المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وسائل الدعوة بين التوقيف والاجتهاد



حامد العلي
07-09-04, 02:55 AM
مقدمة و تعريفات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله داعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا , والصلاة والسلام على المبعوث شاهدا ومبشرا ونذيرا.

وبعد:

فأصل هذه الرسالة الصغيرة ، محاضرة بعنوان (وسائل الدعوة) في الكويت ضمن ندوة شاركت فيها بعض الأخوة الأفاضل بدعوة كريمة من جمعية إحياء التراث الموقرة ، ثم استخرنا الله تعالى في طباعتها ليعم الانتفاع بها بتوفيق من الله تعالى .

أولا : التعريف بالمفردات .

(وسائل الدعوة ) كلمه مركبة من كلمتين , وسائل وهي مضاف ، والدعوة وهي المضاف إليه , ولا يعرف المقصود من هذا التركيب الإضافي إلا بعد معرفة معنى كل كلمة منه.

تعريف الوسائل :

أما الوسائل : فهي جمع وسيلة من (وسل إذا رغب والوا سل الراغب إلى الله عز وجل وقال لبيد بل كل ذي دين الى الله واسل) معجم مقاييس اللغة 6/110

(والوسيلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ، ووسل إلى الله تعالى توسيلا عمل عملا تقرب به إليه كتوسل ) القاموس 4/63

( والوسيلة : ما يتقرب به الى الغير والجمع الوسيل والوسائل والتوسل واحد يقال وسل فلان الى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة تقرب إليه بعمل ) الصحاح 5/1841

وفي اللسان : (هي في الأصل ما يتوصل به الى الشيء ويتقرب به 11/752

فالكلمة تدور على ( ما يتوصل به الى الشيء المطلوب ) , فهو الوسيلة إليه , ومن هنا أطلق على الرغبة والقربة ، وسمى الراغب واسلا لأنه يطلب شيئا يرغب فيه ، فيسلك ما يوصله إليه.

وقوله في اللسان (ما يتوصل به إلى الشيء) أي كل ما من شانه أن يوصل إلى المقصود من الطرق والأساليب والأفعال والأقوال ونحو ذلك فكلها وسائل ويسمى كل واحد منها وسيلة .

تعريف الدعوة:

الدعوة من دعا يدعو , ومعنى الكلمة يدور على (الطلب) ومنه الدعوة الى الطعام , وفي القاموس (دعاه ساقه) 4/322 وفيه (الداعية صريخ الخيل في الحروب)4/322 وفي اللسان : تدعى القوم دعى بعضهم بعضــا حتى يجتمعوا ) 14/259 وفي الصحاح : داعية اللبن ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده )5/2237.

فالدعوة إذن طلب الشيء والحث عليه والسوق إليه , فإذا دعوتهم الى الدين فأنت تطلبهم لامتثاله وتحثهم على اعتناقه وتسوقهم الى تحقيقه في حياتهم .

وبهذا يدخل في معنى الدعوة , دعاء الناس الى الدين وتعليمهم ما فيه من الهدي ، وتحقيق ذلك في حياتهم وواقعهم كما في قوله تعالى :

(هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين) (الجمعة :2)

فالنبي صلي الله عليه وسلم يتلو آيات الله ، ويتابع أثرها علي من يدعوهم بالتعليم المستمر ، ويزكيهم أي يسعي في تحقيق هذه التعاليم في واقع حياتهم ، فالتزكية هي غاية الدعوة كما قال تعالي (أفلح من زكها) وقال (قد أفلح من تزكي) ومعلوم أن حصول الفلاح هو غاية الدعوة كما يصف الله تعالى المؤمنين بالمفلحين في مواضع كثيرة في القران.ولهذا يأتي في القران تسمية هذا المطلب الشرعي أيضا (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وهو بمعني الدعوة , لأنه طلب حصول المعروف في الواقع بالأمر به وزوال المنكر بالنهي عنه , وجاء في السنة الأمر بالتغيير أيضا ، أي تغيير واقع الناس الى أن يكون وفق مقاصد الدعوة الإسلامية ، موافقا لما في الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في حديث ابي سعيد : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم وأصحاب السنن ..

