المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح قاعدة تعارض المصالح والمفاسد



حامد العلي
06-11-04, 04:28 AM
http://www.almeshkat.net/vb/images/slam.gif

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم اهدنا فيمن هديت

الحمد لله رب العالمين ، أشهد أن لاإله إلا هو ولي المتقين ، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، أما بعد :

فهذه هي الطبعة الثانية من بحث مختصر في قاعدة تعارض المصالح والمفاسد ، وقد مضى على الطبعة الأولى أكثر من سبعة أعوام ، انشغلت فيها عن إعادة النظر في هذا البحث المهم لإعداده وتجديده لطبعة ثانية ، ثم لما أعدت النظر فيه ندمت على الاستعجال في الإذن بالطبعة الأولى ، فقد كانت مليئة بالأخطاء المطبعية التي شوهت البحث ، وأدت في كثير من الأحيان إلى اختلال المقصود من الكلام ، لسقوط ضمائر وكلمات مهمة من السياق ، إضافة إلى أن البحث قد كان في الأصل محاضرة عامة ، ثم اقترح علينا بعض الأفاضل أن يتم طبع نص المحاضرة في رسالة صغيرة ليعم النفع ، فوافقت على ذلك ، ولم أنتبه إلى ضرورة التفريق بين إلقاء المحاضرة ، وتأليف الرسالة كتابة ، ومراجعتها قبل نشرها .


غير أن هذه الطبعة الثانية ، قد اجتهدت أن أصحح فيها كل الأخطاء المطبعية إن شاء الله تعالى ، كما أعدت النظر في سياق الجمل والفقرات ، ووضعت لها الروابط المناسبة ، وسبكتها بعناية ، لتكون رسالة مفيدة إن شاء الله تعالى للمتخصصين ولعامة طلبة العلم.


وأما القاعدة التي هي موضوع بحثنا هذا ، فهي قاعدة جليلة القدر ، عظيمة النفع بإذن الله ، لاسيما في هذه الأزمنة التي كثر فيها اختلاط الخير بالشر ، كما قال ابن تيمية عن زمانه ( لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف ، لنرجح عند التزاحم والتمانع خير الخيرين ، وندفع عند الاجتماع شـر الشرين ، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها ـ فإن غالب رؤوس المتأخرين ، وغالب الأمة من الملوك والأمراء والمتكلمين والعلماء والعباد وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك ) الاستقامة (2/168) ، وإذا كان هذا وصف شيخ الإسلام عن زمانه ، فكيف بزماننا هذا ، والله المستعان .

وأما نص القاعدة فهي قول الأصوليين ، كما في شرح الكوكب المنير ( ومن أدلة الفقه أيضا : قول الفقهاء درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، ودفع أعلاها أي أعلى المفسدتين بأدناها ، يعني أن الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة ، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، وإذا دار الأمر بين درء إحدى المفسدتين ، وكانت إحداهما أكثر فسادا من الأخرى فدرء العليا منها أولى من درء غيرها وهذا واضح يقبله كل عاقل ، واتفق عليه أولوا العلم ) شرح الكوكب المنير ( 4/448)


ويتفرع عن هذه القاعدة فروع كثيرة جدا ، وسنكتفي في هذا البحث ببعض الأمثلة للتوضيح ، مع التعليق عليها .


وينقسم البحث إلى مقدمة قد مضت آنفا ، ثم مطلبين :


المطلب الأول : تحرير القاعدة الأصولية .


المطلب الثاني : تخريج بعض فروعها .


ثم خاتمة جامعة بإذن الله تعالى ، وبالله التوفيق .

يتبـــــــع .....

أبومشعل
06-11-04, 10:25 PM
جزاك الله خيرا أخي الفاضل حامد العلي .. على جهدك القيم وطيب اختيارك
نفع الله بذلك

أبو حمزة الغريب
06-11-04, 11:03 PM
ونفعنا بعلمك
بانتظار بقية الموضوع على أحر من الجمر
وحبذا لو أكرمتنا بمزيد من هذه الفوائد العلمية في المشكاة رحمك الله ونفع بعلمك
جزاك الله كل خير يا شيخ حامد

حامد العلي
06-18-04, 11:34 AM
تحرير قاعدة تعارض المصالح والمفاسد


المصلحة مفعلة من الصلاح وهو النفع ، وضده الضرر وهو المفسدة ، والحسنات كلها مصالح ،والسيئات كلها مفاسد ، الحسنات الشرعية والقدرية ، والسيئات الشرعية والقدرية ، والمقصود بالسيئات الشرعية التي دل الشرع على قبحها ، والمقصود بالسيئات القدرية المصائب .


إذا تبين هذا ، فإن قول بعض الأصوليين ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) لا يخلو من نظر في إطلاقه ، ويحتاج إلى تقييد العبارة لتتلاءم مع الأدلة الشرعية الكثيرة التي تقتضي أن تحصيل مصلحة عظيمة مقدم على درء مفسدة صغيرة .


ومما يدل على هذا أن كثيرا من المصالح يحصل بفواتها مفاسد عظيمة جدا ، كما يحصل بدرء بعض المفاسد مصالح عظيمة أيضا ، فالأمران متداخلان متلازمان في أكثر الأحيان ، كما يقال في نظير هذه المسألة ، الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، والعكس يكون أحيانا .


وحينئذ فإطلاقهم هذه العبارة ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) فيه ما فيه من جهة الإطلاق .


ومما يدل على ذلك أيضا ، أنهم جعلوا المصالح منقسمة إلى ثلاثة أنواع :


· الضروريات وهي التي إذا انخرمت يؤول حال الأمة إلى فساد عظيم ، وهي ما يحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال .


· والحاجيات وهي التي يحتاج إليها لرفع الضيق المؤدي إلى المشقة .


· والتحسينات وهي مثل مكارم الأخلاق .


ولاريب أن تحصيل المصالح الضرورية ، أهم من الوقوع في بعض ما يصح إطلاق اسم المفسدة عليه من صغائر الأمور.


كما يدل أيضا على أن إطلاق القول بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، إطلاق غير محرر ـ رغم تداول كثير من العلماء له بهذا الإطلاق ـ يدل عليه :

أن ترك بعض الحسنات المأمور بها شرعا ، أعظم ضررا من فعل بعض السيئات المنهي عنها شرعا .


بل يصح أن يقال :إن جنس فعل المأمور ـ والمأمورات كلها مصالح يطلب تحصيلها ـ أعظم من جنس ترك النهي عنه ، والمنهيات كلها مفاسد يطلب تعطيلها ، فكيف يقال إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ؟!


وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أدلة كثيرة على أن جنس فعل المأمور أعظم من جنس ترك المنهي عنه ، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات ، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات .


وقد عدّ ـ رحمه الله ـ من هذا الباب أن ترك إبليس للسجود كان تركا لفعل المأمور ، وكان ذنبه أعظم من أكل آدم من الشجرة وهو فعل المحظور .


كما عدّ منه أيضا أن أحدا من أهل السنة لم يكفر فاعل الكبيرة ، لكنهم كفروا تارك الاعتقاد بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة ، وكفر كثير منهم تارك الصلاة .


وقال أيضا ( إن مقصود النهي ترك المنهي عنه ،والمقصود منه عدم المنهي عنه ، والعدم لاخير فيه ، إلا إذا تضمن حفظ موجود ، وإلا فلا خير في لاشيء ، وهذا معلوم بالعقل والحس ، لكن من الأشياء ما يكون وجوده مضرا بغيره فيطلب عدمه لصلاح ذلك الغير ، كما يطلب عدم القتل لبقاء النفس ، وعدم الزنا لصلاح النسل ، وعدم الردة لصلاح الإيمان ، فكل ما نهي عنه إنما طلب عدمه لصلاح أمر موجود ، وأما المأمور به فهو أمر موجود والموجود يكون خيرا ونافعا ومطلوبا لنفسه ، بل لابد من كــل موجود من منفعة ما أو خير ما ، فلا يكون الموجود شرا محضا ) مجموع الفتاوى 11/117


وقال أيضا ( إن المأمور به هو الأمور التي يصلح بها العبد ، ويكمل والمنهي عنه هو ما يفسد به وينقص ، فإن المأمور به من العمل والإيمان وإرادة وجه الله تعالى وحده ، ومحبته والإنابة إليه ورحمة الخلق والإحسان إليهم والشجاعة التي هي القوة والقدرة … كل هذه الصفات والأخلاق والأعمال التي يصلح بها العبد ويكمل لا يكون صلاح الشيء وكماله إلا في أمور وجودية قائمة به ) مجموع الفتاوى 11/118


وكلامه هذا يدل على أن المأمور أرجح في ميزان الشريعة في الجملة من المنهي عنه ، والمأمورات هي المصالح التي يراد تحصيلها ، والمنهيات هي المفاسد التي يراد إعدامها ، فإذن ينبغـي أن يقال أيضا : إن المصالح أرجح في الجملة من المفاسد في ميزان الشريعة .


ولهذا فإن الحسنات ـ في الشرع ـ تعلل بعلتين :


إحداهما : ما تتضمنه من جلب المصلحة والمنفعة .


والثانية : ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة .

وكذلك السيئات تعلل بعلتين :


إحداهما : ما تتضمنه من جلب المفسدة والمضرة .

والثانية : ما تتضمنه من الصد عن المنفعة والمصلحة .


ومثاله : قوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) فبين الوجهين جميعا ، لكنه ذكر أن ما فيها من المصلحة وهو ذكر الله ، أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإن هذا هو المقصود لنفسه ، والأول تابع . هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمـــه الله عند تفسير الآية مجموع الفتاوى 20/192 .


