بعمدة القارئ عن غيره من الشروح وهكذا .
لأن لكل كتاب من هذه الشـــروح لــه مــيزة لا توجد في غيره , لكن إذا أراد الطالب أن يقتصر على شرح واحد , يُنظر له فيــما يحـقـق الهــدف في الجملة , يعني في الغالب دون الإحاطة بجميع ما يحتاجه لحل هذا الكتاب , فمثلاً صحيح البخاري وهو أولى ما يعني به طالب العلم لأنه أصح ما كتب في السنة بل أصح ما دونه البشر وأصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل شُرح شروح كثيرة جداً .
ولا غرابة في أن يشرح بمئات الشروح , وأشرنا في الحلقة السابقة أن تفسير البيضاوي عليه أكثر من مائة وعشرين حاشية , هذا المدون المعروف , منها ما هو كامل ومنها ما هو ناقص ومنها ما هو مختصر ومنها ما هو مطول , هناك حواشي قلمية لا يمكن الإحاطة بها على تفسير البيضاوي , وقل مثل هذا في التفاسير الأخرى , إذا فماذا عن صحيح الإمام البخاري شرح بمئات الشروح والمعدود منها الآن أكثر من مائة سردا هذه المدونة وهناك الشروح المطولة والمختصرة والتامة والناقصة , النفيسة وهناك شروح أيضا فيها غث كثير, المقصود أننا اخترنا أهم هذه الشروح لتكون بين يدي طالب العلم , فمن ذلك أول هذه الشروح شرح الخطابي أبي سليمان حمد بن محمد البستي هذا أقدم الشروح . اسمه " أعلام الحديث " طبع باسم أعلام الحديث لأن أكثر النسخ على هذا , وكانت شهرته عند أهل العلم " أعلام السنن " في مقابل " معالم السنن " في شرح سنن أبي داود له هذا الكتاب مختصر جدا يعني لو طبع بالحرف الذي طبع به فتح الباري لجاء في مجلد واحد , لكن طبع محققا في أربعة مجلدات .
السائل : والمحقق الموجود مخدوم ؟
الشيخ : هو رسالة علمية . هو أيضا طبع محققا تحقيقا أقل من مستوى هذا الذي أشرنا إليه وهو لأحد الأمراء من آل سعود طبع بجامعة أم القرى هذا تحقيق رسالة علمية , هناك طبعة قبل هذه الرسالة في المغرب في مجلدين هذه طبعة نادرة جدا . يمكن الاستفادة من شرح الخطابي , لأن الشراح ينقلون عنه كثيراً وإن كانت زُبَدُه أودعت في الشروح التي جاءت بعده يعني إذا كان الطالب يُعنى بالجمع فمن خير ما يقتنى هذا الكتاب وإن أراد الإكتفاء فيكتفي عنه بغيره من الشروح التي تليه الحلقة السادسة
هناك أيضا شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى واسمه " فتح الباري " , وابن رجب رحمه الله تعالى كعادته يشرح السنة بالسنة ويشرح السنة بأقوال الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة , المقصود أن هذا الشرح فيه نَفَس السلف الصالح , فعمدته كلام السلف وهذه ميزة الحافظ ابن رجب رحمه الله , ويعنى بها عناية فائقة , ويمتاز بها عن غيره في جميع مؤلفاته . والكتاب مطبوع مرتين .على كل حال الكتاب ليس بكامل فيه خروم كثيرة , هو أولاً إلى " كتاب الجنائز" في الجملة . وفي الذي وجد منه خروم كبيرة جداً , يعني بين حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه في كتاب الإيمان في الشبهات إلى الحديث الذي يليه في الطهارة أكثر من مائتي حديث مخروم , وكم في شرح هذه الأحاديث من علم عظيم من علم السلف , فالحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى يعنى بعلم السلف وبأقوال السلف , ويُنَكِّب جانباً عن أقوال المتأخرين واصطلاحاتهم , فمن يطالع هذا الكتاب وطالع أيضاً شرح الأربعين له عرف قدر هذا الرجل , وله رسالة في الباب اسمها فضل علم السلف على الخلف , رسالة نفيسة لا يستغني عنها طالب العلم , رسالة في غاية الجودة . والكتاب مطبوع مرتين إحداهما بتحقيق ثمانية , طبعتها ونشرتها دار الغرباء طبعة جيدة في الجملة فيها مقابلة نسخ وفيها تعليقات , وفيها ترقيم . فهي طبعة جيدة أنا قرأتها كلها والملاحظات عليها يسيرة , والطبعة الثانية للشيخ " طارق عوض الله " وهو من خيار طلاب العلم , كان من المجودين , لكن لا يوجد له أثر في هذا الكتاب إلا النشر, فلو أتحفنا بشيء من علمه في تعليقات على هذا الكتاب يفيد طالب العلم , لأن له عناية بالرواية وله عناية بعلل الحديث , وسبق أن نشر " جامع العلوم والحكم " ومثله نشْره أيضاً " لسبل السلام " , فهو يُعنى بتصحيح الكتاب لكن لمساته في التعليقات التي تفيد طالب العالم ليست على مستوى علمه الذي نعرفه عنه , أنا قابلته شخصياً , عرفته عن قرب , هو من خيار من يتصدى لنشر الكتب في العصر الحديث , على كل حال أنا عنايتي بتحقيق الثمانية لأنها خرجت أولاً فوقعت موقعها, وقرأتها وراجعت طبعة الشيخ طارق وهي جيدة في الجملة . هناك أيضاً شرح الكرماني اسمه " الكواكب الدراري " , وهذا الشرح شرح ماتع نفيس , فيه فوائد كثيرة جداً , وفيه لطائف وطرائف , كثيرمنها يتعلق بتراجم الرواة , فيذكر في ترجمة الراوي أطرف ما يذكر من أخباره , وهذا ينشط القارئ . على أوهام في الكتاب لأنهم يقولون إنه أُخذ علم هذا الكتاب من الكتب , ومعروف أن الذي علمه من كتبه ليس علمه كمن زاحم أهل العلم ,
وهنا أبيات ذكرها بعضهم :
يظن الغمر أن الكتب تُهْـدى أخافهــم لإدراك العـلــــــــوم وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيـــخ ضللت عن الطريق المستقيم وتلتبس الأمور عليك حــتى تكون أضل من تـــوم الحكيم
وقالوا عن " ابن حزم " إنه أخذ علمه من الكتب , ولذا خف عنده الأدب بالنسبة لأهل العلم كما ينبغي وإلا فالرجل من أهل العلم كما هو معروف على ما عنده من خلل في العقيدة , لكن أرسل لسانه في بعض أفاضل هذه الأمة وخيارها , وعلى كل حال هذه من عيوبه . ويقول أهل العلم إن وضعه الاجتماعي بين وزارة وبين تضييق وإهانه وإحراق كتب. على كل حال ابن حزم له وعليه , وليس هذا مجال بسط مثل هذا الكلام . " الكواكب والدراري" هذا من أولى ما يبتدئ به طالب العلم بالقراءة , لأنه يشد الطالب ويحفزه على القراءة , والكتاب ليس بطويل طولا مملاً .
