المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حمل أقامة الدليل على إبطال نكاح التحليل لابن تيمية رحمه الله



علي بن نايف الشحود
07-19-04, 08:58 PM
إقامةالدليل على إبطال نكاح التحليل لابن تيمية رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
فإن الله تعالى قد شرع الطلاق بقوله تعالى : { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (229) {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (230) سورة البقرة
فالطلاق الذي يجوز بعده استئناف الحياة الزوجية مرتان . فإذا تجاوزهما المتجاوز لم يكن إلى العودة من سبيل إلا بشرط تنص عليه الآية التالية في السياق . وهو أن تنكح زوجا غيره , ثم يطلقها الزوج الآخر طلاقا طبيعيا لسبب من الأسباب , ولا يراجعها فتبين منه . . وعندئذ فقط يجوز لزوجها الأول أن ينكحها من جديد , إذا ارتضته زوجا من جديد
وهذا التقييد جعل الطلاق محصورا مقيدا (( بعكس ما كان في الجاهلية )) ; لا سبيل إلى العبث باستخدامه طويلا . فإذا وقعت الطلقة الأولى كان للزوج في فترة العدة أن يراجع زوجه بدون حاجة إلى أي إجراء آخر . فأما إذا ترك العدة تمضي فإنها تبين منه ; ولا يملك ردها إلا بعقد ومهر جديدين . فإذا هو راجعها في العدة أو إذا هو أعاد زواجها في حالة البينونة الصغرى كانت له عليها طلقة أخرى كالطلقة الأولى بجميع أحكامها . فأما إذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بينونة كبرى بمجرد إيقاعها فلا رجعة فيها في عدة , ولا عودة بعدها إلا أن ينكحها زوجا آخر . ثم يقع لسبب طبيعي أن يطلقها . فتبين منه لأنه لم يراجعها . أو لأنه استوفى عليها عدد مرات الطلاق . فحينئذ فقط يمكن أن تعود إلى زوجها الأول بعقد جديد ومهر جديد .
إن الطلقة الأولى محك وتجربة كما بينا . فأما الثانية فهي تجربة أخرى وامتحان أخير . فإن صلحت الحياة بعدها فذاك . وإلا فالطلقة الثالثة دليل على فساد أصيل في حياة الزوجية لا تصلح معه حياة .
والأصل في الزواج الصحيح أن يكون قائماً على الرغبة من الجانبين للعيش الدائم وتكوين الأسرة كما قال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (21) سورة الروم
فلو قيد بوقت معين كان فاسداً.
ولكن الناس فهموا هذا الأمر على غير حقيقته. فظنوا أن زواج الزوج الثاني ليس مقصوداً لذاته، وإنما قصد به تحليل المرأة لزوجها الأول فكان ما يحدث كثيراً أن يقع هذا الزواج بقصد التحليل إما بمجرد النية والقصد عند العقد من غير أن يصدر منهما كلام يدل على ذلك القصد، وإما مع اشتراطه أثناء العقد أو قبله. كأن يقول لها: تزوجتك على أن أحلك لمطلقك مما جعل الفقهاء يبحثون في هذا العقد من جهة صحته وأنه يحقق التحليل أو لا ؟
ومن هنا فقد اختلف الفقهاء في حكم نكاح التحليل
والخلاصة فإن له أربعة صور وهي :
الأولى – أن يتفق الطرفان على التحليل وينصا عليه في العقد وهذه الصورة باطلة عند جميع الفقهاء
الثانية – أن يتفقا على التحليل قبل العقد أو بعده ولا يذكرانه أثناء العقد فهذا وقع فيه اختلاف بين الأئمة على قولين
الثاثة – أن ينوي تحليلها دون أن يصرح بذلك لأحد فهذا كذلك مختلف فيه
فقد ذهب المالكية والحنابلة إلى أن زواج التحليل فاسد ( باطل ) لا فرق بين ما اشترط فيه التحليل في العقد أو قبله أو بعده وبين ما نوى فيه فقط بدون اشتراط، لما روي عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ». ( أخرجه ابن ماجة ) ، فهذا يدل على أن عقد التحليل غير صحيح على أي وجه وقع لعدم التفصيل.
وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى عن عمر أنه كان يقول: "لا أوتي بمحلل ولا بمحللة إلا رجمتهما بالحجارة" والرجم بالحجارة لا يكون إلا على الزنا.(( أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10777) بإسناد صحيح
وروى البيهقي عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ عَنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ لِيُحِلَّهَا لأَخِيهِ هَلْ تَحِلَّ لِلأَوَّلِ؟ قَالَ : لاَ إِلاَّ نِكَاحَ رَغْبَةٍ كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.(( صحيح موقوف ))
ولأن زواج التحليل زواج مؤقت، وهو غير صحيح لأنه لا يحقق الأغراض التي من أجلها شرع الزواج.
وذهب الحنفية والشافعية إلى تفصيل في المسألة بين ما إذا كان التحليل مجرد نية لم يوجد ما يدل عليها أثناء العقد وبين ما إذا كان مشروطاً فيه.