فهذا كله يدل على أن الإطلاق الصحيح للقاعدة يجب أن يكون هكذا ( إذا تعارضت مصلحة ومفسدة ، يقدم أرجحهما ، فتجلب المصلحة الأعظم ، وإن أدى إلى الوقوع في المفسدة الأدنى ، وتدفع المفسدة الأشد ضررا ، وإن أدى إلى فوات المصلحة المرجوحة ، وإذا تعارضت المصالح قدم الأعظم ، وإن فات الأدنى ، وإذا تعارضت المفاسد دفع الأشد ضررا منها بارتكاب الأدنى ) وقد وذكرها بعض العلماء المحققين بهذا الإطلاق الأقرب إلى الصواب والأدل على المقصود الشرعي ، كالعلامة عبدالرحمن السعدي كما سيأتي في هذا البحث .


وبهذا يرجع الباب إلى الترجيح ،ويبقى نظر المجتهد في أرجحهما بمعنى أعظمهما نفعا وصلاحا وأقرب إلى تكميل الدين وإصلاح أحوال المسلمين ، فإذا كانت المصلحة المرجوحة من قبيل التحسينات أهدرت في سبيل دفع السيئة العظيمة ، لأنه ليس في فوات تلك المصلحة مفسدة تربو على أختها الأخرى التي زاحمتها، وأما إن كان التعارض بين مصلحة من المصالح الضرورية ـ على سبيل المثال ـ ومفسدة صغرى ، فإن في فوات تلك المصلحة مفسدة أشد ضررا من المفسدة الصغرى ، فكيف يقدم درء تلك المفسدة على جلب المصلحة الضرورية الكبرى ؟!


وبهذا التحرير تكون القاعدة ـ من هذا الوجه ـ متناسقة بالنظر إلى التلازم بين المصالح والمفاسد ، فتقديم المصلحة الأرجح مع الوقوع في المفسدة الأدنى ، نظير دفع المفسدة الأعظم ـ المترتبة على فوات المصلحة الأرجح في هذه الحالة ـ بارتكاب المفسدة التدني .

وينبغي حينئذ أن ينظر المجتهد إلى ما يجلبه فوات المصالح من مفاسد لازمة لذلك ، ويعادل مع المفاسد المتعارضة مع تلك المصالح ، والعكس بالعكس ، فإن لم يترتب عليها شيء من المفاسد كالمصالح المكملة ـ التحسينات ـ فإنها لا ترجح على درء المفسدة وإن صغرت .

وإن ترتّب ، فبحسب درجة تلك المصالح ، وهل هي ضرورية أم حاجية أم تحسينيّة ، على ما بينها من تفاوت أيضا .


ولنضرب على ما ذكرنا مثلا يوضحه :

سأل سائل عن جماعة أرادوا بناء مسجد على أن يخلو من القبة والمحراب ، وليس فيه شيء من الزخارف التي توضع على جدران المساجد ، لأن ذلك كله إما بدعة في الدين ، أو من الاسراف ، أو مما نهي عنه ، وهي مفاسد محققة ، ولكن إدارة الوقف في بلادهم ، لم تسمح لهم ببناء المسجد إلا بمواصفات الإدارة التي منها ما أرادوا خلو بناء المسجد منه ، فتعارض هنا مفسدة اشتمال بناء المسجد على ما يخالف الشرع ، مع فوات مصلحة بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجماعة والجمعة ، وفي ذلك من المصالح العظيمة ما يعد من أهم المهمات في الشريعة ، فهل يقال هنا : إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، أم الفتوى على أن مصلحة بناء المسجد واجتماع المسلمين فيه للصلاة ، راجحة على المفسدة المقارنة لها وهي اشتمال بناءه على بعض المخالفات الشرعية ، هذه صورة الواقعة ، ولا أظن أحدا أوتي فقها في الدين ، يجري هنا القاعدة على إطلاقها ، وذلك مما يدل على الخطأ في الإطلاق.

وتحت هذا الباب فروع كثيرة من الشريعة ، ولهذا يقول العلماء ما حرم تحريم الوسائل أبيح للحاجة ، وذلك مثل النظر إلى الأجنبية فانه يباح ، لتحقيق مصلحة استدامة الزواج وحسن العشرة ، وهو من الحاجيات ، وقد قدمت هذه المصلحة على مفسدة النظر إلى امرأة أجنبية .


وليس ما حرم تحريم المقاصد يماثل هذا الحكم ، مالم تقابله مصلحة أعظم منه ترجح عليه ، وهكذا .


ويصح أن يقال حينئذ أن المفسدة المقارنة لمصلحة أرجح منها ، إذا قلنا إن الشارع أمر بفعل المصلحة هنا ، أن المفسدة لا توصف بالسيئة عند فعلها ، وأنه يزول أثر كونها مفسدة بالنظر إلى ما آلت إليه من المصالح العظيمة ، لاسيما إذا عظم التباين بين المفسدة والمصلحة .


وتأمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا ، يزيد الأمر وضوحا ،قال رحمه الله ( وكذلك الورع الشرعي والزهد المشروع من نوع التقوى الشرعية ، ولكن قد غلط بعض الناس في ذلك ، فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو اتقاء من ( لعلها ما) يخاف أن يكون سببا للذم والعقاب عند عدم المعارض الراجح ) ثم فسر معنى قوله ( عند عدم المعارض الراجح ) فقال ( وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة أعظم من تلك السيئة ، مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو ، وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثما من تركه مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه ) .

وتأمل كيف كان ترك الائتمام بالإمام الفاسق ، قد أدى إلى فوات مصالح حضور الجمعة والجماعة والحج والغزو ، وفي فوات هذه المصالح مفاسد أعظم من مفسدة الائتمام بالفاسق .


وهذا الفساد أعني الائتمام بالفاسق ، إذا قابلته تلك المصالح العظيمة ، ضعف جدا ، وصار ترجيح الشريعة لفعله مع المصالح المقترنة به ، من أجل تحصيل مامعه من تلك المصالح ، صار الترجيح دليلا على دخوله في الحسنات من هذا الوجه ، فإن الحسنات ما دلت قواعد الشريعة على كونها حسنات والسيئات كذلك ، ولا يؤخذ ذلك من نص مجرد مقطوع بلا ترجيح مع ما يعارضه.

ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء ، وجوب الأكل من الميتة لمن خاف على نفسه التهلكة ، والقول بوجوبه ـ في هذه الحال ـ يخرجه عن كونه سيئة ، فإن الشريعة لا تأمر بالسيئة .

وبهذا يجاب عن شبهة القائل كيف تجيز الشريعة فعل السيئات ؟


فإن قيل : فكيف إذا تساوت المصلحة والمفسدة ، فأيهما يقدم ، وهل يصح أن يقال في هذه الحال ، درء المفاسد أولى من جلب المصالح ؟ أم العكس هو الصواب ؟


أو قيل : هل قولك : إن تحرير القاعدة الشرعية في تعارض المصالح والمفاسد يقتضي أن يقدم الأرجح منهما ، لا أن يقال : إن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، هل هذا القول يهمل حالة التساوي بين المصلحة والمفسدة ؟


فالجواب : قد أسهب فيه ابن القيم رحمه الله ، وفيه فوائد عظيمة ، ولذا رأيت أن أسوقه بلفظه بكامله ، قال رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة ، مقررا عدم وجود هذه الحالة :

( فإن قيل : فما تقولون فيمن توسط أرضا مغصوبة ، ثم بدا له في التوية فإن أمرتموه باللبث فهو محال ، وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرف في ملك الغير ، وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركة منه وتصرف في أرض الغصب ، فهذا قد تعارضت في المصلحة والمفسدة فما الحكم في هذه الصورة ؟


وكذلك من توسط بين فئة مثبتة بالجراح منتظرين للموت ، وليس له انتقال إلا على أحدهم ،فإن أقام على من هو فوقه قتله ، وإن انتقل إلى غيره قتله ، فقد تعارضت هنا مصلحة النقلة ، ومفسدتها على السواء ؟


وكذلك من طلع عليه الفجر وهو مجامع ، فإن أقام أفسد صومه وإن نزع فالنزع من الجماع ، والجماع مركب من الحركتين ، فهاهنا أيضا قد تضادت العلتان ، وكذلك أيضا إذا تترس الكفار بأسرى المسلمين هم بعدد المقاتلة ، ودار الأمر بين قتل الترس وبين الكف عنه ، وقتل الكفار المقاتلة المسلمين ؟ فها هنا أيضا قد تقابلت المصلحة والمفسدة على السواء .

وكذلك أيضا إذا ألقى في مركبهم نار وعاينوا الهلاك بها ، فإن أقاموا احترقوا وإن لجئوا إلى الماء هلكوا بالغرق ؟ وكذلك الرجل إذا ضاق عليه الوقت ليلة عرفة ،ولم يبق منه إلا ما يسع قدر صلاة العشاء ، فإن اشتغل بها فاته الوقوف ، وإن اشتغل بالذهاب إلى عرفة فاتته الصلاة ؟ فهاهنا قد تعارضت المصلحتان والمفسدتان على السواء ، وكذلك الرجل إذا استيقظ قبل طلوع الشمس وهو جنب ،ولم يبق من الوقت إلا ما يسع قدر الغسل أو الصلاة بالتيمم ، فإن اغتسل فاتته مصلحة الصلاة في الوقت ، وإن صلى بالتيمم فاتته مصلحة الطهارة ؟


فقد تقابلت المصلحة والمفسدة ، وكذلك إذا اغتلم البحر بحيث يعلم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان لتخفف بهم السفينة ، فإن ألقوا شطرهم كان فيه مفسدة ، وإن تركوهم كان فيه مفسدة ، فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السواء ، وكذلك لو أكره رجل على إفساد درهم من درهمين متساويين ، أو إتلاف حيوان من حيوانيين متساويين ، أو شرب قدح من قدحين متساويين ، أو وجد كافرين قويين في حال المبارزة لايمكنه إلا قتل أحدهما ، أو قصد المسلمين عدوان متكافئان من كل وجه في القرب والبعد ، والعدد والعداوة ، فإنه في هذه الصور كلها تساوت المصالح والمفاسد ، ولا يمكنكم ترجيح أحد المصلحتين ولا أحد المفسدتين ولا تخلو من حكم الله فيها .

