المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول استشهاد الشيخ أحمد ياسين



علي بن نايف الشحود
05-18-04, 12:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين
أما بعد :
فهذا مختصر لكتابي المطول حول المئول عن اغتيال الشهيد أحمد ياسين وأمثاله عليهم شآبيب الرحمة
ولكنه لا يغني عن الأصل فقد تركت أبحاثا كثيرة ذكرت مفصلة في الأصل
ولكن هذا المختصر الذي يساوي عشر الكتاب فيه خلاصة رأيي في هذه المسألة الخطيرة
********************
إهداء إلى شيخ المجاهدين الشهيد أحمد ياسين
وإلى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي
وإلى الشهيد عز الدين القسام
وإلى شيخ الإسلام ابن تيمية
وإلى الشهيد حسن البنا
وإلى الشهيد سيد قطب
وإلى الشيخ أسامة بن لادن
وإلى كل الشهداء الأبرار الأخيار الذين رووا هذه الأرض الطاهرة بدمائهم الزكية العطرة
تلميذكم البار
أبو حمزة الشامي 7 صفر 1425 هـ الموافق 28/3/2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على دربهم إلى يوم الدين
أما بعد :
لقد اغتيل الشيخ البطل المجاهد ((أحمد ياسين )) واغتيل من قبله كثيرون وسيغتال كثيرون من الخيار الأبرار الأطهار
فمن هو المسئول عن جرائم الاغتيال هذه؟
وهو سؤال يطرح دائما كلما اغتيل علم من ألام هذه الأمة والجواب لا يكون عادة دقيقا
ويذهب الناس أيدي سبأ فيه
وسوف نقوم باستعراض الإجابات ومناقشتها على ضوء القرآن والسنة وواقع الحال
• أولا : اليهود
لا شك أن غالبية الناس تتجه بأنظارها إلى اليهود الذين قاموا ويقومون بتنفيذ عمليات الاغتيال
هذه
نعم إن اليهود عليهم لعائن الله تترى هم المسئول الأول عن هذه الجرائم الفظيعة وذلك لأمور :
الأول : هم يرون أنه ليس عليهم في الأميين سبيل قال تعالى { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (75) سورة آل عمران
• -لا يتورع اليهود عن ارتكاب أية جريمة في سبيل الوصول إلى أهدافهم
وهذا ديدنهم عبر التاريخ حتى مع الأنبياء والمرسلين قال تعالى :{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (87) سورة البقرة
• - حقدهم على الإسلام والمسلمين :
قال تعالى : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93) البقرة وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود , طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد ; وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها ; ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى , التي تربط البشرية جميعا . . وهكذا عاش اليهود في عزلة , يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة ; ويتربصون بالبشرية الدوائر ; ويكنون للناس البغضاء , ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن , ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتنا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض , وحروبا يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم , ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفىء , وهلاكا يسلطونه على الناس , ويسلطه عليهم الناس . . وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: (بغيا . . أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده). . (وإذا قيل لهم:آمنوا بما أنزل الله قالوا:نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم). . وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام . كانوا يقولون (نؤمن بما أنزل علينا). ففيه الكفاية , وهو وحده الحق , ثم يكفرون بما وراءه . سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام , وما جاءهم به محمد خاتم النبيين . والقرآن يعجب من موقفهم هذا , ومن كفرهم بما وراء الذي معهم (وهو الحق مصدقا لما معهم). . وما لهم وللحق ? وما لهم أن يكون مصدقا لما معهم ! ما داموا لم يستأثروا هم به ? إنهم يعبدون أنفسهم , ويتعبدون لعصبيتهم . لا بل إنهم ليعبدون هواهم , فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به
• محاولة اليهود اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجمعوا لي من كان ها هنا من يهود)) فجمعوا له.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه ؟)).
قالوا: نعم يا أبا القاسم.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أبوكم ؟))
قالوا: أبونا فلان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذبتم بل أبوكم فلان)).
قالوا: صدقت وبررت.
فقال: ((هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم عنه ؟)).
قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أهل النار ؟)).
فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا نخلفكم فيها أبداً)).
ثم قال لهم: ((هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم ؟)).
فقالوا: نعم يا أبا القاسم.
فقال: ((هل جعلتم في هذه الشاة سماً ؟)).
فقالوا: نعم.
قال: ((ما حملكم على ذلك ؟)).
قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك.
وقد رواه البخاري في الجزية، عن عبد الله بن يوسف، وفي (المغازي) أيضاً عن قتيبة كلاهما عن الليث به.
وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا العباس بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة.
فقال لأصحابه: ((أمسكوا فإنها مسمومة)) وقال لها: ((ما حملك على ما صنعت ؟)).
قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبياً، فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذباً أريح الناس منك.
قال: فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه أبو داود، عن هارون بن عبد الله، عن سعيد بن سليمان به.
ثم روى البيهقي عن طريق عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك. (ج/ص: 4/ 238)
وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح، ثنا عباد، عن هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فأرسل إليها فقال: ((ما حملك على ما صنعت ؟)).
قالت: أحببت - أو أردت - إن كنت نبياً، فإن الله سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبياً أريح الناس منك.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئاً احتجم.
قال: فسافر مرة، فلما أحرم وجد من ذلك شيئاً، فاحتجم.
تفرد به أحمد، وإسناده حسن.
وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك، أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك قالت: أردت لأقتلك.
فقال: ((ما كان الله ليسلطك علي)) أو قال: ((على ذلك)).
قالوا: ألا تقتلها؟
قال: ((لا)).
قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه.
ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارفعوا أيديكم)) وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة، فدعاها فقال لها: ((أسممت هذه الشاة ؟)).
قالت اليهودية: من أخبرك؟
قال: ((أخبرتني هذه التي في يدي)) وهي الذراع.
قالت: نعم.
قال: ((فما أردت بذلك ؟)).
قالت: قلت إن كنت نبياً فلن يضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك. فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة.
واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كأهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار.
ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر.
قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال: ((ما حملك على الذي صنعت ؟)).
فذكر نحو حديث جابر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت، ولم يذكر أمر الحجامة.
قال البيهقي: ورويناه من حديث حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها.
وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر، فقال: ((ما هذه ؟)).
قالت: هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل.
قال: فأكل وأصحابه، ثم قال: ((أمسكوا)) ثم قال للمرأة: ((هل سممت ؟)).
قالت: من أخبرك هذا؟
قال: ((هذا العظم لساقها)) وهو في يده.
قالت: نعم.
قال: ((لم ؟)).
قالت: أردت إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
(ج/ص: 4/ 239)
قال: فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل، وأمر أصحابه فاحتجموا، ومات بعضهم.
قال الزهري: فأسلمت، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي: هذا مرسل، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة، وكذلك موسى بن عقبة، عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع، لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور، وهو أحد بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظماً فانتهش منه، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته، استرط بشر بن البراء ما في فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارفعوا أيديكم، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها)).
فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك، لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها، إلا أني أعظمتك أن أبغضك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي.
فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول.
قال الزهري: قال جابر: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه.
فقال: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عداداً، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري)) فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيداً. (ج/ص: 4/ 240)
وقال محمد بن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها.
فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها.
ثم قال: ((إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم)) ثم دعا بها فاعترفت.
فقال: ((ما حملك على ذلك ؟)).
قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان كذاباً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر.
قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أخت بشر بن البراء بن معرور -: ((يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر)).
قال ابن هشام: الأبهر: العرق المعلق بالقلب.
قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هلال بن بشر، وسليمان بن يوسف الحراني، قالا: ثنا أبو غياث سهل بن حماد، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطاً.
فلما بسط القوم أيديهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمسكوا فإن عضو من أعضائها يخبرني أنها مسمومة)).
فأرسل إلى صاحبتها: ((أسممت طعامك ؟)).
قالت: نعم.
قال: ((ما حملك على ذلك ؟)).
قالت: إن كنت كذاباً أن أريح الناس منك، وإن كنت صادقاً علمت أن الله سيطلعك عليه.
فبسط يده وقال: ((كلوا بسم الله)) قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحداً منا.
ثم قال: لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه.
قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة، والله أعلم.
وذكر الواقدي: أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به.
فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها؛ فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني: أهل خيبر -.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذبت رؤياك)) وأخبره بما رأى.
فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شيء، والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمداً على النبوة حيث خرجت من بني هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا. (ج/ص: 4/ 241)
ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر.
قال الحارث: قلت لسلام يملك الأرض ؟
قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.‏
وفي السيرة النبوية :
أمر الشاة المسمومة :
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث ، امرأة سلام بن مشكم ، شاة مصلية وقد (4/ 309) سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقيل لها : الذراع ؛ فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ؛ فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تناول الذراع ، فلاك منها مضغة ، فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأما بشر فأساغها .
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ، فاعترفت ؛ فقال : ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكاً استرحت منه ، وإن كان نبياً فسيخبر ، قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ومات بشر من أكلته التي أكل
قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : يا أم بشر ، إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر .
قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة . (4/ 310)‏
وكذلك فعل بنو النضير ففي السيرة النبوية :
محاولتهم الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر ، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما ، كما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف . فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين ، قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضهم ببعض ، فقالوا : إنكم (4/ 144) لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب ، أحدهم ، فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، رضوان الله عليهم .‏
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ؛ بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ، فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلا المدينة . فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم
قال ابن إسحاق : ثم سار بالناس حتى نزل بهم .‏
من صفات اليهود في القرآن الكريم
• الكفر بآيات الله والصد عن سبيل الله
قال تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (99) سورة آل عمران
• عدم تمنيهم الموت وحرصهم على الحياة
قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) سورة البقرة
• ومن صفاتهم الخسيسة الإيمان بالطاغوت والكفر بالحق
قال تعالى : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت , ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ? أولئك الذين لعنهم اللّه , ومن يلعن اللّه فلن تجدله نصيراً . . . [ النساء:51 - 52 ]
• أشد الناس عداوة للمؤمنين :
قال تعالى : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (82) سورة المائدة
وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الرباني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة , فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائما أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا !
لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة . وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة . وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل , والتي لم تخب لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا , وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعا .
لقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم أول مقدمه إلى المدينة , معاهدة تعايش مع اليهود ; ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة . . ولكنهم لم يفوا بهذا العهد - شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل , حتى قال الله فيهم:(ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ? بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون)
ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام , فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج , ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تعد لليهود فرصة للتسلط !
ولقد استخدموا كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية , وأفادتها من قرون السبي في بابل , والعبودية في مصر , والذل في الدولة الرومانية . ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ , فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول .
ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة ; وراحوا يجمعون القبائل المتفرقةلحرب الجماعة المسلمة: (ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) .
ولما غلبهم الاسلام بقوة الحق - يوم أن كان الناس مسلمين - استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه - ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين , وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار . ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في انحاء الأرض . . حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الارض ; وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة , وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين , ويشنونها حربا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين !
وصدق الله العظيم: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا). .
إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة ; وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم ; وبين قريش في مكة , وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . يهودي . .
والذي ألب العوام , وجمع الشراذم , وأطلق الشائعات , في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات . . يهودي . .
والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الروايات والسير . . يهودي . .
ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة ; ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال "الدستور" بها في عهد السلطان عبدالحميد , ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي "البطل" أتاتورك . . يهودي . .
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود !
ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية . . يهودي . . ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي . . ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود !
ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا , وأعرض مجالا , من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا . . إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها . . وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول . وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة ; ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية . . [ التي تعد الماركسية مجرد فرع لها ] وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية , التي سنتعرض لها في الفقرة التالية .
فإذا سمعنا الله - سبحانه - يقول:
(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا). .
ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا . . ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي , فإننا ندرك طرفا من حكمة الله في تقديم اليهود الذين أشركوا !
إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة , التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام وعلى نبي الإسلام , فيحذر الله نبيه وأهل دينه منها . . ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله ! . . ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه . .
ولقد كان أهل الكتاب وقتها - وما يزالون حتى اليوم - يشهدون الحق واضحا في هذا الدين . سواء منهم المطلعون على حقيقة ما جاء في كتبهم عنه من بشارات وإشارات - وكان بعضهم يصرح بما يجد من هذا كله وبعضهم يسلم بناء على هذا الذي يجده في كتبه ويشهده متحققا أمامه - وسواء كذلك غير المطلعين , ولكنهم يجدون في الإسلام من الحق الواضح ما يدعو إلى الإيمان . . غير أنهم يكفرون . . لا لنقص في الدليل . ولكن للهوى والمصلحة والتضليل . . والقرآن يناديهم: يا أهل الكتاب . . لأنها الصفة التي كان من شأنها أن تقودهم إلى آيات الله وكتابه الجديد .
كذلك يناديهم مرة أخرى ليفضح ما يقومون به من لبس الحق بالباطل لإخفائه وكتمانه وتضييعه في غمار الباطل , على علم وعن عمد وفي قصد . . وهو أمر مستنكر قبيح !
وهذا الذي ندد الله به - سبحانه - من أعمال أهل الكتاب حينذاك , هو الأمر الذي درجوا عليه من وقتها حتى اللحظة الحاضرة . . فهذا طريقهم على مدار التاريخ . . اليهود بدأوا منذ اللحظة الأولى . ثم تابعهم الصليبيون !
وفي خلال القرون المتطاولة دسوا - مع الأسف - في التراث الإسلامي ما لا سبيل إلى كشفه إلا بجهد القرون ! ولبسوا الحق بالباطل في هذا التراث كله - اللهم إلا هذا الكتاب المحفوظ الذي تكفل الله بحفظه أبد الآبدين - والحمد لله على فضله العظيم .
دسوا ولبسوا في التاريخ الإسلامي وأحداثه ورجاله . ودسوا ولبسوا في الحديث النبوي حتى قيض الله له رجاله الذين حققوه وحرروه إلا ما ند عن الجهد الإنساني المحدود . ودسوا ولبسوا في التفسير القرآني حتى تركوه تيها لا يكاد الباحث يفيء فيه إلى معالم الطريق . ودسوا ولبسوا في الرجال أيضا . فالمئات والألوف كانوا دسيسة على التراث الإسلامي - وما يزالون في صورة المستشرقين وتلاميذ المستشرقين الذين يشغلون مناصب القيادة الفكرية اليوم في البلاد التي يقول أهلها:إنهم مسلمون . والعشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على عين الصهيونية والصليبية , ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين !
وما يزال هذا الكيد قائما ومطردا . وما تزال مثابة الأمان والنجاة منه هي اللياذ بهذا الكتاب المحفوظ ; والعودة إليه لاستشارته في المعركة الناشبة طوال هذه القرون .
كذلك يعرض بعض المحاولات التي يبذلها فريق من أهل الكتاب لبلبلة الجماعة المسلمة في دينها , وردها عن الهدى , من ذلك الطريق الماكر اللئيم:
(وقالت طائفة من أهل الكتاب:آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون . ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم . . .). .
وهي طريقة ماكرة لئيمة كما قلنا . فإن إظهارهم الإسلام ثم الرجوع عنه , يوقع بعض ضعاف النفوس والعقول وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته . . يوقعهم في بلبلة واضطراب . وبخاصة العرب الأميين , الذين كانوا يظنون أن أهل الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب . فإذا رأوهم يؤمنون ثم يرتدون , حسبوا أنهم إنما ارتدوا بسبب إطلاعهم على خبيئة ونقص في هذا الدين . وتأرجحوا بين اتجاهين فلم يكن لهم ثبات على حال .
وما تزال هذه الخدعة تتخذ حتى اليوم . في شتى الصور التي تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل . .
ولقد يئس أعداء المسلمين أن تنطلي اليوم هذه الخدعة , فلجأت القوى المناهضة للإسلام في العالم إلى طرق شتى , كلها تقوم على تلك الخدعة القديمة .
إن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيشا جرارا من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين - وأحيانا كتاب وشعراء وفنانين وصحفيين - يحملون أسماء المسلمين , لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة ! وبعضهم من "علماء" المسلمين !
هذا الجيش من العملاء موجه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب , في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة . وتوهين قواعدها من الأساس . والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء . وتأويلها وتحميلها ما لا تطيق . والدق المتصل على "رجعيتها" ! والدعوة للتلفت منها . وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقا عليها من الحياة أو إشفاقا على الحياة منها ! وابتداع تصورات ومثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومثلها . وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية . وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخر في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثرا ! ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرفون النصوص !
وهم بعد مسلمون ! أليسوا يحملون أسماء المسلمين ? وهم بهذه الأسماء المسلمة يعلنون الإسلام وجه النهار . وبهذه المحاولات المجرمة يكفرون آخره . . ويؤدون بهذه وتلك دور أهل الكتاب القديم . لا يتغير إلا الشكل والإطار في ذلك الدور القديم !
وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض:تظاهروا بالإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم . وليكن هذا سرا بينكم لا تبدونه ولا تأتمنون عليه إلا أهل دينكم:
(ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم). .
وفعل الإيمان حين يعدى باللام يعني الاطمئنان والثقة . أي ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم , ولا تفضوا بأسراركم إلا لهؤلاء دون المسلمين !
وعملاء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك . . إنهم متفاهمون فيما بينهم على أمر . . هو الإجهاز على هذه العقيدة في الفرصة السانحة التي قد لا تعود . . وقد لا يكون هذا التفاهم في معاهدة أو مؤامرة . ولكنه تفاهم العميل مع العميل على المهمة المطلوبة للأصيل ! ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إلى بعض . . ثم يتظاهرون - بعضهم على الأقل - بغير ما يريدون وما يبيتون . . والجو من حولهم مهيأ , والأجهزة من حولهم معبأة . . والذين يدركون حقيقة هذا الدين في الأرض كلها مغيبون أو مشردون !
(ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم). .
وهنا يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى الله ; وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبدا في أي منهج ولا في أي طريق:
(قل:إن الهدى هدى الله). .
ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم . فهو الخروج من هدى الله كله . فلا هدى إلا هداه وحده . وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون .
يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها . . ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض:
(أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم , أو يحاجوكم عند ربكم). .
بهذا يعللون قولهم: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم). . فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب . وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب , ثم ينكرونها , عن هذا الدين , ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله ! - كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع ! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته ; ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات , وتكاليف الإيمان والاعتقاد !
ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول:
(قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء , والله واسع عليم . يختص برحمته من يشاء , والله ذو الفضل العظيم). .
وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب ; بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله ; ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم ; وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل ; وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم ; وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم ; وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم . وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين . . عندئذ سلم القيادة , وناط الأمانة , بالأمة المسلمة . فضلا منه ومنة . (والله واسع عليم). . (يختص برحمته من يشاء). . عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته . . (والله ذو الفضل العظيم). . وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب . وبالخير ممثلا في رسالة . . وبالرحمة ممثلة في رسول .
فإذا سمع المسلمون هذا احسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار الله لهم , واختصاصه إياهم بهذا الفضل . واستمسكوا به في إعزاز وحرص , وأخذوه بقوة وعزم , ودافعوا عنه في صرامة ويقين , وتيقظوا لكيدالكائدين وحقد الحاقدين . وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم . وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل .
• ومن طبيعة اليهود الجبن والغدر والخيانة وعدم المواجهة والمقاتلة من وراء جدر
قال تعالى :{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} (14) سورة الحشر
****************
أقول:
بعد هذا البيان والتفصيل عنهم من الله تعالى فهذا أمر طبيعي في كيانهم وحياتهم كلها ولا شك أنهم المسئول الأول عن هذه الاغتيالات بل والاغتيالات في التاريخ
وواجب علينا أن نرد عليهم بالمثل
قال تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} (126) سورة النحل
ولذلك يجوز قتل كل زعيم يهودي بل كل يهودي في فلسطين ذكر أو أنثى فكلهم محاربون وكل من يساعدهم أو يعاونهم كذلك
وكل من اشترك بالقتال منهم أو ساعد عليه بأي وجه يجوز قتله كبيرا أو صغيرا ذكرا أو أنثى في أي مكان كان
وإذا كنا لا نستطيع قتلهم إلا بالعمليات الإستشهادية فحيهلا وهو من أعلى أنواع الجهاد في سبيل الله إذ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب
والعمليات الاستشهادية ليست قاصرة على اليهود في فلسطين بل في كل مكان يدعم اليهود ويؤيدهم على المسلمين
****************
وهناك قوم آخرون يرون أن المسئول عن اغتيال الشيخ احمد ياسين (( عليه شأبيب الرحمة والرضوان )) هي أمريكا والتي دعمت اليهود وما زالت تدعمهم بكل قوة وتدافع عنهم في كل محفل بل وتصف المقاومة الإسلامية (حماس) بأنها إرهابية وهي التي أعطت الضوء الأخضر لشارون وغيره من زعماء اليهود بذبح المسلمين والمجاهدين وكل من يقول لليهود لا ، بأية وسيلة كانت وهي التي جففت منابع الخير عن المقاومة الإسلامية ومنعت أية مساعدة لهم ليموتوا جوعا وفقرا وقهرا وهي التي صادرت أموال الجمعيات الخيرية حتى جمعيات إعالة اسر الشهداء أو كفالة اليتيم لأنها ستفرخ إرهابيين على حد زعم أمريكا وهي التي تقوم بحملتها الشعواء على ملاحقة المسلمين المخلصين والمجاهدين في كل مكان باسم محاربة الإرهاب وهي التي تدفع المليارات لمحاربة المسلمين في كل مكان وهي التي تذبح المسلمين في أفغانستان وفي العراق وفي كل مكان
فنقول لهم :
كل ما ذكرتموه عن جرائم أمريكا صحيح تماما وهي لا شك الشريك الكبر في كل هذه الاغتيالات والمسئول الثاني عنها
ولكن هل هذا غريب على القوم ؟؟!!
لا
بل لا فرق بين اليهود والنصارى في عدائهم للمسلمين منذ أن جاء الإسلام وإلى قيام الساعة
قال تعالى عنهم : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (109) سورة البقرة
وقال تعالى : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (120) سورة البقرة
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله :
كذلك صدق الواقع التاريخي ما حذر الله الأمة المسلمة إياه ; من اليهود ومن النصارى سواء 0 وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة ; في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة ; وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم 00 فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم - فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه 0 وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك ; يلاقون من ظلمها الوبال ! - أما التيار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط - إلا في الظاهر - منذ التقى الإسلام والرومان على ضفاف اليرموك ! لقد تجلت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان , كما تجلت في حروب الابادة التي شنتها الصليبية على الاسلام والمسلمين في الاندلس ر , ثم في حملات الاستعمار والتبشير على المماليك الإسلامية في إفريقية أولا , ثم في العالم كله أخيرا . .
ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبة العالمية حليفتين في حرب الإسلام - على كل ما بينهما من أحقاد - ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير: (بعضهم أولياء بعض)حتى مزقوا دولة الخلافة الأخيرة 0 ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدين عروة عروة . وبعد أن أجهزوا على عروة(الحكم)ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة "الصلاة " !
ثم ها هم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنين 0 فيؤيدون الوثنية حيثما وجدت ضد الإسلام 0 عن طريق المساعدات المباشرة تارة , وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى ! وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد .
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كل مكان على وجه الأرض . وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم , ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام , في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال !
هذا موجز سريع لما سجله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرنا ; من موقف اليهودية والصليبية تجاه الإسلام ; لا فرق بين هذه وتلك ; ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام , والحقد عليه ,والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان .
وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدا ; فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة ; التي تنظر إلى أوائل مثل هذا النص القرآني - دون متابعة لبقيته ; ودون متابعة لسياق السورة كله , ودون متابعة لتقريرات القرآن عامة , ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدق هذا كله - ثم تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد ; الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها , وهي بصدد الضربة الأخيرة الموجهة إلى جذور العقيدة .
إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئا أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة - مهما قل عددها وعدتها - فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة . وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة ; ولكن ضررهم لا يقل - حينئذ - عن ضرر أعدى الأعداء , بل إنه ليكون أشد أذى وضرا .
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ; وهو لا يناقض بعضه بعضا , فلنقرأه إذن على بصيرة . .
وسيظل اليهود والنصارى يحاربونك , ويكيدون لك , ولا يسالمونك ولا يرضون عنك , إلا أن تحيد عن هذا الأمر , وإلا أن تترك هذا الحق , وإلا أن تتخلى عن هذا اليقين , تتخلى عنه إلى ما هم فيه من ضلال وشرك وسوء تصور كالذي سبق بيانه منذ قليل:
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (120)
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). .
فتلك هي العلة الأصيلة . ليس الذي ينقصهم هو البرهان ; وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق , وأن الذي جاءك من ربك الحق . ولو قدمت إليهم ما قدمت , ولو توددت إليهم ما توددت . . لن يرضيهم من هذا كله شيء , إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق .
إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان . . إنها هي العقيدة . هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة . . إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما ; وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها , ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين !
إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها . ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى , ويرفعان عليها اعلاما شتى , في خبث ومكر وتورية . إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة . ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا اعلام المعركة . . لم يعلنوها حربا باسم العقيدة - على حقيقتها - خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها . إنما أعلنوها باسم الأرض , والاقتصاد , والسياسة , والمراكز العسكرية . . وما إليها . وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها ! ولا يجوز رفع رايتها , وخوض المعركة باسمها . فهذه سمة المتخلفين المتعصبين ! ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها . . بينما هم في قرارة نفوسهم:الصهيونية العالمية والصليبية العالمية - بإضافة الشيوعية العالمية - جميعا يخوضون المعركة أولا وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلا , فأدمتهم جميعا !!!
إنها معركة العقيدة . إنها ليست معركة الأرض . ولا الغلة . ولا المراكز العسكرية . ولا هذه الرايات المزيفة كلها . إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين . ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها , فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا . ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته , وهو - سبحانه - أصدق القائلين:
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). .
فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه . وما سواه فمرفوض ومردود !
ولكن الأمر الحازم , والتوجيه الصادق:
(قل:إن هدى الله هو الهدى). .
على سبيل القصر والحصر . هدى الله هو الهدى . وما عداه ليس بهدى . فلا براح منه , ولا فكاك عنه , ولا محاولة فيه , ولا ترضية على حسابه , ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير , ومن شاء فليؤمن , ومن شاء فليكفر . وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم , أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق .
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير). .
بهذا التهديد المفزع , وبهذا القطع الجازم , وبهذا الوعيد الرعيب . . ولمن ? لنبي الله ورسوله وحبيبه الكريم !
إنها الأهواء . . إن أنت ملت عن الهدى . . هدى الله الذي لا هدى سواه . . وهي الأهواء التي تقفهم منك هذا الموقف ; وليس نقص الحجة ولا ضعف الدليل .
**********
وأمريكا اليوم هي أشبه بفرعون زمانه
قال تعالى عنه في سورة النازعات : وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)
ويقول تعالى عن فرعون : { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (29) سورة غافر
وقال تعالى : (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) غافر
وقال تعالى عن جرائم فرعون كجرائم أمريكا اليوم تماما :
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) الأعراف
وقال تعالى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) طه
وقال تعالى عن جرائم فرعون في سورة القصص: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
وكذلك بين الله نتيجة الظلم والعدوان والعلو في الأرض وهو الهلاك والدمار مهما ظهر للناس غير ذلك
قال تعالى في سورة الفجر : أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)
ويقول تعالى : (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ (42) هود
وبين تعالى أن العاقبة للمتقين دائما
قال تعالى : {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (83) سورة القصص
وهكذا ستكون نهاية أمريكا ومن سار بركابها من الكفار والفجار في هذه الأرض ولا يغترن أحدا بقوتهم
قال تعالى عن أمثالهم : ) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) فصلت
وقال تعالى :
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) آل عمران
وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) آل عمران

****************

و ذهب قوم آخرون إلى أن المسئول عن هذه الاغتيالات هم أهل أوروبا
وذلك لأنهم الذين قضوا على الخلافة الإسلامية وهم الذين مكنوا لليهود في فلسطين وهم الذين فرقوا الدولة ا لإسلامية أيدي سبأ وزرعوا الفتن والضغائن والشرور بين أبناء المسلمين وهم الذين وضعوا مناهج الكفر والضلال في بلاد الإسلام وأقصوا شريعة الله من الحياة وهم الذين نصبوا علينا تلاميذهم الذين تربوا في أحضانهم وارتبطوا بهم لينفذوا لهم كل ما يريدون من شر وكيد وتآمر على هذه الأمة
وهم الذين يقفون حجرة عثرة أمام أي إصلاح في العالم الإسلامي
وهم الذين يعتبرون المجاهدين إرهابيون كما تقول أمريكا تماما حيث يسيرون بركابها حذو القذة بالقذة
وهم الذين يدربون هذه الأنظمة المصطنعة على كيفية قمع الشعوب بكل الوسائل القميئة وهم الذين يبيعونهم السلاح وغيره
وهم وهم 0000
فيقال : نعم هم كذلك بلا شك وأشد من ذلك وهم الشريك الثالث في عمليات الاغتيال في كل مكان
ولكن هل هذا غريب على القوم ؟؟؟!!!
كلا وألف كلا
فهؤلاء القوم كانوا ومازالوا من ألد أعداء الإسلام
فهم الذين يقولون : دمّروا الإسلام أبيدوا أهله (( انظر اعترافاتهم بالكتاب ))
فهل بعد هذا الكلام يشك عاقل في ضلوعهم بالمؤامرة الدنيئة ؟؟
ولذلك لا عهد لهم ولا ذمة
قال تعالى : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) التوبة
إن المسلمين يواجهون أعداء يتربصون بهم ; ولا يقعد هؤلاء الأعداء عن الفتك بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك . لا يقعدهم عهد معقود , ولا ذمة مرعية , ولا تحرج من مذمة , ولا إبقاء على صلة . . ووراء هذا التقرير تاريخ طويل , يشهد كله بأن هذا هو الخط الأصيل الذي لا ينحرف إلا لطارئ زائل , ثم يعود فيأخذ طريقه المرسوم !
وقد جاءت السنة النبوية المطهرة مؤكدة استمرارية هذا العداء حتى قيام الساعة
ففي مسند أحمد :
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ قَالَ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْتُ لَهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكُمُ الرُّومُ وَإِنَّمَا هَلَكَتُهُمْ مَعَ السَّاعَةِ ».
ففي مصنف ابن أبي شيبة : . ( 40 ) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : { فَارِسُ نَطْحَةٌ أَوْ نَطْحَتَانِ ثُمَّ لَا فَارِسَ بَعْدَهَا أَبَدًا وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ أَصْحَابُ بَحْرٍ وَصَخْرٍ كُلَّمَا ذَهَبَ قَرْنٌ خَلَفَ قَرْنٌ مَكَانَهُ , هَيْهَاتَ إلَى آخَرِ الدَّهْرِ هُمْ أَصْحَابُكُمْ مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ } .صحيح مرسل
وفي سنن أبي داود :
جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنِ الْهُدْنَةِ قَالَ قَالَ جُبَيْرٌ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِى مِخْبَرٍ - رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- - فَأَتَيْنَاهُ فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنِ الْهُدْنَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِى تُلُولٍ فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ ». صحيح
وفي صحيح ابن حبان :
[ 6708 ] أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن حسن بن عطية عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن ذي مخبر بن أخي النجاشي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تصالحون الروم صلحا آمنا حتى تغزوا أنتم وهم عدوا من ورائهم فتنصرون وتغنمون وتنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول فيقول قائل من الروم غلب الصليب ويقول قائل من المسلمين بل الله غلب فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منه غير بعيد فيدقه وتثور الروم إلى كاسر صليبهم فيضربون عنقه ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة فتقول الروم لصاحب الروم كفيناك العرب فيجتمعون للملحمة فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا
[ 6709 ] أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني حسان بن عطية قال مال مكحول إلى خالد بن معدان وملنا معه فحدثنا عن جبير بن نفير أن ذا مخبر بن أخي النجاشي حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستصالحون الروم صلحا آمنا حتى تغزوا أنتم وهم عدوا من ورائهم فتنصرون وتسلمون وتغنمون حتى تنزلوا بمرج فيقول قائل من الروم غلب الصليب ويقول قائل من المسلمين بل الله غلب ويتداولونها وصليبهم من المسلمين غير بعيد فيثور إليه رجل من المسلمين فيدقه ويثورون إلى كاسر صليبهم فيضربون عنقه ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة فيأتون ملكهم فيقولون كفيناك جزيرة العرب فيجتمعون للملحمة فيأتون تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا
ولقد وقف بنو إسرائيل في وجه الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل , وحاربوه بشتى الوسائل والطرق حربا شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم . حاربوه بالاتهام: (فلما جاءهم بالبينات قالوا:هذا سحر مبين). . كما قال الذين لا يعرفون الكتب ولا يعرفون البشارة بالدين الجديد . وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي , للإيقاع بين المهاجرين والأنصار في المدينة , وبين الأوس والخزرج من الأنصار . وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة . وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع في غزوة الأحزاب . وحاربوه بالإشاعات الباطلة كما جرى في حديث الإفك على يد عبدالله بن أبي بن سلول , ثم ما جرى في فتنة عثمان على يد عدو الله عبدالله بن سبأ . وحاربوه بالأكاذيب والإسرائيليات التي دسوها في الحديث وفي السيرة وفي التفسير - حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم .
ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة . فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام , وظلتا تغيران عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال . حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق , وحاربوه في الأندلس في المغرب , وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة الأخيرة حربا شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه "الرجل المريض" . . واحتاجوا أن يخلقوا أبطالا مزيفين في أرض الإسلام يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد الإسلام . فلما أرادوا تحطيم "الخلافة " والإجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي صنعوا في تركيا "بطلا" ! . . ونفخوا فيه . وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل الأستانة أمامه لتحقق منه بطلا في أعين مواطنيه . بطلا يستطيع إلغاء الخلافة , وإلغاء اللغة العربية وفصل تركيا عن المسلمين , وإعلانها دولة مدنية لا علاقة لها بالدين ! وهم يكررون صنع هذه البطولات المزيفة كلما أرادوا أن يضربوا الإسلام والحركات الإسلامية في بلد من بلاد المسلمين , ليقيموا مكانه عصبية غير عصبية الدين ! وراية غير راية الدين
وهناك بشارة للمؤمنين ففي مسند أحمد بسند صحيح حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِى أَبُو قَبِيلٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى وَسُئِلَ أَىُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلاً الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حِلَقٌ. قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَاباً . قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَىُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلاً قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةَُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلاً ». يَعْنِى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.

****************
يتبع

علي بن نايف الشحود
05-18-04, 01:07 AM
وهناك رأي رابع يردده بعض الناس وهو أن سبب اغتيال الشيخ أحمد ياسين وأمثاله هو أنه لم يكونوا يتخذون الاحتياطات اللازمة لمنع جريمة الاغتيال
فيقال لهؤلاء :
إن هذا غير صحيح بل كانوا يتخذون الاحتياطات اللازمة ولكن هل تنفع وحدها ؟
الم يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم الاحتياطات اللازمة عند الهجرة ومع هذا استطاع الأعداء تتبع الأثر والوصول إلى الغار وكذلك اتباع سراقة لهم ؟
فلا بد من الأخذ بالأسباب المشروعة مع التوكل التام على الله تعالى
ولكن أكثر من يردد هذه المقولة هم المنافقون وقد فضحهم الله تعالى في كتابه العزيز قفال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) سورة آل عمران
وقال تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران
وكذلك ادعاؤهم أن الشيخ وأمثاله قد القوا بأنفسهم إلى التهلكة لعدم قدرتهم على مواجهة العدو
فيقال لهم :
إن الآية التي تظنون أنها تخدمكم في زعمكم هذا هي عليكم قال تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (195) سورة البقرة
ففي سنن أبي داود بسند صحيح عَنْ أَسْلَمَ أَبِى عِمْرَانَ قَالَ : غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ : مَهْ مَهْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلاَمَ قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيمُ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَالإِلْقَاءُ بِالأَيْدِى إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.

وقال تعالى حكاية عن بني إسرائيل: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) سورة البقرة
إن أولئك القوم يريدون نصرا دون ثمن ومتى كان ذلك في التاريخ كله ؟؟
قال تعالى : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (140) سورة آل عمران
ولقد كان الله - سبحانه - قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى , وبلا كد من المؤمنين ولا عناء . وكان قادرا أن ينزل الملائكة تقاتل معهم - أو بدونهم - وتدمر على المشركين , كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط . .
ولكن المسألة ليست هي النصر . . إنما هي تربية الجماعة المسلمة , التي تعد لتتسلم قيادة البشرية . . البشرية بكل ضعفها ونقصها ; وبكل شهواتها ونزواتها ; وبكل جاهليتها وانحرافها . . وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة . وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق , وثبات على الحق , وصبر على المعاناة , ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية , وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف , ووسائل العلاج . . ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة . وصبر على الشدة بعد الرخاء . وطعمها يومئذ لاذع مرير ! . .
وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة , ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق , الذي ينوطه بها في هذه الأرض . وقد شاء - سبحانه - أن يجعل هذا الدور من نصيب "الإنسان" الذي استخلفه في هذا الملك العريض !
وقدر الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه , بشتى الأسباب والوسائل , وشتى الملابسات والوقائع . . يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة , فتستبشر , وترتفع ثقتها بنفسها - في ظل العون الإلهي - وتجرب لذة النصر , وتصبر على نشوته , وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء , وعلى التزام التواضع والشكر لله . . ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة . فتلجأ إلى الله , وتعرف حقيقة قوتها الذاتية , وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله . وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي مع ذلك على الباطل , بما عندها من الحق المجرد ; وتعرف مواضع نقصها وضعفها , ومداخل شهواتها , ومزالق أقدامها ; فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة . . وتخرج من النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد . . ويمضي قدر الله وفق سنته لا يتخلف ولا يحيد . .
وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد ; الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة - على نحو ما نرى في هذه الآيات - وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين
وكذلك لا بد من التسليم بقدر الله تعالى في هذا الكون فلا يجري شيء إلا بإذن الله
قال تعالى :{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) سورة الحديد
************************************
ورأي خامس يقول :
إن المسئول عن ذلك هم السلطة الفلسطينية (( جماعة عرفات والخونة ))
والدليل على ذلك أنه لم يؤت بهؤلاء إلا لقمع الانتفاضة الأولى وقد فعلوا الأفاعيل في مناطق ما يسمى بالحكم الذاتي
حيث دكوا الكثيرين في السجون وقتلوا الكثير ودمروا البنى التحتية لحماس والجهاد ونهبوا وسلبوا
وهم الذين فرضوا الإقامة الجبرية على الشيخ
وهم الذين يدلون على عورات المسلمين مقابل لعاعة من الدنيا
وهم الذين يمنعون العمليات الاستشهادية ويصادرون الأسلحة
وهم الذين ينددون بالعمليات الاستشهادية ويقولون إنها تضر بعملية السلام
وهم وهم 0000
فيقال لهم هذا كله صحيح ولا شك أنهم مشتركون بالجريمة اشتراكا مباشرا
قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (77) سورة النساء
وكذلك يحرم دم المسلم وماله وعرضه
ففي مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا ». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ».
وفي سنن أبي داود عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ مَالُهُ وَعِرْضُهُ وَدَمُهُ حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ».
ويحرم خذلان المسلم :
ففي سنن الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وفي مسند أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ ».
ويحرم تسليمه للعدو أو المرض أو الجهل أو الجوع
ففي البخاري عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
وفي وراية عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ ».
وفي سنن البيهقي بسند حسن عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ عَلَى جَبْهَتِهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ».
وفي الطبراني الصغير :[ 565 ] عن أبي بكرة رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن أهل السماء وأهل الأرض اجتمعوا على قتل مسلم لكبهم الله جميعا على وجوههم في النار وهو حديث حسن لغيره
***************
وأما زعمهم بأن العمليات الاستشهادية تؤثر على عملية السلام فيقال لهم :
كذبتم فقد مر ت لم يكن فيها عمليات استشهادية فلم لم تكملوا المسلسل ؟
واليهود لم يتركوا مسلسل القتل والتدمير يوما واحدا
فالذي يتعلق بما يسمى مسلسل المسيرة السلمية فهو كذاب أشر وعميل خائن ومفتر على الله ورسوله كائنا من كان
ولكن السلطة الفلسطينية وجودها مرهون بسحق الانتفاضة وتصفية كوادرها فإن عجزت عن تحقيق هذا الهدف (( وهي عاجزة قطعا )) فهي لم تؤد الدور المرسوم لها فهي ليست شريكة في عملية السلام كما يقول قادة اليهود لعنهم الله
وقد نسي الناس أصل المسمى بعرفات فلا اسمه ياسر ولا عنده ولد اسمه عرفات بل هو اسم حركي
وهو من أكبر المجرمين بحق قضية فلسطين ولجرائمه حاز ما حاز ونال ما نال
قال تعالى :{ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (227) سورة الشعراء
ومن هنا نقول :
إن السلطة الفلسطينية لا فرق بينها وبين اليهود بل هي أشد وأنكى وهؤلاء تولوا الكفار والفجار فهم منهم وحكمهم حكمهم سواء بسواء
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة
**************
وهناك رأي سادس يقول :
إن المسئول عن هذه الجرائم هم حكام العرب جميعا
فهم الذين يمنعون أية مساعدة للانتفاضة
وهم الذين يمنعون المظاهرات في بلادهم
وهم الذين يؤازرون العدو
وهم الذين يحمون حدود الكيان الصهيوني
وهم الذين يذرون الرماد بأعين الشعوب
وهم الذين ربوا شعوبهم على الذل والهوان والتطبيل لهم
وهم يطاردون أرباب الصحوة الإسلامية في كل مكان
وهم الذين يسارعون للارتماء في أحضان أعداء الإسلام
وهم الذين يملئون سجونهم بالأخيار الأبرار
وهم الذين باعوا الأمة بثمن بخس
وهم الذين نهبوا خيرات الأمة وسلموها للعدو
وهم الذين يفتحون بلدانهم لكل شر ورذيلة وفجور
وهم الذين يحكمون بشرائع الجاهلية
وهم وهم 000
فيقال لهؤلاء :
كل ما قلتموه صحيح بل هذا غيض من فيض جرائم حكام العرب
ولذلك نجد أن هؤلاء الحكام لا يمثلون إلا من نصبهم وهم اليهود والنصارى فلا علاقة لهم بشعوبهم لا من قريب ولا من بعيد
وكل منهم يقول لشعبه ما قال فرعون من قبل { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (29) سورة غافر
ولا خير في الأمة ما دام هؤلاء على رأسها
ولا يشك عاقل في كفرهم وزندقتهم وردتهم وضلالهم وفسوقهم وعصيانهم
فهم الذين يحكمون بشرائع الجاهلية ويمنعون شرع الله تعالى قال تعالى : يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) المائدة