فإن كان منوياً فقط صح العقد وأفاد الحل إذا تم على الوجه المرسوم شرعاً لعدم وجود ما يؤثر في العقد بالفساد.
أما إذا شرط فيه فذهب الشافعية إلى فساد العقد لوجود الشرط الفاسد الذي يقتضي فساد العقد.
وذهب أبو حنيفة إلى أن هذا الزواج صحيح، لأن هذا شرط فاسد، والزواج لا يفسد بالشروط الفاسدة، فيلغو الشرط وحده ويبقى العقد صحيحاً، ولكنه يكون مكروهاً لحديث "لعن الله المحلل والمحلل له".
وإذا كان العقد صحيحاً فللزوج الثاني البقاء مع زوجته لا يستطيع أحد جبره على مفارقتها، فإذا فارقها باختياره أو مات عنها وانتهت عدتها حلت للأول بهذا الزواج.
الرابعة – أن يتزوجها بغير قصد حلها لزوجها الأول ثم يبدو له بعد الزواج منها طلاقها لأي سبب من الأسباب دون سب التحليل فهذه الصورة جائزة عند الجميع أنها بعد العدة يجوز لزوجها الأول أن يتقدم إليها خاطبا كبقية الخطاب من الناس ممن يحل لهم الزواج منها
****************
ومن هنا فقد خاض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة الخطيرة (( والتي يقع بها كثيرا من الناس اليوم )) من كل جوانبها
أولا - من حيث أسبابها وهي في الغالب إما الطلاق الثلاث بلفظ واحد وهو يقع عند الجمهور ثلاثا
أو بسبب الغضب فطلقها ثلاثا ثم ندم على ذلك وهذا واقع كذلك عند الجمهور (( وسنفرده ببحث خاص إن شاء الله ))
أو بسبب الطلاق المعلق على شرط
وهذه المسائل الثلاث قد قام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحلها مما يزيل سبب الإشكال الذي يوقع الناس في التحليل من أساسه
ولكن المقلدين (( العميان )) لا يعرفون إلا التحايل على النصوص الشرعية لحل مشكلات الناس دون أن يكلفوا أنفسهم بالاجتهاد الصحيح في مثل هذه المسائل الهامة والتي يحتاج غليها الناس وتعم بها البلوة
وثانيا – قيامه بتأليف كتاب حول إبطال نكاح التحليل ولولم يكن له في الفقه إلا هذا الكتاب لشهدنا له بمرتبة الاجتها المطلق بلا شك فقد فند أدلة القائلين بجوازه كاملة ورد على أصحاب الحيل ردودا دامغة أتت على بنيانهم من القواعد فنقضتها نقضا مبرما
ويظهر فيه النفس الطويل وسعة الأفق والشمولية في البحث العلمي الدقيق الرصين
ومن هنا نوجب على فقهاء هذه الأمة الاستفادة من فقه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
ولذا فقد انتبه العلماء الأخيار في عصرنا هذا عندما صاغوا قوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي ولا سيما في مصر والشام انتبهوا إلى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فأخذوا بالعديد منها في هذا المجال ونحن نود تكرار هذه التجربة في كل المجالات حتى تنتفع الأمة بهذا الخير الكثير الذي من الله به تعالى على يد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
*****************
وإتماما للفائدة فقد ذكرت خلاصة آراء الفقهاء في هذه المسألة الجلل من كتبهم حتى نحسن المقارنة بين ما قالوه وبين ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
وكما قيل : (( وبضدها تتمايز الأشياء ))
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد :
فصل :
وأما نكاح المُحَلِّل، ففى ((المسند)) والترمذى من حديث ابن مسعود رضىَ الله عنه قال: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ له)). قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
وفى ((المسند)): من حديث أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعاً ((لَعَنَ الله المُحَلَّلَ لَهُ)). وإسناده حسن.
وفيه: عن على رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله.
وفى سنن ابن ماجه: مِن حديث عُقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَلاَ أُخْبِرُكُم بالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ))؟ قالُوا: بلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: ((هُوَ المتُحَللُ لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمَحَلَّلَ لَهُ)).
فهؤلاء الأربعةُ مِن سادات الصحابة رضى الله عنهم، وقد شهِدُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحابَ التحليل، وهم: المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَه وهذا خبرٌ عن الله فهو خبرُ صِدق، وإما دُعاء فهو دُعاء مستجاب قطعاً، وهذا يُفيد أنه مِن الكبائر الملعون فاعِلُها، ولا فرقَ عند أهل المدينة وأهلِ الحديث وفُقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ، والقصدِ، فإن القُصود فى العُقود عندهم معتبرة، والأعمالُ بالنيَّات، والشرطُ المتواطَأُ عليه دخل عليه المتعاقدان كالملفوظِ عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل لِلدلالَة على المعانى، فإذا ظهرت المعانى والمقاصدُ، فلا عِبْرَة بالألفاظ، لأنها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها.
**************
أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه نعم المولى ونعم النصير
قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (174) سورة النساء
************
الباحث في الكتاب والسنة
أبو حمزة الشامي
2 جمادى الثانية 1425 هـ
الموافق 20/7/2004 م

حمله من هنا :
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=21594