خلاصة ما تقدم في تعريف الدعوة :

الدعوة هي طلب تغيير الوقع الحياتي للناس بالقول والفعل ليكون موافقا للشريعة في جميع نواحي الحياة .

وبهذا يكون مفهوم الدعوة كما يدل عليه النصوص الشرعية أعم من مجرد إلقاء القول الى الناس وكفى، وإن كان هذا من الدعوة بل هو أصلها , لكن ليس هذا فحسب , بل يدخل في مفهومها هذا الذي هو التبليغ ,والتربية والتعليم لتكوين النماذج الإنسانية التي تتمثل فيها الناس في جميع ميادين الحياة.

يتبــــــــــــع ............

مســك
07-11-04, 08:19 AM
الدعوة هي طلب تغيير الوقع الحياتي للناس بالقول والفعل ليكون موافقا للشريعة في جميع نواحي الحياة .
أحسنت شيخنا الفاضل على هذه الفائدة القيمة .
وبإنتظار المزيد .
بارك الله فيك .

حامد العلي
07-14-04, 01:06 AM
وبهذا تكون الدولة في الإسلام هي أول من يناط به تحقيق أهداف الدعوة وإظهار الدعوة الإسلامية على الدين كله أول واجباتها ، وقال تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) التوبة :33

وكذلك كانت الدولة في الصدر الأول وفي العصور التي كانت فيها الدولة الإسلامية تعد الدعوة إلى الله – بالمفهوم السابق- أهم واجباتها وسر وجودها ، وكانت تقوم من خلال مؤسساتها بتحقيق جميع ما يدخل تحت معنى الآية السابقة مما اسم الدين الحق في الواقع الحياة .

فكانت تأمر بالمعروف وتقيم شعائره وتحمل الناس عليه بالترغيب والترهيب ، وتنهى عن المنكر وتغيره وتدفع الناس عليه بالترغيب والترهيب والقول ، ولو لم يتغير إلا بالقتال- في بعض الصور - سلكت سبيل القتال ، كقتال أهل الردة والبغي وأهل الحرابة والطائفة الممتنعة عن بعض شعائر الإسلام كما لو تواطأت طائفة على الامتناع عن أداء الزكاة أو الآذان وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه من كتب الفقه.

وكذلك تحمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الى خارج حدودها وهو الجهاد , جهاد الطلب , فتحمل الناس في الأرض على الخضوع للدين الحق كما قال تعالى ( وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ).

ويدخل تحت هذا كله إرسال الدعاة ونصب القضاة والأئمة للفتيا , وإقامة الحدود وتجنيد الجنود , وما يلزم لذلك من الوسائل والتراتيب الإدارية وغيرها.

----------------------- يتبع

حامد العلي
07-14-04, 01:08 AM
ويتبين مما تقدم أن وسائل الدعوة هي كل الطرق والأسباب التي من شأنها أن تجعل الدعوة الإسلامية ، واقعا متحققا في الحياة سواء كانت أسبابا شرعية أمر الله بها أو ندب إليها في الكتاب والسنة ، و كونية دل الشرع على إباحتها وجعلها الله كونا وقدرا تقتضي مسبباتها التي تكون في هذه الحال هدفا من أهداف الدعوة.

وهي بهذا الاعتبار تكون شرعية أيضا من جهة أن الشريعة دلت على إباحتها ، ودلت نصوصها العامة على شرعية استعمالها في تحقيق مقاصد الشريعة .