تحاكمهم إلى الطاغوت
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) سورة النساء

توليهم للكفار قال تعالى :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة
****************
ويجب جهاد هؤلاء بكل قوة دون هوادة فهم سبب كل بلية ورأس كل شر

وأمّا الجهاد في سبيل اللـه تعالى، فهو ضدّ المرتدّين قبل غيرهم، لأنّ رأس المال مقدّم على الربح وتحقيق الزيادة، أمّا الدليل على ردّة هؤلاء الحكّام وردّة طوائفهم فهو بسبب تبديلهم شريعة الرحمن وموالاتهم لليهود والنصارى والشيوعيين، ومعاداتهم المؤمنين والموحّدين وأتباع الرسل، ومن فعل هذه الأفاعيل فهو بإجماع الأمّة المسلمة التي خلت أنّه كافر مرتدّ، وإليك الدليل ردّة من بدّل شريعة الرحمن وحكم بشريعة الشيطان ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً باتّفاق الفقهاء" .
والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود، ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد الأدلّة من القرآن والسنّة إنّ ممّا اتّفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد اللـه في العبادة والقصد والطلب، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]، وكان ممّا يدخل في عبادة اللـه تعالى، بل هو قاعدة العبادة وأصلها، هو إفراد اللـه تعالى في الطاعة والامتثال، فاللـه هو الحَكَمُ وله الحُكم. قال تعالى: {إنِ الحكمُ إلاّ لله} [الأنعام: 57]. وقال تعالى: {ألا له الحكم} [الأنعام: 12]. وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]. وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]. وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} [الكهف: 26]. فهذه الآيات تبيّن بوضوح وجلاء أنّ حقّ الحكم هو للـه وحده، بل إنّ معنى الإله هو المعبود، والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود.
ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد، قال تعالى: {أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]. فقد سمّى اللـه المشرّع شريكاً وسمّى ما شرّع ديناً، وأصل كلمة الدين تعني الخضوع، وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما هو خاضع له، وهو معنى الدين، فهذه الآية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلهاً، وتسمية الشرع الذي شرعه ديناً، وتسمية الطائع له مشركاً، وقال تعالى: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31]، وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم بطاعة الأتباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا، فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلميقرأ هذه الآية: { إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمِروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون} [التوبة: 31]، فقال: إنّا لسنا نعبدهم، فقال أليس يحرّمون ما أحلّ اللـه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللـه فتحلّونه؟ فقال: بلى. فقال: فتلك عبادتهم. [رواه الترمذيّ وحسّنه] .
وقد قرّر اللـه في كتابه كفرَ من حكم بغير كتابه، فقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44].
وسمّى اللـه من تحاكم الناس إليه من غير خضوع لأحكام الكتاب والسنّة طاغوتاً. قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً} [النساء: 60]، وقال الشيخ الإمام محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان: كلّ تحاكم إلى غير شرع اللـه فهو تحاكم إلى الطاغوت [7/65].
ومثل الآية التي تقدّمت: {أم لهم شركاء...} قوله تعالى: {إنِ الحكم إلاّ لله أمر ألا تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيّم} [يوسف: 40]. فقد سمّى اللـه الحكم عبادة، وسمّى ما يُحكم به ديناً، فمن حكّم اللـه في كلّ أمر فقد عبده واتّخذ دينه ديناً، ومن حكّم الطاغوت في أيّ أمرٍ فقد عبده واتّخذ حكمه ديناً، وقد سمّى اللـه تعالى شرع الطواغيت ديناً، كما سمّى شرعه ديناً فقال تعالى عن يوسف: {كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلاّ أن يشاء الله} [يوسف: 76]، فقد سمّى شرعَ الملك وحكمَه وملكَه ديناً.
وهكذا أيّها السائل الصادق رأيت أنّ دولنا محكومة بحكومات مرتدّة كافرة وبحكّام كفّار مرتدين وأنّهم شرّعوا للناس ديناً وأوجبوا على الناس الدخول فيه.
ثمّ إنّ هؤلاء الحكّام قد والوا أعداء اللـه تعالى وعادوا أهل الإسلام: فما من حاكم من هؤلاء إلاّ وتراه يقرّب المشركين ويوادّهم ويناصرهم ويدافع عنهم، ولا يسمح في بلده قطّ أن يشتم هؤلاء الكفّار أو أن يعلن أحد بغضهم، وفرضوا في قوانينهم من العقوبات الشديدة لمن سبّ هؤلاء المشركين أو لعن دينهم .
وإنّ من صور الموالاة والنصرة أنّهم عقدوا معهم من التحالفات العسكرية والأمنية مما جعلهم في دين واحد ومذهب واحد، فإنّ أعظم درجات الموالاة هي النصرة قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] . قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: فإنّ من تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم، فإنّه لا يتولّى متولٍ أحداً إلاّ وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه[6/277] .
وهكذا علمنا كفر هؤلاء الحكّام من هذا الباب، فهؤلاء الحكّام مكّنوا للمشركين واليهود والنصارى من بلاد المسلمين، ثمّ من صور الموالاة التي وقع فيها هؤلاء المرتدّون هو الدخول في طاعة المشركين، وذلك بالانقياد لهم واتّباع شريعتهم والانضمام إلى طوائفهم والتي هي المؤسّسات التي تدين بدين الشيطان من مذاهب إنسانية كقولهم: لا فرق بين إنسان وآخر حسب دينه، فدعوا إلى المساواة بين المسلم والمشرك تحت دعوة المذهب الإنساني الذي نشره اليهود في هؤلاء البهائم واللـه تعالى قد قطع موالاة المؤمن للمشرك وأوجب عليه بغضه وبغض دينه، قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون} [التوبة: 23] ، ففي هذه الآية قطع اللـه علائق الموالاة بين المؤمن وبين أبيه وأخيه الكافر، فكيف بالأجنبيّ؟ وفيها من بيان ضلال وكفر ما يُسمّى في بلادنا بأخوّة المواطنة المزعومة، فإنّ دساتير وقوانين البلاد التي حكّمها هؤلاء المرتدّون تنصّ على المساواة بين أهل البلد الواحد دون اعتبار دينه وعقيدته تحت دعوى المواطنة المزعومة فهم يقولون: الدين للـه والوطن للجميع، ومعناه أنّ قانون المواطنة لا يفرّق بين الناس باعتبار الدين والاعتقاد، فالمسلم والكافر عندهم سواء واللـه جعل مَن والى كافراً مثله في الحكم، قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] . وإنّ مما أجمع الأنبياء على تبليغه للناس هو البراءة من المشركين كما قال تعالى عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] .
ثمّ انظروا إلى هؤلاء الملاعين ماذا فعلوا بالمسلمين والدعاة إلى اللـه: لقد علّقوا لهم المشانق وملؤوا بهم السجون وشرّدوهم في الأرض، فما من دولة من هذه الدول إلاّ وقد ابتُلِيَ الدعاة إلى اللـه تعالى فيها فسُجنوا وعُذّبوا وقُتّلوا، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا باللـه العزيز الحميد، وأخرجوا الشباب من البلاد لطهرهم كما قال تعالى على لسان قوم لوط: {أخرِجُوهم من قريتكم إنّهم أُناسٌ يتطهّرون} [الأعراف].
فهؤلاء الحكّام خرجوا من دين اللـه تعالى من هذه الأبواب ومن غيرها، وهذا من العلم الضروري الذي يجب أن لا يجهله أحد من أهل الإسلام .
وقد يسأل سائل: ما أهمّية هذا العلم، وهل من الواجب أن يُكَفِّرَ المسلمُ هؤلاء الحكّامَ الطواغيت؟
فالجواب: نعم، فإنّه مما يجب أن يعلمه كلّ مسلم أن تكفير الكافرين الملحدين هو ركن من أركان عقيدة المسلم، وذلك لما يترتّب على هذا التكفير من الواجبات.
فإن سألت: ما هي هذه الواجبات؟
قلنا لك: إعلم أيّها الأخ الحبيب أنّ البراءة من هؤلاء الطواغيت هو فرض عينٍ على كلّ مسلم، فقد تقدّم لك من الأدلة على أنّ من ركنِ الإيمان الركين والذي لا يصح إسلام المرء إلاّ به هو البراءة من هؤلاء الطواغيت ووجوب معاداتهم وبغضهم وعدم محبّتهم، وممّا قاله أئمّتنا: إنّ تكفير الملحدين ضروريّة من ضروريّات الدين، وإنّ من مقتضيات هذه البراءة هو بغضهم وعدم محبّتهم وعدم الدخول في طاعتهم، فلا يجوز للمسلم أن يعاونهم أو أن يدخل في أيّ مؤسّسة من مؤسّسات نصرتهم وتقويتهم كالجيش والأمن والمخابرات، ومن يدخل من المسلمين في نصرتهم في هذه المؤسّسات فإنّه معرّض لقوله تعالى: {ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} وهذا يعرّضه إلى ما أوجب اللـه على المؤمنين من معاداته ومقاتلته، قال تعالى: {الذين آمنوا يُقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً} [النساء: 76]. وقال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء: 141]، وهذا حاكم كافر فيجب خلع ولايته وعدم طاعته.
ثمّ إعلم أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلاء الحكّام، فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال ويُقام بدلاً منه رجلٌ من أهل الإيمان. وهذا هو الواجب الثاني. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من اللـه فيه برهان . [متّفق عليه] .
قال النووي: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر ينعزل. قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلاّ إذا ظنّوا القدرة عليه فإنّ تحقّقوا العجز لم يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه

***************
وهناك قول سابع يقول :
إن المسئول هو الجامعة العربية :
وذلك بتخاذلها وعدم فعلها أي شيء أمام جرائم اليهود سوى الجعجعة والضجيج وبوس بسطار أمريكا لترضى عنهم وتقول لشارون كف عن هذه الأفاعيل
وهذا القول صحيح كذلك
لأن المفروض بالجامعة العربية إذا وقع اعتداء على أية بلد عربي أن تهب لنجدتها بكل ما يمكن
ولكننا نجد أن الجامعة العربية منذ نشأتها إنتاج بريطاني وإخراج عربي فالمكتوب على الورق شيء والذي تقوم به على الأرض شيء آخر
فالجامعة العربية لم تنفع العرب بشيء منذ قيامها
وهي عبارة عن جامعة كراسي لمجموعة من قطاع الطرق والنصابين والمحتالين يجتمعون كلما دهمهم خطر يهدد مصالحهم وعروشهم ليس إلا
أما قضايا الأمة المصيرية فلا علاقة للجامعة بها لا من قريب ولا من بعيد
والشيء الوحيد الذي يمكن أن يذكر للجامعة العربية الموقرة هو اتفاق وزراء الداخلية العرب على سحق الإرهابيين والمتطرفين وملأ السجون بهم وكيفية التعامل معهم وكيفية كشف جرائمهم ومطاردة الإسلاميين في كل مكان
فتبا لهذه الجامعة وتبا لمنشئيها وتبا لمؤتمرات القمامة العربية كلها
إنها جامعة تخدير واستسلام وخنوع للعدو
وفي كل مرة عندما يقترب اجتماع القمامة العربية يفعل اليهود أبشع الجرائم فما تفعل هذه القمامات ؟؟
التنديد بفعل اليهود
طلب التهدئة
التوسل لأمريكا حتى تضغط على اليهود
أو اللجوء على هيئة الأمم المتحدة على الإسلام والمسلمين وهم يعلون أنها لن تفعل شيئا
ولكن المشكلة أن حكام العرب لا يخجلون ولا يستحون فهم يجتمعون وينظرون في الباطل
ولا يفعلون شيئا
ولو كانوا يخجلون لقالوا لشعوبهم :
نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا لأننا لن ننسى ولي نعمتنا اليهود وأمريكا والغرب
بل لو ذبح العرب وديست كل المقدسات ودمرت الكعبة فلن يفعل هؤلاء شيئا لأنه لا علاقة لهم بهذه الأمة
والذي يدافع عن المقدسات هم الأطهار الأبرار الأخيار وليس السفلة الأشرار
قال تعالى في سورة الأنفال : وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
وقال تعالى في سورة التوبة : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)

*************
وهناك قول ثامن يقول:
إن المسئول هم العرب الذين خذلوا إخوانهم في فلسطين والعراق وغيرها وأسلموهم للعدو يفعل بهم ما يريد
وهذا القول في طرف من الصحة أيضا وذلك لأننا خذلناهم حقيقة فلا نفعل لهم شيئا
بل اعتاد الناس على رؤية جرائم اليهود على شاشات التلفزة وكأن الأمر لا يعنيهم
وكثير من العرب لا هون ساهون غافلون لا يدري ماذا يحدث ولماذا يحدث
وما ذلك إلا بسبب التربية التي تربوا عليها وهي تربية التيه
قال تعالى في سورة المائدة : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ (20) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

وبسبب ركونهم لحكامهم الظالمين
قال تعالى : { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود

وبسبب سكوتهم على إفك الحكام المجرمين فاستحقوا لعنة الله
يقول تعالى في سورة المائدة :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)

وبسبب ركونهم إلى الدنيا وحطامها الزائل
ويقول تعالى في سورة التوبة :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)

والله تعالى سيحاسبهم على هذا الخذلان ويعاقبهم
قال تعالى في سورة النساء : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

*************
وذهب قوم إلى أن المسئول هم المسلمون عامة وذلك لأنهم يشكلون ربع سكان المعمورة
وقادرون على أن يزيلوا دولة اليهود وكل من يساعدها
فلما تخلوا عن دورهم المنشود كانوا مسئولين عما يجري للمسلمين في كل مكان
وهذا فيه طرف من الصحة كذلك فتفكك الأمة وتفرقها أيدي سبأ وعدم جديتها في عودتها إلى منهج الإسلام كل ذلك يؤدي إلى فقدان دورها وبل وقيمتها في الحياة
فلماذا جعل الله المسلمين خير أمة أخرجت للناس ؟
قال تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران

***************
القول العاشر :
العالم كله مشترك في هذه الجريمة لأنه لا ينكرها وإذا أنكرها لا يتعدى ذلك الكلام وهذا ينطبق كذلك على الهيئات الدولة التي يسطر عليها الأشرار
ولا شك أن العالم مشترك في الجريمة ولو بشكل غير مباشر لسكوتهم عن الجلاد والمجرم أو عدم اكتراثهم بما يجري من أحداث جسام في العالم أو لأنهم واقعون تحت تأثير اليهودية والصليبية والوثنية المعاصرة
هؤلاء الذين يتشدقون بالعدل والسلام ليل نهار وتذبح الملايين على موائد العدل والسلام المزعومين !!!
قال تعالى :
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (90) سورة النحل

وكذلك قال تعالى عن دور هذه الأمة المفترض : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة

****************

علي بن نايف الشحود
05-18-04, 01:15 AM
النتائج والتداعيات
كل ما يرمي إليه العدو فلن يصل إليه بتاتا فكلما اغتيل أحمد ياسين جاء ألف أحمد ياسين فهذه الأمة لن تموت أبدا فالخير فيها حتى قيام الساعة

في قصة الحياة التي نحياها في الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلام وخصومه، هي قصة تمتد منذ الأزل وهي علة الوجود فإليها تعود كل الحقائق لأنها بين من آمن بالله وبين من كفر به، وقيمة الحياة إنما تكون من خلال ميزان الإيمان ومعياره، فكل ما فيها باطل كما قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً، ومعيار النصر والهزيمة هو من خلال تحقق العبودية في نفس المرء، فقمة النصر هو تحقق التوحيد والإيمان، والهزيمة هي التراجع عن قيم الإيمان والتوحيد، وتلك هي حكاية الحياة.
هذا الكلام لا نقوله حتى نعيش الوهم أننا في نصر، لا والله، فنحن نعلم أن دولة للإسلام قد زالت اليوم، وأن شباباً للإسلام قد قتلوا وسجنوا، وأن الكثير من أهل الإسلام في تشرد ومطاردة، كل هذا نعلمه، لكن نعلم كذلك أننا في هذه المحنة حققنا أعظم نصر منذ أن سقطت الخلافة الإسلامية. ذلك أنه لما سقطت الخلافة الاسلامية كانت هزيمة لأهل الاسلام منكرة، لا لأن دولة الاسلام قد زالت فحسب، فهذا أمر سنني في تداول الخلق كما قال تعالى"وتلك الايام نداولها بين الناس" وكما قال العربي قديما : يوم لنا ويوم علينا / يوم نساء ويوم نسر" لكن الهزيمة العظمى يومها حين تراجع الاسلام في نفوس أهله، وحين صارت المعركة لها رايات أخرى غير راية الاسلام، وحين ارتد الناس الى جاهليتهم فتلك والله كانت الهزيمة الكبرى الشنيعة.
حين ضاعت فلسطين في النكبة الأولى كانت هزيمة وأي هزيمة، فقد جالت فينا الشياطين جولتها، وانتشر الالحاد بين الشباب، ودخلت المفاهيم والعقائد الغربية الينا، فهذا شيوعي وهذا بعثي وهذا قومي وهذا يميني وهذا يساري وهكذا، هذه هي الهزيمة في الدنيا والآخرة.
أمتنا طردت الاستعمار الأجنبي من الأرض في مطلع القرن الماضي، فهل كان خروجه واستقلال البلاد كما سموه نصرا؟!
لا والله بل هو تكريس للهزيمة، لأن الإسلام لم يكن هو البديل عن حكم الكافر الأجنبي، بل ابتلينا بكافر مرتد أقذر وأشنع وأسوأ من الكافر الأصلي.
إذا تأملت هذا يا عبد الله وأنعمت فيه النظر علمت ما هو ميزان الحكم على الحوادث والنوازل، ثم علمت ما هو النصر على حقيقته وما هي الهزيمة على حقيقتها.
ثم تأمل قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} فماذا ترى النصر وقرينه في هذه السورة الجليلة?
إنه: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
إن النصر هو عدم اهتزاز يقين الناس، وعدم فقدانهم لثقتهم بهذا الدين العظيم، وثباتهم على مبادئهم العظيمة التي آمنوا بها.
فماذا ترى اليوم لو تأملت ما وقع الى الآن من المعركة؟، ذلك لأن المعركة لم تنته بعد، والكلمة الأخيرة في قصة الصراع لم تكتب، فما زال في حكاية الصراع بيننا وبين الباطل سطور، بل وسطور كثيرة ستكتب بالدم والدخان والعرق والنار، أقول فماذا ترى اليوم وقد سقطت حركة طالبان الاسلامية، ومات شهداء، وسجن شباب، وتشردت عائلات وأهالي؟
إن سألتني ما أرى، وما أسمع؟، فألق إليَّ بعض انتباهك:
والله ما أرى إلا إقبالاً على دين الله تعالى وزيادة تمسك أهله به، ولقد شهدت بعض من كان يأمل أن يقوده صدام حسين البعثي الى النصر وتحقيق الوعود الإلهية، فلما انكشف الغطاء على كذب وكفر ذاك البعثي انتكس الرجل في دينه وصدرت منه كلمات الردة والكفر، لكني والله وأنا المتابع لم أر في هذه المعركة (التي هي بين الأخوة المجاهدين في أفغانستان والصلبيين والأحزاب الكافرة) من ندم أنه وقف مع الحق أو قال كلمة حق، ووالله شهدت من مات له حبيب فما زاد أن خلط مع حزن الفراق فرح الإيمان أن حبيبه مات شهيداً في سبيل الله تعالى.
ثم والله لا أرى إلا رغبة في الشهادة في سبيل الله تعالى في نفوس الشيوخ والكهول والشباب، وإن أحدهم يخبرني عن أبيه المسن أنه ليس له رغبة في هذه الحياة سوى أن يصنع ما يصنع شباب الإيمان في فلسطين.
وإني لأشهد أني لا أرى في شباب الإسلام ممن لم يشهدوا المواقع إلا حزناً أن فاتتهم الموقعة وفاتهم لقاء الرحمن شهداء، وإنهم ليقولون ما قال أنس بن النضر رضي الله عنه لما فاتته معركة بدر الكبرى قال: "لئن أشهدني الله موقعة أخرى ليرين الله ما أصنع".
فهل هذه الموقعة وهذه المواقع التي يشهدها أهل الإسلام في أفغانستان وفلسطين وكردستان والفلبين وكشمير والشيشان وغيرها من بلاد الاسلام تصنع نصراً وإيماناً، أم أنها صنعت هزيمة وتراجعاً؟!
تأمل وتدبر تجد الجواب، لكن دعك من أهل الإرجاف والتخويف والتثبيط.
دعك من الذين يقولون كما قال أئمتهم:{غر هؤلاء دينهم} قالوها بعد موقعة أحد حين أصيب أهل الاسلام بجرح لم يكن إلا كما قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه *** وربماً صحت الأجسام بالعلل
دعك من الذين قالوا: لقد ورطونا وورطوا الأمة، يقولونها نصرةً لطرائقهم البدعية، وجماعاتهم الهرمة، ومذاهبهم العجيبة،.
فهؤلاء لو انتصر الاسلام على غير أيديهم لما عدوه شيئاً، لأنهم اختزلوا الاسلام في ذواتهم وأحزابهم، فلا يرون الخير إلا في شيوخهم، فميزان النصر عندهم ميزان خاص عجيب حتى إني رأيت لأحدهم عجباً عُجاباً، وذلك أنه عدّ تعيين واحد من حزبه في منصب وزير لوزارة خدمات لا يحل ولا يربط عدّ هذا تمكيناً لأهل الاسلام في الأرض، فهذا نصر لأنه من حزبه وعلى يدي جماعته، وأما دولة طالبان الاسلامية بكل خيرها لم تكن عندهم شيئا.
دعك من هؤلاء الذين جلسوا على أفواه السكك كقطاع الطريق ليس لهم إلا هم الجلد وممارسة المشيخة الكاذبة على مجموعة صبية صغار لا يعرفون إلا بركة الشيخ وتقديسه، يعيشون في دورة صغيرة عجيبة: هم جهلة يمرحون وأشياخهم أجهل يجلدون.
دعك أخي المسلم من الذين يريدون عزة الاسلام ويريدون تحقيق الخلافة الراشدة وهم يصارعون أهل الاسلام فقط على مسجد يتقاسمونه أو على التقاط صاحب جيب لا نظر لهم إلا الى ماله، فإذا استطاع تسجيل خطبة له أو درس طار به كأنه أتىبعنفاء مغرب وتحقق النصر.
دعك من هؤلاء ومن أمثالهم الكثير ممن لا يرون الحياة إلا رغداً وترفاً ،ووجه نظرك الى مقدار تحقق العبودية في الخلق حينها سترى الكثير من الخير.
سترى أخي مع ما تقدم أن أهل الاسلام وأهل الجهاد منهم خاصة هم الذين يقيمون الحجة على الخلق، فهم الذين حاكموا الكفر كله، وهم الذين كشفوا باطله، وهم الذين يقرعون العقول لئلا تنخدع من تلبيسات الظلم والحيف الذي يعيشه العالم فتحقق في هؤلاء فضل الأمة بأن جعلها شهداء على الخلق كما قال الله تعالى في الآية التي ابكت حبيبنا المختار:فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا.
فمن الذي يصارع قوى الكفر اليوم سوى شباب الجهاد وأمة الاسلام، فالكل قد رضخ ورضي من الغنيمة بالإياب وكأنه خدع بلعبة نهاية التاريخ، فقد انتهى كل شيء ولا أمل، فأمريكا هي السيد المطاع، وهي الآمر الناهي، ولا حل سوى الدخول في ركابها، والإنضمام الى خيلها ورجلها، فهي التي نادت في الخلق: أنا ربكم الأعلى، وتبجحت حتى نطق زعيمها وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وسارت كما سيسير تابعها الدجال، معها على يمينها جنة الوهم الكاذبة، وعلى يسارها نار الوعيد والتهديد، تتبختر وتملأ الأرض من زهمها ونتنها، فهذه القرية العاتية الظالمة من يقف لها اليوم وهي التي سلبت ثروات الشعوب فهم في فقر مدقع وهي في غنى وثراء كما هو حال المكسيك، فهذه الدولة التي تعد من أوائل الدول في الثروة النفطية ومع ذلك مدينة بأرقام فلكية ولا تملك من ثروتها قطرة واحدة، لأن أمريكا سلبتها كل ذلك وكما فعلت في الكويت والسعودية.
وهي التي قضت على حرية الدول وخصوصا منها العربية والمسماة بالاسلامية، فهم كالدواب، نعم يأكلون ويشربون لكن لا يملكون لأنفسهم قراراً ولا كلمة كما هو شأن اليابان وألمانيا كذلك.
وهي سيدة القرى في مجلس الأمن، فكلمتها النافذة وأمرها المطاع، وأمريكا هي التي أبادت شعوباً كاملةً كما فعلت مع الهنود الحمر وبارقام فلكية لا يمكن تصديقها بلغت على أقل تقدير مأتي مليون انسان ويقدرها مطران نصراني شهد المأساة بمليار هندي أحمر، والكل ساكت وراضٍ أن أبقت لهم بعض حياة على هامش هذه الدنيا.
هذه القرية الظالمة من الذي أحضرها للمحاكمة والمسائلة?!
ومن الذي أنزلها من كبريائها الى محكمة التاريخ؟! أليسوا شباب الاسلام؟ بل أليسوا شباب الجهاد؟.
وهنا أخي الحبيب لا تغرك هذه الصرخات المستعلية، ولا تخدعك مناظر الاستعراض لهذه القرية اليوم فما هذه الا فقاعة صابون وستجري عليها سنة الله تعالى في أخذه للقرى الظالمة.
تذكر ما قاله الله تعالى وتنعم فيه تسلم.
إقرأ معي قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى الظالمة إن أخذه أليمٌ شديد}.
وتأمل قوله تعالى: {أخذه} فإنها تدل على تمام مكر الله تعالى بهم وبهذه القرية اللعينة الفاجرة، وهي تدل على أن هذا العذاب لا يقيم لهم قائمة، وهذا بخلاف ما يصيب المؤمن من البلاء فإنه وإن اشتد عليه إلا أنه لا يقضي عليه ولا يفنيه وقد فصل هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أجمل تفصيل وأبدعه وذلك في مثل للحالين، حال المؤمن مع البلاء، وحال الكافر مع العذاب الدنيوي، فمن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة"[حديث في الصحيح].
فالمؤمن لا تكسره الإبتلاءات والمحن وإن بدت أنها قضت عليه وانتهى، بل هي تميله مع بقائه على أصله، وأما الكافر فإن عذاب الله تعالى في الدنيا يقضي عليه ويزيله، وهذا الأمر لو أخذته على فهم السنة الإلهية الكونية في الخلق لرأيته ينطبق تمام الانطباق لا يُخرم أبداً، فكم من أمة كافرة عظيمة القوة والسلطان مرت على هذه الأمة، فهل ترى لهم اليوم ذكراً أو وجودا؟؟ لا، بل ذهبوا وبادوا وصهرتهم الأمة حتى لو طال زمانهم في أرضنا، وبقيت هذه الأمة عصية على الافناء والدمار والزوال، وكان أشد ما أصابها هو تبديلها لدينها في محنة التغريب الأخيرة حيث حلت فينا قيم الجاهلية، وخرجت طوائف من هذه الأمة تلحق بالمشركين، ولكن بفضل الله ها هي جموعٌ من الأمة تعود لدينها، بل ودينها الصحيح الذي تعرفه من خلال توحيد الله تعالى والبراءة من المشركين.
وإن سبب هذا الأخذ الشديد إنما هو الظلم، فالظلم هو سلطان الله تعالى بلحوق العذاب على القرى، وهو أسرع ما يأتي بالنقمة، وإنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"[حديث صحيح].
وإن من مكر الله تعالى بهؤلاء أن يأخذهم وهم في أوج سلطانهم كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته} فماذا كان لقارون وهو في وهمه؟، والناس يتمنون ماله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم}.
أما أهل الدين والعلم بعواقب الظلم والكفر والطغيان فهم الذين نظروا الى رضى الرحمن: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون}.
إي والله ولا يلقاها إلا الصابرون.
في الزينة وبين قومه كان العذاب:{فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين}.
فهذه هي سنة الله تعالى في أخذ الظالمين، وذلك أن يأخذهم في أوج استكبارهم وعلوهم ورفعتهم، (كما قتل السادات وهو في أوج كبريائه).
وكما قال الله تعالى عن فرعون وجنوده: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين}.
فما ترى من هذه القرية الظالمة (وهي أمريكا) من استعلاء إنما هي القهقهية الأخيرة، ووالله إن العقلاء فيها مشفقون عليها لما يرون من سفاهة أهلها وقادتهم، وكان الناس يتساءلون لِمَ لَم تتعظ أمريكا مما حصل معها؟ ونسوا سنة الله تعالى الجارية في الظالمين أنَّ بصيرتهم معطلة وأن تفكيرهم بالعواقب لا وجود له.
ولكن عليك أخي المسلم أن لا تستعجل، فلا بدّ للأمور من جريانها القدري الذي لا مفر منه ولا بديل عنه.
ثم اقرأ معي قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا}.
فلا بدّ للقرية من هلكة وإلا فعذاب، وأما الهلكة فلأن كبرياء الله تعالى تمنع حصول الضد لها، والعلو والارتفاع واستقرارهما تأباهما كبرياء الله تعالى، وهو ظاهر بين في تاريخ البشرية، وقد نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أن ناقته عليه الصلاة والسلام لم تكن تسبق، فجاء اعرابي على بعيرٍ له فسبقها، فشق ذلك على أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما ارتفع شيء إلا كان حقاً على الله أن يضعه"[حديث صحيح]. و(شيء) منكرة لتدل على الاستغراق والعموم، فسبحان الذي جعل العزة إزاره والكبرياء رداءه، وأما العذاب فهو عقوبة العصيان والظلم والطغيان.
والرب يغار، ومن يغار ويملك القوة فلا بدّ أن ينتقم ممن تجرأ على حماه ومحارمه، وهذه القرية (أي أمريكا) الحقيرة الذليلة علت وعصت.
ثم اعلم أن سنة الله تعالى اليوم هي هي كما كانت وستبقى، وإياك أن تظن أو يأتي على وهمك أن سنة الله تعالى الكونية اليوم قد تغيرت، حيث صار بدل الحمار طائرة، وبدل الرمح صاروخاً، فكل هذا من مكر الله تعالى بالظالمين، حيث يكون الأخذ الشديد.
إن هذا العلو للقرية الظالمة الذي تراه اليوم يا عبد الله خداع زائف لا أساس له ولا قرار، وسل إن شئت كم تحتاج هذه القرية الظالمة الى هزة لتكون قاعاً صفصفاً، يتهارش أهلها فيها تهارش الحمر، وتختلف كلمتهم حتى يقتل بعضهم بعضاً.
وسل إن شئت أهل الخبرة الى أي درجة هذا الاقتصاد متيناً يتحمل الهزات والكوارث، وهل هذه الأوراق البنكية تصمد أمام محن التاريخ أم أنها ستصبح وبالاً وسبب هلاك أهلها.
وسل إن شئت أهل المعرفة عن روابط هذا المجتمع، وعن قواعده الاجتماعية هل تصلح لتمنع الناس من أن يأكل بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دماء بعض حين يحصل بعض الانفلات الأمني، فكم في كل دقيقة يحصل من حوادث السرقة، والقتل، والاغتصاب، وهل هذه القشة الخادعة ستصمد كثيراً مع عامل الزمن الذي يزيدهم أمراضاً وشيخوخة.
أما إن سألت عن مواطن الصراع بيننا وبينهم فإياك أن تخطيء عينك الحقيقة التي يراها كل مؤمن.
في فلسطين: قد تخلى المرتدون عن الأمر، وزادوا البلاء على أهل الاسلام بلاءً، وكان آخرها ما صرح به الملعون ولي العهد العاهر السعودي حيث تاجر بدماء الشهداء، وبتضحيات أهل الاسلام ليجعل كل ذلك ثمناً لبقاء دولة يهود على أرض فلسطين، ومع ذلك فماذا ترى هناك؟؟؟
هل ترى تراجعاً أم هو الإقدام من شباب الاسلام نحو الشهادة والموت في سبيل الله تعالى؟
هل ترى استسلاماً أم ارادة الصمود حتى لو أدى ذلك الى الموت عن آخرهم؟
ضع دائماً الأمور في نصابها ولا تقع ضحية الاحصاء الكاذب ذلك بأن ترى البلاء ولا ترى العطاء، وترى المحن ولا ترى المنح، بل حين يكون الحساب متعلقاً بالشعوب وتاريخها لا حساب التجار بقرشهم ودرهمهم تكون قيمة الارادة في نفوس الشعوب هي الحياة وهي النصر.
وإن شئت دليلاً من الزمن الحاضر على قيمة ارادة الشعوب حتى لو كانت كافرة فانظر الى جنوب أفريقيا وتأمل ما فيها من عبر تعرف لمن تكون الخواتيم.
لقد أقيمت دولة يهود حين كان اليهودي صاحب ارادة وهمة للوصول الى هدفه، وقد ضحى بالغالي والنفيس لتكون له هذه الدولة، ولم تأته كما يظن البعض على طبق من فضة، بل عانى وقاسى وبذل حتى تحقق له ما أراد، ووقتها كانت أمتنا قد علقت آمالها على حكام مرتدين جاؤوا بعد هزيمة ما يقال له بالاستقلال، فرجوا منهم الخير فما زادوا الأمر إلا شراً وعذاباً، مع أن اليهود يومها كانوا مجرد عصابات وجماعات لا دولة لهم ولكنهم بالارادة تحقق لهم ما يشتهون.
واليوم من هو الذي يملك هذه الارادة?
ومن الذي طلب الموت مظانه?
لا شك أنك معي في الجواب.
واعلم أن من يملك هذين الأمرين سيكون له مراده وستوهب له الحياة.
في أفغانستان: هذا البلد الذي كان قدره في هذه الحياة أن يكون آية، سواء كان في جاهلية أو اسلام، فهل تظن أن هذه الآية قد بطل مفعولها اليوم مع الغازي الجديد؟؟؟
تعال وتأمل: كل الغزاة وطؤوا أرضه بسهولةعجيبة حتى ليخيل إليهم أنهم في رحلة صيد، فما أسهل أن يتراجع أهلها بطريقة تذهل كل مراقب، حتى أن العرب الأنصار في الجهاد كان يتعبهم هذا الأمر ويحق لهم أن لا يرضوه، ولو تأملت التاريخ القريب جداً في هذا البلد لرأيت أن الكل يتراجع أمام الكل، وأن أمر التخلي عن الأرض في المعارك لا يعدُّ قضية تُؤرق نفسية المقاتل، حتى إن أحد الأخوان الأنصار قال لي أنه قال يوماً لأحد قادة طالبان وهم يقاتلون مسعود على حدود كابل وقد تراجعوا أمامه بطريقة مذهلة لولا مجموعة من شباب الأنصار العرب صدوه عنها، قال له: لماذا تتخلون عن كابل بهذه السهولة؟
فرد عليه الأفغاني الطالباني: لا عليك ليأخذها ولا بأس في هذا، وسنأخذها منه بعد ذلك.
عجب والله وإيما عجب، وكأن القوم يتصارعون مع خصومهم لا على من ينتصر ولكن على من يصبر.
وهم لا يهمهم ولا يعنيهم كثيراً ما يقول الناس عنهم، وليس هذه من قيم الحياة الكبيرة لديهم.
ثم ثانية: مبدأ الغنيمة هو جزء من حياتهم، فالقتال حياة على معناه الدنيوي حتى ولو خلا من حقيقته الجهادية وتحصيل الآخرة، وهذا أمر قد يزعج بعض الأخوان ولكن حين يصبح الجهاد حركة أمة كاملة لا طائفة ونخبة فلا بدّ من هذه الاعتبارات لأهميتها في حسم الصراع وفي استدامته أولاً.
إن من خبر طريقة القوم في القتال ضد خصومهم يرى أن مبدأ الغنيمة أمر مهم في التحريك والتفاعل، وقد قال هذا الأمر الرجل الذي خبرهم حتى النخاع خلال الجهاد ضد الدب الروسي صاحب كتاب (فخ الدب) وتحدث في هذا الباب عجباً عن أهل أفغانستان، وقال بأنه لم يحصل قط أن قام المجاهدون الأفغان بعملية ذات شأن ضد الروس إلا وعين المقاتلين الى ما سيحصلون من غنيمة في المعركة، فإذا خلت المعركة من هذا الأمر فمن الصعب بل لم يحدث قط أن تحركوا معها أو فعلوها.
وقد علم الأنصار العرب أن بعض مناطق الجهاد في أفغانستان كان المجاهدون يتركونها رجاء أخذ العدو لها حتى تمتليء بالطعام والذخيرة فيعودون ويقاتلون عليها فيحصلون الغنيمة الجديدة.
هذا المبدأ ليس عجيباً ومن ظن اأنه فريد في التاريخ الاسلامي مع الجهاد فهو مخطيء، فإن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقرر أنه قلما خلص جهاد الناس عند المتأخرين عن رغبة الملك والغنيمة ،يقول رحمه الله تعالى: فإنه لا بدّ من أحد أمرين إما ترك الغزو معهم (أي الأمراء الفجار والعسكر كثير الفجور) فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الاسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. انتهى.
وها أنت ترى الآن كيف يتحرك الخير هناك وعلى طريقته، وقطعاً أنك لن تفهم الأمور جيداً إذا كنت من أهل الوهم والأحلام وهو أنك تتصور المعارك كما تتخيلها: وهو ما يصوره البعض بأن يأتي أهل الاسلام على خيول بيضاء يصرخون وهم شاهرون أسلحتهم فما هي إلا لحظات حتى تترك ساحة المعركة وقد أبيدت خضراء الأعداء، لا، دعك من هذه الأوهام، وإن شئت فاقرأ بالتفصيل ما كتب في ثنايا السطور عن الحروب الصليبية تدرك أن الانهاك الذي كان يقوم به طائفة العلم والجهاد هو الذي حقق النصر في المعارك الكبرى لا المعارك الكبرى ذاتها، بل لم تكن هذه المعارك الكبرى كحطين إلا محصلة لمعارك صغيرة لا تكاد تذكر في التاريخ لكنها كانت الأرقام الأولى لتشكل النصر الكبير النهائي.
وها أنت اليوم أخي الحبيب تقرأ وتسمع كيف أن القضية ما تزال تسير على سنتها وبابها/ و لم تخرم منه شيئاً، ولعل معارك غرديز وخوست الأخيرة ومطار قندهار الذي هاجمه الأخوة أكثر من مرة تعطيك بعض الجوانب فيما تسأل عنه.
وذاك في ذات الاله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع.
وعجيب من قوم أغلقوا الملف فما بين باكٍ يائس هزته المناظر ولم يعد في قلبه بريق أمل، أو قوم أخذتهم نشوة الاستهزاء والضحك على قوم وثقوا بالله وآمنوا به وبوعده فلم يجدوا شيئاً بحسب نظرهم وحساباتهم.
إن التاريخ لم ينته وما زال في القصة فضل بقية هو الأجمل لنا في هذه الدنيا، وإن كان أولها أجمل لمعنى الصبر والبلاء، لكن آخرها كما قال تعالى: {وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب}.
وتأمل في قوله تعالى: (تحبونها) تعلم موقعها في هذه القصة وأين تقع.
إن العين التي لا ترى إلا ألمها عين مهزومة لا تصلح لخوض الحروب ولا لحمل آمال الأمم وأهدافها فالله تعالى يقول:
{إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}.
إن قصة اليوم هي قصة الأمة في كل أزمنتها وفي كل أوقاتها، هكذا هي، فما الشيء العجيب اليوم نعيشه وهو على خلاف ما نعرف؟!.
يا قوم إن لم يكن لكم في كتاب الله تعالى عبرة وهداية وجواب لما سيقع من قصة هذا الصراع مع هذا القرن الرومي وهذه القرية الظالمة أمريكا فاعتبروا بالتاريخ الذي تتبجحون أنكم تقرؤونه ،واعتبروا بالسنة الكونية التي تزعمون أنكم قد هديتم إليها، فأنتم تتشدقون بها أكثر من قراءتكم لكتاب ربكم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولكنكم تستعجلون"[حديث صحيح].
وإنه لمن العجب فيما يقع أن يكون أهل البلاء هم أكثر الناس ثقة بنصر الله تعالى، وأن يكون القاعدون هم أهل الشك والريب.
والسبب واضح؛ ذلك أن القاعدين لا يرون إلا ما يسوقه سحرة فرعون من اعلام وزخرفة القول وانتقاء الصور، فترتجف أوصالهم وتهتز بوادرهم، ويسقط في أيديهم،.
وأهل البلاء يعيشون رحمة الله تعالى، ويحسون نعمة الله تعالى بأيديهم، وبهذا تستمر بسمة وجوههم، فهذا واحد من جنود الطاغوت الأمريكي الجرحى من معركة غرديز الأخيرة يصف غرائب أهل الإيمان وهو يقصفهم بطائرته ويقول: لقد كان باستطاعتنا أن نسمع ضحكاتهم وهم يقاتلوننا.
الله أكبر الله أكبر.
وهذا الملا محمد عمر حفظه الله تعالى من كل مكروه يتصل بحاكم قندهار الجديد ويحذره من أن يزيد في عذابه على الناس لأن الأمر لن يطول، والمحكمة ليست بعيدة في يومها عنه.
والبشائر كثيرة لو تعلمون، لكن لا بدّ من الصبر.
فأين هؤلاء الذين يتصورون نصراً أشبه بمهرجانات السيرك المزخرفة?.
إن الأمر أمر دماء وأشلاء وبلاء، وهذه هي طبيعة المعارك اليوم ليس لها صورة إلا هذه، ولكن هذه الصورة لا تسقط الجهاد ولا تجعله حرباً مكروهة كما يريد بعض المأفونين تصويرها ليلزموا أهل الاسلام بالذل وقبول الرضوخ لأعدائهم.
إنها حرب فيها القتل والدمار ولكن العاقبة للمتقين، وأما الجمع فسيهزمون ويولون الدبر ولا شك في وعد الله تعالى.
إن البشائر والله كثيرة وعديدة، من فلسطين الحبيبة، الى أفغانستان أرض الآيات، الى الشيشان الأعجوبة، الى كل هذا الزخم الايماني المتعالي المتصاعد في كل الصعد.
فأيُّ عيون عمياء هذه التي لا تبصر هذا?!.
أما الذين يحصون عدد موتانا وسجنائنا وبذلك يقيسون الأمور فقل لهم: إن زلزالاً صغيراً واحداً في مصر أو في تركيا أو في أفغانستان يحصد هذه الأعداد، بل احتراق قطار في مصر أودى بمئات القتلى، فمن أجمل ومن أعظم في ميزان الله تعالى وميزان الايمان والآخرة، موت هؤلاء شهداء في سبيل الله تعالى أم موتهم وأغلبهم في معصية وسكر وادبار عن الله تعالى؟!
{نبؤني بعلم إن كنت صادقين}.
ثم تذكر أن الله تعالى لم يَعد أهل الايمان أن لا يبتليهم ويقرمهم، بل حصول هذا هو من طبيعة الطريق لكن يحتاج الى الصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"[حديث صحيح].
فكما كانت معركة بدر نعمة ورحمة، فكذلك معركة أحد نعمة ورحمة، كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: فكان من حكمة الله تعالى ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم، ليمحص الله الذين آمنوا، وينيبوا الى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام، فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف، كما أن نصر الله تعالى للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كانت نعمة ورحمة على المؤمنين. انتهى.
إن اليأس من رحمة الله تعالى من الكبائر بل من اعظمها كما قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: إنه لا ييأس من روح الله إالا القوم الكافرون، وأن من اعظمها اشاعته بين أهل الإسلام كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: من قال هلك الناس فهو اهلكهم.
وقد عد رسولنا اليأس من الكبائر كما في الحديث الصحيح.
وإن من علم سنة صعود الأمم وهبوطها ومن قرأ تاريخ الحضارات وكيف تشاد وكيف تزول ليعلم علم اليقين من هو الذي من الفريقين في علو ومن هو في هبوط.
انظر لهذه الأمة اليوم ووعيها وقارن هذا الوعي بما كانت عليه قبل ،وكيف ميزت اصدقاءها من اعدائها وكيف ادركت الطريق الصحيح فيالتعامل مع خصومها، وكيف علمت حقيقة حكامها.
لتكن دائما على ذكر بما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم: إن الله زوى لي الأرض وسيبلغ ملكي ما زوي لي منها.
وما تراه من مكرهم فاعلم انه في تباب. وما تراه من انفاقهم فسينفقونه ثم يكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون.
وأنك حين ترى هذه الجموع وهي تتدافع نحو الشهادة، وإنك حين ترى هذه الأم وهي تقدم ابنها لها وهي تعلم أنه لن يعود، وإنك حين تعلم أن أهل الإيمان يتفلتون من دنياهم كأنها الجرب ويركضون الى رضوان الله، ثم تنظر في الجهة المقابلة فترى كل خسة ونذالة وترى تكالبا على الدنيا، وترى هبوطا أخلاقيا لا يتصور.
تعلم حينها لمن العاقبة إن كان لك بصر.
قف عند هذه المعاني الايمانية يا عبد الله وارجع الى نفسك بالتأديب والتعليم، واستجمع ارادتك فلعلك تصيب ما أصابه أنس بن النضر رضي الله عنه في أحد، أو يقع عليك الوعد الإلهي، وهو حقاً نراه.

