المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رأي الشيخ محمد سرور في تفجيرات الغلاة



المريد
05-30-04, 01:34 AM
ننشر ما كتبه الشيخ سرور في عدد مجلة السنة الصادر في شهر ديسمبر 2003، لعل أن يكون فيه عبرة.:
عندما وقع انفجار «المحيا» بالرياض كان قد مضى على وجودي في جوار بيت الله الحرام بضعة أيام بعد أن أديت مناسك العمرة، وكان أيضاً قد مضى يومان أو ثلاثة على الاشتباك الذي حدث بين الشرطة ومجموعة من هؤلاء المغامرين في أحد أحياء مكة المكرمة, وكان لابد لي وأنا على مقربة من الحدث وتداعياته من جمع الأخبار وتمحيصها، وأوليت عنايتي بروايات مَنْ سَمِعَ أو رأى من الثقات.
قدم لي أحد ضيوفي صحيفة وفيها صورة لعائلة مؤلفة من الزوجين وأبنائهما الثلاثة ثم قال: هذا الرجل كان محاسباً بشركتنا وهو وحيد لأبويه، ترى كيف تكون حالهما عندما يأتيهم وهم في القاهرة نبأ هلاك ابنهم وأسرته؟!, ثم توالت أخبار القتلى والجرحى من سودانيين ولبنانيين وجنسيات عربية أخرى، وكل عائلة لها قصة مفجعة، ولا يستطيع الإنسان تصور مصيبة غيره إلا إذا تصّور أنـها واقعة به وبأسرته,, ثم رأيت على شاشة التلفاز منظر مسجد المحيا الذي هُدِم جزء منه, فمن هؤلاء الذين يهدمون المسجد ويقتلون الأبرياء في شهر الصوم والصدقة,, شهر التوبة والمغفرة؟.
وما ذنب هؤلاء الضحايا الذين تناثرت أشلاؤهم، ومزجت دماؤهم أرض المجمع باللون الأحمر القاني؟!.
وأين الأميركان ومباحثهم الذين قتلوا في المحيا؟، وتحت هذه الذريعة قد يفعلون أي شيء يحرّمه شرع الله تحريماً قطعياً من قتل وسلب ونـهب.
لم تحدد السلطات السعودية حتى الآن فيما أعلم هوية الذين نفذوا انفجار المحيا، وليس لنا أن نتحدث عن أمر لا يزال مجهولاً، لكن نفراً من الذين يُنْسَبُون إلى القاعدة في السعودية، أو لنقل بقايا المجاهدين السابقين في أفغانستان يقولون:
ليس لنا علاقة بانفجار المحيا، والذين يقدمون على مثل هذه الأفعال نعرفهم وهم غلاة خطرون.
هذه رسالة مهمة، فقد لا يكون لهم علاقة بـهذا الحدث، ولكن لابد من تذكيرهم بأمور:
منها: أن عالم القاعدة وفي ظل الظروف الراهنة مجهول، ويمكن لمن شاء أن يصدر بياناً ينسب فيه أمراً من الأمور للقاعدة، ولمن شاء أن يصدر بياناً بالنفي.
ومنها: أن القاعدة بعد أن أصبحت رهينة لأفكار مجموعة الجهاد المصرية، وأصدرت فتواها التي اعتبرت الأميركي حيثما كان هدفاً، ولم يكن بين هؤلاء المفتين عالم واحد يعتد بقوله ,,, ونتيجة لهذه الفتوى الخرقاء جاء مسلسل الانفجارات الذي فتح باب الشر على مصراعيه.
نعم قد لا يكون للقاعدة علاقة بأحداث المحيا، ولكن من بابـهم دخل هؤلاء الفتيان الغلاة الأغرار كما دخل غلاة الباطنيين من باب التشيع لآل البيت.
وكما قلت: إذا كان أمر مرتكبي مجزرة المحيا لا يزال مجهولاً، فلنتحدث عما سبقها من انفجارات, سألت من أثق به: من يكون هؤلاء الجناة؟!، فأجابوا:
هم شباب أحداث تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثالثة والعشرين، كان معظمهم عصاة كما كانوا مغرمين بأفلام المغامرات، ثم تابوا قبل عام أو عامين، فانصرفوا إلى مغامرات من نوع آخر سموها جهاداً في سبيل الله، أو هكذا سميت لهم ,,, ومن الأعمال المنكرة التي يزاولونـها بعد توبتهم المزعومة: تزوير جوازات السفر، وتزوير النقد، ولناس منهم علاقات تعاون وشراكة مع نيجيريين يمتهنون هذه المهنة، وسرقة السيارات سواء لاستخدامها في التفجيرات أو لأهداف أخرى، وزيادة على هذا وذاك فهم غلاة يُصْدِرُون أحكامهم بالتكفير والتضليل والتفسيق وفق أهوائهم وأمزجتهم المتقلبة.