------------------- يتبــــع

حامد العلي
07-30-04, 03:25 AM
وسائل الدعوة يصعب حصرها:

وبهذا يتبين أن وسائل الدعوة ، بالمفهوم الشامل الذي بيناه ، والذي دلت عليه النصوص الشرعية ، يصعب دخولها تحت الحصر ، فإن الأسباب والطرق التي يتوصل بها الى تمثل المعروف في الحياة وزوال المنكر بقدر الاستطاعة كثيرة جدا ومتغيرة جدا ، فإن الله تعالى قد أجرى سننه الكونية على تغير كثير من الأسباب بتغير الزمان والمكان ، فقد يكون من الأسباب ما يقتضي حصول مسببات لم يكن يمكن حصولها في أزمان مضت , بل إن منها ما لم يسبق زمن بحصولها قط , مثل ما يستعمل الآن من السلاح في الحروب فإنه يحصل به من تحقيق أهداف الحرب ما لم يمكن في الماضي ، منه ما يقضي على الأمة العظيمة من الجند بلحظة واحدة ، ومعلوم أن هذا لم يكن قط ليتحقق في الأسباب العادية الطبيعية في جميع العصور السابقة منذ بدأت الحروب بين البشر.

وسائل تحسين الجيوش الإسلامية من وسائل الدعوة:

وكذلك وسائل تحسين الجيوش وإدارتها وتقسيم الجند والقادة وما يلزم في ذلك من التراتيب الإدارية وأنظمة الجزاء والتعزير والعقوبات العسكرية وغيرها ، ما هو كثير يصعب حصره وخاضع للتغير والتطوير المستمر.

ومعلوم أن ذلك كله من وسائل الدعوة ، ما يحتاج إليه المسلمون من الأسباب والطرق التي تقتضيها ظروف العصر لتحصيل العلوم الشرعية وتمكين حملتها من ممارسة دورهم في المجتمعات وإدخالهم في مؤسسات الدولة ليتمكنوا من خلالها من إيصال الدعوة الإسلامية .

مثل إنشاء الكليات الجامعية ، وإدارتها بأساليب الإدارة الحديثة التي يكون غالبها مما أحدثه غير المسلمين ، ومنحهم الشهادات على النظام التي تعترف به الدولة وقد يكون من الأنظمة المستوردة من غير بلاد المسلمين.

ولهذا رأي من رأى من العلماء جواز استعمال نظام منح الشهادات العليا في العلوم الذي يستعملها غير المسلمين ،ولا تعترف غالب الدول الإسلامية إلا به ، استعماله نفسه في علوم الشريعة ، مثل ما يسمي (الماجستير والدكتوراه) بنفس الترتيب الإداري الذي أحدثه أولئك ، ليتمكن حملة العلوم الشرعية بواسطته من تبوء المراكز العلمية التي تخولهم لإحداث التغير الذي ينشدون في مجتمعاتهم.

بل إن منهم من يدرس في البلاد النصرانية ويحصل على الشهادات العليا الشرعية من هناك ، وإنما يمنحه إياها جامعات تتبع دول النصارى ويكون ذلك عنده من الوسائل المباحة التي بها يتوصل الى دعوة الناس الى دين الإسلام وسائل تنظيم الإدارات في الدولة .

ويدخل تحت وسائل الدعوة - إذا اعتبرنا الدولة الإسلامية ما هي إلا المؤسسة العليا المنوط بها القيام بالدعوة الإسلامية – كل ما تحتاجه الدولة من وسائل معنوية ومادية وإدارية ، حتى أساليب الإدارة الحديثة التي تدرس اليوم في كليات متخصصة وينال الدارسون فيها شهادات إدارية ، وكذا ما تحتاجه الدولة من ذلك لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظام العقوبات الشرعية وترتيب إدارات القضاء والفتيا وتقسيم العاملين في ذلك كله وفق أنظمة العمل المعمول بها في العالم ، إذا لم يخالف شيء من ذلك الشريعة المطهرة.

ومعلوم أن هذا لا بد منه للدولة في العصر الحديث حتى لو كانت تدين بتحكيم الشريعة في كل شئون الدولة .