"سينما العظماء" .. ليكن ياسين البداية
عندما ووري جثمان المجاهد أحمد ياسين وتزاحمت الجماهير تندد بالجريمة وتوسعت وسائل الإعلام في تغطية الحدث الجلل ، سألتني طفلتي الصغيرة سؤالا كان لي بمثابة الصدمة ، قالت: من هو أحمد ياسين؟ عندها شرحت لها وزوجتي طرفا من حياة ذلك البطل الذي يندر وجوده في كثير من الأمم ولكن استبدت بي في هذه الأثناء حالة من التفكير العميق .. وقلت لنفسي: لماذا لم أشعر بكل هذه العظمة والرجل بين ظهرانينا؟ لماذا تغيب عنا عظمة الرجال وهم أحياء؟ لماذا نغمط العظماء حقوقهم ، صحيح أننا كنا ستشعر عظمة الرجل في حياته ولكنه استشعار عام يحمل الكثير من الغفلة عن التدبر العميق في جوانب العظمة ، وكأني وأنا أسرد لصغيرتي ملامح من حياة الشيخ وجهاده أشعر بعميق الحزن ينساب إلى نفسي التي يتدافع إليها السؤال تلو السؤال متبوعا بلوم وممزوجا بأسى : لماذا لم أكلف نفسي أن أقص على ابنتي هذا القصص والرجل بين أحياء الأرض ؟ ولماذا لم أتدبر ملامح هذه العظمة وملحمة المسيرة ماثلة للعيان.ولكن مع قليل من التفكير اكتشفت أننا نعجز أحيانا وربما كثيرا عن إدراك عظمة الرجال أثناء حياتهم ولكننا أيضا نستمر في هذه الغفلة – وبالقدر نفسه - بعد مماتهم .. فما إن تمر الأيام حتى تتراجع سيرة ياسين كما تراجعت سير غيره من العظماء والنبلاء الذين تحسدنا عليهم الأمم وإن اختلفوا معهم في الرؤية والمنطلق.
وتساءلت: لماذا لا نورث أبناءنا والأجيال القادمة هذه السير النبيلة ؟ لماذا نهيل التراب على أعز ما نملك من ثروات لتغوص في بحر النسيان وتندرس في لجج الحياة ودواماتها .. هل نعجز كأمة عن إحياء سير العظماء من خلال تخليد ذكراهم في أفلام سينمائية أو مسلسلات تليفزيونية لتملأ فراغا في خريطة البرامج التي تكتظ بالتفاهات ؟ هل نحن بحاجة إلى أن تمتد إلينا يد أعدائنا لتسطر تاريخ أبطالنا ؟ هل نحن بحاجة إلى مزيد من الانتظار حتى تقوم وسائل الإعلام المتناثرة هنا وهناك لتطمس معالم البناء تشوه الصروح الشامخة ثم نسكب بعدها دموع الندم ونكتفي عندها بشجب هنا وإدانة هناك ونصب حينها جام الغضب على غيرنا الذي شوه وأفسد.
إننا بحاجة إلى مشروع فاعل نترجم من خلاله حياة عظمائنا الذين عاشوا بين ظهرانينا وعاصروا واقعنا ولكنهم قرروا ألا يكونوا أمثالنا ، بحاجة إلى مستهدفات واضحة وخطط رشيدة تتبعها وتتوازى معها جهود كبيرة لتوريث الأجيال القادمة ملامح العظمة في تاريخهم بدلا من الاكتفاء باجترار الأحزان ومصمصة الشفاه ، وبدلا من الوقوف عند حدود الواقع المرير الذي نحياه ونعيشه .. ولتكن البداية أن ترتفع الأصوات التي تطالب بدعم مشروع وطني لصناعة "سينما العظماء" الذين يجسدون قيم أمتنا وثقافتها
واقعا حيا وحياة معاشة ، إنها السينما التي تشتد إليها الحاجة في زمن تتوارى فيه القيم وتتراجع فيه القدوات.إننا بحاجة إلى دراسات معمقة ومستفيضة في أساليب الاستفادة من الكنوز التي حبانا الله إياها والتعرف على الوسائل المثلى لنقل عطاءاتهم وجهودهم إلى الأجيال الجديدة حتى يصل إليها ميراثنا
من القيم التي امتزجت مع حركة الحياة كل الحياة .. لتصل إلى الناس كل الناس " ليقوم الناس بالقسط".

*************
موقفنا مما يجري
يجب أن يكون واضحا جليا لكل ذي عيني وهذا الموقف هو ما يلي :
أولا أن نتربى على حب الشهادة في سبيل الله تعالى وذلك للدفاع عن أنفس وأعراض وأموال المسلمين
قال تعالى في سورة التوبة :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (112)

ثانيا وأن الجهاد في سبيل الله أعظم تجارة مرابحة مع الله تعالى
قال تعالى في سورة الصف :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)

ثالثا الحث على الجهاد والتحريض عليه :
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) سورة المائدة

رابعا بيان جزاء الشهداء عند الله تعالى
قال تعالى في سورة آل عمران : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

خامسا- تقديم واجب الجهاد في سبيل الله على كل شيء
قال تعالى : { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) سورة التوبة

سادسا الجهاد بالمال والعلم والنفس وكل ما يملك
قال تعالى : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) النساء

سابعا الرد على المثبطين والمنهزمين :
قال تعالى : {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا} (72) سورة النساء

للقاعدين المتقاعسين عن طرق الخير أعذار كثيرة تختلف باختلاف الأفراد والبلدان والأحوال ومن أبرزها:
1 - التعللُ بكبر السن كأن يقول أحدهم: كبر سني ورق عظمي ويكفي ما قدمت، ويتصور هذا الأخ أن الدعوة يعتريها التقاعدُ والإحالةُ على المعاش! أما علم أن القافلةَ ساريةٌ ونهايتها الجنة، فإن تقاعد عنها فلا يلتفت إليه، وأنه ليس سنٌّ محددةٌ للعمل الصالح.
قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال الحسن البصري: لم يجعل الله للعبد أجلا في العمل الصالح دون الموت.
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ورقة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن يُدْرِكْنيِ يومُك أنصرْكَ نصراً مؤزراً مع كبر سنه وذهاب بصره، وقد تمنى أن يكون فيها جذعاً قوياً فيكون نفعُهُ أكبرَ وأثرُهُ أكثرَ.
وعن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ سورةَ براءة، فلما أتى على هذه الآية: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} قال: أرى ربَّنا عز وجل سيستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني أي بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر رضي الله عنه حتى مات، ومع عمر رضي الله عنه، فنحن نغزو عنك، فأبى فجهزوه فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه فيها إلا بعد سبعةِ أيام فلم يتغير فدفنوه فيها.
قال الإمام الشافعي: طلبُ الراحة في الدنيا لا يصلحُ لأهل المروءات، فإن أحدَهم لم يزلْ تعبانا في كل زمان.
سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله، قال: إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة.
قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.
ونظرة في سير الأنبياء نجد أنهم لم يبعثوا إلا بعد الأربعين، وما زالوا في دعوتهم حتى الموت، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه طعن ورأى الموت، ومع ذلك لم ينقطع عن العمل بل إنه ليواصلُ عملَهُ في صالح المسلمين وجرحُهُ يثعبُ دماً، فقد اختار مجلس الشورى ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وجاءه ذلك الشاب لزيارته فأنكر عليه ما رأى من الإسبال.
وقد: سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.
2 - والبعضُ ينشغلُ في طلب الرزق ويُذهِبُ جلَّ وقته فِيه ويتعللُ بقلة ذات اليد وحاجةِ الأولاد. ونسي أن رزقه مكفولٌ له، وأن طلبَ الرزق لم يمنع الصحابةَ والتابعين وسلفَ الأمة من الدعوة والمساهمة في طرق الخير والإصلاح.
قال صلى الله عليه وسلم: إن روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رزقَها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينالُ إلا بطاعته رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وأبو نعيم عن جابر، والبزار عن حذيفة، والحاكم عن ابن مسعود، وأبو نعيم عن أبي أمامة.
قال ابن القيم: جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: فاتقوا الله وأجملوا في الطلببين مصالحِ الدنيا والآخرة ونعيمِها ولذاتِها، إن ما ينالُ بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناء، والكد والشقاء في طلب الدنيا، إنما ينال بالإجمال في الطلب، فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها، فالله المستعان.
قد نادت الدنيا على نفسهـا لو كان في ذا الخلق من يسمع
كم واثق بالعيش أهـلكـه وجامعٍ فرقت ما يجمـــع
وقال ابن القيم: فائدة: لابد في قبول المحل لما يوضع فيه أن يفرغ من ضده، فقبولُ المحل لما يوضعُ فيه مشروطٌ بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقادِ الحق ومحبتِهِ موضع، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شَغلُها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها، فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغلُهُ بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره.
قال عبد الله: حدثني أبي حدثنا سيار حدثنا جعفر قال: سمعت مالكاً يقول: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك.
وقال تعالى: {فِي بِيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رَجِالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}.
3 - الانشغال بالوظيفة فيذهبُ زَهرةُ وقته فيها، ويعتذر بأنه لا يستطيع أن يشاركَ في خير ما دام عملُهُ هكذا، أو يجير وظيفتَهُ ويحسبُها في إطار الدعوة ويخادع نفسه بذلك، وهو لا يقدم شيئا من الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولاشك أن الوظيفة من وسائل الدعوة إن استغلها ووظفها في ذلك، قال سفيان بن عيينة: من أصلح ما بينه وبين الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.
قلت لأحد الأطباء من الذين يعملون بعياداتهم إلى الساعة الخامسة عصرا: ما ذا قدمت لدينك؟ هل قلت يوما لمريض: هل أنت تؤدي الصلاة؟ ذكرته بمعاصيه الظاهرة؟ هل تحافظ على الأوراد؟ من الشافي المعافي؟ إنه الله. كيف تطلب الشفاء ممن تبارزه بالمعاصي؟.
فكأن هذا الأخ الطبيب انتبه من غفلة، وما تصور أنه بإمكانه أن يخدم دينه ويساهم في الخير بهذه البساطة.
4 - يقول البعض بأنه فاته القطارُ، وتجددت الوسائلُ وتغير الزمانُ، وأصبح لا يحسن العملَ في هذه الظروف!
وهذا لضعفِ الشعورِ بالمسؤوليةِ، وتبلدِ الإحساس، وتجمدِ الحماس. عن مالك بن دينار قال: إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله.
ولو كان قلب هذا يغلي أو فيه هم للآخرة لعرف كيف يخدم دينه.
5 - إفساح المجال للآخرين: هذه يتعلل بها كثير من المتقاعسين وكأن المجال فيه ازدحامٌ، حتى أصبح هو عقبةً في طرقِ الخير، وليت هذا الأخَ أفسحَ المجالَ للآخرين في طلب الرزق والوظيفة والتي عليها قطاراتٌ من الناس ينتظرون وظيفتَهُ تشغر!.
قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ}، وقال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ}، وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.
وكان عمر رضي الله عنه يحاول جاهداً مسابقة أبي بكر رضي الله عنه في الخير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمجموعُ أمتِه ( يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تقومُ مقامَه في الدعوة إلى الله، ولهذا كان إجماعُهم حجةً قاطعةً، فأمتُه لا تجتمعُ على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله.
وكلُّ واحدٍ من الأمةِ يجب عليه أن يقومَ من الدعوة بما يقدرُ عليه إذا لم يقم به غيرُه، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به.
وأما ما لم يقم به غيرُه وهو قادرٌ عليه، فعليه أن يقومَ به، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطتِ الدعوةُ على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوعُ الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع أخرى.
وقد تبين بهذا أن الدعوةَ إلى الله تجبُ على كل مسلم، لكنها فرضٌ على الكفاية، وإنما يجب على الرجل المعينِ من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغِ ما جاء به الرسول، والجهادِ في سبيل الله، وتعليم الإيمان والقرآن.
وقد تبين بذلك أن الدعوة نَفسَها أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، فإن الداعي طالبٌ مستدعٍ مقتضٍ لما دعا إليه، وذلك هو الأمر به، إذ الأمر هو طلب الفعل المأمورِ به، واستدعاءٌ له ودعاءٌ إليه، فالدعاء إلى الله: الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسبيلُه تصديقُه فيما أخبرَ، وطاعتُهُ فيما أمر.
6 - التعذر بعدم البرامج والخُطط، وإلقاءُ اللوم على العلماء والمشايخ في ذلك وينتظر منهم كل شيء.
ولا يفكرُ أن يضعَ برنامجاً أو خطة في محيطِهِ الصغيرِ الذي يعايشه في حيه أو موقع وظيفته، فيجلس ينتظر البرنامج بزعمه، بينما لو أراد أن يبني بيتاً لعمل لذلك خططاً تجريبة لا تحصى، وقد قيل: الجالسون الخاملون لا تنتظر منهم أفكاراً جديدة في تطوير الأساليب والوسائل الدعوية، ومن ظن ذلك فقد اعتمد على الأوهام والأحلام، إن الذي لا يعيشُ همَّ الدعوة وينامُ ويستيقظُ عليها محال أن ترد عليه أفكارٌ في تطويرها والرفع من شأنها : ليست الثكلى كالمستأجرة.
7 - الانشغال بنقد الآخرين بأن هذا لا يحسن أن يلقي درساً، وذاك لا يعرف أن يكتب مقالاً، وفلان لا يصلح أن يشرف على عمل... الخ.
قال الحسن البصري في وصف أناسٍ مثل هؤلاء لما وجدهم قدِ اجتمعوا في المسجد يتحدثون: إن هؤلاء ملوا العبادة ووجدوا الكلامَ أسهلَ عليهم وقلَّ ورعُهم فتحدثوا، وقال الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول: إن المؤمنَ يقولُ قليلاً، ويعملُ كثيراً، وإن المنافقَ يتكلمُ كثيراً، ويعملُ قليلاً.
قال النسابةُ البكريُّ لرؤبةَ بنِ العجاج: ما أعداء المروءة؟ قال: تخبرني، قال: بنو عمِّ السوء: إن رأوا حسناً ستروه، وان رأوا سيئاً أذاعوه.
قال ابن زنجي البغدادي:
يمشون في الناس يبغون العيوبَ لمن لا عيب فيه، لكي يستشرفَ العطبُ
إن يعلموا الخيرَ يخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا.
ومن أعراض هذا المرض أيضاً: التهويلُ والمبالغةُ، واستعمال العدسةِ المكبرةِ للتفتيش عن صغائرِ الغَير.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: يبصر أحدُكم القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجذلَ أو الجذعَ في عين نفسه.
وتعـذر نفسك إذا ما أســــأت وغيرك بالعــذر لا تعـــــذر
وتبصر في العين منه القـــــذى وفي عـينك الجذع لا تبصــــر
وكيف ترى في عين صاحبك القـذى ويخفى قذى عينيك وهو عظـــيم
8 - إبرازُ الشخصياتِ المتقاعسةِ وتعليلُ النفس بهم، وأنه ليس الوحيدَ في هذا المجال.
ونسي هذا الأخ بأنه يدفن وحدَه ويبعثُ يوم القيامة وحده وسيقفُ بين يدي الله وحده، فيومئذ: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} نسي هذا أنه في مضمار مسابقة. وقد لام الله تعالى القاعدين فقال سبحانه: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم}.
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد: ولقد صحبته عشرين سنةً صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس.
قال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاعُ اللهُ فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعةِ صلاةٍ وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعةُ صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضاً، أو مشيعاً لـجَنَازة، أو قاعداً في المسجد، وكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله.
ذكر جرير بن عبد الحميد: أن سليمان التيمي لم تمر ساعةٌ قطُّ عليه إلا تصدقَ بشيء، فإن لم يكن شيءٌ، صلى ركعتين.
9 - الحساسيةُ المرهفةُ من النقدِ أو اللومِ، فالبعض لا يريدُ أن يلامَ أو يحاسبَ، أو ينتقدَ، فإذا واجه ذلك تأثرَ وانقطعَ عن العمل، إما بالشعور بالإحباطِ بأنه لا يحسنُ، أو أنه وصل إلى مقامٍ لا ينبغي أن ينتقدَ، أو أن مثلَ فلان كيف يوجهُهُ وينتقدُهُ.
وأين هذا من عمر رضي الله عنه حيث قال: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا!.
وهذا عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الراشد، التابعي العالم، الزاهد التقي، الإمام القرشي ـ يقول لمولاه مزاحم: إن الولاةَ جعلوا العيونَ على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمةً تَربأُ بي عنها، أو فعلاً لا تحبُّه، فعظني عنده، وانهني عنه
قال بلال بن سعد لصاحبه: بلغني أن المؤمن مرآةُ أخيه، فهل تستريبُ من أمري شيئاً؟
قال ميمون بن مهران: قولوا لي ما أكرهُ في وجهي، لأن الرجلَ لا ينصحُ أخاه حتى يقولَ له في وجهه ما يكره .
قال بعض السلف: من حق العاقلِ أن يضيفَ إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقلِهِ عقولَ الحكماء، فالرأي الفذُّ ربما زلَّ، والعقل الفردُ ربما ضل.
10 - قد يتساقط أناسٌ بسبب أنه لا يذكرُ عملُهم أو ينوهُ به أو يحمدون عليه، وكأن عملَهم للناس، كأن يقول: ليس هنا أحدٌ يقدرُ الجهودَ أو ينظر في النتاج، أو يحترمُ العاملين، وما عندنا أحد ينزلُ الناسَ منازلَهم!!
وصدق الربيع بن خيثم رحمه الله حيث قال: كل ما لا يراد به وجهُ الله: يضمحل.
وقال ابن الجوزي: والصدقُ في الطلب منارٌ أين وجد يدلُّ على الجادة وإنما يتعثرُ من لم يخلص.
وقال الجيلاني: يا غلام: فقهُ اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوةً، السيرُ سيرُ القلب.
قال تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا }
روى حماد بن زيد عن أيوب قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينةَ، فإن قضى الله موتاً، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لأن يعذبني اللهُ بغير النار أحبُّ إلي من أن يعلمَ من قلبي أني أراني لذلك أهلاً.
11 - تفريغُ الطاقة في التناجي بأن يناجي شخصاً بأن شيخَه ليس مؤهلاً، أو ليس عندَه برامجُ تواكبُ التطور، أو لا جديدَ عنده، فإذا وافقه صاحبُهُ على ذلك انتقل إلى آخر فيحدثه بمثل ذلك الحديث.
وليس عنده بدائل يطرحُها ولا برامجُ يقترحها، وإنما حمله الحسدُ أو السآمةُ من العمل، أو حبُّ الرياسة والظهور، أو لا يريد أن ينقطعَ عن القافلة وحده.
قال السري السقطي البغدادي: ما رأيت شيئاً أحبطَ للأعمال، ولا أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان، ولا أقربَ للمقت، ولا ألزمَ لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبدِ لنفسه، ونظرِهِ في عيوب الناس.
وتنافر القلوب لا يتعدى الأسباب التالية: فلتةُ لسان، أو هفوةٌ لم تغتفر، أو ظنٌّ متوهم.
قال ابن القيم رحمه الله: من قواعد الشرع، والحكمة أيضاً، أن من كثرت حسناتُه وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، وعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماءِ القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من قتل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدراً، فدل على أن مقتضى عقوبتِهِ قائمٌ، لكن منع من ترتبِ أثرِهِ عليه ما له من المشهد العظيمِ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات، ولما حض النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقةَ العظيمةَ قال: ما ضر عثمانَ ما عمل بعدها، وقال لطلحة لما تطأطأ للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: أوجب طلحة مفتاح دار السعادة (1/176)
وما الناس إلا من مسيء ومحسنٍ وكم من مسيء قد تلافى فأحسنا
من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
من ذا الذي ترضا سجاياه كلُّها كفى المرءَ نبلاً أن تعد معايبُه
12 - التنقلُ في الأعمال الخيرية على هيئة المذواق، كلُّ يوم في عمل، وله كل يوم منهجٌ وطريقةٌ، يمدح ذاك العملَ حيناً، ثم ينتقل إلى غيره مقدماً الجديدَ عليه حيناً آخر، وفي الأخيرِ يسقط لأنه لا يرضيه شيءٌ وقد جرب كلَّ ميدان! ولو أخذ ما يناسبه والأفضلَ في حقه لنال خيراً كثيراً، قال ابن القيم: وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطنُ له: وهو أنه قد يكون العملَ المعيَّنُ أفضلَ منه في حق غيره، فالغني الذي بلغ له مالٌ كثيرٌ ونفسُه لا تسمحُ ببذل شيء منه فصدقتُه وإيثارُه أفضلُ له من قيام الليل وصيام النهار نافلة، والشجاع الشديد الذي يهاب العدوُّ سطوتَهُ: وقوفُهُ في الصف ساعة، وجهادُهُ أعداءَ الله أفضلُ من الحج والصوم والصدقة والتطوع.
والعالمُ الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرقَ الخير والشر: مخالطتُهُ للناس وتعليمُهم ونصحهم في دينهم أفضلُ من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح
ووليُّ الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده: جلوسُهُ ساعةً للنظر في المظالم وإنصافِ المظلومِ من الظالم وإقامةِ الحدود ونصرِ المحقِّ وقمعِ المبطل أفضلُ من عبادة سنين من غيره، ومن غلبت عليه شهوةُ النساء فصومه له أنفعُ وأفضلُ من ذكر غيره وصدقته.
وهذا مثالٌ من السلف الصالح يوضح تفاوتَ الطاقاتِ والقدراتِ:
عن بكر بن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا أعلمَ منه، ومن سره أن ينظرَ إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين إنه ليدعُ بعضَ الحلال تأثماً، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركنا أعبد منه ( إنه ليظل اليوم المعمعاني.
الطويل ما بين طرفيه صائماً يروح ما بين جبهته وقدمه )، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه وأجدرِ أن يؤدي الحديثَ كما سمع فلينظر إلى قتادة.
13 - التنقل بين الشيوخ أو الجماعات أو الأفكار قال عمر بن عبد العزيز: ومن جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل فيملُّ فيتركُ الخيرَ كله، أو يصابُ بشكوك واضطراب في آرائه وأفكاره وتوجهاته، فيصبح يشك في كل من حوله.
فالثباتُ على منهج سليم فيما يعود على الإنسان من خيري الدنيا والآخرة يقي الإنسانَ من التردد والتغيرِ والتنقلِ والحيرة.
فإذا علمت أنك على الحقِّ ومتمسكٌ بكتاب الله وسنة نبيهصلى الله عليه وسلم ومتبعٌ لمنهج السلف الصالح فلايضيرك مخالفةُ غيرك, ولا يضعفك عن مسيرك فتنةٌ، ولايوقفُك عنه ابتلاء.
14 - الخوف والهلع من المخلوقين. فتتحول مراقبتُهُ وخوفُهُ ورجاؤه إلى الخلق، ويوسوس له الشيطان في كلِّ عمل أو حركةٍ بأنه مؤاخذٌ به ومؤدبٌ عليه، فيترك كثيرا من الأعمال الصالحة، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ فتتطبعُ نفسُه على ذلك، حتى لا يتمعر وجهُه في ذات الله أبداً!!
قال تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }
قال ابن القيم : ومتى شهد العبدُ أن ناصيتَه ونواصي العباد كلِّها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرفُ فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرُهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقرُهُ وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، متى شهد الناسَ كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أملَهُ ورجاءَهُ بهم، فاستقام توحـيدُهُ وتوكلُهُ وعبوديتُهُ، ولهذا قال هـود لقومـه: { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
إن من غفلتِكَ عن نفسك، وإعراضِك عن الله، أن ترى ما يسخطُ اللهَ فتتجاوزه، ولا تأمرَ فيه ولا تنهى عنه، خوفاً ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
قالـوا السعـادةُ في الســكون وفي الـخمــول وفي الجمود
في العيش بين الأهـــــل لا عيشُ المهاجـر والطــريـد
في المشي خلف الركـــب في دعــة وفي خطــو وئيـد
في أن تقـول كمـا يقـــال فــلا اعـتـراض ولا ردود
قلت: الحيـاةُ هي التحـــركُ لا السـكونُ ولا الهمـــود
وهــي التلــذذ بـالمتـــا عـب لا التلــذذُ بـالرقـود
هـي أن تذود عن الحيـــاض وأي حـــر لا يــــذود؟
هي أن تحـسَّ بأن كــــأسَ الذل مـن مــاء صديـــد
15 - ضعفُ الصلة بالله تعالى: فيقلُّ نصيبُهُ من نوافل الصيام والصلاة والصدقة، فإذا قل زادُهُ وانتهى وقوده تعطل من العمل، ولهذا كان السلف الصالح من أحرص الناس على تربية أنفسهم على التزود من الطاعات.
قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله حتى تطلع الشمس ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديَهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه.
وقال ضمرة بن ربيعة: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة، فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
وكان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء، وكانت أمه تدخل منزلَهُ، وتتفقدُ موضعَ مصلاه، فتجده رطباً من دموعه في الليل.
قال ابن المنكدر: إني لأدخل في الليل فيهولُني، فأصبحُ حين أصبحُ وما قضيت منه أربي.
وعن ابن جريج: صحبت عطاء ثمانيَ عشرةَ سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
