المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا آيها المسلمون ... متى انتصر المسلمون على التتار



أبوحميد الفلاسي
07-26-04, 11:25 AM
يا آيها المسلمون ... متى انتصر المسلمون على التتار

بسم الله الرحمن الرحيم

لما داهم التتارُ أهلَ الشام، خرج المسلمون لمواجهتهم، وكانت فيهم شركيات، فجعل ابن تيمية - رحمه الله - يصحح عقيدتهم ويدعوهم إلى التوحيد، كما قال في رده على البكري المطبوع باسم (تلخيص كتاب الاستغاثة) [2/731/738: تحقيق عجال]:

" وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا؛ لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحيةٍ أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم؛ لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورةٍ نزلت بهم، فيدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم الله تعالى ودعائهم إياه، فإنهم يفعلونه في كثيرٍ من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:

يا خائفين من التتر = لوذوا بقبر أبي عمر

أو قال:

عوذوا بقبر أبي عمر = ينجيكم من الضرر"

قلت: ولعل القارئ قد انتبه إلى أن هذا كان في جهاد الدفع لا جهاد الطلب، وفي هذا ردٌ صريحٌ على الذين لا يهتمون بتصحيح العقيدة عند هذا النوع من الجهاد، ويزعمون أن هذا خاصٌ بجهاد الطلب، والله الموفق.


لو كان الصالحون في جيشٍ فيه شركيات لانهزموا

قال ابن تيمية بعد كلامه السابق: " فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد؛ فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسبابٍ اقتضت ذلك، ولحكمةٍ لله عز وجل في ذلك " .

من ترك القتال بسبب البدع والشرك

ثم قال - رحمه الله - بعد كلامه السابق: " ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة (1) لم يقاتلوا في تلك المرة؛ لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا، وإن كثيراً من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أجروا على نياتهم، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملكٍ مقربٍ ولا نبيٍ مرسل، كما قال تعالى يوم بدر: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} [الأنفال:9]، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر يقول: "يا حي، يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث"، وفي لفظ: " أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك " ".

قلت: رحمه الله رحمةً واسعةً؛ فقد روى ابن بطة في الإبانة / القدر (رقم:1848) أن عمر بن عبد العزيز قال: " لا تغزوا مع القدرية؛ فإنهم لا ينصرون ".

انتصار المسلمين على التتار بعد أن صححوا عقيدتهم واتبعوا الرسول

ثم قال - رحمه الله - بعد كلامه السابق:

" فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً، ولم تُهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً؛ لما صح من تحقيق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك؛ فإن الله تعالى ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ".

قلت: فدل هذا على أنه لا تمكين في الأرض حتى يتمكن الدين الصحيح من النفوس، ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)) [الرعد:11].

وتأمل قول ابن تيمية رحمه الله: "تحقيق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله .." تفهم سبب اشتراط العلماء التوحيد لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تحقيق النصر، وأنه لا يغمض عينيه عن هذين الشرطين إلا (ميكيافيلي) قد أُشرب قلبه القاعدة اليهودية: الغاية تبرر الوسيلة، والله العاصم.

هذا أول ما أُذكر به إخواني، والله نسأل أن يشرح صدورنا بالتوحيد وأن يهدينا صراطه المستقيم (2).

--------------------------------------------------------------------------------

1) ليس المقصود هنا بأصحاب المكاشفة المتصوفة الذين يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي، أو يزعم أنه يقرأ في اللوح المحفوظ ويطلع على الغيب، وإنما المقصود بهم العلماء الصادقون في توسمهم وفراستهم، بما أوتوا من علم الكتاب والسنة، وما عرفوا من أمارات وقرائن حول الوضع، كما قال تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75]، بمعناه عن الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله .
2) نقلاً عن كتاب السبيل إلى العز والتمكين للشيخ عبد المالك رمضاني حفظه الله .