وأن هذه كله مما يصح دخوله تحت اسم الوسائل وأن ما يتحقق به هو نفسه أهداف الدعوة الإسلامية إذا كان ذلك ضمن عمل الدولة الإسلامية

حامد العلي
08-02-04, 11:56 PM
وإذا كانت الدولة في الإسلام يجوز لها استعمال كل الوسائل المباحة للتوصل الى ترجمة التعاليم الإسلامية إلى واقع عملي وهو حقيقة عمل الدعوة.

فالأمر فيما يتعلق بعمل الجماعات التي تتحرك لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية التي لا تكون الدولة فيها تدين بتحكيم الشريعة , لا يختلف إذ لا وجه لاختلافه البتة ، فيصير تحت يديها كل ما لم ينص على تحريمه من الوسائل التي تمكنها من تحقيق أهدافها ، وكل التراتيب الإدارية الحديثة في تنظيم العمل الدعوى وأنظمة الإدارة التي تتطور ويتوصل الباحثون فيها الى أساليب أكثر فعالية كلما تطور الزمان.

كما أن للدعوة الإسلامية أن تستعمل الوسائل الإعلامية المتطورة إذا خلت من المحاذير الشرعية ، وقد تحتاج الى ابتكار أساليب ووسائل جديدة أو تقتبس من ما توصل إليه غير المسلمين من وسائل والأسباب التي سكت عنا الشرع لإنجاح أعمال الدعوة في المجتمع ، كما فعل أولئك الذين اقتبسوا نظام التعليم عن غير المسلمين ، وجعلوا علوم الشريعة منتظمة تحته كوسيلة لتحقيق هدف التعليم الشرعي في الأمة ، بما يناسب العصر .

التخريج الشرعي لوسائل الدعوة:

وقد يظن ممن لم يتمعن في لوازم ما يقول أن الوسائل المتعلقة بالدعوة إلى الله ينبغي أن تكون توقيفية لأن الدعوة الى الله أمر شرعي داخل تحت اسم العبادة والعبادة توقيفية فوسائلها كذلك ينبغي أن تكون توقيفية .

ومعلوم أن التوقيفي هو ما يتوقف العمل به على النص الخاص وما لا يصح فيه استعمال القياس.

وليتبين ما في هذا القول من مجانية الصواب ، مع أنه قد يصدر من أفضل أهل العلم ، لا بد من تناول المسألة من بابها اشرعي حسب قواعد الفقه وأصوله.

علاقة وسائل الدعوة بأفعال النبي صلي الله عليه وسلم:

ويبدو في ظاهر الأمر أن الوسائل التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في زمانه ، تدخل في حكم أفعاله ، لان الوسائل غالبا ما تكون أفعالا وطرقا استعملها صلى الله عليه وسلم لتحقيق أهداف دعوته ، وقبل أن نبين العلاقة بين وسائل الدعوة وأفعاله صلى الله عليه وسلم ، لا بد من تقديم بيان موجز لأفعال النبي صلي الله عليه وسلم وكيف يستدل بها على الأحكام.

أقسام الفعل النبوي:

وقد قسم العلماء أفعاله صلي الله عليه وسلم الى عشرة أقسام :

- الفعل الجبلي

- الفعل العادي

- الفعل الدنيوي

- الفعل المعجز

- الفعل الخاص

- الفعل البياني المراد منه بيان مشكل أو مجمل في الأحكام الشرعية

- الفعل الامتثالي الذي يقصد به مجرد الامتثال لطلب معلوم

- الفعل المؤقت في انتظار الوحي ، كإهلاله مطلقا قبل نزول الوحي في يمينه.

- و الفعل المتعدي كتحريكه صلى الله عليه وسلم لابن عباس في الصلاة من يساره الى يمينه.

- و الفعل المبتدأ المجرد وهو الذي لا يقارنه قول ولا يدخل في الأقسام التسعة السابقة والصحيح انه يدل على الإباحة فقط ولا يستدل بمجرده على الاستحباب .