السائل : الكواكب طبع في كم مجلد .
الشيخ : طبع في خمسة وعشرين جزءاً صغار, وأجزاء صغيرة جداً يعني هو إثنى عشر مجلد وحرفه كبير, يعني هو مناسب جداً للقراءة , على أوهام فيه أحياناً تقع منه الأوهام بحيث يكون رد هذه الأوهام في الكتاب المشروح - الرد في الكتاب المشروح - حتى قال الحافظ ابن حجر: ( وهذا جهل بالكتاب الذي يشرحه ) أحياناً منها يفهم فهما وينجع في الفهم ويحمل الخطأ للإمام البخاري , وأحياناً - وهذا نادر- يسيء الأدب مع الإمام البخاري , ولكن هذه نادرة جداً , تعقبه الشراح و كلهم اعتمدوا عليها ممن جاء بعده , لم يستغن عنه , فاعتمدوا عليه وأفادوا منه فائدة كبيرة , وكشف لهم عن كثير من الأمور, بل فتح لهم الطريق لكنهم تعقبوه , بعضهم يتعصب عليه وبعضهم ينصفه, على كل حال الكتاب نادر وماتع على الأوهام التي ذكرناها فيه , فلو قدر أن تنشر هذه الأوهام , وهي عندنا مدونة على الكتاب كله , والردود عليهم من الشروح الأخرى مع الكتاب , لكان الكتاب غاية في النفاسة , لكن طالب العلم المبتدئ يقرأ الكتاب وهو لا يعرف أن هذه أوهام , فتقع منه موقع القلب الفارغ , فعلى كل حال هذا الكتاب نفيس وممتع ويشد القارئ . أيضاً وفق بطبعة جميلة جداً , وحرف جميل , فالكتاب أنصح به ويرجع إليه , والكتاب طبع في المطبعة المصرية , والمطبعة المصرية هذه طبعت مجموعة من الكتب أبدعت في طباعتها , يعني طبعت هذا الكتاب وطبعت تفسير الرازي وطبعت شرح النووي وطبعت مجموعة من الكتب .
الشيخ : لكن لو طبعوا تفسير الطبري وتفسير ابن كثير وفتح الباري لكان وفقوا في ذلك , أيضاً هناك شرح العيني " عمدة القارئ " , و عمدة القارئ كتاب مرتب على الفنون لبدر الدين العيني .
السائل : على الفنون أم على الأحاديث يا شيخ ؟
الشيخ : الأحاديث على ترتيب البخاري , لكن شرح كل حديث يرتبه يبدأ بالمناسبة , ثم الرواة , ثم اللغة , ثم المعاني , ثم البيان , والبديع , والمقصود ترتيبه بديع وهذا في رُبْع الكتاب الأول , أما في الربع الثاني فأقل , والنصف الأخير مختصر جداً , وهذا الكتاب في الجملة نافع , فبسبب ترتيبه لا تتعب في البحث عما تريده مع طول الكتاب , الكتاب مطبوع في تركيا في أحد عشر مجلداً كبار, ثم طبع في المطبعة المنيرية في خمسة وعشرين جزءاً , ثم طبع بعد ذلك في مطبعة الحلبي في عشرين جزءاً , والطبعة المنيرية نفيسة , أما الطبعة التركية فجيدة في الجملة, لكن التعامل معها فيه شيء من الصعوبة لتداخل المباحث , أما الطبعة المنيرية ففصلوا المباحث بعضها عن بعض , فصلوها وحرفه في الغالب جميل وترتيبهم بديع في الطباعة , شرح العيني هذا اعتمد على الشروح المتقدمة , بحيث كانت مقدمته مأخوذة بحروفها من مقدمة النووي على البخاري في حدود عشر أو إحدى عشرة , أو اثنى عشرة صفحة بحروفها من شرح البخاري للنووي . فالنووي شرح قطعة من البخاري فشرح بدء الوحي والإيمان فقط , وهذه القطعة طبعت في المطبعة المنيرية مع مجموعة اسمها شروح البخاري للنووي والقسطلاني وصديق لبدء الوحي والإيمان من صحيح البخاري . هذه المقدمة استلها العيني من شرح النووي , ثم بعد ذلك أخذ يشرح الأحاديث , ويفيض في الشرح وينقل عن الحافظ ابن حجر كثيراً , لكنه لا يسميه بل يبهمه , فيقول قال بعضهم , ثم يتعقبه كثيراً .
السائل : وهو معاصر له يا شيخ ؟
الشيخ : نعم من الأقران . إذا انتهي مجلد من شرح الحافظ ابن حجر, اسْتُعِير بعلم الحافظ ابن حجر للعيني واطَلع عليه . ونقل منه الصفحة والصفحتين , فتصدى للرد عليه , وبينهما ما بين الأقران من المنافسة , وهناك كتاب في الباب اسمه " مبتكرات اللآليء والدرر في المحاكمة بين العيني وابن حجر" للبوصيري وهو شخص معاصر, أيضا ابن حجر له كتاب " انتقاض الاعتراض " يذكر كلامه ثم يذكر كلام العيني وتعقبه عليه , ثم ينقضه , وأجاب كثيرا من الإشكالات التي أوردها العيني والتعقبات , لكنه أبقى أشياء فبيض لها ولم يتيسر له إكمالها , " مبتكرات اللآلئ والدرر" فيه محاكمات كثيرة بين الشيخين بإنصاف , لكن بقيت هناك أشياء ما تطرق لها ابن حجر نفسه ولا البوصيري في " المبتكرات " , بقيت أمور تحتاج إلى محاكمة بين الشيخين , وتحتاج إلى مزيد عناية . وعندنا بعض المدونات في شيء منها . شرح العيني قلنا أنه طبع ثلاث مرات . ثلاث طبعات هي الطبعات التي يمكن يستفاد منها طالب العلم , الطبعة التركية ثم المنيرية ثم الحلبية , أما الطبعات الأخيرة , طبعات المطابع التجارية المتأخرة كما سبق لنا أن أشرنا في الحلقة السابقة , مع مداخلة الدكتور عبد المحسن العسكر, أشرنا إلى أن تولي هذه المطابع الحديثة للكتب الكبيرة التي تحتاج إلى لجان متخصصة لتصحيحها وتصويبها يقع فيها الخطأ الكثير, لذا من كان عنده طبعات قديمة أو مصورة على هذه الطبعات القديمة فليستمسك بها , لا سيما الكتب الكبيرة التي ما جُمع لها نسخ واعتني بها , وقورن بين هذه النسخ . فالكلام السابق ليس على إطلاقه, فقد يتيسر وجود نسخة صحيحة من الكتاب , و يعتمد المتقدمون في المطابع القديمة على نسخ حسب تيسرها لهم . وهم مع ذلك لا يشيرون إلى فروق النسخ , ثم يتيسر للمتأخر أن وقف على نسخة المؤلف , أو نسخة قوبلت على نسخة المؤلف , أو لأحد تلاميذ المؤلف أو ما قرب من عصره , وفيها عناية ومقروءة من قبل أهل العلم , ثم يطبع الكتاب عنها , تكون له ميزة


الحلقة السابعة
شرح الحافظ ابن حجر واسمه " فتح الباري " كما هو معروف , وهو أشهر من نار على علم , عني به العلماء عناية فائقة طبع للمرة الأولى في بولاق سنة ألف وثلاثمائة , ثم بعد ذلك طبعه صديق حسن خان في الهند في ثلاثين جزء , وهي طبعة نفيسة ونادرة إلا أن الاستفادة من قبل أوساط المتعلمين في غاية الصعوبة لعدم تعلمهم وتمرنهم على الخط الفارسي , نعم هو باللغة العربية لكن الخط الفارسي متعب بالنسبة لآحاد المتعلمين , ثم بعد ذلك طبع طبعات كثيرة , فطبع في المطبعة الخيرية وهي طبعة جيدة , ليست مثل بولاق إلا أنها طيبة , يعني ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها إذا لم يتيسر له طبعة بولاق, ثم طبع بالمطبعة البهية , ثم طبع بالمطبعة السلفية وبعناية الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله .
السائل : معنا اتصال هاتفي نأخذ الاتصال لأنه قد يكون تعليق على هذه . معي الشيخ صالح بن مقبل العصيمي . السلام عليكم .
الشيخ صالح : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أقول يا شيخ تحدثت كثيرا عن " فتح الباري " وعن الاشكالية التي حدثت خلال وضع نصوص البخاري في طبعة الفتح غير التي اعتمدها الحافظ ابن حجر, أولاً من المعلوم أن الحافظ ابن حجر لم يدل متون أحاديث البخاري في " الفتح " , فهل هناك إمكانية أن يعاد طبع " الفتح " مع نصوص الإمام البخاري بحيث تكون نصوص موافقة للشرح ؟
الشيخ : أما ما يتعلق بفتح الباري مثل ما ذكرنا طبع الطبعة الأولى في بولاق وهي مجردة من المتن , على ما أراد الحافظ ابن حجر , المتن وضعه الطابع في الحاشية لا علاقة له في الشرح , وهكذا جاءت الطبعة الخيرية بعدها والهندية كلها المتن مفصول فصلاً تاماً عن الشرح , وأيضا البهية كذلك , والحلبية طبع فيها في سبعة عشر جزءا , المتن مفصول عن الشرح . أول من أدخل المتن في الشرح محمد فؤاد عبد الباقي في الطبعة السلفية الأولى , التي عني بها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه في الجزء الأول والثاني وشيء من الثالث أدخلوا المتن في الشرح , الحافظ ابن حجر في المقدمة أشار إلى أنه سوف يدرج المتن في الشرح , ثم عدل عنه في مقدمة المجلدالأول , فرأى أن إدخال المتن في الشرح يطيل الكتاب , والمتن معروف ومتداول ومشهور بأيدي طلاب العلم كلهم , فلا يحتاج إليه , هل يتصور أن الشخص يكتفي بفتح الباري عن صحيح البخاري ولو كان الصحيح في الشرح , إذاً الحافظ ابن حجر وجهة نظره أن المتن لا يدخل في الشرح , وهذا ما استقر عليه رأيه ومع هذا اعتمد الحافظ ابن حجر على رواية أبي ذر, وأشار إلى ما عداها عند الحاجة . والتصرف في الكتاب من قِبَل من أدخل المتن في الشرح على غير مراد المصنف , ولذا لم يوفقوا في اختيار متن يوافق الشرح , فتجد الحافظ يشرح يقول: ( قوله ) وتنظر إلى المتن فلا تجده , لأنه معتمد على رواية معينة . وهذا من شؤم التصرف في كتب العلماء . المؤلف ما أراد أن يدخل المتن . تدخل أنت المتن لماذا ؟! الأمر الثاني : ليتك لما أدخلت المتن تدخل متن يوافق الشرح , وهي رواية أبي ذر. طبع " الفتح " بعد ذلك في المطبعة السلفية الطبعة الأولى , وهي طبعة عني بها الشيخ ابن باز رحمه الله . في المجلد الأول قابلها على نسخ خطية وقف عليها , وجئ بها وأحضرت لديه. فالمجلد الأول والثاني علق على المخالفات العقدية , وعلق على بعض المسائل الحديثية والاصطلاحية , ولكنها قليلة , نبه على جميع المسائل العقدية التي خالف فيها ابن حجر في المجلد الأول والثاني , وأوائل الثالث , ثم انشغل رحمة الله عليه لما تولى رئاسة الجامعة الإسلامية نيابة عن شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم رحم الله الجميع , فقال لمحب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية اضبط على بولاق , لأن من خلال المقابلة وجد أن بولاق ما فيها إشكال فهي طبعة نفيسة . ولنا أمنية في طبعة بولاق - بهذه المناسبة – أن يصنع بها كما صنع في " الصحيح " الطبعة السلطانية فترقم , يوضع أمام كل حديث بداية شرحه , رقمه, وأطرافه , ورقمه في التحفة , والإحالة على الشروح الأخرى , ويصور على ورق الشمواه الجديد , فيصبح أنفس من الأصل , ويتداول بين الناس . وقد كان امتلاك النسخة السلطانية من " فتح الباري " حلم لدى طلاب العلم لماذا ؟ لأنها مطبوعة سنة ألف ثلاثمائة وإحدى عشر , الأمر الثاني أن كلها مكتوب عليها وقف في كل صفحة من الكتاب , ( وقف لله تعالى لا يباع ولا يوهب ولا يورث ) الصفحة الأولى مكتوب عليها ( وقف لله تعالى ) , والتي تليها ( لا يوهب ولا يورث ولا يباع ) وذلك في كل صفحة من الكتاب . هذا الأمر حقيقة خدم الكتاب ونشر الكتاب بين طلاب العلم , الأمنية أن تكون هذه الخدمة أيضا لفتح الباري , لماذا لا يفعل به كما فعل بالصحيح , ترقم أحاديثه ويحال على الأطراف وعلى الشروح الأخرى , ورقم الحديث من تغليق التعليق , وتحفة الأشراف فيكمل العمل ويصور تصويراً جميلاً بالألوان مثل الأصل , فتكن أنفس من الطبعة الأصلية , هذه أمنية فنعود إلى الكلام . فقال الشيخ ابن باز: اطبعوا على طبعة بولاق , وطبعة بولاق فيها أخطاء يسيرة جدا جدا , وقف عليها صديق حسن خان العالم المعروف الهندي , الذي تولى إمارة هناك في بهوبال فأعاد طبعه عنده في الهند في ثلاثين جزءاً , ولم تسلم أيضا الطبعة الهندية وتسمى الأنصارية من الأخطاء . وطبع الكتاب بعد ذلك طبعات كثيرة لا تعد , لأهمية الكتاب وشهرته , وإفادة طلاب العلم منه , لا تسلم من أخطاء , وبعضها أمثل من بعض كما هو معروف .