وأما ما ذكرتم من امتناع تقابل المصلحة والمفسدة على السواء ، فكيف عليكم إنكاره وأنتم تقولون بالموازنة ؟ وإن من الناس من تستوي حسناته وسيئاته ، فيبقى في الأعراف بين الجنة والنار لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه ، فإن حسناته قصرت به عن دخول النار ، وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة ، وهذا ثابت عن الصحابة ، حذيفة بن اليمان وابن مسعود وغيرهما .


الجواب من وجهين : مجمل ومفصل ، أم المجمل فليس في شيء مما ذكرتم دليل على محل النزاع ، فإن مورد النزاع أن تتقابل المصلحة والمفسدة وتتساويا فيتدافعا ويبطل أثرهما ، وليس في هذه الصورة شيء كذلك ، وهذا يتبين بالجواب التفصيلي عنها صورة صورة .

فأما من توسط أرضا مغصوبة ، فإنه مأمور من حين دخل فيها بالخروج منها ، فحكم الشارع في حقه المبادرة إلى الخروج وإن استلزم ذلك حركة في الأرض المغصوبة ، فإنها حركة تتضمن ترك الغصب ، فهي من باب مالا خلاص عن الحرام إلا به ، وأن قيل إنها واجبة فوجوب عقلي لزومي ، لاشرعي مقصود ، فمفسدة هذه الحركة مغمورة في مصلحة تفريغ الأرض والخروج من الغصب ،وإذا قدر تساوي الواجب بالنسبة إليه ، فالواجب القدر المشترك ،وهو الخروج من أحدهما ، وعلى كل تقدير فمفسدة هذه الحركة مغمورة جدا في مصلحة ترك الغصب ، فليس مما نحن فيه بسبيل.

وأما مسألة من توسط بين قتلى لاسبيل له إلى المقام أو النقلة إلا بقتل أحدهم فهذا ليس مكلفا في هذه الحال ، بل هو في حكم الملجأ ، والملجأ ليس مكلفا اتفاقا ، فإنه لاقصد له ولافعل ، وهذا ملجأ من حيث أنه لاسبيل إلى ترك النقلة عن واحد إلا إلى آخر ، فهو ملجأ إلى لبثه فوق واحد ولابد ، ومثل هذا لا يوصف فعله بإباحة ولا تحريم ولاحكم من أحكام التكليف ، لأن أحكام التكليف منوطة بالاختيار ، فلا تتعلق بمن لااختيار له ، فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم كافرا مع اشتراكهم في العصمة ، فقد قيل : يلزمه الانتقال إلى الكافر أو المقام عليه ، لأن قتله أخف مفسدة من قتل المسلم ،ولهذا يجوز قتل من لا يقتله في المعركة إذا تترس بهم الكفار فيرميهم ويقصد الكفار .


وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع ، فالواجب عليه النزع عينا ، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث ، وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.


أحدهما : عليه القضاء والكفارة ، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى

والثاني : لاشيء عليه ، و هذا اختيار شيخنا وهو الصحيح.

والثالث : عليه القضاء دون الكفارة ، وعلى الأقوال الثلاثة كلها ، فالحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة التي في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه ، فليست المسألة من موارد النزاع .

وأما إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين ، بعدد المقاتلة فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين ، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الاسارى ، فحينئذ يجوز رمي الاسارى ، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما ، فلو انعكس الأمر وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز، فإن فرض الشك وتساوي الأمران لم يجز رمي الأسرى ، لانه على يقين من قتلهم ، وعلى ظن وتخمين من قتل أصحابه وهلاكهم ، ولو قدر أنهم تيقنوا ذلك ، ولم يكن في قتلهم استباحة بيضة الإسلام وغلبة العدو على الديار ، لم يجز أن يقي نفوسهم بنفوس الأسرى ، كما لا يجوز للمكره على قتل المعصوم أن يقتله ويقي نفسه بنفسه ، بل الواجب عليه أن يستسلم للقتل ، ولا يجعل النفوس المعصومة وقاية لنفسه .


وأما إذا ألقي في مركبهم نار فأنهم يفعلون ما يرون السلامة فيه ، وإن شكوا هل السلامة في مقامهم ، او في وقوعهم في الماء ، أو تيقنوا الهلاك في الصورتين ، أو غلب على ظنهم غلبة متساوية لا يترجح أحد طرفيها ، ففي الصور الثلاث قولان لأهل العلم ،وهما روايتان منصوصتان عن أحمد :

إحداهما : أنهم يخيرون بين الأمرين ، لانهما موتتان قد عرضتا لهم فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم ، إذ لابد من أحدهما ، وكلاهما بالنسبة إليهم سواء ، فيخيرون بينهما .

والقول الثاني : أن يلزمهم المقام ولا يعينون على أنفسهم لئلا يكون موتهم بسبب من جهتهم ، وليتمحض موتهم شهادة بأيدي عدوهم .


وأما الذي ضاق عليه وقت الوقوف بعرفة والصلاة ، فإن الواجب في حقه تقوى الله بحسب الإمكان ، وقد اختلف في تعيين ذلك الواجب على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره :

أحدهما : أن الواجب في حقه معينا إيقاع الصلاة في وقتها ،فإنها قد تضيقت ، والحج لم يتضيق وقته ، فإنه إذا فعله في العام المقبل لم يكن قد أخرجه عن وقته بخلاف الصلاة .

والقول الثاني : أنه يقدم الحج ويقضي الصلاة بعد الوقت ، لان مشقة فواته وتكلفه إنشاء سفر آخر أو إقامة بمكة إلى قابل ضرر عظيم تأباه الحنيفية السمحة ، فيشتغل بإدراكه ، ويقضي الصلاة.

والثالث : يقضي الصلاة وهو سائر إلى عرفة فيكون في طريقه مصليا ، كما يصلى الهارب من سيل أو سبع أو عدو اتفاقا ، أو الطالب لعدو يخشى فواته على أصح القولين ، وهذا أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده ، فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان ، وأن لا يفوت منها شيء ، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت ، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشارع ، وقد قال عبد الله بن أنيس : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان العرني ، وكان بين عرنة وعرفات، فقال اذهب فاقتله فرأبته وحضرت صلاة العصر ، فقلت : إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة ، فانطلقت أمشي وأنا أصلى وأومي إيماء نحوه ، فلما دنوت منه قال لي : من أنت ؟ قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك ، قال : إني لفي ذلك ، قال فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد ) رواه أبو داود .

وأما مسألة المستيقظ قبل طلوع الشمس جنبا ، وضيق الوقت عليه حيث لا يتسع للغسل والصلاة ، فهذا الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل ،وإن طلعت الشمس ولا تجزيه الصلاة بالتيمم لانه واد للماء ، وإن كان غير مفرط في نومه فلا إثم عليه ، كما لو نام حتى طلعت الشمس ، والواجب في حقه المبادرة إلى الغسل والصلاة ، وهذا وقته في حق أمثاله ، وعلى هذا القول الصحيح فلا يتعارض ها هنا مصلحة ومفسدة متساويتان ،بل مصلحة الصلاة بالطهارة أرجح من إيقاعها في القوت بالتيمم ، وفي المسألة قول ثان ، وهو رواية عن مالك : أنه يتيمم ويصلى في الوقت لان الشارع له التفات إلى إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم ، أعظم من التفاته إلى إيقاعها بطهارة الماء خارج الوقت ، والعدم المبيح للتيمم هو العدم بالنسبة إلى وقت الصلاة لا مطلقا ، فإنه لابد أن يجد الماء ولو بعد حين ، ومع هذا فأوجب عليه الشارع التيمم لأنه عادم للماء بالنسبة إلى وقت الصلاة ، وهكذا هذا النائم وإن كان واجدا للماء لكنه عادم بالنسبة إلى الوقت .

وصاحب هذا القول يقول مصلحة إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أرجح في نظر الشارع من إيقاعها خارج الوقت بطهارة الماء ، فعلى كلا القولين لم تتساو المصلحة والمفسدة ، فثبت أنه لاوجوب ( كذا في المطبوعة ولعلها : لاوجود ) لهذا القسم في الشرع .


وأما مسألة اغتلام البحر ، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بالقرعة ولاغيرها لاستوائهم في العصمة ، وقتل من لاذنب له ، وقاية لنفس القاتل به ، وليس أولى بذلك منه ظلم ، نعم لو كان في السفينة مال أو حيوان وجب إلقاء المال ، ثم الحيوان ، لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفس الناس المعصومة .

وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين ،وقتل أحد العدوين ، فهذا الحكم فيه التخيير بينهما ، لأنه لابد من إتلاف أحدهما وقاية لنفسه وكلاهما سواء ، فيخير بينهما ، وكذلك العدوان المتكافئان يخير بين قتالهما ، كالواجب المخير والولي .