متعلقات الفعل النبوي:
وذكر العلماء أيضا ما يسمى متعلقات الفعل النبوي وذلك أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا مع التلبس بأمور مختلفة مثل

1- يقع لسبب معين

2- يقع من فاعل هو الرسول صلى الله عليه وسلم

3- يقع متعديا الى مفعول

4- لا بد أن يقع في زمان معين ومكان معين

5- وعلى هيئة معينة

6- وقد يستعمل فيه آله وعناصر مادية معينة

7- وقد يقارنه أمور تقع معه

8- وقد يقع الفعل مرة أو مرات معلومة أو مجهولة .

فقد يقع الفعل وله متعلق واجب وأخر مندوب وأخر مباح كصلاة الاستسقاء :صلى ركعتين بثياب بذلة ولها لون خاص

فالأول واجب أي أن تكون الصلاة ركعتين

والثاني :مستحب

والثالث : مباح

والقاعدة الشرعية الجامعة في هذا الباب أن المطلوب المماثلة إذا كان متعلق الفعل مقصود على أنه شرع عندما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الفعل.

ومثال ذلك ما لو فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرا لسبب ثم زال ذلك السبب فإنه لا يشرع ولا يكون فعل ذلك الفعل بعد زوال السبب سنة لأنه ليس للشارع غرض مقصود في ذلك السبب على أنه شرع ، ، بمعنى أنه ليس كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ما يتعلق بأفعاله من متعلقات يكون شرعا ، إلا إذا دل الدليل على أنه فعله بقصد التقرب إلى الله تعالى بخصوص ذلك الفعل ، وسيأتي مزيد إيضاح .

جهة فاعلية النبي صلى الله عليه وسلم للأفعال :

وكذلك من جهة فاعلية النبي صلى الله عليه وسلم للأحكام ، فإنه صلى الله عليه وسلم يتصرف :

1 – بمقتضى التبليغ للرسالة .

2 – بمقتضى الإمامة والسلطة العامة ومقتضاها السياسة العامة وتنفيذ الأحكام والقيام بالمصالح .

3 – وبمقتضى الإفتاء .

4 – وبمقتضى الحكم والقضاء .

نتائج مما تقدم من بيان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم :

* كانت الوسائل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي ـ في كثير من الأحيان ـ أفعاله صلى الله عليه وسلم التي يفعلها أو يأمر بفعلها أو يقر فعلها من صحابته للوصول إلى أهداف دعوته .

* والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحقق أهداف دعوته من جميع هذه الجهات

* وكان يستعمل أساليب وأسبابا معينة وترتيب إدارية كوسائل في التبليغ وممارسة السلطة وتنفيذ الأحكام والقيام بمصالح العامة والإفتاء وغيرها .

* وكثير منها إنما هو من باب الأفعال النبوية لا الأقوال التي تخضع لدلالات الألفاظ الموضوع لها لغة وشرعا .

* وأفعاله صلى الله عليه وسلم كانت في كثير من الأحيان الأسباب الطبيعية والعادية التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف التي أمر بتحقيقها من خلال تنوع جهات فعله صلى الله عليه وسلم من مبلغ وإمام ورئيس دولة وقائد للجيوش ومنفذ للأحكام وقاض ومفت. . . إلخ .

* وربما كانت في الأصل مباحة - لأن الفعل المجرد يدل على الإباحة - ، ولكنه استعملها ليتوصل بها إلى مستحب أو واجب من المأمورات العامة التي أمر بها ولم يتعبد بخصوص هذا الفعل وهذا السبب .

* وربها لم تكن موصلة في زمان آخر ومكان آخر لنفس المأمور ضرورة تغير الأسباب بتغير الزمان وهو من السنن الكونية المستقرة في العقول بداهة .

* فالواجب أن يسلك حينئذ ما هو مباح من الأسباب والوسائل الأخرى ويكون ذلك من سنته وشريعته .

* وربما زال السبب الذي من أجله فعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل فيزول الفعل تبعا لذلك ويكون عدم فعله من سنته وشريعته .