عن نسير بن ذعلوق قال: كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيتَهُ من دموعه فيقول: أدركنا قوماً كنا في جنوبهم لصوصاً.
16 - الزواجُ وكثيراً ما يقع لمن تأخر عن الزواج أو من يعدد بعد زوجة تؤذيه، فينشغلُ بلذة الشهوةِ عن الدعوة.
عن جعفر قال: وسمعت مالكاً يقول: ينطلق أحدهم فيتزوج ديباجةَ الحرم، قال: وكان يقال في زمان مالك ديباجةُ الحرم أجملُ الناس، وخاتونَ امرأةَ ملك الروم، أو ينطلق إلى جارية فقد سمتها أبواها وترفوها حتى كأنها زبدةُ فيتزوجها، فتأخذ بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خماراً حسني، وأي شيء تريدين؟ فتقول: كذا وكذا، قال مالك: فتمرط والله دينَ ذلك القارئ ويدع أن يتزوج يتيمةً ضعيفةً فيكسوها فيؤجر.
17 - عدم التوازنِ في جوانب العبادةِ وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه كما قال صلى الله عليه وسلم: إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه فينشغل بجوانب الخير وطرقه، وينسى بعضَ الواجبات عليه، أو يغفلُ عنها، أو يهملها، أو لا يلقي لها بالا.
وفجأة يرى نفسه مثلا مفرطاً في بر الوالدين وصلة الأرحام، أو يرى نفسه مفرطاً في جانب ولده وأهله، وأنه لم يقم بتربيتهم على الوجه المطلوب، أو غير ذلك من الأمور فيحمٍلُ ذلك على انشغالِهِ بالدعوة فيفتر ويتركها.
ولو أن هذا الأخَ وازنَ بين الواجبات والمستحبات، وأعطى كل ذي حق حقه ونصيبَهُ، ما ترك شيئا من طرقِ الخير وأهملَهُ.
18 - دخولُهُ في عمل لا يتلاءمُ مع شخصيته وتكوينه وطاقاته وقدراته، فيفشلُ فيصاب بإحباط فيدع العمل، ولا يحاول التغيير.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمةُ كل امرئ ما يحسنه
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ـ متباينين في الطاقات والقدرات، وكل أخذ بالعمل الذي يحسنه، وما رؤي أحد منهم عاطلاً عن العمل، فخالد سيف الله المسلول، وأقرؤكم أُبَي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.
وهذا أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ من أكبر المؤثرين في الدعوة، حتى أسلمت جلُّ غفار على يديه، ومع ذلك لا يصلح للإمارة كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
19 - يريد عملاً يتوافق مع خواطره وتخيلاته، وهذا العمل غيرُ متمثل في واقعه، أو غيرُ ممكن تطبيقه. فتتحول نظراتُهُ وخواطرُهُ إلى خيالات مثالية، ويعتذر بها عند كل من يطلب منه أن يشارك في خير، أو إصلاح.
وقال ابن مسعود: إذا أراد الله بعبد خيراً سدده وجعل سؤاله عما يعينه وعلّمه فيما ينفعه.
قال زيد بن علي لا بنه: يا بني اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك فإنه في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت ولست تقدم على ما أخرت فآثر ما تلقاه غداً على ما لا تراه أبداً.
20 - استعجالُ الثمرة واستبطاءُ الطريق:
ونسي أنه وقف لله تعالى، يذهب مع مرادات محبوبه أينما توجهت ركائبها لا يبتغي لها أجراً، ولا ينتظر منها ذكراً، قالت فاطمة بنت عبد الملك تصف زوجَها عمرَ بن عبد العزيز: كان قد فرغ للمسلمين نفسَهُ، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومَهُ بليلته.
قال بعض أصحاب عمر بن عبد العزيز القدامىلعمر: لو تفرغت لنا فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله.
قالوا عن محمد بن أحمد الدباهي: لازمَ العبادةَ، والعملَ الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير.. صلبٌ في الدين، وينصحُ الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجدَّ في وجهه.
ولما تعجب غافل من باذل وقال له: إلى كم تتعب نفسك؟ كان جواب الباذل سريعاً حاسماً: راحتها أريد.
عجبت لهم قالوا: تماديت في المنى وفي المثل العليا وفي المرتقى الصعب
فاقصر ولا تجهد يراعك إنــما ستبذر حبا في ثـرى ليس بالخصب
فقلت لهم: مهلاً، فما اليأس شيمتي سأبذر حبي والثمـار من الــرب
إذا أنا بلغت الرسالة جاهـــدا ولم أجـد السمع المجيب فما ذنبي؟
21 - الانفصالُ عن الأخيار العاملين: فيبقى يصارع الشيطان وحده، فيجتمع عليه الهوى والنفسُ الأمارةُ بالسوء والشيطانُ حتى يغلبوه، وهذا السر في قوله صلى الله عليه وسلم: إنما يأكل الذئبُ القاصية رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد كان السلف الصالح لا يراهنون على إخوانهم أبداً حتى وصل بهم الأمرُ أن يقرنوهم بالصلاة في أهميتها وعظمها.
عن محمد بن واسع قال: ما بقي في الدنيا شيءٌ ألذُّ به إلا الصلاةَ جماعة ولقيا الإخوان.
وقال الحسن البصري: لم يبق من العيش إلا ثلاثٌ: أخٌ لك تصيب من عشرته خيراً، فإن زغت عن الطريق قومك، وكفافٌ من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاةٌ في جمع تُكفى سهوَها، وتستوجب أجرَها
قال الحسن البصري عن المؤمن: هو مرآةٌ، إن رأى منه ما لا يعجبه: سدده وقومه ووجهه، وحاطه في السر والعلانية.
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة
قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجبَ حقه...
قال الشافعي رحمه الله: ما نصحت أحداً فقبل مني إلا هبتُهُ واعتقدت مودتَّهُ، ولا ردَّ أحد علي النصحَ إلا سقط من عيني ورفضتُهُ .
وقد وصف الله أهل الزيغ بأنهم لا يرغبون في النصح ولا يحبون أهله قال تعالى: { وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ }
ما عاتب المرءَ الكريمَ كنفسه والمرءُ يصلحه الجليس الصالح
22 - التفكير العقيم بأن مجالات الدعوة محدودةٌ برقم محدد وقد أغلقت كلُّها، أو أنه لا يحسنها، فيفترُ ولا يحاول التفكيرَ بأساليبَ جديدةٍ، أو يستصعبها فيتركها.
ومن ظن أن أحداً من المخلوقين كائناً من كان يستطيع أن يغلق جميع منافذ وسبل الدعوة فقد ظن بالله ظن السوء وما قدر الله حق قدره، قال تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ }، قال ابن القيم: ومن ظن إدالةَ أهلِ الكفر على أهل الإسلام إدالةً تامة فقد ظن بالله ظن السوء، قال ابن الجوزي: ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعودٌ وترقٍّ، كلما عبروا مقاماً رأوا نقصَ ما كانوا فيه فاستغفروا.
عن هارون البربري قال: كتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز: إني شيخ كبير رقيق، كلفتني أن أقضي بين الناس - وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة - فكتب إليه: إني لم أكلفك ما يُعنِّيك، اِجب الطيبَ من الخراج، واقض بما استبان لك، فإذا لَبِّس عليك شيءٌ، فارفعه إلي، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمرٌ تركوه، لم يقم دين ولا دنيا.
وقد تسيطر على تفكيره بعض مجالات وطرق الدعوة، ويتصور أن نشر هذا الدين والدعوة إليه لا تكون إلا بها! كمن يرى أن الدعوة هي في المحاضرات، والدروس، أو نشر شريط وكتاب، ونسي الطرق الأخرى مثل الدعوة بالقدوة الحسنة، والكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم وتوجيههم ونصحهم، والتلطف للناس وحسن معاملتهم الخ.
23 - التنقل بين البلدان والاصطدام بواقع لا يعرفه: فلا يخطط للعمل في الموطن الجديد، ولا يعمل ذهنَهُ في الوسائل المناسبة، فيصطدمُ من أول يوم بوضع غير الذي يعرفُه بسبب تقصيرِه في فهم البلد وأنظمتِه، أو عاداتِ وتقاليدِ أهله، فيصاب بإحباط ويدعُ العمل.
أو يتعلقُ ببلد معين ويستميت في الوصول إليه والسكن فيه بحجة أنه أفضل، أو أن البلد الذي فيه لا يستحقُّ جلوسَ أمثاله فيه.
ونسي أنه عاملٌ وداعية، أرضُه وبلده التي يتمكن فيها من نشر دعوته بين الناس، وإخراجهم فيها من الظلمات إلى النور، فقد يكون بلدُ بنفسه فاضلاً على غيره، لكن المفضول أحياناً يكون أفضلَ منه للمسلم لهذه الحيثية.
قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود .
قال ابن تيمية: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقامُ الإنسان فيها أفضلَ وإنما يكون الأفضلُ في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس العبد عمله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا.
24 - يقع في معصية فيستثمرها الشيطان ويرابي بها، ويقول: كيف تدْعُو إلى الله تعالى وأنت وقعت في كذا وعملت كذا، فلا يزال به حتى يقعده عن العمل والطاعة فيضيف إلى معصيته معصية أخرى وهي القعود عن أعمال الخير.
ونسي أخونا الكريم أن الحسنات يذهبن السيئات.
25 - المنافسة بين الأقران: فإذا رأى أن قرينه قد فاقه في علم أو عمل تعاظم ذلك في نفسه، وكره أن يمشي معه في سبيل واحد، واختار القعود على أن يقال: إنه أقل من فلان وفلان، ونسي: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
26 - حب الرياسة والعلو: فحين يرى أنه لم يتبوأ مركزاً في الدعوة، يتعاظمُ أن يكون تابعاً لغيره أنفةً وترفعاً وكبراً، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والدارمي عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ.
قال الفضيل بن عياض: ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكرَ الناسُ أحداً عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تُودِّع من صلاحه.
قال عبيد الله بن الحسن العنبري: لأن أكون ذنباً في الحق: أحبُّ إلي من أن أكون رأساً في الباطل.
قال ذلك حين رجع عن أقوال له خالفت السنة، فقيل له في ذلك وأنك لم تعد في مكانتك السابقة لما كنت على تلك الأقوال.
27 - التفرغ لعمل علمي، أو بناء بيت أو غير ذلك لبضع سنوات، فيخمدُ حماسُه، ويضعف تجاوبُه مع الدعوة، وينسى كثيراً من الأساليب والأفكار، ويستجد أعمالٌ وأحوالٌ، فتعظم عليه الأمور ويفضل أن يعيش في الظل بعيداً عن الأضواء، ويألف الوحدة والانزواء.
روى الترمذي وأبو داود عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
28 - ترك العمل بسبب ظروف طارئة، وأحوال عصيبة، ينتظر تجليتها، ويرقب الفرج، ويأمل كشف الغربة، وينسى أن تجلية الغربة لا تتأتى بالكسل والخمول والنوم، ولم يتفكر كيف كُشفت الغربة الأولى هل جلس أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ينتظرون كشفها أم قاموا على قدم وساق حتى كشفوها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزع وكلّ وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار...
وقوله صلى الله عليه وسلم: ثم يعود غريباً كما بدأ : أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.
وكذلك بدأ غريباً ولم يزل يقوى حتى انتشر، فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمَه الله عز وجل كما كان عمر بن عبد العزيز لما وَلِيَ قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر، فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريباً.
وما علم هذا الأخ بأنه في وقوفه ينزل ويضعف إيمانه. يقول ابن القيم رحمه الله: والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد، فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء.
وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون فى جهة المسير وفي السرعة والبطء،كما قال تعالى: ((إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر )) ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
29 - خشيَ على وظيفتِه أو جاهِه ومركزِه، ففضلَ البعدَ عن العمل، وسوَّل له الشيطان أن الفترة قصيرةٌ، وأن هذا من التخطيط السليم، فتحول تفكيرُه وعمله إلى المحافظة على مركزه ومكانته، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ.
30 - تمكن الشيطان من إلقاء الشبهات في قلبه وبخاصة في وقت الفتن، فيبدأ في مراجعة حساباته لا لتقويمها وسد الثغرات، ويقظة الحراسة، وإنما لتبدل القناعات لديه من غير دليل صحيح صريح.
وهذا هو الذي خشيه خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما قال له أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أوصني، قال: إن الضلالةَ حقَّ الضلالةِ أن تعرفَ ما كنت تنكر وتنكرَ ما كنت تعرف، وإياك والتلونَ في الدين فإن دينَ الله واحد.
عن محمد بن سيرين قال: قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غيرَ خائف.
وعن إبراهيم النخعي كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله.
وقال مالك: الداء العضال التنقل في الدين.
31 - كابد وجاهد نفسه فتعب ومل وترك العمل: ولا ندري كم من العقود جاهد وكابد فيها هذا الأخ الكريم!
ألم يقرأ سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }
قال ابن القيم: وطالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعاً مقداماً، حاكماً على وهمه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطانِ تخيله، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه، عاشقاً لما توجه إليه، عارفاً بطريق الوصول إليه، والطرقِ القواطعِ عنه، مقدامَ الهمة، ثابتَ الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لومُ لائم ولا عذل عاذل، كثيرَ السكون، دائمَ الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضاتُ، شعاره الصبرُ وراحته التعب.
قال ابن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.
وهذا الإمام القدوة شيخ الإسلام ثابت البناني يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة.
روى منصور بن إبراهيم قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب.
قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس.
قال الإمام القدوة ربيعة بن يزيد: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضاً أو مسافراً.
كان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: ( الصفي ) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة.
وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله.
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد : ولقد صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: إني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة .
قال ابن القيم: يا مخنث العزم أين أنت والطريق، طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيدُ الحصورُ يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم، تزهى أنت باللهو واللعب.
32 - قد يقول: الحمد لله أنا من الأخيار، وليس عندي معاص، وليس كل الناس دعاة!! ولا أدري مم أعجب هل من تزكية هذا الأخِ الكريمِ لنفسه، أم من جهله بأن التقصير في الدعوة ليس من المعاصي!
قال ابن القيم: ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثرُ الديّانينَ لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عمومُ الناس، وأما الجهادُ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وفضلاً عن أن يفعلوها، وأقل الناس ديناً، وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجباتِ، وإن زهد في الدنيا جميعِها، وقلَّ أن ترى منهم من يُحمرُ وجهُه ويمعره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحابُ الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء.
قال تعالى: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما، ولكن في الآية فوائد عظيمة:
أحدها: أن لا يخافَ المؤمنُ من الكفار والمنافقين، فإنهم لن يضروه إذا كان مهتدياً.
الثاني: أن لا يحزنَ عليهم ولا يجزعَ عليهم، فإن معاصيَهم لا تضره إذا اهتدى، والحزنُ على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ }.
الثالث: أن لا يركن إليهم، ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات، كقوله: { لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ }، فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية، ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية، فإن الإنسان قد يتألمُ عليهم ومنهم، إما راغباً وإما راهباً.
الرابع: أن لا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم، بل يقال لمن اعتدى عليهم: عليك نفسك لا يضرُّك من ضل إذا اهتديت، كما قال: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } الآية، وقال: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ }، وقال:{ فَإِنِ انْتهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ }، فإن كثيراً من الآمرين الناهين قد يعتدون حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في ذلك الإنكارُ على الكفار والمنافقين الفاسقين والعاصين.
الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع، من العلم والرفق، والصبر، وحسن القصد، وسلوك السبيل القصد، فإن ذلك داخلٌ في قوله: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ }، وفي قوله: { إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }.
فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيها المعنى الآخر، وهو:
السادس: إقبال المرء على مصلحة نفسه علماً وعملاً، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، ولاسيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة.
وكذلك العمل فصاحبه إما معتدٍ ظالمٌ، وإما سفيهٌ عابثٌ، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويكون من باب الظلم والعدوان.
فتأملُ الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء، وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة: علماؤها وعبادها وأمراؤها ورؤساؤها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا }.
وإزاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق، أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: غلوٍّ أو تقصيرٍّ .
فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تاركُ الإعانة على البر والتقوى، وفاعل المأمور به وزيادةٍ منهيٍّ عنها بإزائه تاركُ المنهي عنه وبعضِ المأمور به، والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
33 - قد يركز على شريحة من المجتمع وأنها مجال العمل فيفشل في التعاون معها ويصاب بإحباط ويأس، وينسى أن ديننا ليس لمجموعة دون غيرها ولا لطبقة بعينها.
إن أي دعوة تهمل شريحة من المجتمع تعتبر ناقصة ومآلها إلى الانحسار، وقد تميزت الدعوة الإسلامية باحتوائها جميع طبقات المجتمع، وتوظيفِ جميع طاقات، فليس في المجتمع المسلم عنصرٌ مهملٌ أو مبعد أو مركون مهما كان.
وإن من كمال الدين وعالميته مخاطبته للجميع وتوظيف جميع أفراد الأمة فلا اعتبار للصور والهيئات والأشكال:
عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مُتَضَعّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُل جوّاظ مستكبر متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لايزن عند الله جناح بعوضة متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا.
قال الشاطبي: يقال: أنه - أي فرض الكفاية - واجب على الجميع على وجه من التجوز، لأن القيام بذلك الفرضِ قيامٌ بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوبٌ بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامةُ ذلك القادر وإجبارُه على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
34 - رأى كثرة الفساد وانتشاره واستحكام كثير من الشر فرأى أن الأفضلَ اعتزالُ الناس وتركُهم.
ما أسهل العزلة عن الخلق وترك التبعة: يروي لنا التابعي الكوفي، الفقيه النبيل عامر الشعبي: أن رجالاً خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا.
قال ابن الجوزي: وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض، إلا أنها حالةُ الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام.
حسبوا بأن الدين عزلةُ راهب واستمرءوا الأوراد والأذكارا
عجباً أراهم يؤمنون ببعضـه وأرى القلوب ببعضه كفـارا
والدين كان ولا يزال فرائضاً ونوافـلاً لله واستغفـــارا
والدين ميدان وصمصام وفر سان تبيد الشـر والأشـرارا
والدين حكم باسم ربك قائم بالعـدل لا جوراً ولا استهتارا