مرة أخرى أقول: هذا ما علمته من ثقات، ومن هؤلاء الثقات أقرباء لبعضهم, وأنا في ذلك لا أعمم على كل منهم، ولكن الصالحين العقلاء من الشباب لا يقبلون مثل هذه الأجواء المحمومة، ولا يرضون مثل هذه الأفعال.
أما عن الأسلحة التي تكتشف في فترات متلاحقة، وهل من المعقول أن تكون بمثل هذا الحجم الكبير والمثير للدهشة، ولماذا لا تلجأ السلطة لتخزينها ثم كشفها عندما تعتقل مجموعة منهم لتشويه سمعتهم وليكون لديها غطاء شعبي من أجل مطاردتـهم وسجنهم؟!.
أقول رداً على هذه الأسئلة: تأكد عندي في حادثتين أن هذه الأسلحة هي بالحجم الذي أعلنت عنه قوات الأمن، وأنـها مهربة من بلد عربي مجاور للمملكة وتنشط فيه مثل هذه الأنواع من التهريب، وإني لأستغرب أشد الاستغراب كيف يستمر هذا النوع من التهريب مع معرفة المكان وتوفر المعلومات.
إنني ومنذ ما يزيد على ربع قرن أستنكر وأشجب هذه المغامرات أو المجازفات التي يسمونـها جهاداً ,,, استنكرتـها في مصر ,,, وفي سورية ,,, وفي الجزائر ,,, وفي المغرب ,,, كما استنكرتـها في دار السلام وفي استامبول ,,, ونيويورك وواشنطن ,,, وفي الرياض، وبينت في مؤلفاتي وفي المقالات التي كتبتها ونشرتـها في مجلة السنة الأدلة الشرعية والنقلية التي اعتمدت عليها، وجاءت الأيام لتؤكد صحتها، وكم كنت سعيداً بموقف إخواني في الجماعة الإسلامية المصرية الأخير وعودتـهم إلى جادة الحق.
وأقول الآن بمنتهى الصراحة والوضوح:_إن أحداث [11 سبتمبر 2001 م] كانت غطاء عالمياً لأميركا لاحتلال أفغانستان، وارتكاب العديد من المجازر البشعة والمحرمة في جميع القوانين والمواثيق الدولية، وقتل وجرح أضعاف ما قتل في مركز التجارة العالمي.
ـــ وكانت غطاء لابتداع سجن «غوانتانامو» وغيره من السجون في كل مكان، ثم أصبحت أميركا قادرة على اعتقال وتعذيب من تريد في جميع بلاد الدنيا, ولأول مرة نسمع من يعتقل في بلدان العالم الإسلامي وأوروبا وآسيا وأفريقيا ثم يرحل إلى أميركا، ليلقى فيها حكم رعاة البقر._وكانت غطاء للجزار شارون وحكومته وجيشه لاحتلال المدن الفلسطينية، وهدم المنازل، وقتل وجرح واعتقال وسجن آلاف مؤلفة._وأخيراً وليس آخر فقد كانت أحداث نيويورك غطاء لأمريكا لاحتلال العراق، وقتل وجرح الآلاف، ثم ترك الناس من غير حكومة ولا جيش ولا قوات أمن ينهبون المؤسسات العامة ويستبيحونـها، ويقتل قويهم ضعيفهم، ثم يزعمون بعد ذلك أنـهم جاءوا ليحرروا المواطن العراقي من الطغيان والاستبداد الذي كان يمارسه النظام السابق، مع أن العالم من خلال قناتي الجزيرة والعربية يرى من همجية ووحشية القوات الأمريكية ما لا يحتمل.
وأملنا بأبطال العراق أن يلقنوا القوات الأميركية مزيداً من الدروس التي تردهم إلى صوابـهم - إن كان لهم صواب -، لاسيما وأن حق الدفاع عن الأعراض والأنفس والأوطان مشروع لكل أمة محتلة.
وإذن: نحن المتضررون من مسلسل الانفجارات التي تَحْدُثُ في كل مكان وليس عدونا المتضرر.
أجل نحن المتضررون، وأعني بكلمة «نحن»: الشعوب الإسلامية حيثما كانت، ومن غير استثناء,,, علماء الأمة ودعاتـها ,,, الجماعات والأحزاب الإسلامية ,,, المجاهدون الشرعيون في فلسطين وكشمير وغيرها ,,, هؤلاء كلهم متضررون.
لقد تعطلت آلاف المدارس والمراكز الإسلامية بعد أن وقف عنها الدعم، ومنعنا من دفع زكاة أموالنا وصدقاتنا لمن أوجب الله علينا دفعها لهم، وفرضت قيود على البنوك لا مثيل لها من قبل، وأصبحت الحسابات في البنوك وسيلة من وسائل التجسس ومعرفة أسرار الناس، وسُجِنَ كثير من المسلمين لأنـهم ساعدوا أخاً لهم اتـهم فيما بعد أن له صلة بمجموعة جهادية أو أنـهم قدموا يد العون والمساعدة لأسرته المنكوبة بعد اعتقال من كان يعيلها، ولو أن هذا العون جاء من مؤسسة خيرية غير إسلامية لما تعرضت لأي مساءلة.