* وهذا كله لأن هذه هي طريقة الاستدلال الشرعي بالأفعال النبوية ، فإذا نطر إليها من خلال ما تقدم من متعلقات فعلها ، وجهات صدورها منه صلى الله عليه وسلم ، تنوعت دلالتها على الأحكام وهي تختلف بذلك عن أقواله صلى الله عليه وسلم .

ابو البراء
08-26-04, 03:33 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا و بارك الله فيكم و نفعنا الله بعلمكم

حامد العلي
09-13-04, 02:24 AM
*والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل أفعالا لتحصيل نفع في بدن أومال له أو لغيره أو دفع ضرر كذلك أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة أو شئون المسلمين عامة ، لغرض التوصل لجلب نفع أو دفع ضرر ويدخل تحت ذلك :

التدبير التي اتخذه في الحرب من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام ، وتربية الخيل للقتال ، وحفر الخنادق ، وترتيب الجيوش وتدريبها .

والتدابير التي اتخذها في الإدارة المدنية من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء والأعلام والشعارات ، وقــد ألف في ذلك الكتاني كتابه ( التراتيب الإدارية ).

وكثير من الوسائل التي استعملها عليه الصلاة والسلام ـ والتي هي من جملة أفعاله ، والاستدلال بها يدخل في باب الاستدلال بالأفعال النبوية ـ اقتضت الظروف في وقته أن تكون هي الأسباب الطبيعة التي تؤدي إلى تحقيق أهداف دعوته .

وليست كلها هو متعبد بفعلها لذاتها على وجه الخصوص وكثير منها هو في الأصل فعل مجرد مباح لكنه صار واجبا لأنه يوصله إلى غرض واجب وليس بالضرورة يكون كذلك في حقنا .



أمثلة على ما تقدم وزيادة إيضاح :

فالنبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوب الهجرة لتكوين المجتمع الإسلامي النواة في بيئة أصلح ثم الدولة .

والهجرة كانت في حياته صلى الله عليه وسلم حدثا عظيما يشكل متغيرا تاريخيا أو كما يسمى هذه الأيام ( القرار الاستراتيجي ).

وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة كوسيلة من وسائل تحقيق أهداف دعوته ، وهي مع ذلك تدخل في الاستدلال بأفعاله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يحتج إليها لم يهاجر ، ولو لم يقع السبب الذي اضطره إلى الهجرة لما سلك هذه الوسيلة .

فهل يجب علينا سلوك هذه الوسيلة في كل ظرف وزمان ومكان حتى لوزال السبب الذي اقتضى هذه الوسيلة ؟

وقد ظن هذا بعض الجماعات ، فأسسوا منهج الدعوة عندهم على أساس الهجرة ثم تكوين المجتمع النواة ثم الانقضاض على المجتمع الجاهلي ، وهي جماعة ( التكفير والهجرة ) .

وأغرب منهم من يستدل بالأدوات والعناصر المادية التي كان يستعملها صلى الله عليه وسلم ، على أنها مما يتبع فيه مطلقا كاستناده إلى جذع ثم المنبر وبناء المسجد من طين والمنع من مكبر الصوت في باب الترك مثلا .

وقد أُتي الجميع من قلة فقههم في وجه الاستدلال بالأدلة الشرعية عموما وبالسنة والسيرة النبوية على وفق القواعد التي ضبط بها العلماء ذلك ، وظنوا أن مقتضى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة هو فعل ما فعل مطلقا .

والاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم - التي تعتبر وسائل الدعوة وثيقة الصلة بها -– يحتاج إلى فقه عميق ومعرفة بالقواعد والضوابط التي وضعها العلماء لتعصم من الاستدلال الجزئي أو العشوائي الذي ينظر إلى النص مقطوعا عن نظائره وعن القواعد التي يفهم من خلالها .

جماع الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم على مسألة وسائل الدعوة:

وجماع ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور :

1 – أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة في الأصل إنما تدل على الإباحة لا يستدل بها بالنظر إلى ذاتها على أكثر من ذلك .

