المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حمل تفسير آية وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة 00



علي بن نايف الشحود
07-21-04, 08:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
فهذا تفسير مفصل لقوله تعالى :
{ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (195) سورة البقرة
حيث يستدل بها كثير من الناس استدلالات ما أنزل الله بها من سلطان متجاهلين سبب نزول هذه الآية الكريمة ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عَنْ أَسْلَمَ أَبِى عِمْرَانَ قَالَ : غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ : مَهْ مَهْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلاَمَ قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيمُ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَالإِلْقَاءُ بِالأَيْدِى إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
***************
ومن ثم كان لزاما علينا أن نبين للناس ما اختلفوا فيه من الحق 0
وستجد في تفسير هذه الآية ما ورد فيها من أحاديث مسندة كاملة وكذلك ما قاله أئمة التفسير قديما وحديثا فيها وكذلك ما استنبط من هذه الآية علماء الفقه والأصول قديما وحديثا وفيها تفصيل مطول حول معنى التهلكة عند المفسرين والفقهاء
****************
وربما يسأل سائل لماذا هذه الطريقة الجديدة في التفسير والتي لم نتعود عليها من قبل ؟
فأقول وبالله التوفيق :
أردت من هذه الطريقة الجديدة عدة أمور :
الأول – أريد أن أكسر الحاجز التاريخي الذي ساد ردحا من الزمان والذي تميز بقصور الفهم والتعصب وضيق الأفق
الثاني – أردت أن أربط الناس بقيمهم وبعلمائهم مباشرة حتى يرتبطوا بأولئك العظماء الذين أفنوا حياتهم لخدمة هذه الرسالة العظيمة وهم ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (90) سورة الأنعام
الثالث – أردت أن أعوِّد طلاب العلم على سعة الأفق وعمق الفهم لكتاب الله تعالى فهو أساس سعادة البشرية كلها وهو الذي يقول الله تعالى عنه :
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراء
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور , بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض , والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة , وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء , وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه , وبين مشاعره وسلوكه , وبين عقيدته وعمله , فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم , متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض , وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله , ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة (حلالا).
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة , فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء . ولا تسهل وتترخص حتى تشبع في النفس الرخاوة والاستهتار . ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال .
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض:أفرادا وأزواجا , وحكومات وشعوبا , ودولا وأجناسا , ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى , ولا تميل مع المودة والشنآن ; ولا تصرفها المصالح والأغراض . الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه , وهو أعلم بمن خلق , وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل , فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان .
ويهدي للتي هي أقوم في تبني االرسالات السماوية جميعها والربط بينها كلها , وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام .000
الرابع – أردت أن أبين لطلاب العلم ولا سيما الناشئين منهم أن من عجز عن فهم ما قاله هؤلاء الأفذاذ من علمائنا فليس بطالب علم على الحقيقة وإن زعم ما زعم وادعى ما ادعى ، حيث إن كثيرا من طلاب العلم اليوم يعتمدون على بعض المختصرات أو النزر اليسير الذي أخذوه في الجامعات الإسلامية (( والتي يزداد اختزالها للعلم والمعرفة يوما بعد يوم )) أو أخذوا من شيخ واحد أو مشايخ قلائل أو من بعض التسجيلات الصوتية 000ويظنون أنهم أصبحوا يعرفون كل شيء فيفتون ويحللون ويحرمون دون علم ووعي حقيقيين 0
فأقول لهم : رويدكم ابحثوا ونقبوا واحفظوا وافهموا أولا ثم بعد ذلك دققوا وإن كنتم بعدها أهلا للفتوى وغيرها فلا حرج عليكم ولا سيما أن وسائل العلم صارت متوفرة لديكم فلا عذر لكم عند الله تعالى 0
الخامس – أردت أن أزيل من النفوس حاجز التعصب لشيخ معين أو لمذهب معين أو لبلد معين أو جماعة معينة فدين الله تعالى أوسع من هؤلاء جميعا0
والتعصب بكل أشكاله مذموم ، وصفة قبيحة بالإنسان
السادس – من الواجب علينا اليوم جمع ما تفرق وتناثر في كتب القدمين حول موضوع معين حتى نستطيع استيعابه وإن كان عندنا من جديد أدلينا بدلونا
السابع – أريد جمع كلمة المسلمين على الحق ، وأنه يجب عليهم أن يوقنوا أن جميع المسلمين (( ولا سيما علماءهم )) قد قدموا كل ما يستطيعون لخدمة هذا الدين فعلينا أن ننظر إليهم بعين الإنصاف والاحترام ففي مسند أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا ». وهو حديث حسن
وإذا وجدناهم أخطؤا في فهم آية أو حديث أن نعذرهم لأنهم ليسوا بمعصومين ، بل أخطاؤنا أكثر من أخطائهم بكثير ، ولكننا لا نبصرها في كثير من الأحيان ، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل
الثامن – أنا أكتب لأمة موقن أنها ستعود لدينها وستفيء إليه ولو بعد حين كي تعود الروح فيها من جديد قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (24) سورة الأنفال
إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة , وبكل معاني الحياة . .
إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول , وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة ; ومن ضغط الوهم والأسطورة , ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة , ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء . .
ويدعوهم إلى شريعة من عند الله ; تعلن تحرر "الإنسان" وتكريمه بصدورها عن الله وحده , ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها ; لا يتحكم فرد في شعب , ولا طبقة في أمة , ولا جنس في جنس , ولا قوم في قوم . . ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد .
ويدعوهم إلى منهج للحياة , ومنهج للفكر , ومنهج للتصور ; يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة , المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان , العليم بما خلق ; هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد ; ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء .
ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم , والثقة بدينهم وبربهم , والانطلاق في "الأرض" كلها لتحرير "الإنسان" بجملته ; وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده ; وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله , فاستلبها منه الطغاة !
ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله , لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس ; وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ; ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه ; حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده ; وعندئذ يكون الدين كله لله . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة .
ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهي دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة
إن هذا الدين منهج حياة كاملة , لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها . وفي كل مجالاتها ودلالاتها
فهل نحن مستجيبون ؟ !!!
***************
ولذا ستجد في هذا الملف مثلا الرجوع إلى مصادر كثيرة جدا قديما وحديثا وهذا واجب طالب العلم اليوم ، الذي هيأ الله تعالى له من الوسائل ما لم يهيئه للسابقين
فاعذروني أيها الإخوة على هذا الإسهاب والتطويل في شرح هذه الآية الكريمة وأمثالها
قال تعالى على سان النبي شعيب عليه السلام :
{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (88) سورة هود
**************
الباحث في الكتاب والسنة
أبو حمزة الشامي
5 جمادى الآخرة 1425 هـ الموافق 22/7 /2004 م
حمله من هنا :
http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?s=&threadid=2277