المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صناعة الإرهاب



أبومشعل
05-24-04, 09:57 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد

إن الإرهاب جريمة ، وترويع المسلمين كارثة ، وكل مسلم يعلم أن دينه هو دين الحسنى والمعروف والموعظة الحسنة (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )) الأعراف : 199 وقال عز وجل (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) النحل : 125 .
ولكن هناك قوى تصنع للمسلمين في هذه الأيام إرهابا على مقاسهم ، وتدبج لهم تهما خاصة بهم ، صناعة عالمية وإبداعات محلية ، يشترك فيها أعداء الأمة بحقدهم ، وجهلة الشعوب بسفههم . لا يقصدون بذلك قلة متجاوزة ، أو أفرادا متأولة ، أو جماعات ثائرة على ظلم أو بغي أو عمالة ، وإنما يقصدون وفي المقام الأول ، الدعاة المخلصين ، الذين يملكون زمام الكلمة ، وناصية الحجة ، ودفة التوجيه ، ويحاولون إيقاظ النائم ، وتنبيه الغافل ، وتعليم الجاهل ، وإشعال الخامل ، وذلك خوفا على باطلهم ، وهلعا على مواقعهم ، وهذا بحد ذاته جريمة يقصد بها قتل كل نهضة ، ونسف كل تقدم ومحو كل سيادة أو عزيمة ، وإلا فقل لي بربك : ما يخيف العالم ، أو النظام العالمي من الإسلام الذي زرع السلام !! ، وما يخيف الأديان من الدين الذي قال (( لا إكراه في الدين )) البقرة : 256 . ، وما يرهب المخلصين في الأمة من الرسالة التي أشادت بالمخلصين ، وما الذي يبهت أصحاب الكراسي والعروش العادلة من منهج يثبت ولاة العدل ويفرض طاعتهم ! اللهم إلا إذا كان ذلك باطلا يتزيا ، وجرما يتستر فإنه ينازله .
إن أعداء الإسلام اليوم يريدون أن يثيروا كل إنسان ، وأن يجيشوا كل ملة أو نحلة للقضاء على الحق ودعاته ، وأن يحدثوا دويا مهلكا وصخبا راعدا لمحاربته وإهلاكه ! وتكاد تسمع هذه الضوضاء الراعنة في مقابل الحق على مدار التاريخ سندا للظلم الصارخ والباطل السافر ، يحكي القرآن قصة إبراهيم عليه السلام ، فكأنك تسمع فيها رعشات الأصوات الهوج ونبرات الحناجر الملتاثة ، إذ يقاد إبراهيم تسوقه أفواج الباطل لأنه ثار على الخرافة المتسلطة ، والأوهام المتحكمة والهامات المخرفة ، وأنكر الأباطيل الشامخة والهياكل المعبودة وخرج على النماردة المتسلطين ، ليعيد للإنسانية عقلها الشارد وفكرها الغائب بحجته القوية ولفظه المبين (( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون )) الأنبياء : 52 .
وواصل قرعه للأسماع زمنا حتى كلّ بيانه وبحّ صوته فثار على الأحجار المنصوبة والهراء المضحك . فأقيمت له محاكمة دستورية ومهزلة قانونية ، ويظهر العصر بسلطته كالح الوجه منعدم الضمير محرضا متهما (( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم )) الأنبياء : 60 .


يتبع .........................

أبومشعل
05-24-04, 10:01 PM
وكثيرا ما يسترق السمع على المصلحين وتعد الأنفاس على الراشدين ليتسبب في وصمهم بالإيقاع بهم وتحريض الجماهير عليهم ، وتحين الفرصة وتقول السلطة اللعوب (( قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون )) الأنبياء : 61 .
ويحضر إبراهيم ، وياله من موقف صعب تنمّرت له السلطة وحمست له الجماهير ، وبدأ التحقيق بلغة الثعلب وبمنطق المستدرج (( ء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم )) الأنبياء : 62 .
وليس بأصنامنا وهي الخشب أو بأوثاننا وهي الحجارة بل بلغة التهييج والتهويل واللعب بالمقدسات ( بآلهتنا ) وهنا يقف الإنسان مبهورا لثبات إبراهيم عليه السلام المذهل ورسوخه المدهش حين يقول ساخرا (( بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون )) الأنبياء : 63 .
فكانت صدعة الحق ورعدة من رعدات البرهان ، ولكن إذا كان التدني عميقا والتسفل غائرا والأجواء ملوثة قلما ينجو من هوله مصاب ويخلص من براثنه مستسلم ، يصور ذلك القرآن الكريم
(( فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون )) الأنبياء : 64-65 .
ونرى بعد ذلك احتدام الصدام ونهايته الحتمية وكلمته الفاصلة (( أُفّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون )) الأنبياء : 67 .
وتكشر السلطة عن أنيابها وتتحرك طبيعتها وتصدر أحكامها الملتهبة وقراراتها المحرقة فتقول (( حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين )) الأنبياء : 68 .
وتحريق إبراهيم عليه السلام يعني تحريق كل عقل مفكر ، وكل إرادة حرة ، وكل معتقد سليم ، وكل دعوة للإصلاح وطريق للخلاص واحترام للقيم ، ولكن كل هذا لا قيمة له عند صناع الضياع ، وكم عانت البشرية وتعاني وكم تجرع المصلحون ويتجرعون من مؤلفي الدواهي وقادة السنين العجاف ، ونحن نعيش أياما كل شيء فيها يصنع : الإرهاب يصنع ، وحقوق الإنسان تصنع ، والأزمات تصنع ، والعروش تصنع ، والفكر يصنع ، والإنسان يصنع ، ولكن الحقيقة لا تصنع والإيمان لا يصنع ورجال الصدق لا تصنع ، وإذا عم كل هذا الزيف ، وطم كل هذا الفساد يلتفت الجميع إلى الحقيقة التي لا تغيب والمنهج الذي لا يضل ويقول الناس كل الناس (( ليس لها من دون الله كاشفة )) النجم : 58 .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


معالم على الطريق ج 1 ص 155
د . توفيق الواعي

أبو حمزة الغريب
05-24-04, 11:11 PM
أبو مشعل حياك الله
وجزاك عنا كل خير
وبارك فيك
نقل رائع
أخوك أبو حمزة