السائل : لكن يا شيخ لما طبعها كما ذكرت الشيخ : محب الدين الخطيب رحمه الله أدخل أيضا المتن خلاف لرواية أبي ذر ؟
الشيخ : أدخل المتن ملفقاً ليس على رواية معينة , يعني ملفق من روايات , وهذا خلاف ما يوصي به أهل الحديث , ينبغي أن يكون كتابك على رواية واحدة .
السائل : والآن لا يوجد كتاب على رواية أبي ذر بالنسبة لفتح الباري .
الشيخ : ليس هناك رواية لأبي ذر لفتح الباري , رواية أبا ذر لمتن الصحيح .
السائل : أقصد ما أحد أدخل الآن رواية أبي ذر في شرح فتح الباري مطبوعا أبدا .
الشيخ : الشيخ عبد القادر شيبة الحمد وقف على نسخة في مكتبة الحرم المدني , كُتب عليها رواية أبي ذر , ويأتي مثلها كثير من المغرب فلهم عناية بهذه الرواية , لكن يوجد بينها وبين ما اعتمده الحافظ شيء من الاختلاف , فالشيخ وفقه الله لمس الحاجة الماسة لرواية أبي ذر, فوقف على هذه النسخة وكانت مخرومة مجلد فأكملها من الأزهر. وعلى كل حال يُشكر على هذا الاهتمام , لكن يبدو أن الذين طبعوا الكتاب ما اختاروا الطبعة المناسبة من طبعات الشرح , نعم فهذه الرواية التي كتب عليها رواية أبي ذر فيها اختلاف - وإن كان يسير- بين ما اعتمده الحافظ ابن حجر وبينها . لكن الذين طبعوا الكتاب ما اختاروا الطبعة الأمثل لمّا أرادوا أن يدخلوا المتن في الشرح . و ليت الشيخ أفرد المتن الذي وقف عليه ونشره كما هو, وعني بشرح القسطلاني وذكر فروق الروايات , والطبعات القديمة للصحيح , طبعة بولاق الأولى والثانية , الأولى السلطانية والتي تليها , وإلا فالصحيح طبع قبل ذلك في بولاق طبعات لكنها خالية من ذكر الروايات . ثم ما دام الكلام في البخاري فالطبعة السلطانية التي طبعها السلطان عُني بها بضعة عشر من أهل العلم , فهي طبعة صحيحة ومتقنة , فيها ما يقرب من مائة خطأ تلافاه أصحاب مطبعة بولاق في الطبعة الثانية سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر وأربعة عشر, فصححوا هذه الأخطاء , فطلعت الطبعة الثانية أصح من الأولى , لكن الذي صور الكتاب واعتنى به صحح الأخطاء , فخرج في مجلدات كبيرة من " دار المنهاج " .
السائل : لكن هم طبقوا ما ذكرت أنت قبل قليل من الأمنية ؟
الشيخ : نعم وهذه الأمنية منذ أكثر من خمسة عشر سنة وأنا أعرض الكتاب على المطابع ليخدموه هذه الخدمة , وكلهم يرحب بالفكرة و يرى أهمية هذا العمل , ومع ذلك ما رأينا شيء , لما خرج هذا الكتاب جيء لي بنماذج من مطابع , وأنهم بدءوا يشتغلون , ويرقمون وكذا , وعلى كل حال الجهود موفقة , وما زال الناس لهم عناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم . بعد طبعة بولاق أخذ عنها الطبعة الميمنية , ثم بعدها الطبعة الخيرية , وكلها بفروق النسخ مأخوذة من بولاق , ثم الحلبية , والحلبية هذه صورت , وصور معها مقال للشيخ أحمد شاكر, عن الصحيح وعناية اليونيني به ورواية الصحيح , صور هذا المقال للشيخ أحمد شاكر وألصق بما صور عن الطبعة الحلبية واشتهر بين طلاب العلم , مع الأسف الشديد أن هذه طبعة الشيخ أحمد شاكر, والشيخ أحمد شاكر لا عناية له بالصحيح أعني عناية ظاهرة منشورة , يعني ما نَشر شيء عن الصحيح إلا هذا المقال , استُل هذا المقال فوضع مع ما صور عن الطبعة الحلبية فروج باسم طبعة الشيخ أحمد شاكر هذا ترويج , وإلا فالشيخ أحمد شاكر لا عناية له بهذه الطبعة على أقل الأحوال التي ذكر اسمه عليها , هذا مجرد ترويج تجاري , ومع الأسف أنه انطلى على كثير من طلاب العلم , بل على بعض أهل العلم , أهل العناية بالكتب , يقول : هذه طبعة الشيخ أحمد شاكر, لكن الشيخ أحمد شاكر ليس له طبعة للصحيح . نعم الشيخ أحمد شاكر له مقال عن الصحيح , ذكر فيه عناية اليونيني بالصحيح , وذكر بعض الروايات استل هذا المقال , وصورالطبعة الحلبية فجُعل مقدمة لها وقيل هذه طبعة الشيخ أحمد شاكر. طبع البخاري مرارا عشرات المرات لأهميته , لكن ينبغي أن يعنى طالب العلم بهذه الطبعة التي أشرنا إليها , وهي الطبعة السلطانية التي أُكملت بهذه الخدمة .
يتبع بإذن الله تعالى ,,,
الحلقة الثامنة
هناك أيضا من الشروح شرح القسطلاني واسمه " إرشاد الساري " , " إرشاد الساري " هذا يمكن أن يكون ملخص أمين من " فتح الباري " و" عمدة القارئ " مع إفادته من الشروح الأخرى , هذا الكتاب لا يغني عنه غيره لمن أراد ضبط الصحيح , ضبط رواة الصحيح , ضبط صيغ الأداء , ضبط المتون , يعني ضبطُ بالحرف , فيشير إلى اختلاف جميع الروايات , ولو لم يترتب عليها فائدة . فيشير إليه " القسطلاني " , وهذه عناية فائقة بالكتاب . وإذا نظرنا إلى معاناته عن البحث عن النسخة الأصلية اليونينية , بحث عنها مدة طويلة فلم يقف عليها , وقف على الفرع فرع اليونينية وقف عليها , ثم بعد ذلك قابل كتابه أكثر من خمسة عشر أو ستة عشر مرة , قابل نسخته على الفروع وعني بها , ثم بعد ذلك وقف على المجلد الثاني من الأصل من اليونينية , وجده يباع أي النصف الثاني فاشتراه , وقابل عليه الفرع , فوجده مطابق لا يختلف بشيء , ثم وجد المجلد الأول بعد مدة طويلة فقابل كذلك , ولذلك يقول ( كذا في فرع اليونينية كهي ) , ما يقول كذا في اليونينية فرعها , لأنه قابل كتابه على الفرع , ثم وجد الأصل كهي : أي كالأصل . أقول الكتاب له أهمية كبرى لطالب العلم , فهو يعني بالروايات , و من باب الإنصاف وقفنا على فروق عند الحافظ ابن رجب لا توجد عند اليونيني ولا عند القسطلاني فروق في الروايات , يدل على طول باع ابن رجب في هذا الباب , وعنايته بالصحيح أيضا . عرفنا أن عناية القسطلاني بالصحيح , فهو بالحرف يبين فروق الروايات , وقبله اليونيني , وهو اعتمد على اليونيني . واليونيني قبل ابن رجب , ومع ذلك ابن رجب وقف على فروق لا توجد لليونيني و لا عند القسطلاني , وإرشاد الساري هذا مطبوع مراراً , يعني إذا عرفنا أن بولاق ما طبعت " عمدة القارئ " , ولا طبعت الكرماني , وطبعت " فتح الباري " مرة واحدة , و طبعت القسطلاني الأولى والثاني الحجم الكبير جداً , والثالثة والرابعة حجم متوسط بدون حواشي بدون هوامش , الخامسة والسادسة والسابعة وعلى هامش القسطلاني شرح النووي على مسلم , يعني كم طبع في بولاق ؟ سبع مرات , طبعته المطبعة الميمنية مرتين , و طبع في الهند وطبع في غيرها من أقطار الدنيا , أعني القسطلاني , لماذا ؟ لأهميته , على أن هذه الشروح لا تسلم من المخالفات العقدية , فجلّ الشراح على عقيدة الأشعري رحمه الله . وهذه من أهم الشروح بلا شك , وهناك شروح متأخرة كثيرة جداً , فهناك " فيض الباري " لأنور الكشميري , وهناك " لامع الدراري ", وهناك " كوثرالمعاني" وهناك شروح لا تعد و لا تحصى , للمتقدمين والمتأخرين , فلا تحصي شروح البخاري .
السائل : نأخذ مسلم يا شيخ .
الشيخ : " صحيح مسلم " لمسلم بن الحجاج , هو ثاني كتب السنة , عند جمهور أهل العلم , وإن قدمه المغاربة مع أبي علي النيسابوري على صحيح البخاري , عني به المغاربة عناية كبيرة , عنوا به أكثر من صحيح البخاري .
يقول الحافظ العراقي :
أول من صنف في الصحيح محمد وخص بالترجيح ومسلم بعد وبعض الغرب مع أبي علي فضلوا ذا لونفع
وعلي النيسابوري يقول : ما تحت أديم السماء كتاب في العلم أصح من كتاب مسلم , على أنه ينازع في كون كلمة " أصح " تنفي المساواة , وهذه مسألة طويلة الذيول مبحوثة في كتب علوم الحديث . أقول صحيح مسلم عني به أهل العلم , وشروحه شروح كثيرة جدا لكنها كلها لا تسلم من إعواز, قد يحتاج طلاب العلم إلى ما يحل بعض الإشكالات مع توافر الشروح ! أول هذه الشروح " المُعْلِم " لأبي عبد الله المازري , كتاب لطيف في ثلاثة أجزاء , وهو بداية باكورة.
السائل : شرح كامل لمسلم ؟
الشيخ : مر على مسلم كله في الجملة , يعني يفوته أشياء كثيرة جداَ لم ينبه عليها , لكن الكتاب مختوم بآخر مسلم . هذا الكتاب باكورة ينبغي أن يُعني به طالب العلم من هذا الباب , لأن القاضي عياض جاء فأكمله في كتاب " إكمال المعلم " , ألف كتابه " إكمال المعلم " وهوكتاب نفيس , اعتمد عليه كثير ممن جاء بعده , وفيه شيئ من البسط . ثم " إكمال إكمال المعلم " للأُبِّي , وهذا الكتاب أيضاً فيه فوائد وطرائف , كثير مما يحتاجه طالب العلم مما يتعلق بالكتاب , وهناك أيضا , " مُكَمِّل إكمال الإكمال " للسنوسي , وهذه الشروح سلسلة , لا يغني بعضها عن بعض .
السائل : طبعت مجموعة يا شيخ ؟
الشيخ : هي ما طبعت مجموعة , طبع بعدها كلها " المعلم " فقد طبع متاخراً ,
و" إكمال المعلم " أيضا طبع أخيراً , وطبع قبله " إكمال إكمال المعلم " للأُبّي , ومعه بنفس الطبعة " مكمل إكمال الإكمال " للسنوسي , فتصور طبع " إكمال إكمال المعلم " و" المُكَمِّل" قبل " المعلم " و" إكماله " , على كل حال طالب العلم ينبغي أن يعنى بهذه الكتب الأربعة , وإذا انضم إليها شرح النووي على مسلم , وهذا لا يستغني عنه طالب العلم على إختصاره , كتاب مبارك , فيه فوائد وقواعد , وضوابط وتحريرات , وتحقيقات , لا يستغنى عنها طالب العلم , وهذا الشرح - أعني شروح النووي – كامل .
وقد طبع شرح النووي مرارا , طبع بالهند سنة ألف ومائتين وسبعين , وست وسبعين , وطبع خمس أو ست مرات بالهند , إلى سنة سبعين بعد الثلاثمائة وهو يطبع في الهند في مجلدين , طبعته المطبعة الكستلية في خمسة مجلدات , وهي التي يعتمد عليها أوائل المحققين كالشيخ أحمد شاكر وغيره . ثم طبع بالمطبعة البهية المصرية في ثمانية عشر جزءاً في طباعة فاخرة , وهي صحيحة بالجملة , وهي لا تسلم من بعض الأخطاء كأي عمل بشري , لكنها طبعة جيدة , " شَرْحُ النووي " يمر فيه كلمات تدور كثيرا , يسأل عنها طلاب العلم , منها : قوله : ( قال صاحب المطالع ) , ( قال صاحب التحرير) , فهو ينقل بكثرة عن هذين الكتابين , فيعني " مطالع الأنوار" لابن قرقول , وصاحب التحرير" التحرير لشرح صحيح مسلم " لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل الأصفهاني . والنووي ينقل عنهما بكثرة فيقول : حكى صاحب المطالع , وقال صاحب التحرير, وقال القاضي , فالنووي اعتمد على ما تقدمه , لكن النووي له نفس في الكتاب وتحريرات وتحقيقات , لا يستغني عنها طالب علم . هناك أيضاً " المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم " للقرطبي , " المفهم " للقرطبي , و" تلخيص مسلم " له أيضا , اختصر فيه صحيح مسلم , والمقصود بالقرطبي : أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي شيخ أبي عبدالله صاحب التفسير, و من الطرائف أن شخصاً جاء لي بقول نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية , فقلت له المصدر؟ قال : تفسير القرطبي , فقلت كيف ؟ قال : يقول ( قال شيخنا أبو العباس ) وهذه العبارة يكررها ابن القيم كثيرا يقول ( قال شيخنا أبو العباس ) و( سألت شيحنا أبا العباس ) و ( رحم الله شيخنا أبو العباس ) وهكذا , فجاء بهذا القول ونسبه إلى شيخ الإسلام , لأن القرطبي قال (قال شيخنا أبو العباس ) , مع العلم بأن القرطبي التلميذ المفسر قبل شيخ الإسلام ابن تيمية , فالقرطبي المفسر يعني بقوله ( قال شيخنا أبو العباس ) : أحمد بن عمر صاحب " المفهم " . " المفهم " لأبي العباس القرطبي , كتاب من نوادر الكتب ففيه فوائد غزيرة جدا في سائر العلوم , فيه قواعد وضوابط حديثية , وفقهية , وأصولية , لا يستغنى عنها طالب علم , طبع " المفهم " أخيراً أكثر من طبعة , وهو محقق في رسائل علمية لعلها أن تنشر, وإن كان نشرها فيه شيء من الصعوبة , لأن الرسائل سبع أو ثمان رسائل وكل رسالة ثلاث مجلدات أو أربعة فيطول بذلك الكتاب .