المؤسسات الخيرية النصرانية واليهودية والوثنية لم تتضرر، وليتابع من شاء نشاط المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها,,, إنـها تنشط بالتعاون والتنسيق مع المحافظين الإنجيليين في إدارة بوش، ويرسلون جميع أنواع الدعم للنظام الصهيوني الذي أهلك الحرث والنسل في فلسطيننا.
لقد أصبح الإسلام متهماً، وما كان الأمر كذلك قبل هذه الفتن والتفجيرات,,, أصبحنا كلنا بلحانا وثيابنا الإسلامية متهمين, فقبل سنوات أفتى شيوخ هؤلاء المغامرين بجواز السرقة في ديار الغرب وسموها غنيمة، ولن أنسى ما حييت كم أساءت هذه الفتوى لنا ولديننا، وكيف تقنع البريطاني أو الفرنسي أو غيرهما أن ديننا لم يأمر بـهذا، وأن هؤلاء الشباب يعبثون بدين الله؟
وإذا كان الأمر كذلك - وهو حتماً كذلك وأكثر سوءاً - ، فلابد أن يكون لنا جميعاً موقف قوي ليس فيه مجاملة أو مداراة أو تعميم.
فنحن ندين هذه الأفعال لأن ديننا يحرمها ثم نذكر الأسباب التي لا تخفى على المبتدئين من طلاب العلم.
وندين عبث هؤلاء الشباب بدين الله، واستهتارهم بدماء المسلمين والمستأمنين من أي دين كانوا.
وندين هذه الأفعال لأنـها أضرت بنا وأعطت عدونا المبرر لضربنا وإيذائنا.
ولا أرى بعد الآن أن يبحث بعضنا - وبحسن نية - عن أعذار لهؤلاء الجناة كقوله: هذه ردود فعل على انتشار الفساد، والتضييق على الدعاة، وترك الحبل على الغارب للعلمانيين الذين يسيطرون على وسائل الإعلام.
نحن نعرف كيف نواجه العلمانيين، ونفند أباطيلهم، ونكشف الصفحات المطوية التي تفضح تعاونـهم مع كل مستعمر دخيل، ونعرف نفاقهم وخياناتـهم لأوطانـهم ,,, ونعرف كيف ندعو إلى الإصلاح، ورفع نير القهر والاستبداد,, ونعرف كيف نواجه الفساد والمفسدين,, ونعرف كيف لا نمنح عدونا الفرصة التي يبحث عنها ,, وهؤلاء جميعاً واجهناهم وسنواجههم بطريقتنا التي نختارها عن علم وبصيرة، أما التفجيرات والاغتيالات فقد ثبت أنـها أفضل هدية تقدم لأعدائنا في الداخل والخارج.
وأريد في هذا المجال أن أذهب إلى أبعد من هذا، فبيانات الشجب والاستنكار لم تعد تجدي نفعاً، لاسيما وأن بعضنا يخشى من سفاهة المجهولين - والأبوات - في مواقعهم أو يخشى أن يتهم بخدمة السلطات فيحجم عما يجب أن يفعله.
والذي أراه أن يكون للعلماء والدعاة والجماعات خطة شاملة في مواجهة هذه الفتنة كما واجه سلفنا من قبل فتنة الخوارج والإرجاء وغلاة الباطنية، ولا بأس أن يكون من فقرات هذه الخطة إخبار السلطات عن المعلومات المتوافرة لديهم قبل تنفيذها شريطة أن يكون ذلك: اجتهاد هيئة من العلماء والدعاة الثقات وليس اجتهاد فرد، وأن تكون المعلومات المتوافرة أكيدة، وأن يكون القصد من السجن التأديب والإصلاح والحوار، وليس الإذلال والقهر وأخذ البريء بحجة المتهم، وأن يكون هناك تنسيق بين هيئة العلماء الثقات التي تحظى باحترام الناس وبين العقلاء من المسؤولين، وألا يكون ذلك في بلد دون بلد آخر.
إن سجن هؤلاء الشباب وإصلاحهم لا يقارن بانتحارهم وقتل الأرواح البريئة، ومن ثم فنحن لا نريد لهم إلا الخير والهداية، وأن يكون اقدامهم وجهادهم وبطولاتـهم في المواطن الشرعية التي لا مجال للاختلاف فيها بين أهل العلم والرأي.
إن مسلسل الانفجارات مستمر، والأمة تعيش حالة من الذعر يرثى لها، وهذا كله ينعكس بالضرر علينا، وعلى مستقبل دعوتنا ومما أعلمه أن هؤلاء المغامرين الأغرار يريدون توريط علماء الأمة ودعاتـها وجماعاتـها، ولم تعد الأمور تحتمل الصبر والتسويف، فلابد من موقف جماعي ويد الله على الجماعة ,,,