وأما من تساوت حسناته وسيئاته وتدافع أثرهما ، فهو حجة عليكم ، فإن الحكم للحسنات وهي تغلب السيئات ، فإنه لا يدخل النار ، ولكنه يبقى على الأعراف مدة ثم يصير إلى الجنة ، فقد تبين غلبة الحسنات لجانب السيئات ومنعها من ترتب أثرها عليها ، وأن الأثر هو أثر الحسنات فقط فبان أنه لادليل حكم لكم على وجود هذا القسم أصلا وأن الدليل يدل على امتناعه .


فإن قيل لكم : فما قولكم فيما إذا عارض المفسدة مصلحة أرجح منها وترتب الحكم على الراجح ؟ هل يترتب عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة ؟ لكنه لما كان مغمورا لم يلتفت إليه ، أو يقولون إن المرجوح زال أثره بالراجح فلم يبق له أثر ، ومثال ذلك : أن الله تعالى حرم الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، لما في تناولها من المفسدة الراجحة وهو خبث التغذية ، والغازي شبيه بالمغتذي ، فيصير المغتذي بهذه الخبائث خبيث النفس ، فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الخبائث ، فإن اضطر إليها وخاف على نفسه الهلاك إن لم يتناولها أبيحت له ، فهل إباحتها والحالة هذه مع بقاء وصف الخبث فيها ، لكن عارضه مصلحة أرجح منه وهي حفظ النفس ، أو إباحتها أزالت وصف الخبث منا فما أبيح له إلا طيب وإن كان خبيثا في حال الاختيار ، قيل : هذا موضع دقيق وتحقيقه يستدعي اطلاعا على أسرار الشريعة والطبيعة ، فلاتستهونه وأعطه حقه من النظر والتأمل ، وقد اختلف الناس فيه على قولين : فكثير منهم أو أكثرهم سلك مسالك الترجيح مع بقاء وصف الخبث فيه ، وقال مصلحة حفظ النفس أرجح من مفسدة خبث التغذية ، وهذا قول من لم يحقق النظر ويمعن التأمل ، بل استرسل مع ظاهر الأمور .


والصواب : أن وصف الخبث منتف في حال الاضطرار ، وكشف الغطاء عن المسألة أن وصف الخبث غير مستقل بنفسه في المحل المتغذي به ، بل هو متولد من القابل والفاعل ، فهو حاصل من المتغذي والمغتذى به ، ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل .

إذا علم ذلك فتناول هذه الخبائث حال الاختيار ، يوجب حصول الأثر المطلوب عدمه ، فإذا كان المتناول لها مضطرا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في المغتذي به ، فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذية ، إذا زال الاختيار زال شرط القبول ، فلم تحصل المفسدة أصلا ،وإن اعتاص هذا على فهمك فانظر في الأغذية والاشربة الضارة التي لا يتخلف عنها الضرر ، إذا تناولها المختار الواجد لغيرها ، فإذا اشتدت ضرورته إليها ولم يجد منها بدا ، فإنها تنفعه ولا يتولد له منها ضرر أصلا ، لأن قبول طبيعته لها وفاقته إليها وميله منعه من التضرر بها ، بخلاف حال الاختيار ، وأمثلة ذلك معلومة مشهودة بالحس ، فإذا كان هذا في الأوصاف الحسية المؤثرة في محالها بالحس فما الظن بالأوصاف المعنوية التي تأثيرها إنما يعلم بالعقل أو بالشرع ؟ فلا تظن أن الضرورة أزالت وصف المحل وبدلته ، فإنا لم نقل هذا و لا يقوله عاقل ، وإنما الضرورة منعت تأثير الوصف وأبطلته ، فهي من باب المانع الذي يمنع تأثير المقتضي لا أنه يزيل قوته ، ألا ترى السيف الحاد إذا صادف حجرا ، فإنه يمنع قطعه وتأثيره ، لا أنه يزيل حدته وتهيؤه لقطع القابل ) انتهى كلام ابن القيم ، دار السعادة ص 406

وقد نقلت كلامه بطوله ، لما فيه من الفوائد الجليلة ، ولأنه أثبت فيه أن فرض وجود مصلحة ومفسدة متعارضتين ومتساويتين من كل وجه ، لا يقع البتة ، فلابد من أن تكون إحداهما أرجح من الأخرى ، فيتعلق الحكم الشرعي بالراجح منهما .


كما أثبت أنه إذا ترجح فعل المصلحة ، فإن المفسدة لاتبقى مفسدة بل يذهب أثرها ، فيكون فعل المكلفين للأمر الذي اجتمعت فيه المصلحة والمفسدة وترجحت المصلحة ، من قبيل فعل الحسنات ، ذلك أن الله تعالى لا يأمر إلا بالحسنات ، لا يأمر بالسيئات ، قال تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) سورة الأنعام 115.

والحاصل من كلامه في الرد على من ادعى وجود صور تتساوى فيها المفسدة المقارنة للمصلحة ، إخراج جميع الصور عن محل النزاع فهي :


ـ إما من قبيل ما لاخلاص من الحرام إلا به كالأرض المغصوبة .

ـ وإما من قبيل الملجأ فلا اختيار له ، كالساقط على الجرحى.

ـ وإما من قبيل رجحان المصلحة كالنزع من الجماع ، ومصلحة الطهارة المائية مع الصلاة خارج الوقت ، على التيمم في الوقت .

ـ وإما من قبيل دفع أدنى المفسدتين ، بارتكاب أدناهما كمسألة التترس بالأسرى.

ـ وإما من قبيل تساوي المصلحتين أو المفسدتين فيخير .

ـ وإما من قبيل تزاحم المصالح فيقدم الأرجح ، كالحاج إذا ضاق عليه الوقت بين إدراك صلاة العشاء ، والوقوف بعرفة .

وإنما استقام له ذلك ، لأنه أرجع فوات المصلحة إلى كون ذلك مفسدة ، ثم جعل بعض الصور المعترض بها عليه ، من قبيل تعارض المفاسد ، أوفعل العكس ، أو أخرج المثال عن الباب أصلا ، والمتأمل لما ساقه من الأمثلة رحمه الله يتبين له ما ذكرت .

وعلى أية حال ، فإنه من الواضح الآن أن المصالح إذا تعارضت مع المفاسد فإن دلائل الشرع متوجهة إلى أنه يقدم الأرجح ، ولا يطلق القول بأن درء المفسدة أولى ففي هذا الإطلاق نظر .


هذا ، ويمكن أن يحمل قول المطلقين بأن درء المفسدة أولى ، على أنهم يقصدون المصالح التحسينية التي لاينبني على فواتها مفسدة ، غير أن الإطلاق في موضع التقييد يؤدي إلى الاشتباه.

أو يحمل على أنهم يريدون بقولهم : ( إذا تعارضت مصلحة ومفسدة فدرء المفسدة أولى من جلب المصلحة ) أي تساوت ، لكننا قد بينا أن التساوى بينهما من كل وجه بحيث ينعدم الدليل على الرجحان ، أنها صورة ذهنية لاواقعية ، كما أثبت ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.

--------------------------

جزاكم الله خيرا ، يتبـــــــــــــــع .......

ابو البراء
06-18-04, 12:04 PM
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل و جزاكم الله خيرا و أسأل الله تعالى أن ينفعنا بعلمكم . واصل وصلكم الله بطاعته .

حامد العلي
07-05-04, 06:54 PM
لهذه القاعدة فروع كثيرة ، وسنلقي الضوء على بعض الأمثلة فمن ذلك :


ما ذكره العلامة عبد الرحمن السعدي قال رحمه الله :

القاعدة الثالثة والثلاثون : إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها ، فيقدم الواجب على المستحب ، والراجح من الأمرين على المرجوح ، وإذا تزاحمت المفاسد ، واضطر إلى واحد منها ، قدم الأخف منها .


وهذان أصلان عظيمان ، قال الله تعالى ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) الإسراء 9 ، أي : أصلح وأحسن ، وقال ( اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) الزمر 55، وقال ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) الزمر 18، فالواجب أحسن من المستحب ، وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه وأحسن ، وقصة الخضر في خرقه للسفينة ، وقتله الغلام تدل على الأصل الآخر ، وذلك أن الحال دائر بين قتله الغلام ، وهو مفسدة ، وبين إرهاقه لأبويه الكفر وإفساده لدينهما ، وهي مفسدة أعظم ، فارتكب الأخف .



وكذلك خرقه للسفينة مفسدة ، وذهاب السفينة كلها غصبا من الملك الذي أمامهم مفسدة أكبر ، فارتكب الأخف منهما ، ويدخل في هذين الأصلين من مسائل الأحكام مالا يحد ، فإذا دار الأمر بين فعل الواجب ،أو المسنون ، وجب تقديم الواجب في الصلاة ، والصدقة ، والصيام ، والحج ، والعمرة ، وغيرها .



وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب ، وعلى الصدقة المستحبة ، ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب ، وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدا ، ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين طاعة المرأة لزوجها ، مقدمة على طاعة الأبوين.



ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد ، ولهذا لا يطيع والديه في منعهما له من الحج الواجب ، والعمرة الواجبة ، والجهاد المتعين ، ولاطاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ويقدم السنن الراتبة على السنن المطلقة ، والعبادات المتعدية على العبادات القاصرة ، ويقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام ، والصدقة على القريب صدقة وصلة .



ومن أمثلة الأصل الثاني :



من اضطر إلى أكل المحرم ووجد شاة ميتة وصيدا وهو محرم ، قدم الصيد على الصحيح ، ويقدم ميتة الشاة على الكلب ، ومن اضطر إلى وطء أحد زوجتيه الصائمة ، والحائض وطئ الصائمة ، لأنها أخف ، ولأن الفطر يجوز بضرورة الغير ، كفطر الحامل ، والمرضع إذا خافتا على الولد ، ويقدم ما فيه شبهة على الحرام الخالص ، وهذا كله : إذا ابتلى العبد بذلك ، والمعافى من عافاه الله.



