المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما يختل الميزان



أبومشعل
06-07-04, 02:24 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد

روى أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي حكاية مفادها ما يأتي :
زار الشيخ الطرطوشي أحد فقهاء عصره وهو من أهل المشرق الأندلسي ، ودخل يصلي في مسجد في أحد الثغور ، وكان ابن العربي في ذلك المسجد ، وهو تلميذ الشيخ الطرطوشي ، وصلى الطرطوشي النافلة ، وكان يرفع يديه مع تكبيرة الركوع ، وعند الرفع منه ، وهذا الرفع ثابت صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك ، ولكن الرواية المشهورة عن الإمام مالك ، والتي شاعت عند أهل الأندلس أن لا رفع في هاتين الحالتين .
فلما فعل ذلك استنكر هذا الرفع رئيس البحر وقائده ، وكان بجانب ابن العربي ينتظر الصلاة ، فأمر بعض جنوده أن يقوم إلى الشيخ الطرطوشي فيقتله ، ويرميه في البحر !!
يقول ابن العربي : فطار قلبي من بين جوانحي ، وقلت : سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت : فقالوا لي : ولمَ يرفع يديه ؟ فأخبرهم أن تلك هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي رواية عن مالك ، وما زال بهم حتى سكنوا .
وقفت عند هذه القصة وأنا أقرا في كتاب ( الاعتصام ) للشاطبي ، وعجبتُ من جهل هؤلاء كيف يُبيح هذا الرجل سفك دم مسلم يصلي ، لأنه فعل مثل هذا الأمر السهل ، ولئن كان الطرطوشي قد فعل ما يؤاخذ عليه ، وليس عليه مؤاخذة ، فإن قتله من أعظم الجرائم وأكبرها .
إن هذه العقلية التي تحاول إصلاح الأمور بمثل هذه الطرق لا تزال موجودة تزن الأمور بميزان مختل ، فتكون النتيجة خاطئة .
هؤلاء بجهلهم حكموا على فعل ذلك العالم حكما خاطئا ، وعندما أرادوا العلاج لم يتخذوا الطريق الأمثل ، فلم ينصحوا ولم يوجهوا ولم يناقشوا ، وإنما أرادوا أن يغيروا بالتي هي أسوأ ، ومتى تولى أمثال هذا الرجل قيادة الناس ضلوا وأضلوا .
إن أسوأ فترات الحكم هي التي يتولى فيها أمثال هذا الرجل قيادة الناس وسياسة الأمة ، بعقول صغيرة وعضلات كبيرة ، يظن أصحابها أن كل أمر من الممكن أن يُحل بالرصاصة والبندقية ، هؤلاء لا يحاولون أن يتفهموا نفسيات الناس ، ولا يصبرون على نقدهم وآرائهم .
الجيش له الحرب والقتال ، أما السياسة فلها رجالها ، تحتاج إلى عقول كبيرة ، وثقافة واسعة ، تحتاج إلى فئة أخرى من البشر لها مؤهلات تتناسب مع الدور الذي تقوم به ، إن ذلك الأميرال البحري كاد يقع في خطأ جسيم ، لأنه وضع نفسه في غير موضعها .
ومن خلال هذه القصة نرى كيف أن العادة والإلف يجريان في النفس البشرية مجرى الاعتقاد ، ويُرد بذلك الحق ، لهذا جعل الله الأمر حين النزاع والاختلاف له ولرسوله صلى الله عليه وسلم (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )) ، فإذا ثبت في كتاب الله أو حديث رسوله صلى الله عليه وسلم أمر فلا معقب له ، ولا راد له ، ولا منازع مهما كانت مكانة المنازع العلمية أو الدنيوية (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )) .
أما رد التنازع إلى آراء الرجال ، ومعارضة الحق بهذه الآراء فهو مرض قديم أصاب الأمم من قبل فقالوا (( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )) وقالوا (( بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا )) . ولذلك حذرنا أئمتنا من الأخذ بأقوالهم وترك النصوص ، أو أخذها مُسلّمة بدون دليل .
يقول أبو حنيفة رحمه الله (( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )) . ويقول الإمام مالك رحمه الله (( ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم )) . ويقول الشافعي (( إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله ، ودعوا ما قلت )) . ويقول الإمام أحمد رحمه الله (( لا تقلدني ، ولا تقلد مالكا ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، وخذ من حيث أخذوا )) . رحمهم الله جميعا .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم