المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب [ دَعْوة التّوحيــــــد والسُــــنَّة ] لعلامة العراق



المنهج
08-23-04, 05:54 PM
دَعْوة التّوحيــــــد والسُــــنَّة

لعلامة العراق
محمد بهجة الأثري –رحمه الله-

عضو المجمع العلمي العراقي
والمصري والسوري والمغربي

بغداد – العراق



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، بيده ناصيتي،وله الأمر كله...والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبدالله ،وعلى آله وصحابته ومن والاه.

أما بعد:

فإن عنوان الأسماء العالمية في التاريخ العربي الإسلامي الحديث، كالشمس يذكر غير ملقب، لأنه يسمو على التلقيب بالألقاب، والتحلية بالنعوت.
إنه لا يعرف بها، ولكن هي تعرف به.
وإن حلية مثله لفي عطله.
والجواهر تذكر أسماء مجردة، ولا توصف؛ لأن معانيها هي أوصافها.
ويقال "الشمس" و "القمر" ولا يحليان، لأن حليتهما في كمالهما وتمامهما.

ما كلام الأنام في الشمس، إلا
أنها الشمس، ليس فيها كلام!
وقديماً أنكرت طباع العرب أن يعرف المشهور في الأملاء،
فقال قائلهم:

"قد عرفناه، وهل يخفى القمر"؟
وإن من الأسماء نكرات، مغرقة في التنكير، حليت بالألقاب، ورصت لها ألفاظ التفخيم والتعظيم رصا سطوراً بعد سطور، لتعرف فتعرف، فما زادتها إلا تنكيراً وضميراً وخفاءً، ومات أصحابها وما ذكروا.
وقد يموت أناس لا تحسبهم
كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا
لقد نزعت الأصالة العربية إلى التجريد، وتعلقت بالجواهر والمعاني, فسمت عظماءها أيام العزة بأسمائهم المجردة، ولم تغرقهم بالألقاب.
ولما استحل تبعض الطباع، أيام تغلب البغاة الطغاة على ديار العرب والإسلام، استحلى المستدرجين المستكينون ما حلاهم به من الألقاب البراقة، واستعذبوا ما أذاقوهم من حلاوات الرتب المعلية المدنية.
وفي سمات أيام العزة جمال وجلال فطريان، عليهما من الصدق والصفاء رونق ورواء، وبالمعاني تشاد المعالي ويرفع البنيان.
فلا علي أن أسمي "محمد بن عبدالوهاب" ولا ألقبه.
إنه معنى كريم.. استقر في الضمائر، وليس جسداً تطوف حوله الأجساد. في حروف اسمه القلائل الصغار، خصال عبقرية كبار.. ائتلفت فأنشأت مزاجاً فرداً، عجيباً في أخذه وعطائه.
ذهنية عبقربة، في تكوين سوي، من طراز خارق للمألوف قياساً إلى العادة والزمان والمكان، وفي حاق الجبلة والتكوين.
وقوة نفسية وثقى، متوثبة ومتحدية.. تفرض الهزيمة على القوى المضادة فرضاً، وتثبت ثبات طماح الذوائب الأشم بوجه الأعاصير، تتناوح من عن يمينه وشماله، ومن أمامه ومن خلفه، تريد زحزحته، فتريد عنه وتبيد، وهو(هو)غير مضار.
وقيم خلقية صفاء ألق الضياء في الصحو البهيج، ليس دونه حجاب.. ترفعت على شهوات النفس، وتحلت بالإثار، يصرفها عقل دراك وقلب يقظ، وترفدها الركانة والزكانة، والتصور الشمالي الذي يخرج من دائرة الفكر المحدود ليبسط أبعاده على الآفاق.
وقد يكون الإنسان صاحب ذهنية عبقرية، ولكنه لا يملك القوة النفسية المتوثبة. فيكون منه صاحب تصورات فكرية، وليس صاحب قوة فاعلة. وقد يغني في مجال الفكر، ولا يغني في مجال الفعل.
وقد يكون صاحب قوة نفسية، ولكنه لا يملك الذهنية العبقرية التي تصرف القوة على مسار السداد والتوفيق، فتتعطل قوته، فلا يأتي بأمر ذي بال.
وقد يكون صاحب ذهنية عبقرية وقوة نفسية متوثبة، ولكنه يفتقد القيم الخلقية الرفيعة. فلا تجديه خاصيتاه، أو يفتقد العقل الشمالي، فيجلس جهده على أفق خاص يدور في يدور في دائرته الضيقة، محدوداً بحدودها، لا يخرج منها إلى ما وراءها من آفاق وأبعاد.. فلا يكون منه أمر كبير.
ولقد جمع الله في(محمد بن عبدالوهاب)هذه الخصال جمعاء، متمازجة، ومترافدة، ليجيء منه الإنسان العظيم،الذي يصنع العظيم.
وهنا يجيء السؤال الكبير:
ما الصنع العظيم الذي صنعه(محمد بن عبدالوهاب)؟
الجواب عن هذا السؤال الكبير،يصوغه واقع التاريخ وحقائقه، ولست أنا من يصوغه.
واقع التاريخ،يقرر في صراحة بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سبات في جزيرة العرب دام دهراً داهراً،وأشعره وجوده الحي الفاعل،وأعاد إليه دينه الصحيح، ودولته المؤمنة، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأول عزائم وعظائم وفتوحاً.. ويقرر غير منازع أنه رجل التوحيد والوحدة، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضاً حاسماً، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائق المزق رقماً جديداً،يزيد العدد ويكثره،ولكنه أوجب إلغاء هذه الأرقام،ودعا لتحقيق"الرقم الفرد"وحده:الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجواهر الفرد، ألا وهو(الإسلام).
والإسلام،طريقة واحده،لا تتفرع،ولا تتعدد.
وقد جاءت البينات كفلق الصباح بأن هذا"الرقم الفرد"هو الذي استقام به أمر العرب، وكون الوحدة الكبرى،والدولة العظمى وقد انضوى تحت لوائها الخفاق أهل الأرض من كل جنس مابين مشرق للشمس ومغيب،متآخين في الله،متساوين في الحقوق،لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بتقواه،متعاونين على بناء حضارة أخلاقية جديدة تجمع إلى مطالب المادة مستشرفات الروح.
فلما أفسد التوحيد،وزالت الوحدة،ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم..فجاء (محمد بن عبد الوهاب)