ومن أمثلة القسم الأول : إذا ضاق الوقت للصلاة ، أو أقيمت تعينت المكتوبة ، ومن عليه قضــاء رمضان لم يكن له أن يصوم نفلا ) التقاسيم للسعدي ص 78ـ 80



ومن ذلك أيضا ما ذكره في مراقي السعود قال :

وارتكب الأخف من ضرين *** وخيرن لدى استـــوا هذين

كمن على الجريح في الجرحى سقط *** وضعف المكث عليه من ضبط


يعني أن ارتكاب أخف الضررين عند تقابلهما من أصول مذهبنا ومن ثم جبر المحتكر على البيع عند احتياج الناس إليه ، وجار المسجد إذا ضاق ، وجار الطريق والساقية إذا أفسدهما السيل ، وصاحب الجارية والفرس يطلبهما السلطان ، وكذا يجبر أهل السفينة إذا خاف الناس الغرق على رمي ما ثقل من المتاع ، وتوزع قيمة ما طرح على ما معهم من المتاع ، ومثل الضررين المكروهان والمحظوران ، والأصل في ذلك قولــه صلى الله عليه وسلم ( إذا التقى الضرران نفي الأصغر للأكبر ) ((هكذا ولم أجد الحديث في شيء من المصادر وظاهر عليه أنه لاأصل له )).


وقوله : وخيرن لدى استوا هذين …. الخ

يعني أن المكلف مخير عند استوا الضررين ، ومن فروعها من سقط على جريح بين جرحى ، بحيث يقتله إذا بقي عليه ، وإن انتقل قتل كفؤا له في صفات القصاص لعدم موضع يعتمد عليه ، إلا ببدن كفؤ له ، وسواء كان السقوط باختيار أو بغير اختيار فهو مخير عند بعضهم لاستواء المقام والانتقال ، وقال قائلون يمكث وجوبا لأن الضرر لا يزال بالضرر ، مع أن الانتقال فعل مبتدأ بخلاف اللبث ، وضعف هذا القول بعض من ضبط المسألة أي حققها بان مكثه الاختياري كانتقاله ) مراقي السعود 1/177

ومن ذلك أيضا فتوى لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في مسألة التشريح :


جاء في أبحاث هيئة كبار العلماء الجزء الثاني :


حكم تشريح جثة المسلم

الحمد لله وحده وبعد :

فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ ، موضوع ( حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية ) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء .

ثم صدر القرار التالي :


قرار رقم 47 تاريخ 20/8/1396هـ ، الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لانبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :

ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ ، جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم …، المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم …، المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية .

كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام :


الأول :التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية.


الثاني :التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية ، لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها .


الثالث : التشريح للغرض العلمي تعلما وتعليما .

وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه قرر المجلس مايلي :

بالنسبة للقسمين الأول والثاني ، فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقا لمصالح كثيرة من مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية ، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك ، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين ، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا .


أما بالنسبة للقسم الثالث وهو التشريح للغرض التعليمي ، فنظرا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها ، وبدرء المفاسد وتقليلها ، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما ، وإنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها ، وحيث أن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لايغني عن تشريح الإنسان ، وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة ، فإن المجلس يرى جواز تشريح جهة الآدمي في الجملة ، إلا أنه نظرا إلى عناية الشريعة الاسلامية بكرامة المسلم ميتا كعنايتها بكرامته حيا ، وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى عليه وسلم قال : (كسر عظم الميت ككسره حيا ) ، ونظرا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته ، وحيث أن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثة أموات غير معصومة ، فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر ، والله الموفق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، هيئة كبا العلماء ، أبحاث هيئة كبار العلماء ( 2/68) .


وتأمل قول هيئة العلماء ( مفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك ) ، مما يدل على أن قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، في إطلاقها نظر ، فربما كانت المصالح أكثر وأرجح من المفسدة المعارضة لها ، فتقدم المصالح حينئذ .


ومن ذلك فتوى للعلامة عبد الرحمن السعدي في نقل الأعضاء :

قال جوابا على سؤال : هل يجوز أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه برضاء من أخذ منه ؟

الجواب : جميع المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تتصور قبل كل شيء ، فإذا عرفنا حقيقتها وشخصت صفاتها وتصورها الإنسان تصورا تاما بذاتها ومقدماتها ونتائجها طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية ، فإن الشرع يحل جميع المشكلات ، مشكلات الجماعات والأفراد ، ويحل المسائل الكلية والجزئية ، يحلها حلا مرضيا للعقول الصحيحة والفطر المستقيمة ، ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية ، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد حتى يتضح لنا اتضاحا تاما للجز بأحد القولين.

فنقول : من الناس من يقول هذه الأشياء لاتجوز ، لان الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه ، أو التمثيل به ، لأنه أمانة عنده لله ، ولهذا قال تعالى ( ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) البقرة 159.

والمسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه ، أما المال فإنه يباح بإباحة صاحبه وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لاباحة التملكات ، وأما الدم فلا يباح لوجه من الوجوه ، ولو أباحه صاحبه لغيره سواء كان نفسا أو عضوا أو دما أو غيره إلا على وجه القصاص بشروط ، أو في الحالة التي أباحها الشارع وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسؤول عنه ، ثم إن ما زعموه من المصالح للغير معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء ، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل ، ويؤيد هذا قول الفقهاء من ماتت وهي حامل بحمل حي لم يحل شق بطنها لاخراجه ولو غلب الظن ، أو تيقنا خروجه حيا ، إلا إذا خرج بعضه حيا فيشق للباقي ، فإذا كان هذا في الميتة فكيف حال الحي ، فالمؤمن بدنه محترم حيا وميتا .


ويؤخذ من هذا أيضا أن الدم نجس وخبيث ، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به ، مع ما يخشى عند أخذ دم الإنسان من هلاك أو مرض ، فهذا من حجج هذا القول .


ومن الناس من يقول : لابأس بذلك ، لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم المحيط الشرعي ، صارت من أوائل ما يدخل فيه ، وأن ذلك مباح بل ربما يكون مستحبا ، وذلك أن الأصل إذا تعارضت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار ، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه ، وصار درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، وأن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصلحة الراجحة ، وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة ومضارها إذا قدرت فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة ، ويؤيد هذا أن حجة القول الأول وهي أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة ، متى اعتبرنا فيه هذا الأصل ، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به .

فإنه يباح لمن وقعت فيه الأكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي ، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لاخطر في قطعها ، ويجوز التمثيل في البدن بشق البطن أو غيره للتمكن من علاج المرض ، ويجوز قلع الضرس ونحوه عنده التألم الكثير ، وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة أو دفع مضرة .


وأيضا فإن كثيرا من هذه الأمور المسؤول عنها يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث ، فما كان كذلك فإن الشارع لا يحرمه ، وقد نبه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه ومنه قوله عن الخمر والميسر : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وأثمهما أكبر من نفعهما ) البقرة 219.

فمفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه ، وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه أنه لاضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير ، كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة ، وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه ، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك.


فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف ، بل ولا مرض ، وربما كان في ذلك نفع له ، إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا ، أو صاحب حق كبير ، أو أخذ عليه نفع دنيوي ينفعه أو ينفع من بعده .

ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الزمان والأحوال والتطورات وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار ، ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور ، كما هو معلوم مشاهد ، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء ، وأمر بالتداوي خصوصا وعموما ، وإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا ووضعه في الآخر من غير ضرر يلحق بالمأخوذ منه فهو داخل فيما أباحه الشارع .


وإن كان قبل ذلك وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر ، فيراعى كل وقت بحسبه ، ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين : بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها وتحريم التمثيل بها ، فيقال : هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا أو ربما أدى إلى الهلاك ، وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي ، وتنتهك حرمته ، فأما في هذا الوقت فالأمران مفقودان ، الضرر مفقود وانتهاك الحرمة مفقودة ، فإن الإنسان قد رضي كل الرضاء بذلك واختاره مطمئنا مختارا لاضرر عليه ، ولا يسقط شيء من حرمته ، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما ، والحالة الحضارة غير الحالة الغابرة ، ونحن إنما أجزنا ذلك ، إذا كان المتولي طبيبا ماهرا ، وقد وجدت تجارب عديدة للنفع وعدم الضرر ، فبهذا يزول المحظور .


ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم ، منهم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم أنه إذا أشكل عليك شيء ، هل هو حلالا أم حرام ، أو مأمور به أو منهي عنه ؟ فانظر إلى أسبابه الموجبة وآثاره ونتائجه الحاصلة ، فإذا كانت منافع ومصالح وخيرات ، وثمراتها طيبة ، كان من قسم المباح أو المأمور به ، وإذا كان بالعكس ، كانت بعكس ذلك ، طبق هذه المسألة على هذا الأصل ، وأنظر أسبابها وثمراتها ، تجدها أسبابا لامحذور فيها ، وثمراتها خير الثمرات .