السائل : عندكم في الجامعة كامل ؟
الشيخ : نعم هو عندنا في قسم السنة وعلومها كامل , والكتاب كما ذكرنا كتاب نفيس .
الحلقة التاسعة
هناك أيضاً " فتح الملهم بشرح صحيح مسلم " لشبير أحمد العثماني , هذا هندي متأخر من علماء الهند لكنه لم يكمله وأطال فيه النفس , وفيه فوائد و طرائف , و استطرادات , وأشياء مفيدة , تفيد طالب العلم لا سيما بالنسبة لصحيح مسلم , هذه الشروح كلها لو صيغت في شرح واحد لم تعادل فتح الباري كلها ولذا لو انبرى بارع للتنكيت على شرح النووي, يعني على صحيح مسلم وشرح للنووي , ويُذكر في مؤلفات الحافظ ابن حجر أن له نكت على شرح النووي , والنكت توضح الإشكالات وتذكر ما أغفله صاحب الكتاب , وتناقشه , فهي قريب من الحواشي , إلا أن الحواشي تعرض لكل شيء , بينما النكت تعنى بالمهمات . " فتح الملهم " هذا طبعت مقدمته وثلاث مجلدات كبار , ثم أكمل في ستة مجلدات أخرى . أقول : لا يزال الإعواز في صحيح مسلم قائم , فلو اعتنى طالب علم متمكن لشرح صحيح مسلم من كل وجه , نظير شروح البخاري , أو أقل الأحوال بالتنكيت على أحد هذه الشروح , وذكر ما أهمل أحياناً في صحيح مسلم . يرد إشكالات كثيرة , مثل ( قال أبو أحمد ) , وذلك في متن صحيح مسلم , فتبحث عن أبي أحمد هذا , وكثير من طلاب العلم لا يصل إليه , لأنه لا يشير إليها الشراح ( أبو أحمد ) هذا هو الجلودي راوي الصحيح , ففي الصحيح ( قال أبو أحمد ) , ثم بعد ذلك يسوق الخبر أو بعض الإسناد من غير طريق مسلم لأن في الصحيح مباشرة ( قال أبو أحمد ) فتذهب إلى رجال الكتب الستة فما تجده , فمثل هذه الأمور وغيرها مما اشتمل عليها الصحيح من تنبيهات ولطائف وعلل , يشير إليها الإمام مسلم , وفوائد اصطلاحية في باق سياق المتون والأسانيد , شيء ما يخطر على البال , فلو اعتنى به بارع وتصدى له , وتفرغ له , فسوف يطلع عمل جليل , وعندنا بعض المقيدات في هذا الباب , لكن نسأل الله جل وعلا أن يعين على الإتمام. سنن أبي داود ثالث الكتب عند الأكثر, وأبو داود هو سليمان بن الأشعث السجستاني , وسننه عني بها أهل العلم , حتى قالوا : إنه يكفي المجتهد في أحاديث الأحكام , نعم هو يكاد يكون فيه أحاديث الأحكام , وفيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث في أحاديث الأحكام , وهي أصح ماوقف عليها أبو داود , وإن ذكر في رسالته إلى أهل مكة أنه ذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه , وما فيه من ضعف أو وهن شديد بينه , على كل حال الكتاب لا يستغني عنه طالب علم . قلنا إن العناية ينبغي أن تكون بالصحيحين ثم بالسنن , " الدهلوي " له نظر آخر , يقول ينبغي أن يبدأ طالب العلم بسنن أبي داود والترمذي لأن فائدته منهما أقرب من الفائدة في الصحيحين , يعني صحيح البخاري مستواه رفيع , فليس فائدته قريبة مثل سنن أبي داود وسنن الترمذي , وإن كان في الترمذي إشارات وأشياء تحتاج إلى عناية , الدهلوي يقول ينبغي أن يعنى طالب العلم في البداية بسنن أبي داود والترمذي , ثم بالبخاري ومسلم , ثم بالنسائي وابن ماجه , على هذا الترتيب وإن كانت الأولويات عند أهل العلم بالبخاري , ثم مسلم , ثم أبي داود , ثم الترمذي , ثم النسائي , ثم ابن ماجه .
أقول : سنن أبي داوود بهذه المثابة وهو ثالث الكتب عند الأكثر , عني به أهل العلم , من أول من شرحه أبو سليمان الخطابي في كتاب أسماه " معالم السنن " وهذا الكتاب على أنه مختصر إلا أنه شرح مبارك , فيه فوائد وطرائف ولطائف وأشياء يحتاجها طالب العلم ولا يستغني عنها من يعني بسنن أبي داود .
السائل : هو نفس شارح البخاري ؟
الشيخ : نعم هو نفسه .
السائل : هناك " أعلام سنن " وهنا " معالم سنن " ؟
الشيخ : نعم , لكنه - كما ذكرنا هناك - أنه طبع تبعا لأكثرالنسخ باسم " أعلام الحديث ". " معالم السنن " لأبي سليمان الخطابي طبع في حلب , الطبعة الأولى في أربعة أجزاء , ثم طبع بعناية الشيخ أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي في ثمان أجزاء , مع المختصر للمنذري ومع التهذيب لابن القيم , فالمعالم على اختصاره كتاب ينبغي أن يعنى به طالب العلم . هناك أيضاً شرح لابن رسلان أحمد ابن الحسين الشافعي , شرح حافل مشحون بالفوائد لا سيما ما يتعلق بالفقه وأصوله وقواعده , فنسأل الله جل وعلا أن ييسر نشره , لأنه محقق وجاهز للنشر في رسائل علمية , أما النشر العام فلم يتيسر إلى الآن , شرح العيني شرح جيد إلا أنه ناقص .
