المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آية جمعت خيري الدنيا والآخرة



محمود أبو جهاد
07-19-04, 09:36 AM
آية جمعت الخير كله

قال الله تعالى : " { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} 201 البقرة

ولكي نقف على تفسير تلك الآية نتناولها مع أختها السابقة لها :

- قال الله تعالى : " فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ، وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
(200، 201 ) سورة البقرة
*** قال ابن كثير رحمه الله :
" فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا " أي : فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل .
" فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق"
أي لا نصيب ولا حظ في الآخرة ، وفي ذلك ذم وتنفير عن التشبه بِمَنْ هو كذلك .
" ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا ، وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ، ودار رحبة ، وزوجة حسنة ، ورزق واسع ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ومركب هين ، وثناء جميل ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها ، فإنها كلها مندرجة فى الحسنة فى الدنيا ، وأما الحسنة فى الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر فى العرصات وتيسير ، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة ، وأما النجاة من النار فهو يقتضى تيسير أسبابه فى الدينا من اجتناب المحارم ، والآثام ، وترك الشبهات والحرام .
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا مريضا من المسلمين قد صار مثل الفرخ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟
قال نعم ، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله !!! لا تطيقه ، أولا تستطيعه فهلا قلت : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار "
قال فدعا الله فشفاه انفرد بإخراجه مسلم ' 2688

*** والأستاذ سيد قطب له في معنى هاتين الآيتين قول بديع :
كانت أسواق مكة المشهورة سوق عكاظ وغيره مجال كلام ومفاخرات بالآباء ، ومعاظمات بالأنساب ، ذلك حين لم يكن للعرب من الاهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات ،
أما الآن فيوجههم القرآن لما هو خير ، يوجههم إلى ذكر الله بعد قضاء مناسك الحج بدلا من ذكر الآباء ، " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا "
وقوله لهم كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا لا يفيد أن يذكروا الآباء مع الله ولكنه يحمل طابع التنديد ، ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر والأولى ، يقول لهم إنكم تذكرون آباءكم حيث لا يجوز أن تذكروا إلا الله فاستبدلوا هذا بذاك ، بل كونوا أشد ذكرا لله وأنتم خرجتم إليه متجردين من الثياب ، فتجردوا كذلك من الأنساب ، ويقول لهم إن ذكر الله هو الذي يرفع العباد حقا ، وليس التفاخر بالآباء ، فالميزان الجديد للقيم البشرية هو ميزان التقوى ، ميزان الاتصال بالله وذكره وتقواه ، ثم يزن لهم بهذا الميزان ، ويريهم مقادير الناس ومآلاتهم بهذا الميزان
" فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب "
إن هناك فريقين فريقا همه الدنيا ، فهو حريص عليها مشغول بها ، وقد كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف في الحج فيقولون اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا ، وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في هذا الفريق من الناس ، ولكن مدلول الآية أعم وأدوم ، فهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والبقاع ، النموذج الذي همه الدنيا وحدها يذكرها حتى حين يتوجه إلى الله بالدعاء ; لأنها هي التي تشغله ، وتملأ فراغ نفسه وتحيط عالمه ، وتغلقه عليه ، هؤلاء قد يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا ، إذا قُدِّرَ العطاء ، ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق ، وفريقا أفسح أفقا ، وأكبر نفسا ؛ لأنه موصول بالله يريد الحسنة في الدنيا ، ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة ، فهو يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، إنهم يطلبون من الله الحسنة في الدارين ، ولا يحددون نوع الحسنة ، بل يدعون اختيارها لله ، والله يختار لهم ما يراه حسنة ، وهم باختياره لهم راضون ، وهؤلاء لهم نصيب مضمون ، لا يبطىء عليهم ، فالله سريع الحساب ، إن هذا التعليم الإلهي يحدد لمن يكون الاتجاه ، ويقرر أنه من اتجه إلى الله ، وأسلم له أمره ، وترك لله الخيرة ، ورضي بما يختاره له الله ، فلن تفوته حسنات الدنيا ، ولا حسنات الآخرة ، ومن جعل همه الدنيا ، فقد خسر في الآخرة كل نصيب ، والأول رابح حتى بالحساب الظاهر ، وهو في ميزان الله أربح ، وأرجح ، وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال وفي استقامة على التصور الهاديء المتزن الذي ينشئه الإسلام .

محمود أبو جهاد