وإذا قال الأولون : أما ثمراتها ، فنحن نوافق عليها ، ولا يمكننا إلا الاعتراف بها ، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا في أن الأصل في أجزاء الآدمي التحريم ، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث ، فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة الآدمي ودفع الانتهاك الفظيع ، وهذا مفقود هنا ، وأما الدم فليس عنه جواب إلا أن نقول : إن مفسدته تنغمر في مصالحه الكثيرة ، وأيضا ربما ندعي أن هذا الدم الذي ينقل من بدن إلى آخر ليس من جنس الدم الخارج الخبيث المطلوب اجتنابه والبعد عنه ، وإنما هذا الدم هو روح الإنسان وقوته وغذاؤه ، فهو بمنزلة الأجزاء أو دونها ، ولم يخرجه الإنسان رغبة عنه ، وإنما هو إيثار لغيره ، وبذل من قوته لقوة غيره ، وبهذا يخف خبثه في ذاته ، وتلطفه في آثاره الحميدة ، ولهذا حرم الله الدم المسفوح وجعله خبيثا ، فيدل على أن الدماء في اللحم والعروق وفي معدنها قبل بروزها ليس محكوما عليها بالتحريم والخبث .



فقال الأولون : هذا من الدم المسفوح ، فإنه لافرق بين استخراجه بسكين أو إبرة أو غيرها ، أو ينجرح الجسد من نفسه فيخرج الدم ، فكل ذلك دم مسفوح محرم خبيث ، فيكف تجيزونه ؟ ولافرق بين سفحه لقتل الإنسان ، أو الحيوان أو سفحه لأكل أو سفحه للتداوي به ، فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل.


فقال هؤلاء المجيزون : هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور ، فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة أخذ جزء من الإنسان لإصلاح غيره ، إذا لم يكن فيه ضرر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضه ، ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد )) فعموم هذا يدل على هذه المسألة وأن ذلك جائز ، فهذا قلتم أن هذا في التواد والتراحم والتعاطف ، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لا في وصل أعضائه بأعضائه ، قلنا إذا لم يكن ضرر ولأخيه في نفع ، فما الذي يخرجه عن هذا ، وهل هذا إلا فرد من أفراده ؟ كما أنه داخل في الإيثار ، وإذا كان أعظم خصال العبد الحميدة ، مدافعته عن نفسه أخيه ،وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أوماله ، فهذه المسألة من باب أولى وأحرى ، وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه ، وإن طالت المشقة وعظمت ، فهذه كذلك وأولى .



ونهاية الأمر أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن ، فحيث انتقلت الحال إلى ضدها وزال الضرر والخطر ، فلم لا يجوز ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة ؟ ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل ومجاراة الأحوال إذا لم تخالف نصا شرعيا لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون ، وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه تركه ولم يلتزمه ، فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر ، ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك لضعف الإيمان ، وعدم الرغبة في الخير ، كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس أن لدين الإسلامي ، لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة ، بل يجاري الأحوال والأزمان ، ويتتبع المنافع والمصالح الكلية والجزئية ، فإن الملحدين يموهون على الجهال أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة ، وهم في ذلك مفترون ، فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كل وجه ، الكلي والجزئي ، وهو حلال لكل مشكلة خاصة أو عامة وغير قاصر من جميع الوجوه ) أبحاث هيئة كبار العلماء 2/61


وقد نقلت كلام العلامة السعدي رحمه الله بطوله ، لانه أطال فيه ، وضرب أمثلة كثيرة توضح ما قصدناه من كتابة هذا البحث ، وتأمل قوله ( وذلك أن الأصل إذا تعارضت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار ، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه ، وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المصالح ، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصالح الراجحة ) .

حامد العلي
07-05-04, 06:57 PM
فقد بين أن تقديم الأرجح عند تعارض المصالح والمفاسد في الشيء الواحد هو الصواب ، إلا إذا تكافأت المصالح والمفاسد فدرء المفاسد أولى ، مع أن الإمام ابن القيم رحمه الله ، قد بين أن التكافؤ التام بحيث لاراجح بين المنفعة والمضرة ، أنها صورة غير واقعة ، فلابد أن يترجح في الشيء الذي اشتمل على تعارض المنافع والمضار أو المصالح والمفاسد ، أحد المتعارضين على الآخر .


وقد بيّنا أن بين المصالح والمفاسد تلازما ، وذلك من جهة أنه قد يقع بسبب انتفاء المصلحة مفسدة ، والعكس ، كما بينا أن جنس جلب المصالح أرجح في ميزان الشريعة من جنس ترك المفاسد.

ومن الأمثلة أيضا ما ذكره الماوردي في الإنصاف عن جواز تولي المقلد القضاء قال :

( وعليه العمل من مدة طويلة ، وإلا تعطلت أحكام الناس ) إ.هـ.


وقد تقرر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا عالما ، وحكى عليه ابن حزم الإجماع .مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 2 /4 القسم الثالث .


غير أن تولي المقلد القضاء ، إنما جاز لدفع الضرر الكبير المترتب على عدم تولي المقلدين للقضاء لقلة المجتهدين ، وضرر ولاية المقلد للقضاء أقل بلا ريب .


ولهذا ذكر أهل العلم أن : ( شروط القضاء تعتبر بحسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل ، وعلى هذا يدل كلام احمد وغيره فيولى مع عدم العدل أنفع الفاسقين ، وأقلهما شرا ، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد ، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع ، قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الأورع ، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم ) المصدر السابق 2/9 القسم الثالث .


ومن فروع هذه القاعدة أيضا الإكراه على البيع مراعاة للمصلحة العامة ، فإن المصالح الكلية لا تقاومها المفاسد الجزئية ، وبهذا كان يفتي رئيس القضاة وشيخ الإسلام في عصره ، الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله ، وذلك في الحاجة إلى ملك معين للصالح العام ، وأنه يجبر على البيع .


وقد علق الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم على قول شيخ أبيه ( وفي قصة كسرى ) قال الشيخ محمد بن عبدا لرحمن :


(( يريد ما نقله في الفروع عن أبي هبيرة قال : رأيت بخط ابن عقيل حكى عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرا فكتب إليه أنه لايجري إلا في بيت عجوز ، فأمر أن يشتري بيتها منها ، فضوعف لها فلم تقبل ، فكتب كسرى : أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغتفر فيها المفاسد الجزئيات ، قال ابن عقيل : وجدت هذا صحيحا ، فإن الله تعالى هو الغاية في العدل يبعث المطر والشمس ، فإن كان الحاكم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المنافع فغيره أولى أ.هـ. ) فتاوى محمد بن إبراهيم(7/5).


ومن فروعها أيضا :


جواز منع الناس من إحياء الأرض الموات وتملكها ، إذا أدى فعلهم ذلك إلى ضرر أكبر ، وجواز جعل ذلك بإذن الإمام دفعا للمفسدة مع أنه يخالف ظاهر الحديث ، لكنه مقتضى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته ، فقد دلت الشريعة أن الفقه في الدين لا يؤخذ من نص مقطوع ،وحديث فرد مرفوع ، بل لا يعرف الفقه حتى يجمع المجتهد ما في الباب من الأدلة والنصوص والقواعد المأخوذة من الكتاب والسنة ، فيخلص منها إلى الحكم الشرعي .


قال العلامة محمد بن إبراهيم : ( حديث من أحيى أرضا ميتا فهي له ) ، هذا الحديث ما جعل للإمام حقا أبدا ، لكنه ينبغي عندما تحف القرائن الدالة على النزاع والشقاق بالأحياء في ذلك المكان ، ينبغي أن يكون بإذن الإمام لقطع النزاع ، والنظر للإمام المصلحي الشرعي ، فينظر فيه بموجب العلم الشرعي ، وإلا فكم موضع حمى صار عنده من سفك الدماء ، وكذلك التي أريد أحياؤها كم سفك فيها من الدماء .. فينبغي أن يستأذن فيها لاسيما في الأزمان التي ضعف فيها الدين وكثرت الفتن ، وذلك لدرء المفسدة والواقع يشهد بذلك ) فتاوى ابن إبراهيم (8/207)(8/209)


كما أفتى العلامة ابن إبراهيم بمنع إحياء الأرض بالكلية في مدينة النماص ، لما كاد أن يؤدي ذلك إلى نزاع بين القبائل ، قال رحمه الله : ( لأن السماح لهم بأحياء شيء منها يسبب مشاكل ونزاعا فيما بينهم ، ثم قد يتسمون عليها ولا يحيونها فتكون موضع نزاع آخر ، وقد يكون موضع نزاع آخر فيما إذا شرعوا في الإحياء ، واختلفوا على حدود ما أحيا بعضهم دون بعض ، فبقاؤها حلى حالتها الحاضرة أولى وأسلم … وأما ما سبق إحياؤه مما أشار إليه قاضي النماص فإن لم يكن في إبقائه مفسدة ، فيترك لمن أحياه ، وإن كان في بقائه مفسدة فيمنع منه ويعوّض عما أنفقه في إصلاحه وزرعه ) فتاوى محمد بن إبراهيم ( 8/207) (8/209)

وبالجملة فالفروع كثيرة جدا ، ومن انتصب للفتوى في النوازل العامة ، وتولي القضاء بين الناس ، احتاج إلى هذه القاعدة حاجة عظيمة ، وكتب المطولات مليئة بالأمثلة التي لا تحصى .

ومن التطبيقات المعاصرة لهذه القاعدة ، مسألة المشاركة في المجالس النيابية ،في البلاد التي لا تلتزم التحاكم إلى الشريعة في كل شئون الحياة ، فهي مبنية على هذا الأصل ، ذلك أن المفاسد من دخول هذه البرلمانات تعارضت مع مفاسد إخلاءها من المصلحين ، فوجب المصير إلى الترجيح ، وقد استدل القائلون ترجيح الدخول ، بفعل يوسف عليه السلام ، فإنه عندما تولى خزائن الأرض في وزارة الكافر ، وهو ملك مصر آنذاك ، دفع الضرر الأكبر بتحمل الضرر الأدنى ،فالأدنى هو أن يصيب الملك من أموال الدولة مالا يستحقه في ولاية يوسف ، وهو لا يمكنه منعه من ذلك ، فدار الأمر بين هذه المفسدة ، وبين الضرر الأكبر ، وهو ترك الوزارة لمن يكون في توليه لها ضرر اكبر .