السائل : العيني شارح البخاري ؟
الشيخ : نعم بدر الدين العيني شارح البخاري , لكنه ناقص , وطبع ما وجد منه في خمسة مجلدات أو ستة . ومن هذه الشروح بل من أهمها " عون المعبود " لشمس الحق العظيم أبادي شرح متوسط مطبوع في أربعة مجلدات كبيرة في الهند , هذه الطبعة جميلة نفيسة , إلا أنها مثل ما ذكرنا عن الطبعة الهندية لفتح الباري , أن الذي لم يتعود على الحروف الفارسية تصعب عليه قراءة هذه الطبعة , طبع بعد ذلك في المطبعة السلفية بالمدينة عن الطبعة الهندية , وطابعه لم يعرف أن يقرأ تلك الحروف الفارسية , فتصحف عليه كثير, إلا أن طبعته " لعون المعبود " أمثل من طبعته " لتحفة الأحوذي " مثلاً , والشخص هو نفسه , وطبعته " لتحفة الأحوذي " أمثل من طبعته " للموضوعات " لابن الجوزي , وطبعته " للموضوعات " أمثل بكثير من طبعته " لفتح المغيث " للسخاوي .
السائل : كلها نقلها عن الطبعة الهندية ؟
الشيخ : نعم فعون المعبود طبع بالهند وأخذ عنها , وتحفة الأحوذي أيضاً طبع بالهند وأخذ عنها , وفتح المغيث للسخاوي طبع بالهند وأخذ عنها , وهذا الرجل لا علاقة له بالعلم الشرعي , لكنه نشر بعض الكتب بمشورة من صاحب المكتبة السلفية , " عون المعبود " هذا كتاب متوسط , ونَفَس المؤلف حديثي , لا ينحاز إلى أي مذهب من المذاهب . ولذا وفق في كثير من مباحثه يُعنى بتخريجات المنذري , و تصويبات ابن القيم وتعليله للأحاديث , ونقل عن فتح الباري وغيره من الشروح , شرحه وسط يعني يفيد منه طالب العلم , ولا يضجره بطوله . " بــــذل المجهـود " للسهارنفوري , كتاب مطبوع أيضاً في عشرين جزءاً , لكنه يختلف عن عون المعبود , عون المعبود يشرح الحديث بنَفَس أهل الحديث لا ينحاز إلى مذهب , لكن هذا صاحب بذل المجهود ينحاز إلى مذهب أبي حنيفة , لا شك أنه وجّه بعض الأحاديث أو كثير من الأحاديث لخدمة المذهب , والكتاب لا يخلو من فائدة , فيه فوائد كثيرة جدا ولا يمكن بالنسبة لسنن أبي داود أن يستغني عنه طالب علم لطوله وكثرة مباحثه . هناك كتاب " المنهل العذب المورود " للشيخ محمود خطاب السبكي , " المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود " هذا الكتاب أنجز منه مؤلفه عشرة أجزاء , وطريقته ترتيب مواد الشرح على الفنون , كما فعل العيني في " عمدة القارئ " فهو شرح مرتب , فيه طول , إلا انه لم يكمل , وشرح منه عشرة اجزاء , وشرع ابنه أمين بن محمود خطاب السبكي في إكماله , وخرج للابن أيضا ستة أجزاء , ويقال إنه أكمله أو قرب من إكماله .
الحلقة العاشرة
السائل : استأذنا الشيخ ...معنا اتصال هاتفي من فضيلة الشيخ عبدالله البراك .
الدكتور عبدالله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , أهلاً بكم يا شيخ .
الدكتور عبدالله البراك : يسمح لي الدكتور عبدالكريم بتنبيه أود أثناء إستعراضكم لهذه الشروح أن يعلق فضيلتكم عليه , وهو كما لا يخفى عليكم أن الحفاظ على التراث وحراسته من العبث والتلاعب أمر واجب ولازم , فما أسهل أن يقول بعض الناشرين قام بتحقيقه لجنة من العلماء بإشراف الناشر, وهناك من يستل فصل وينشره باسم المؤلف , ويكون هذا الفصل وهذا الكتاب لأحد الكبار, وكما سماهم فضيلة الشيخ بكر حفظه الله تنتيف الكتب , وهناك من يعبث باسم الاختصار أو الانتقاء , ويدعي تنقية الكتاب كما يقول من الأحاديث الضعيفة فالأساليب تعددت والعبث واحد , أرجو من فضيلة الشيخ وهو شيخنا في مثل هذه الأمور والمسائل , جزاه الله خيراً توجيه من فضيلته لطلاب العلم حول هؤلاء العابثين , وما رأى الشيخ لو جعلت لجنة لحفظ التراث من العبث ونقد العابثين تصريحاً لا تلويحاً , أود أن يعلق الشيخ على هذه المسألة .
الشيخ : كلام الشيخ عبدالله واضح ومفصل , وفي مكانه أيضاً , وشكراً للشيخ عبدالله على ما أبداه من ملاحظة ينبغي العناية بها . أما بالنسبة للعبث بالتراث فحدث ولا حرج , بعضهم يكتب ضبط وتحقيق وهو في الحقيقة مسخ وتحريف , والأمثلة كثيرة على هذا , وبعضهم يتصدى للتحقيق وهو لا يعرف من العلم الشرعي شيئاً , يعلق على حديث ابن عمر في طلاقه لزوجته " مُرْه فليراجعها حتى تحيض ثم تطهرثم تحيض .... " إلى آخر الحديث , فيقول : ( هكذا كان الحكم لما كانت العدة قبل الطلاق ) هذه هلوسة , وبعضهم كتب ( تحقيق وتعليق ) فتصفحت الكتاب فلم أجد فيه ولا كلمة تعليق , إلا ترقيم لبعض الآيات , وجاء في الأخير في جدول الخطأ والصواب , فكتب : الخطأ ( تحقيق وتعليق ) الصواب ( تحقيق وشرح ) , هذا عبث ويضحك على الناس , فمثل هذا ينبغي أن توجد لجنة تؤدب أمثال هؤلاء , وتحذر من صنيع هؤلاء , وتوقف هؤلاء عند حدهم . العبث بالتراث من جهه أخرى , وهي الاختصار , يعني السَّطو على كتب أهل العلم بالإختصار مما لا يحسن , يعني نوصي بعض الطلاب باختصار الكتب لماذا ؟ لأن الاختصار وسيلة من وسائل التحصيل , ونوصيه بذلك للإنتفاع , لا للنشر , فمثلاً طال عليك فتح الباري , وصعبت عليك معلوماته , وتشتت في ذهنك , فبإمكانك أن تختصر, لكن لا تخرج إلى الناس بمختصر فتح الباري , كما خرج في بعض المختصرات التي أساءت إلى الكتاب , فحذفت أهم مهماته , والجوانب المشرقة فيه , واقتصر على ما يريده من الكلام الغث , وأدخل فيه ما ليس منه , وغيره , والمقصود أن العبث بالتراث على أشده , ولا يوجد جهه تحد من هذا العبث إلا أن يتصدى أهل العلم للتحذير من هؤلاء في دروسهم العامة والخاصة .