2 – أن ماكان من أفعاله صلى الله عليه وسلم قد استعملها كوسيلة من وسائل الدعوة ، إنما استعملها لأنها في زمنه وظروف بيئته هي الأسباب الطبيعية التي تحقق له أهدافه فصارت مستحبة أو واجبة تبعا لذلك .

3 أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يتحقق بمماثلته في صورة الفعل وحكمه وسببه والمقصد منه ويتخرج من المجموع حقيقة الائتساء به .

حامد العلي
09-13-04, 02:27 AM
ولهذا لو اتخذ من يريد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، اتخذ شعرا طويلا وفعله على وجه القربة والعبادة فليس متأسيا به لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على وجه الإباحة فهذا حكمه فلا يفعل إلا على وجه الإباحة .

ولو فعل شيئا كان صلى الله عليه وسلم قد فعل لسبب في غير ذلك السبب لم يكن ذلك ائتساء به كالهجرة إذا لم يقم مقتضاها .

ولو فعل شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحقق هدفا ومقصدا لا يتحقق بنفس الفعل في هذا الزمان أو المكان لم يكن ذلك ائتساء به وهذا قد بكون في العبادات أيضا .

ومن الأمثلة على هذا :ما قاله شيــــــخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله ، قال : ( والأخرى – يعني الرواية الأخرى عن أحمد – يخرج ما يقتاته وإن لم يكن من هذه الأصناف ، وهو قول أكثر العلماء كالشافعي وغيره وهو أصح الأقوال فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء كما قال تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم }والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لأن هذا كان قوت أهل المدينة ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه ) جزء الزكاة من مجموع الفتاوى ص 69 .

فتأمل كيف جعل إخراج الزكاة من غير الأصناف المنصوص عليها والتي فعلها صلى الله عليه وسلم وكانت وسائل مواساة الفقير في زمنه ، جعل ذلك هو الصواب الموافق للشريعة المحمدية .

ومما قال أيضا : ( وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو فعل على زمانه أولم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) مجموع الفتاوى 21 / 381 .

استعمال وسائل للدعوة لم يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون من سنته :

وقوله : ( لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) هو موضع عظيم النفع فإن كثيرا من وسائل الدعوة المعاصرة هي أسباب مباحة توصل لتحقيق أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من دعوته ولم توجد في زمنه لعدم قيام المقتضي لفعلها أو لوجود مانع منها لو زال رجعت إلى أنها مشروعة داخله في سنته وشريعته صلى الله عليه وسلم .

وقد يتنازع العلماء من أجل هذه القاعدة في أمور وقعت منه صلى الله عليه وسلم ، فيما يتعلق بالعبادات المحضة من أفعال اقترنت بها هل هي سنة ، أم لا تدل على ذلك .

قال ابن تيميه رحمه الله : ( وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحبابا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها ، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة ؟ تنازعوا في ذلك ) مجموع الفتاوى 1 / 281 .

وإذا كان هذا في مثل هذه العبادات المحضة فكيف في غيرها مما سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الوسائل والأسباب التي توصله لتحقيق أهداف دعوته العامة .

فكيف يصح أن يقال أنها توقيفية مطلقا ويغلق على المسلمين باب الاجتهاد فيها والقياس ، وكيف يمكنهم أن يحققوا أهداف الدعوة الإسلامية مع تغير الزمان والمكان واقتضاء ذلك لتغير الأسباب والوسائل ، إذا كانوا يرفضون هذه الأسباب التي لا تدل الشريعة أصلا على تحريمها وإنها هي من المباح .

وبهذا يتبين أن القول بأن وسائل الدعوة توقيفية ليس بوجيه ، وإن كان قد يقوله من أهل العلم والفضل من هو منهما بمكان .

.......... تـــــــــــابع

ابو البراء
05-13-05, 12:07 PM
للرفع و نسأل الله تعالى أن يفك أسر الشيخ