المنهج
08-28-04, 02:57 PM
داعياً للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعز وطال،وقد حقق ما أرادة في جزيرة العرب،وأشاع اليقظة في العالم المسلم،وكان لدعوته في كل صقع أثر مشهود..
فهذا هو الصنع العظيم،الذي صنعه الرجل العظيم.
* * *
جاء(محمد بن عبد الوهاب)على فترة من المصلحين الكبار أصحاب الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة،وحين ظنت الظنون بالعرب وبالمسلمين،إذ اكتنف الظلام جواء العالم المسلم،وانبهمت المطالع،وركدت ريح العرب في ديارهم،و تفرقت كلمة المسلمين،فضعفوا وهان شأنهم على الأقوياء،فطمع فيهم الطامعون من كل جنس.
وكان إشراق النور الجديد من قلب هذا الظلام،من الأرض القفرة،عجباً العجب،ومثار دهشة الغرب خاصة،إذ كانت دوله بعد عصر(الرينصانص)والثورة الصناعية،تعد العدد،وتتآمر فيما بينها على العالم المسلم،وتتحالف للسيطرة على ينابيع ثرواته العظيمة.. تغني بها فقرها.
وكان قد استقر عند هذه الدول أن العالم المسلم قد صار جثة هامدة لا حراك بها،فلا بد من أن تكون هي وارثة أرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته.
فلما سمعت صيحة الإسلام الجديدة المدوية تنطلق من بين رمال الجزيرة دهشت،فأسرعت تراجع ظنونها الخائبة،وارتدت إلى أذهانها صيحة الإسلام الأولى وانبعاثه من هذه الجزيرة العربية نفسها كالأتي يتحدر دفاقاً من مخارم الجبال إلى أطراف المعمورة فتحا وإنشاء وإعماراً،لا أجل منه ولا أروع.
فانتصبت لهذا الأمر الجديد.. ترصد أخباره،وتتعرف موارده ومصادره،وتتبين مبادئه وغاياته،عسى أن يكون فجره كاذباً، وأن يعود نشوره موتاً.
حتى إذ كذب الواقع أمالها،طفقت تحاول إبطاله،فأوحت إلى وسائل إعلامها أن تلقي الشبهات عليه،وتشوه صورته،فرمته ورمت الناهض به بالعضاهة،وخلطت ما شاءت لها الأهواء أن تخلّط مما يعرفه العارفون وما بنا حاجة إلى ترديده ، وقلّصتِ الشأنَ كلَّه حين وضعت هذا الأمر الجديد العظيم في بؤرة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقماً جديداً ، أي عكست الحال ، فنبزته بالوَهّابية
" wahhabism"
وأذاعت هذا النَّبْزَ الأنباءُ الجوائب ، فتلقفته الأسماع ، وردَّدَته الألسنة ، ودونته الصحف والمجلات والكتب ودوائر المعارف الكبرى بكل لسان.