السائل : بالتصريح كما قال الدكتور عبدالله يقول : إن المفروض أن نتجاوز مسألة التلميح إلى التصريح .
الشيخ : ليس فيه ما يمنع أبداً , لأنه إذا عُرف فلان بهذا يصرح باسمه , ورأينا من كتب في الصحف في الأيام الأخيرة من انتحل كتاباً هو لغيره موجود . المقصود أن مسألة الاختصار قد يكون الكتاب فيه حشو كثير ويتولاه طالب علم متمكن , ليقرب الفائدة من هذا الكتاب , والاختصار مسلك ونوع من أنواع التصنيف بشرطه , وليس معنى هذا أنه فقط ليقال أن فلان له اسم يدور بالمكتبات , وهذا مكثر من التصنيف , هذا عبث , وهذه حقيقة مرة إذا كان هذا هو الهدف , لكن إذا رأى أن هذا الكتاب الكبير فيه فوائد عظيمة لا يمكن أن يستغنى عنها , إلا أنه يحول دون الاستفادة منها طول الكتاب فلا مانع , الحافظ ابن حجر اختصر كثيراً من الكتب , ونفع الله بمختصراته , وإن كان بعض الناس يلمزه بهذا , وأنه طمس معالم الكتب ونسبها إلى نفسه , والحافظ له حساد , ولا شك أن شهرة الحافظ ابن حجر غطت على الأصول , يعني كتابه " التلخيص الحبير " لا يكاد يذكر عند أصله " البدر المنير" , في الفائدة , و مع ذلك تأخر طبع الأصل لانتشار الفرع , وشهرة الحافظ ابن حجر, وقل مثل هذا في بقية مختصراته , لكن لا يمنع أن ينبري عالم مدرك , يميز بين ما يحتاجه طلاب العلم وما لم يحتاجونه , بين الغث والسمين , ويهذب بعض الكتب , لكن هذا ليس على إطلاقه , ينبغي مثل ما تفضل الدكتور أن تشكل لجنة لحفظ التراث من العبث , وبداية قبل تشكيل هذه اللجنة على أهل العلم أن ينبهوا , ولا تكاد تمر مناسبة في دروسنا إذا رأينا كتاباً في يد طالب من الطلاب , نلاحظ على طبعته بعض الأشياء ننبه عليها في وقتها في الدروس في المسجد , وبعض الكتب أعرفها من مجرد حجمها , أو لونها , وأنبه على ما فيها من خلل , فالتنبيه أمر في غاية الأهمية , لا سيما أن المطابع الآن تزف إلى الناس بالمئات , بل بآلاف الكتب , هذا بلا شك أنه يحير طلاب العلم , فلا بد من ترشيد هذا الأمر وصيانته , مسألة الاستدلال وهوالأخذ من الكتب , مثل كتاب راج في الأسواق , وهو كتاب " بداية الخلق " وما فيه أي مظهر من مظاهر التحقيق بل فيه تحريف , " بداية الخلق " هذا مأخوذ من " البداية والنهاية " من أول البداية والنهاية لابن كثير, ونشره باسم : بداية الخلق لابن كثير عناية فلان , وهو من البداية والنهاية , ومثله " قصص الأنبياء " للحافظ ابن كثير من البداية والنهاية , و" السيرة النبوية " لابن كثير من البداية ولانهاية , وهكذا , أمّا إن كانت هناك مزيد عناية للمستل , بإن كان هذا الشخص الذي استل هذه المادة المتكاملة من هذا الكتاب , إذا كان هذا من أجل خدمة وشدة حاجة الناس لهذا المستل من بين هذه الموسوعة الكبيرة , فهذا هدف صحيح , والأمور بمقاصدها , ومثال آخر على العبث بالكتب باسم التحقيق : قول بعض المحققين ( لم أقف على هذه الآية الكريمة في المصحف الشريف ) يقول هذا تعليقاً على حديث قدسي , " قال الله تعالى كذا ...." فهل هذا محقق ؟! هؤلاء هم السراق , فإذا كان بعض الرواة يطعن بأنه يسرق الحديث , فهذا أيضاً يسرق , هذا ينتحل , هذا يتقمص .
نعود إلى شروح سنن أبي داود " المنهل العذب المورود " قلنا إنه للشيخ محمود خطاب السبكي , الذي أبدع في ترتيبه , وجمع المادة العلمية من المصادر التي يعتمد عليها في الباب , ولم يكمله , فقام ابنه بإكماله , و صدر من الأصل عشرة أجزاء , ومن التكملة سته أجزاء , وفي طريقه أيضاً إلى تتميمه . هناك كتاب ليس بشرح في الحقيقة لكنه لا يستغني عنه من يعاني سنن أبي داود , ويعنى بسنن أبي داود , وهو " تهذيب السنن " لابن القيم , وكلامه منصب على بيان علل الأحاديث , وبنَفَس الأئمة الكبار المتقدمين , إذا عرض لحديث بين جميع ما قيل فيه , وما فيه من علل , وكثير منها من استنباطاته وإدراكه للعلل والخلل , فهو إمام في هذا الباب . يتكلم عن علل حديث واحد في عشرين أو ثلاثين صفحة , يسيل واديه هناك كما يقال ( حتى يملأ الخوابي ويبلغ الروابي ) رحمة الله عليه , هناك حواشي على السنن مثل حاشية السيوطي " مرقاة الصعود " , هناك شخص مغربي اسمه البجمعوي اختصر بعض كتب السيوطي , فالسيوطي له شروح مختصرة جداً على الكتب الستة , فقام هذا المغربي فاختصرهذه الشروح , " فالتوشيح على الجامع الصحيح " للسيوطي في مجلد على " صحيح البخاري " شرح مختصر جداً , جاء هذا المغربي فقال " روح التوشيح " فاختصر هذا المختصر, أيضا للسيوطي " الديباج " في جزء صغيرعلى " صحيح مسلم" , جاء البجمعوي هذا فاختصره في " وشي الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ". وهكذا " مرقاة الصعود " للسيوطي فاختصره المغربي في " درجات مرقاة الصعود " , وهكذا على بقية الكتب الستة , وحواشيه على الكتب الستة مطبوعة في ستة أجزاء صغيرة. ونقتصر على هذا الحد من سنن أبي داود .

يتبع

التوحيد حياتي
03-07-15, 12:20 PM
جزاكم الله خيرا