ومع أن نبي الله يوسف عليه السلام ، كان في قوم كفار ، غير أنه حرص على إصلاح أحوال العباد ، ليحقق بذلك مصلحة تبليغ دعوة التوحيد ، فكيف بتولي منصب عام بين مسلمين فيهم جاهلية ، مثل دخول المجالس النيابية ، بما يعود بمصالح عظيمة جدا على المسلمين ، وتلك المصالح أرجح بكثير من المفاسد المترتبة على الدخول .


وفي فقه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، مثل حسن في العمل بهذا الأصل ، فإنه جاء إلى الحكم بعد مظالم اقترفها بعض الذين سبقوه ، فتدرج ولم يتعجل في التغيير ، فدخل عليه ولده عبد الملك ، فقال له : ( يا أبت ما منعك أن تمضي لما تريده من العدل ؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلب بي وبك القدور في ذلك !، قال : يا بني : إنّي إنما أروّض الناس رياضة الصعب ( الشديد من الإبل ) ، وإني أريد أن أحيي الأمر من العدل ، فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا ، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) رواه الخلال في الأمر بالمعروف ص 99

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي : ( دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين ، ما أنت قائل لربك غدا ، إذا سألك فقال : رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها ؟ فقال أبوه : رحمك الله وجزاك من ولد خيرا ، يابني : إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة ، وعروة عروة ، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا كثير فيه الدماء ، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق بسببي محجمة من دم ، أوما ترضى أن لا يأتي علي أبيك يوم من أيام الدنيا ، إلا وهو يميت بدعة ويحي سنة ) تاريخ الخلفاء ص 240

ولاريب أن إصلاح العوائد المخالفة للشرع ، بالتدريج شيئا فشيئا ، مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينا من الوقت ، خير من ترك الإصلاح كله ، أو الوقوع في سفك الدماء .


ونظير هذا لو تاب بعض ظلمة الحكام فاستشار أهل العلم ، بين أن يبقى ويقلل الشر ويؤسس مشاريع الخير والإصلاح من حيث لا يثير عليه أعداء الإسلام في الخارج والداخل ، مع المداراة والدفع بالتي هي أحسن ، واتقاء أهل الفساد والفجور من أقاربه ، بين هذا ، وأن يدع الملك لغيره ممن لا يرقب في مؤمن إلا ولاذمة ، ولا يحل حلالا ، ولا يحرم حراما ، لكان الصواب الفتوى بالبقاء في الحكم بشرط الإصلاح بقدر الاستطاعة ، وهذا واضح لاإشكال فيه ، والله يعلم المفسد من المصلح ، ومن صدقت نيته مع الله أعانه على قدر صدقه .

وكذا لو اضطر المسلمون إلى قاض يدرء الفتنة وسفك الدماء بينهم بالحكم بالقود القاتل ، ولا يستقيم ذلك، إلا تحت إمرة كافر يحكمهم ، صحت ولاية القاضي للضرورة ، ومضت أحكامه ، ولما يترتب على ذلك من مصالح عظيمة تربو على مفسدة توليه تحت إمرة الكافر :


قال الشيخ عطية محمد سالم في ترجمة شيخه العلامة صاحب أضواء البيان محمد الأمين الشنقيطي : ( كان الحاكم الفرنسي في البلاد يقضي بالقصاص في القتل بعد محاكمة ومرافعة واسعة النطاق ، وبعد تمحيص القضية وإنهاء المرافعة وصدور الحكم ، يعرض على عالمين جليلين من علماء البلاد ليصادقوا عليه ، ويسمى العالمين لجنة الدماء ولا ينفذ حكم الإعدام في القصاص إلا بعد مصادقتهما عليه .


وقد كان رحمه الله أحد أعضاء هذه اللجنة ، ولم يخرج من بلاده حتى علا قدره وعظم تقديره ، وكان علما من أعلامها ،وموضع ثقة أهلها ،وحكامها ومحكوميها ) كتاب الرحلة إلى مكة ص22

يتبــــــــــــــع ... جزاكم الله خيرا

ابو البراء
07-05-04, 07:17 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل على هذا الشرح الوافي حفظكم الله و نفعنا الله بعلمكم .

حامد العلي
07-09-04, 02:42 AM
يحتاج من يدعو إلى الله تعالى إلى الفقه العميق لهذه القاعدة ، لأنه سيحتاج إليها كثيرا ، فإنه يواجه أصنافا كثيرة من المخالفين ، ويتعرض لكثير من المواقف التي تتعارض فيها المصالح والمفاسد .

ذلك أن الدعوة الإسلامية تواجه :


*الأنظمة السياسية المعارضة للدعوة .

* الأديان المعادية للإسلام كالتنصير ومكائد اليهودية العالمية

*الأحزاب العلمانية بأصنافها الكثيرة

* الفرق الضالة

* الجماعات الإسلامية ذات المناهج الإصلاحية الأخرى التي لا تخلو من خلل وعثرات في المنهج .

*عامة الناس الذين غلبهم الجهل ، وكراهية الانتقال عما ألفوه من الأهواء والعادات المتوارثة عن أسلافهم .

* بالإضافة إلى حاجة الدعاة أنفسهم إلى زادهم من العلم والتقوى والتربية على حمل الأمانة والصبر عليها .

وربما ضاق وقت الدعوة الإسلامية ، في زمن ما ، عن استيعاب العمل على جميع هذه الجهات ، فيجب أن ينظر الدعاة في تعارض المصالح والمفاسد ، فيبدءوا بمواجهة الأشد ضررا ، ويؤجلوا بعض المعارك التي تشغلهم عما هو أهم وأولى ، وكان الاشتغال به أرجح ، وهكــذا يرتبون أولوياتهم على وفق هذه القاعدة .

وهذا كله إنما ينبني على فقههم لقاعدة تعارض المصالح والمفاسد ، والداعي إلى الله ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، هو أحوج الناس بعد الحكام الحاكمين بالتنزيل ، لهذا الفقه لاسيما في هذا الزمــــان .


ومما يدخل في هذا الباب في فقه الدعوة ، ما قرره العلماء من أن إنكار المنكر يسقط ، إذا أدى إنكاره إلى وقوع منكر اكبر منه .


قال ابن القيم رحمه الله ، في إعلام الموقعين :

المثال الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل ـ بإنكاره ـ من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه ، وأبغض إلى الله ورسوله ، فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وقالوا : أفلا نقاتلهم ؟ فقال : ( لا ، ما أقاموا الصلاة ) وقال ( من رأى منكم من أميره ما يكرهه ، فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته ) ، ومن تأمل ماجرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار ، رآها من إضاعة هذا الأصل ، وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ، فقدكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات لا يستطيع تغييرها ، بل لما فتح مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ، ورده على قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشية وقوع ما هو أعظم منه ، من عدم احتمال قريش لذلك ، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد ، لما يترتب عليه من وقوع ما هو اعظم منه .


فإنكار المنكر أربع درجات :


الأولى : أن يزول ويخلفه ضده .


الثانية : أن يقل وأن لم يزل بجملته.


الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله .


الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه .


فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة .


فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج ، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة ، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك ، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية ، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد ، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن يتفرغوا لما هو أعظم من ذلك ، فكان ماهم فيه شاغلا لهم عن ذلك ، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها ،وخفت من نقله عنها إلى كتب الضلال والبدع والسحر فدعه وكتبه الأولى ، وهذا باب واسع .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول : مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه ، وقلت له : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهـــم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم ) إعلام الموقعين (3/4)


ومن الأمثلة في هذا الباب ، مسألة هجر المبتدع ، فإنها من باب إنكار المنكر ، ولهذا لايكون الهجر إلا إذا أظهر بدعته ، كصاحب المعصية ، لا يعاقب إلا إذا أظهرها .

ومن هنا ، فإن المبتدع لا يهجر إلا إذا أدى هجره إلى زوال بدعته أو تخفيف شرها ، ولا يهجر إذا أدى ذلك إلى وقوع ما هو شر من منكره ، بل ربما كان هجره والحالة هذه من الصد عن سبيل الله ، وذلك إذا كان قائما بخير في المسلمين لو هجر زال ذلك الخير ، ولم يعقبه إلا الشر والفتنة ، فالواجب أن يشكر على عمله بالخير ، ويحض عليه ، وينصح بالتي هي أحسن فيما أخطأ ، ولاينفر الناس عنه إذا كان تنفيرهم عنه يصيرهم إلى شر منه كما تقدم عن ابن القيم رحمه الله تعالى .

ومن كلام أهل العلم المحققين في هذا الباب ، ما ذكره الإمام عبد الرحمن بن حسن قال : ( إذا تبين لك هذا ، فاعلم أن الكفر الموجود في أعراب نجد الذين دخلوا في الإسلام سابقا إنما هو كفر طارئ ، لاكفر أصلي فيعامل من وجد منه مكفر ما يعامل به أهل الردة ، ويحكم عليه بعموم الكفر ، لانه يوجد فيهم من هو ملتزم بشرائع الإسلام وواجباته ، وأما من ظاهره الإسلام منهم ، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة ، وفيهم شيء من أمور الجاهلية ومن أنواع المعاصي كصغائر كانت أو كبائر فلا يعاملون معاملة المرتدين ، بل يعاملون بالنصح برفق ولين ، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف ، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان ، ويبغض ويعادى على مامعه من المعاصي ، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع ، وإلا فليعامل بالتأليف وعدم التنفير ، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين ، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار والله ولي الهداية ) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 2/135


ومن هذا الباب ـ أعني تعارض الخير والشر في العبد والنظر إلى ما يترجح من ذلك ـ أثنى أئمة السنة والعلم على بعض من وقع في البدع متأولا ، ناظرين إلى ما صدر منهم من الخير والسنة بل حكى ابن تيمية رحمه الله ذلك عن مذهب أهل السنة ، قال رحمه الله : (قلت قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال باطنا وظاهرا ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان موافقا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته مذموم من جهة مخالفته .


وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام ، والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت الخوارج بالذنب ، وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار ، ووافقتهم المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار ، ولكن نازعوهم في الاسم فلم يسموه كافرا ، بل قالوا هو فاسق لامؤمن ولا كافر ، ننزله منزلة بين المنزلتين ، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة أقرب فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج .

وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لايكون مستحقا للثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والحمد والذم بل إما لهذا ، وإما لهذا ، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها ) شرح العقيدة الأصفهانية ص138

ومن الأمثلة على هذا الباب أيضا ، الحكم على الكتب المصنفة ، فينظر إلى ما فيها من المصالح والمفاسد ، ويصار إلى الترجيح مع مراعاة حال السائل المستفتي ، ويكون نظر المجيب متوجها إلى حصول العاقبة المحمودة للسائـــل ، وتجنيبه الضرر في دينه ، وذلك يختلف باختلاف السائل وباختلاف المسؤول عنه ، ولعل ما ذكره المازري عن كتاب الإحياء للغزالي يعد مثالا مناسبا ، فقد نقل ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية قول العلامة الحافظ أبي عمر بن الصلاح : ( ثم تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام طويل ختمه بان من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءه لاتجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به .

ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ، ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها ، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى ، وإن كانت كلها تقبل التأويل فقراءته لها سائغة ، وينتفع به اللهم إلا أن يكون قارؤه ممن يقتدى به ، ويغتر به ، فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه ، قال ولولا أن علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة ، ومن عنده علم يأمن به على نفسه ، لم نتبع محاسن هذا الكتاب بالثناء ، ولم نتعرض لذكرها ، ولكنا نحن أمنا من التغرير ، ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل أنا جانبنا الإنصاف في الكلام على كتابه ، ويكون اعتقاده هذا فينا سببا لئلا يقبل نصحنا ، قال الشيخ أبو عمرو ، وهذا آخر ما نقلناه عن المازري ) شرح الاصفهانية ص 134

وتأمل كيف منع الإمام المازري من ليس عنده ما يعصمه من العلم من قراءة الإحياء ، وأجازه لغيره ، لأن المقصود إزالة المنكر وحصول المعروف ، فمتى تحقق ذلك فلا معنى للنهي عن قراءة أي كتاب ، وإذا خيف على أحد من الناس الضرر الذي يربو على المنفعة نهي عن ذلك ، لاسيما وأنه في حال السعة يغني عما في الإحياء من المنافع كتب كثيرة موافق للسنة .


ومن هذا الباب أيضا استفادة العلماء المعاصرين قاطية من جهود العلماء الواقعين في بعض البدع ، ومن مصنفاتهم النافعة في أبواب العلم المختلفة .

وقد أسس الإمام عبدالعزبز بن باز رحمه الله كلية القرآن في الجامعة الإسلامية ، وجلب إليها كبار القراء وفيهم ما فيهم من المخالفات للسنة في العقيدة وابتاع السنة وطريقة السلف .

كما جلب إلى الجامعة الإسلامية كثيرا من العلماء الذين يحسنون فنون العلم في اللغة والفقه والأصول ، مع مافيهم من مخالفات للسنة من وجه آخر ، مع القيام بواجب النهي عن البدع ، وحمل الطلبة على السنة ، بتقرير كتب السنة ، والعقيدة الصحيحة وترغيب الطلبة فيها ، والمقصود أن المصالح العامة الحاصلة من الاستفادة من أولئك العلماء أرجح من المفسدة الجزئية في خلافهم لاعتقاد السلف والسنة في أمور لاتخرجهم من الإسلام ، ماداموا لا يدعون إلى بدعهم .


كما كان العلامة الشيخ بن باز رحمه الله تعالى يستفيد من جهود المسلمين وعلماءهم على اختلافهم ومخالفة بعضهم للعقيدة الصحيحة في بعض أبوابها ، وذلك عندما تولى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .

كما تنشر هيئة كبار العلماء بحوثا لمختلف علماء المسلمين ، وبعضهم لم يتمحض للاعتقاد السلفي ، استفادة من جهودهم الخيرة ، ولم يزل العلماء يفتون بتأييد كل ساع إلى الخير وإعانته على مطلوبه ، لاسيما في هذا الزمان والمسلمون في أشد الحاجة إلى كل داع إلى الإسلام ، دال على الخير .


وهذا كله يدخل تحت القاعدة العظيمة المحيطة التي حررناها مع الأمثلة عليها في هذا البحث .

وقد وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، قد اعتنى بها عناية عظيمة ، وأحسب أن ذلك بسبب جهاده المستمر في الدعوة إلى الله تعالى ، ومصادمته لأهواء المخالفين ، حكاما ومحكومين ، فقد استشعر شدة الحاجة إليها .

ولهذا يجده الباحث في سيرته العظيمة ، قد أوتي عدلا وإنصافا في الحكم على الناس والطوائف والفرق ، فلايحكم عليهم حتى يقارن ما عندهم من الخير مع ما وقعوا فيه من الشر والبدع ، ولم يمنعه ذلك من إنكار المنكرات في العقائد والأعمال ، بل كان مع ذلك أعظم الناس سعيا لإزالتها ، وقد وفقه الله في هذا الباب إلى مالم يحصل لمثله في زمانه ، بل بعد زمانه ، إلى يومنا هذا ، فحتى دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدا لوهاب إنما هي ثمرة من ثمرات جهاد ذلك الإمام وصبره ، مع علمه الواسع وعدله وحلمه .

ولابأس أن أشير هنا بعض المواضع مما ورد في مصنفاته الكثيرة ، مما يدل على أنه رحمه الله كان يجعل قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد والسنة والبدعة والخير والشر والمنافع والمضار ، يجعلها نصب عينيه كالميزان العدل ، وذلك عند حكمه على الطوائف والجماعات .

فمن ذلك حكمه على الأشعرية مع أنهم كانوا من أشد أعداءه المحاربين له ، فانظر مثلا ( 4/18) (12/204ـ206) (6/55) (6/56) (6/53) .

وفي حكمه على ابن كلاب شيخ الأشعري ( 12/366) و(5/555ـ 557) .

و في حكمه على بعض رؤوس الأشعرية ( 9/7) (5/98) (12/95) .

وفي حكمه على بعض رؤوس المتصوفة ( 10/76) (10/516) (10/686) .

وعلى ابن حزم ( 4/19)

وعلى بعض الفرق ( 20/110ـ111)

وبالجملة فهذه بعض المواضع وهي كثيرة جدا في كتبه ، وجميع ما ذكرته هنا من مجموع الفتاوى الذي جمعه ابن قاسم .

يتبــــــع ....

حامد العلي
07-14-04, 01:04 AM
يستفاد مما مضى من هذا البحث ، أن قاعدة تعارض المصالح والمفاسد ، من القواعد الشرعية المحيطة ، وهي قاعدة جليلة القدر عظيمة النفع ، وحاصلها أن دلائل الشريعة المطهرة دلت على أنه حكم الله تعالى يدور مع ما يترجح عند تعارض المصالح والمفاسد ، والمضار والمنافع ، فيكون الشيء مطلوبا شرعا إن ترجحت مصالحه على مفاسده ، ويكون ممنوعا إن كان العكس.





وهذه القاعدة ترجع في الأصل إلى أن الله خلق المخلوقات ـ بما فيها الأعمال والأقوال ـ ولها مراتب في الوجود :





فمنها ما هو مصلحة خالصة كذكر الله تعالى .





ومنها ما هو مصلحة راجحة كالقتال المشروع .





ومنها ما هو مفسدة خالصة كالشرك بالله .





ومنها ما هو مفسدة راجحة كالخمر .





والتحقيق أن المفسدة الخالصة والراجحة وصفها بذلك من جهة وقوعها من العبد ، لامن جهة تقدير الله تعالى لها ، ذلك أن الله تعالى لا يقدر إلا ما هو وفق الحكمة ، فتقديره كله خير في المآل ، وإن كنا قد نرى أحيانا غير ذلك في ظاهر الحال .





وقد قدر الله تعالى أن يكثر في هذه الحياة الدنيا ، ما هو دائر بين المصلحة الراجحة ، والمفسدة الراجحة ، وإنما الآخرة هي التي يخلص فيها الخير من الشر خلوصا كليا .





ومن هنا كانت أفعال المكلفين ضرورة ـ ولا مناص من ذلك ـ واقعة تحت هذا الحكم القدري ، مع كونهم مخاطبين بالحكم الشرعي ، فيكون أحيانا التقدير الكوني سبق أن لا يتوصل إلى المصلحة الراجحة إلا عن طريق ـ أو مع ـ مفسدة مرجوحة تلازمها ، فعلى العباد أن يعلموا أن حكم الله الشرعي فيها هو طلب فعلها ، ولاتكون حينئذ مفسدة بالنظر إلى العاقبة ، ذلك أن الله تعالى ، قد خلق الحياة الدنيا هكذا ، وهكذا أرادها ، عز شأنه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

------------------ بارك الله فيكم .

ابو البراء
08-26-04, 03:34 PM
جزاكم الله خيرا على هذا الشرح المهم و وفقكم الله لما يحبه و يرضاه