وراق الدولة العثمانية هذا النَّبْزُ ، فأجرته على ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان ، وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه ، ولا سيما بعد استفحال شأنه ، وقيام دولة التوحيد والسُّنّة في جزيرة العرب على أساسه وقواعده ، فلم يكن نبز أشنع من نبز الوهابيّة في طول ممالكها وعرضها ، ودام ذلك أمداً ، ووعينا إبّانَ الطفولة وهو يقرن في بلادنا بما يسمونه "الفرمصونية" و"البُرْتكيشية" و"المسقوفيّة" ويعنون "الماسونية" لكفرها ، و"البرتغالية" لسوء أفعال البرتغال إبان احتلالهم بلاد الخليج العربي وعُمان وغيرها ، و"الروس" لحروبهم الدولة الإسلامية ومآتيهم المنكرة في هذه الحروب!.

ذلك فعل السياسة ، وفي مثله يستوي الطامعون من كل جنس وملّة عند تساوي المقاصد والأغراض ، والسياسة الفاسدة لا ضمير لها ولا خُلُق ، ولطالما استعاذ بالله العقلاء من (ساس) ومشتقاته ، ومن الجهل جُنْديّة الأعمى البصيرة الذي يلقَفُ ما تأفِكه السياسة ، ويُرجِف بما تلقيه إليه ، ليذيعه غيرَ عالم بالمقاصد والنيات والغايات.

لقد نظرت السياسات إلى هذا الأمر الجديد في الجزيرة العربية بمنظارها الخاصّ ، ورصدته بعينها اليسرى العوراء ، لا بعين الحقيقة الصحيحة ، فصوّرته بما يحقق مقاصدها وأغراضها ، ومن وراء ذلك يراد الذهاب بريح العرب ، وهم مادّة الإسلام.

وكذلك وقف رؤساء العصبيات ، وهي مختلفة الألوان والمشارب ، موقف هذه السياسات من هذا الأمر الجديد..

إنهم تنكروا له أشد التنكر ، وأوحوا إلى أتباعهم أن يتنكروا له كذلك ، ويذيعوا قول السوء عنه ، فقالوا فيه ، وهو النور الذي يهديهم ، ما لم يقله (مالك) في الخمر ، فكانوا أعواناً للسياسة في تشويهه وحربه ، وقد امتزج