وفي سنن أبي داود عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ». صحيح
وفي سنن النسائي عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ». صحيح

***********

علي بن نايف الشحود
05-18-04, 01:27 AM
النتائج والتداعيات
كل ما يرمي إليه العدو فلن يصل إليه بتاتا فكلما اغتيل أحمد ياسين جاء ألف أحمد ياسين فهذه الأمة لن تموت أبدا فالخير فيها حتى قيام الساعة

في قصة الحياة التي نحياها في الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلام وخصومه، هي قصة تمتد منذ الأزل وهي علة الوجود فإليها تعود كل الحقائق لأنها بين من آمن بالله وبين من كفر به، وقيمة الحياة إنما تكون من خلال ميزان الإيمان ومعياره، فكل ما فيها باطل كما قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً، ومعيار النصر والهزيمة هو من خلال تحقق العبودية في نفس المرء، فقمة النصر هو تحقق التوحيد والإيمان، والهزيمة هي التراجع عن قيم الإيمان والتوحيد، وتلك هي حكاية الحياة.
هذا الكلام لا نقوله حتى نعيش الوهم أننا في نصر، لا والله، فنحن نعلم أن دولة للإسلام قد زالت اليوم، وأن شباباً للإسلام قد قتلوا وسجنوا، وأن الكثير من أهل الإسلام في تشرد ومطاردة، كل هذا نعلمه، لكن نعلم كذلك أننا في هذه المحنة حققنا أعظم نصر منذ أن سقطت الخلافة الإسلامية. ذلك أنه لما سقطت الخلافة الاسلامية كانت هزيمة لأهل الاسلام منكرة، لا لأن دولة الاسلام قد زالت فحسب، فهذا أمر سنني في تداول الخلق كما قال تعالى"وتلك الايام نداولها بين الناس" وكما قال العربي قديما : يوم لنا ويوم علينا / يوم نساء ويوم نسر" لكن الهزيمة العظمى يومها حين تراجع الاسلام في نفوس أهله، وحين صارت المعركة لها رايات أخرى غير راية الاسلام، وحين ارتد الناس الى جاهليتهم فتلك والله كانت الهزيمة الكبرى الشنيعة.
حين ضاعت فلسطين في النكبة الأولى كانت هزيمة وأي هزيمة، فقد جالت فينا الشياطين جولتها، وانتشر الالحاد بين الشباب، ودخلت المفاهيم والعقائد الغربية الينا، فهذا شيوعي وهذا بعثي وهذا قومي وهذا يميني وهذا يساري وهكذا، هذه هي الهزيمة في الدنيا والآخرة.
أمتنا طردت الاستعمار الأجنبي من الأرض في مطلع القرن الماضي، فهل كان خروجه واستقلال البلاد كما سموه نصرا؟!
لا والله بل هو تكريس للهزيمة، لأن الإسلام لم يكن هو البديل عن حكم الكافر الأجنبي، بل ابتلينا بكافر مرتد أقذر وأشنع وأسوأ من الكافر الأصلي.
إذا تأملت هذا يا عبد الله وأنعمت فيه النظر علمت ما هو ميزان الحكم على الحوادث والنوازل، ثم علمت ما هو النصر على حقيقته وما هي الهزيمة على حقيقتها.
ثم تأمل قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} فماذا ترى النصر وقرينه في هذه السورة الجليلة?
إنه: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
إن النصر هو عدم اهتزاز يقين الناس، وعدم فقدانهم لثقتهم بهذا الدين العظيم، وثباتهم على مبادئهم العظيمة التي آمنوا بها.
فماذا ترى اليوم لو تأملت ما وقع الى الآن من المعركة؟، ذلك لأن المعركة لم تنته بعد، والكلمة الأخيرة في قصة الصراع لم تكتب، فما زال في حكاية الصراع بيننا وبين الباطل سطور، بل وسطور كثيرة ستكتب بالدم والدخان والعرق والنار، أقول فماذا ترى اليوم وقد سقطت حركة طالبان الاسلامية، ومات شهداء، وسجن شباب، وتشردت عائلات وأهالي؟
إن سألتني ما أرى، وما أسمع؟، فألق إليَّ بعض انتباهك:
والله ما أرى إلا إقبالاً على دين الله تعالى وزيادة تمسك أهله به، ولقد شهدت بعض من كان يأمل أن يقوده صدام حسين البعثي الى النصر وتحقيق الوعود الإلهية، فلما انكشف الغطاء على كذب وكفر ذاك البعثي انتكس الرجل في دينه وصدرت منه كلمات الردة والكفر، لكني والله وأنا المتابع لم أر في هذه المعركة (التي هي بين الأخوة المجاهدين في أفغانستان والصلبيين والأحزاب الكافرة) من ندم أنه وقف مع الحق أو قال كلمة حق، ووالله شهدت من مات له حبيب فما زاد أن خلط مع حزن الفراق فرح الإيمان أن حبيبه مات شهيداً في سبيل الله تعالى.
ثم والله لا أرى إلا رغبة في الشهادة في سبيل الله تعالى في نفوس الشيوخ والكهول والشباب، وإن أحدهم يخبرني عن أبيه المسن أنه ليس له رغبة في هذه الحياة سوى أن يصنع ما يصنع شباب الإيمان في فلسطين.
وإني لأشهد أني لا أرى في شباب الإسلام ممن لم يشهدوا المواقع إلا حزناً أن فاتتهم الموقعة وفاتهم لقاء الرحمن شهداء، وإنهم ليقولون ما قال أنس بن النضر رضي الله عنه لما فاتته معركة بدر الكبرى قال: "لئن أشهدني الله موقعة أخرى ليرين الله ما أصنع".
فهل هذه الموقعة وهذه المواقع التي يشهدها أهل الإسلام في أفغانستان وفلسطين وكردستان والفلبين وكشمير والشيشان وغيرها من بلاد الاسلام تصنع نصراً وإيماناً، أم أنها صنعت هزيمة وتراجعاً؟!
تأمل وتدبر تجد الجواب، لكن دعك من أهل الإرجاف والتخويف والتثبيط.
دعك من الذين يقولون كما قال أئمتهم:{غر هؤلاء دينهم} قالوها بعد موقعة أحد حين أصيب أهل الاسلام بجرح لم يكن إلا كما قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه *** وربماً صحت الأجسام بالعلل
دعك من الذين قالوا: لقد ورطونا وورطوا الأمة، يقولونها نصرةً لطرائقهم البدعية، وجماعاتهم الهرمة، ومذاهبهم العجيبة،.
فهؤلاء لو انتصر الاسلام على غير أيديهم لما عدوه شيئاً، لأنهم اختزلوا الاسلام في ذواتهم وأحزابهم، فلا يرون الخير إلا في شيوخهم، فميزان النصر عندهم ميزان خاص عجيب حتى إني رأيت لأحدهم عجباً عُجاباً، وذلك أنه عدّ تعيين واحد من حزبه في منصب وزير لوزارة خدمات لا يحل ولا يربط عدّ هذا تمكيناً لأهل الاسلام في الأرض، فهذا نصر لأنه من حزبه وعلى يدي جماعته، وأما دولة طالبان الاسلامية بكل خيرها لم تكن عندهم شيئا.
دعك من هؤلاء الذين جلسوا على أفواه السكك كقطاع الطريق ليس لهم إلا هم الجلد وممارسة المشيخة الكاذبة على مجموعة صبية صغار لا يعرفون إلا بركة الشيخ وتقديسه، يعيشون في دورة صغيرة عجيبة: هم جهلة يمرحون وأشياخهم أجهل يجلدون.
دعك أخي المسلم من الذين يريدون عزة الاسلام ويريدون تحقيق الخلافة الراشدة وهم يصارعون أهل الاسلام فقط على مسجد يتقاسمونه أو على التقاط صاحب جيب لا نظر لهم إلا الى ماله، فإذا استطاع تسجيل خطبة له أو درس طار به كأنه أتىبعنفاء مغرب وتحقق النصر.
دعك من هؤلاء ومن أمثالهم الكثير ممن لا يرون الحياة إلا رغداً وترفاً ،ووجه نظرك الى مقدار تحقق العبودية في الخلق حينها سترى الكثير من الخير.
سترى أخي مع ما تقدم أن أهل الاسلام وأهل الجهاد منهم خاصة هم الذين يقيمون الحجة على الخلق، فهم الذين حاكموا الكفر كله، وهم الذين كشفوا باطله، وهم الذين يقرعون العقول لئلا تنخدع من تلبيسات الظلم والحيف الذي يعيشه العالم فتحقق في هؤلاء فضل الأمة بأن جعلها شهداء على الخلق كما قال الله تعالى في الآية التي ابكت حبيبنا المختار:فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا.
فمن الذي يصارع قوى الكفر اليوم سوى شباب الجهاد وأمة الاسلام، فالكل قد رضخ ورضي من الغنيمة بالإياب وكأنه خدع بلعبة نهاية التاريخ، فقد انتهى كل شيء ولا أمل، فأمريكا هي السيد المطاع، وهي الآمر الناهي، ولا حل سوى الدخول في ركابها، والإنضمام الى خيلها ورجلها، فهي التي نادت في الخلق: أنا ربكم الأعلى، وتبجحت حتى نطق زعيمها وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وسارت كما سيسير تابعها الدجال، معها على يمينها جنة الوهم الكاذبة، وعلى يسارها نار الوعيد والتهديد، تتبختر وتملأ الأرض من زهمها ونتنها، فهذه القرية العاتية الظالمة من يقف لها اليوم وهي التي سلبت ثروات الشعوب فهم في فقر مدقع وهي في غنى وثراء كما هو حال المكسيك، فهذه الدولة التي تعد من أوائل الدول في الثروة النفطية ومع ذلك مدينة بأرقام فلكية ولا تملك من ثروتها قطرة واحدة، لأن أمريكا سلبتها كل ذلك وكما فعلت في الكويت والسعودية.
وهي التي قضت على حرية الدول وخصوصا منها العربية والمسماة بالاسلامية، فهم كالدواب، نعم يأكلون ويشربون لكن لا يملكون لأنفسهم قراراً ولا كلمة كما هو شأن اليابان وألمانيا كذلك.
وهي سيدة القرى في مجلس الأمن، فكلمتها النافذة وأمرها المطاع، وأمريكا هي التي أبادت شعوباً كاملةً كما فعلت مع الهنود الحمر وبارقام فلكية لا يمكن تصديقها بلغت على أقل تقدير مأتي مليون انسان ويقدرها مطران نصراني شهد المأساة بمليار هندي أحمر، والكل ساكت وراضٍ أن أبقت لهم بعض حياة على هامش هذه الدنيا.
هذه القرية الظالمة من الذي أحضرها للمحاكمة والمسائلة?!
ومن الذي أنزلها من كبريائها الى محكمة التاريخ؟! أليسوا شباب الاسلام؟ بل أليسوا شباب الجهاد؟.
وهنا أخي الحبيب لا تغرك هذه الصرخات المستعلية، ولا تخدعك مناظر الاستعراض لهذه القرية اليوم فما هذه الا فقاعة صابون وستجري عليها سنة الله تعالى في أخذه للقرى الظالمة.
تذكر ما قاله الله تعالى وتنعم فيه تسلم.
إقرأ معي قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى الظالمة إن أخذه أليمٌ شديد}.
وتأمل قوله تعالى: {أخذه} فإنها تدل على تمام مكر الله تعالى بهم وبهذه القرية اللعينة الفاجرة، وهي تدل على أن هذا العذاب لا يقيم لهم قائمة، وهذا بخلاف ما يصيب المؤمن من البلاء فإنه وإن اشتد عليه إلا أنه لا يقضي عليه ولا يفنيه وقد فصل هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أجمل تفصيل وأبدعه وذلك في مثل للحالين، حال المؤمن مع البلاء، وحال الكافر مع العذاب الدنيوي، فمن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة"[حديث في الصحيح].
فالمؤمن لا تكسره الإبتلاءات والمحن وإن بدت أنها قضت عليه وانتهى، بل هي تميله مع بقائه على أصله، وأما الكافر فإن عذاب الله تعالى في الدنيا يقضي عليه ويزيله، وهذا الأمر لو أخذته على فهم السنة الإلهية الكونية في الخلق لرأيته ينطبق تمام الانطباق لا يُخرم أبداً، فكم من أمة كافرة عظيمة القوة والسلطان مرت على هذه الأمة، فهل ترى لهم اليوم ذكراً أو وجودا؟؟ لا، بل ذهبوا وبادوا وصهرتهم الأمة حتى لو طال زمانهم في أرضنا، وبقيت هذه الأمة عصية على الافناء والدمار والزوال، وكان أشد ما أصابها هو تبديلها لدينها في محنة التغريب الأخيرة حيث حلت فينا قيم الجاهلية، وخرجت طوائف من هذه الأمة تلحق بالمشركين، ولكن بفضل الله ها هي جموعٌ من الأمة تعود لدينها، بل ودينها الصحيح الذي تعرفه من خلال توحيد الله تعالى والبراءة من المشركين.
وإن سبب هذا الأخذ الشديد إنما هو الظلم، فالظلم هو سلطان الله تعالى بلحوق العذاب على القرى، وهو أسرع ما يأتي بالنقمة، وإنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"[حديث صحيح].
وإن من مكر الله تعالى بهؤلاء أن يأخذهم وهم في أوج سلطانهم كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته} فماذا كان لقارون وهو في وهمه؟، والناس يتمنون ماله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم}.
أما أهل الدين والعلم بعواقب الظلم والكفر والطغيان فهم الذين نظروا الى رضى الرحمن: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون}.
إي والله ولا يلقاها إلا الصابرون.
في الزينة وبين قومه كان العذاب:{فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين}.
فهذه هي سنة الله تعالى في أخذ الظالمين، وذلك أن يأخذهم في أوج استكبارهم وعلوهم ورفعتهم، (كما قتل السادات وهو في أوج كبريائه).
وكما قال الله تعالى عن فرعون وجنوده: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين}.
فما ترى من هذه القرية الظالمة (وهي أمريكا) من استعلاء إنما هي القهقهية الأخيرة، ووالله إن العقلاء فيها مشفقون عليها لما يرون من سفاهة أهلها وقادتهم، وكان الناس يتساءلون لِمَ لَم تتعظ أمريكا مما حصل معها؟ ونسوا سنة الله تعالى الجارية في الظالمين أنَّ بصيرتهم معطلة وأن تفكيرهم بالعواقب لا وجود له.
ولكن عليك أخي المسلم أن لا تستعجل، فلا بدّ للأمور من جريانها القدري الذي لا مفر منه ولا بديل عنه.
ثم اقرأ معي قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا}.
فلا بدّ للقرية من هلكة وإلا فعذاب، وأما الهلكة فلأن كبرياء الله تعالى تمنع حصول الضد لها، والعلو والارتفاع واستقرارهما تأباهما كبرياء الله تعالى، وهو ظاهر بين في تاريخ البشرية، وقد نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أن ناقته عليه الصلاة والسلام لم تكن تسبق، فجاء اعرابي على بعيرٍ له فسبقها، فشق ذلك على أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما ارتفع شيء إلا كان حقاً على الله أن يضعه"[حديث صحيح]. و(شيء) منكرة لتدل على الاستغراق والعموم، فسبحان الذي جعل العزة إزاره والكبرياء رداءه، وأما العذاب فهو عقوبة العصيان والظلم والطغيان.
والرب يغار، ومن يغار ويملك القوة فلا بدّ أن ينتقم ممن تجرأ على حماه ومحارمه، وهذه القرية (أي أمريكا) الحقيرة الذليلة علت وعصت.
ثم اعلم أن سنة الله تعالى اليوم هي هي كما كانت وستبقى، وإياك أن تظن أو يأتي على وهمك أن سنة الله تعالى الكونية اليوم قد تغيرت، حيث صار بدل الحمار طائرة، وبدل الرمح صاروخاً، فكل هذا من مكر الله تعالى بالظالمين، حيث يكون الأخذ الشديد.
إن هذا العلو للقرية الظالمة الذي تراه اليوم يا عبد الله خداع زائف لا أساس له ولا قرار، وسل إن شئت كم تحتاج هذه القرية الظالمة الى هزة لتكون قاعاً صفصفاً، يتهارش أهلها فيها تهارش الحمر، وتختلف كلمتهم حتى يقتل بعضهم بعضاً.
وسل إن شئت أهل الخبرة الى أي درجة هذا الاقتصاد متيناً يتحمل الهزات والكوارث، وهل هذه الأوراق البنكية تصمد أمام محن التاريخ أم أنها ستصبح وبالاً وسبب هلاك أهلها.
وسل إن شئت أهل المعرفة عن روابط هذا المجتمع، وعن قواعده الاجتماعية هل تصلح لتمنع الناس من أن يأكل بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دماء بعض حين يحصل بعض الانفلات الأمني، فكم في كل دقيقة يحصل من حوادث السرقة، والقتل، والاغتصاب، وهل هذه القشة الخادعة ستصمد كثيراً مع عامل الزمن الذي يزيدهم أمراضاً وشيخوخة.
أما إن سألت عن مواطن الصراع بيننا وبينهم فإياك أن تخطيء عينك الحقيقة التي يراها كل مؤمن.
في فلسطين: قد تخلى المرتدون عن الأمر، وزادوا البلاء على أهل الاسلام بلاءً، وكان آخرها ما صرح به الملعون ولي العهد العاهر السعودي حيث تاجر بدماء الشهداء، وبتضحيات أهل الاسلام ليجعل كل ذلك ثمناً لبقاء دولة يهود على أرض فلسطين، ومع ذلك فماذا ترى هناك؟؟؟
هل ترى تراجعاً أم هو الإقدام من شباب الاسلام نحو الشهادة والموت في سبيل الله تعالى؟
هل ترى استسلاماً أم ارادة الصمود حتى لو أدى ذلك الى الموت عن آخرهم؟
ضع دائماً الأمور في نصابها ولا تقع ضحية الاحصاء الكاذب ذلك بأن ترى البلاء ولا ترى العطاء، وترى المحن ولا ترى المنح، بل حين يكون الحساب متعلقاً بالشعوب وتاريخها لا حساب التجار بقرشهم ودرهمهم تكون قيمة الارادة في نفوس الشعوب هي الحياة وهي النصر.
وإن شئت دليلاً من الزمن الحاضر على قيمة ارادة الشعوب حتى لو كانت كافرة فانظر الى جنوب أفريقيا وتأمل ما فيها من عبر تعرف لمن تكون الخواتيم.
لقد أقيمت دولة يهود حين كان اليهودي صاحب ارادة وهمة للوصول الى هدفه، وقد ضحى بالغالي والنفيس لتكون له هذه الدولة، ولم تأته كما يظن البعض على طبق من فضة، بل عانى وقاسى وبذل حتى تحقق له ما أراد، ووقتها كانت أمتنا قد علقت آمالها على حكام مرتدين جاؤوا بعد هزيمة ما يقال له بالاستقلال، فرجوا منهم الخير فما زادوا الأمر إلا شراً وعذاباً، مع أن اليهود يومها كانوا مجرد عصابات وجماعات لا دولة لهم ولكنهم بالارادة تحقق لهم ما يشتهون.
واليوم من هو الذي يملك هذه الارادة?
ومن الذي طلب الموت مظانه?
لا شك أنك معي في الجواب.
واعلم أن من يملك هذين الأمرين سيكون له مراده وستوهب له الحياة.
في أفغانستان: هذا البلد الذي كان قدره في هذه الحياة أن يكون آية، سواء كان في جاهلية أو اسلام، فهل تظن أن هذه الآية قد بطل مفعولها اليوم مع الغازي الجديد؟؟؟
تعال وتأمل: كل الغزاة وطؤوا أرضه بسهولةعجيبة حتى ليخيل إليهم أنهم في رحلة صيد، فما أسهل أن يتراجع أهلها بطريقة تذهل كل مراقب، حتى أن العرب الأنصار في الجهاد كان يتعبهم هذا الأمر ويحق لهم أن لا يرضوه، ولو تأملت التاريخ القريب جداً في هذا البلد لرأيت أن الكل يتراجع أمام الكل، وأن أمر التخلي عن الأرض في المعارك لا يعدُّ قضية تُؤرق نفسية المقاتل، حتى إن أحد الأخوان الأنصار قال لي أنه قال يوماً لأحد قادة طالبان وهم يقاتلون مسعود على حدود كابل وقد تراجعوا أمامه بطريقة مذهلة لولا مجموعة من شباب الأنصار العرب صدوه عنها، قال له: لماذا تتخلون عن كابل بهذه السهولة؟
فرد عليه الأفغاني الطالباني: لا عليك ليأخذها ولا بأس في هذا، وسنأخذها منه بعد ذلك.
عجب والله وإيما عجب، وكأن القوم يتصارعون مع خصومهم لا على من ينتصر ولكن على من يصبر.
وهم لا يهمهم ولا يعنيهم كثيراً ما يقول الناس عنهم، وليس هذه من قيم الحياة الكبيرة لديهم.
ثم ثانية: مبدأ الغنيمة هو جزء من حياتهم، فالقتال حياة على معناه الدنيوي حتى ولو خلا من حقيقته الجهادية وتحصيل الآخرة، وهذا أمر قد يزعج بعض الأخوان ولكن حين يصبح الجهاد حركة أمة كاملة لا طائفة ونخبة فلا بدّ من هذه الاعتبارات لأهميتها في حسم الصراع وفي استدامته أولاً.
إن من خبر طريقة القوم في القتال ضد خصومهم يرى أن مبدأ الغنيمة أمر مهم في التحريك والتفاعل، وقد قال هذا الأمر الرجل الذي خبرهم حتى النخاع خلال الجهاد ضد الدب الروسي صاحب كتاب (فخ الدب) وتحدث في هذا الباب عجباً عن أهل أفغانستان، وقال بأنه لم يحصل قط أن قام المجاهدون الأفغان بعملية ذات شأن ضد الروس إلا وعين المقاتلين الى ما سيحصلون من غنيمة في المعركة، فإذا خلت المعركة من هذا الأمر فمن الصعب بل لم يحدث قط أن تحركوا معها أو فعلوها.
وقد علم الأنصار العرب أن بعض مناطق الجهاد في أفغانستان كان المجاهدون يتركونها رجاء أخذ العدو لها حتى تمتليء بالطعام والذخيرة فيعودون ويقاتلون عليها فيحصلون الغنيمة الجديدة.
هذا المبدأ ليس عجيباً ومن ظن اأنه فريد في التاريخ الاسلامي مع الجهاد فهو مخطيء، فإن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقرر أنه قلما خلص جهاد الناس عند المتأخرين عن رغبة الملك والغنيمة ،يقول رحمه الله تعالى: فإنه لا بدّ من أحد أمرين إما ترك الغزو معهم (أي الأمراء الفجار والعسكر كثير الفجور) فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الاسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. انتهى.
وها أنت ترى الآن كيف يتحرك الخير هناك وعلى طريقته، وقطعاً أنك لن تفهم الأمور جيداً إذا كنت من أهل الوهم والأحلام وهو أنك تتصور المعارك كما تتخيلها: وهو ما يصوره البعض بأن يأتي أهل الاسلام على خيول بيضاء يصرخون وهم شاهرون أسلحتهم فما هي إلا لحظات حتى تترك ساحة المعركة وقد أبيدت خضراء الأعداء، لا، دعك من هذه الأوهام، وإن شئت فاقرأ بالتفصيل ما كتب في ثنايا السطور عن الحروب الصليبية تدرك أن الانهاك الذي كان يقوم به طائفة العلم والجهاد هو الذي حقق النصر في المعارك الكبرى لا المعارك الكبرى ذاتها، بل لم تكن هذه المعارك الكبرى كحطين إلا محصلة لمعارك صغيرة لا تكاد تذكر في التاريخ لكنها كانت الأرقام الأولى لتشكل النصر الكبير النهائي.
وها أنت اليوم أخي الحبيب تقرأ وتسمع كيف أن القضية ما تزال تسير على سنتها وبابها/ و لم تخرم منه شيئاً، ولعل معارك غرديز وخوست الأخيرة ومطار قندهار الذي هاجمه الأخوة أكثر من مرة تعطيك بعض الجوانب فيما تسأل عنه.
وذاك في ذات الاله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع.
وعجيب من قوم أغلقوا الملف فما بين باكٍ يائس هزته المناظر ولم يعد في قلبه بريق أمل، أو قوم أخذتهم نشوة الاستهزاء والضحك على قوم وثقوا بالله وآمنوا به وبوعده فلم يجدوا شيئاً بحسب نظرهم وحساباتهم.
إن التاريخ لم ينته وما زال في القصة فضل بقية هو الأجمل لنا في هذه الدنيا، وإن كان أولها أجمل لمعنى الصبر والبلاء، لكن آخرها كما قال تعالى: {وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب}.
وتأمل في قوله تعالى: (تحبونها) تعلم موقعها في هذه القصة وأين تقع.
إن العين التي لا ترى إلا ألمها عين مهزومة لا تصلح لخوض الحروب ولا لحمل آمال الأمم وأهدافها فالله تعالى يقول:
{إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}.
إن قصة اليوم هي قصة الأمة في كل أزمنتها وفي كل أوقاتها، هكذا هي، فما الشيء العجيب اليوم نعيشه وهو على خلاف ما نعرف؟!.
يا قوم إن لم يكن لكم في كتاب الله تعالى عبرة وهداية وجواب لما سيقع من قصة هذا الصراع مع هذا القرن الرومي وهذه القرية الظالمة أمريكا فاعتبروا بالتاريخ الذي تتبجحون أنكم تقرؤونه ،واعتبروا بالسنة الكونية التي تزعمون أنكم قد هديتم إليها، فأنتم تتشدقون بها أكثر من قراءتكم لكتاب ربكم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولكنكم تستعجلون"[حديث صحيح].
وإنه لمن العجب فيما يقع أن يكون أهل البلاء هم أكثر الناس ثقة بنصر الله تعالى، وأن يكون القاعدون هم أهل الشك والريب.
والسبب واضح؛ ذلك أن القاعدين لا يرون إلا ما يسوقه سحرة فرعون من اعلام وزخرفة القول وانتقاء الصور، فترتجف أوصالهم وتهتز بوادرهم، ويسقط في أيديهم،.
وأهل البلاء يعيشون رحمة الله تعالى، ويحسون نعمة الله تعالى بأيديهم، وبهذا تستمر بسمة وجوههم، فهذا واحد من جنود الطاغوت الأمريكي الجرحى من معركة غرديز الأخيرة يصف غرائب أهل الإيمان وهو يقصفهم بطائرته ويقول: لقد كان باستطاعتنا أن نسمع ضحكاتهم وهم يقاتلوننا.
الله أكبر الله أكبر.
وهذا الملا محمد عمر حفظه الله تعالى من كل مكروه يتصل بحاكم قندهار الجديد ويحذره من أن يزيد في عذابه على الناس لأن الأمر لن يطول، والمحكمة ليست بعيدة في يومها عنه.
والبشائر كثيرة لو تعلمون، لكن لا بدّ من الصبر.
فأين هؤلاء الذين يتصورون نصراً أشبه بمهرجانات السيرك المزخرفة?.
إن الأمر أمر دماء وأشلاء وبلاء، وهذه هي طبيعة المعارك اليوم ليس لها صورة إلا هذه، ولكن هذه الصورة لا تسقط الجهاد ولا تجعله حرباً مكروهة كما يريد بعض المأفونين تصويرها ليلزموا أهل الاسلام بالذل وقبول الرضوخ لأعدائهم.
إنها حرب فيها القتل والدمار ولكن العاقبة للمتقين، وأما الجمع فسيهزمون ويولون الدبر ولا شك في وعد الله تعالى.
إن البشائر والله كثيرة وعديدة، من فلسطين الحبيبة، الى أفغانستان أرض الآيات، الى الشيشان الأعجوبة، الى كل هذا الزخم الايماني المتعالي المتصاعد في كل الصعد.
فأيُّ عيون عمياء هذه التي لا تبصر هذا?!.
أما الذين يحصون عدد موتانا وسجنائنا وبذلك يقيسون الأمور فقل لهم: إن زلزالاً صغيراً واحداً في مصر أو في تركيا أو في أفغانستان يحصد هذه الأعداد، بل احتراق قطار في مصر أودى بمئات القتلى، فمن أجمل ومن أعظم في ميزان الله تعالى وميزان الايمان والآخرة، موت هؤلاء شهداء في سبيل الله تعالى أم موتهم وأغلبهم في معصية وسكر وادبار عن الله تعالى؟!
{نبؤني بعلم إن كنت صادقين}.
ثم تذكر أن الله تعالى لم يَعد أهل الايمان أن لا يبتليهم ويقرمهم، بل حصول هذا هو من طبيعة الطريق لكن يحتاج الى الصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"[حديث صحيح].
فكما كانت معركة بدر نعمة ورحمة، فكذلك معركة أحد نعمة ورحمة، كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: فكان من حكمة الله تعالى ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم، ليمحص الله الذين آمنوا، وينيبوا الى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام، فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف، كما أن نصر الله تعالى للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كانت نعمة ورحمة على المؤمنين. انتهى.
إن اليأس من رحمة الله تعالى من الكبائر بل من اعظمها كما قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: إنه لا ييأس من روح الله إالا القوم الكافرون، وأن من اعظمها اشاعته بين أهل الإسلام كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: من قال هلك الناس فهو اهلكهم.
وقد عد رسولنا اليأس من الكبائر كما في الحديث الصحيح.
وإن من علم سنة صعود الأمم وهبوطها ومن قرأ تاريخ الحضارات وكيف تشاد وكيف تزول ليعلم علم اليقين من هو الذي من الفريقين في علو ومن هو في هبوط.
انظر لهذه الأمة اليوم ووعيها وقارن هذا الوعي بما كانت عليه قبل ،وكيف ميزت اصدقاءها من اعدائها وكيف ادركت الطريق الصحيح فيالتعامل مع خصومها، وكيف علمت حقيقة حكامها.
لتكن دائما على ذكر بما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم: إن الله زوى لي الأرض وسيبلغ ملكي ما زوي لي منها.
وما تراه من مكرهم فاعلم انه في تباب. وما تراه من انفاقهم فسينفقونه ثم يكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون.
وأنك حين ترى هذه الجموع وهي تتدافع نحو الشهادة، وإنك حين ترى هذه الأم وهي تقدم ابنها لها وهي تعلم أنه لن يعود، وإنك حين تعلم أن أهل الإيمان يتفلتون من دنياهم كأنها الجرب ويركضون الى رضوان الله، ثم تنظر في الجهة المقابلة فترى كل خسة ونذالة وترى تكالبا على الدنيا، وترى هبوطا أخلاقيا لا يتصور.
تعلم حينها لمن العاقبة إن كان لك بصر.
قف عند هذه المعاني الايمانية يا عبد الله وارجع الى نفسك بالتأديب والتعليم، واستجمع ارادتك فلعلك تصيب ما أصابه أنس بن النضر رضي الله عنه في أحد، أو يقع عليك الوعد الإلهي، وهو حقاً نراه.

"سينما العظماء" .. ليكن ياسين البداية
عندما ووري جثمان المجاهد أحمد ياسين وتزاحمت الجماهير تندد بالجريمة وتوسعت وسائل الإعلام في تغطية الحدث الجلل ، سألتني طفلتي الصغيرة سؤالا كان لي بمثابة الصدمة ، قالت: من هو أحمد ياسين؟ عندها شرحت لها وزوجتي طرفا من حياة ذلك البطل الذي يندر وجوده في كثير من الأمم ولكن استبدت بي في هذه الأثناء حالة من التفكير العميق .. وقلت لنفسي: لماذا لم أشعر بكل هذه العظمة والرجل بين ظهرانينا؟ لماذا تغيب عنا عظمة الرجال وهم أحياء؟ لماذا نغمط العظماء حقوقهم ، صحيح أننا كنا ستشعر عظمة الرجل في حياته ولكنه استشعار عام يحمل الكثير من الغفلة عن التدبر العميق في جوانب العظمة ، وكأني وأنا أسرد لصغيرتي ملامح من حياة الشيخ وجهاده أشعر بعميق الحزن ينساب إلى نفسي التي يتدافع إليها السؤال تلو السؤال متبوعا بلوم وممزوجا بأسى : لماذا لم أكلف نفسي أن أقص على ابنتي هذا القصص والرجل بين أحياء الأرض ؟ ولماذا لم أتدبر ملامح هذه العظمة وملحمة المسيرة ماثلة للعيان.ولكن مع قليل من التفكير اكتشفت أننا نعجز أحيانا وربما كثيرا عن إدراك عظمة الرجال أثناء حياتهم ولكننا أيضا نستمر في هذه الغفلة – وبالقدر نفسه - بعد مماتهم .. فما إن تمر الأيام حتى تتراجع سيرة ياسين كما تراجعت سير غيره من العظماء والنبلاء الذين تحسدنا عليهم الأمم وإن اختلفوا معهم في الرؤية والمنطلق.
وتساءلت: لماذا لا نورث أبناءنا والأجيال القادمة هذه السير النبيلة ؟ لماذا نهيل التراب على أعز ما نملك من ثروات لتغوص في بحر النسيان وتندرس في لجج الحياة ودواماتها .. هل نعجز كأمة عن إحياء سير العظماء من خلال تخليد ذكراهم في أفلام سينمائية أو مسلسلات تليفزيونية لتملأ فراغا في خريطة البرامج التي تكتظ بالتفاهات ؟ هل نحن بحاجة إلى أن تمتد إلينا يد أعدائنا لتسطر تاريخ أبطالنا ؟ هل نحن بحاجة إلى مزيد من الانتظار حتى تقوم وسائل الإعلام المتناثرة هنا وهناك لتطمس معالم البناء تشوه الصروح الشامخة ثم نسكب بعدها دموع الندم ونكتفي عندها بشجب هنا وإدانة هناك ونصب حينها جام الغضب على غيرنا الذي شوه وأفسد.
إننا بحاجة إلى مشروع فاعل نترجم من خلاله حياة عظمائنا الذين عاشوا بين ظهرانينا وعاصروا واقعنا ولكنهم قرروا ألا يكونوا أمثالنا ، بحاجة إلى مستهدفات واضحة وخطط رشيدة تتبعها وتتوازى معها جهود كبيرة لتوريث الأجيال القادمة ملامح العظمة في تاريخهم بدلا من الاكتفاء باجترار الأحزان ومصمصة الشفاه ، وبدلا من الوقوف عند حدود الواقع المرير الذي نحياه ونعيشه .. ولتكن البداية أن ترتفع الأصوات التي تطالب بدعم مشروع وطني لصناعة "سينما العظماء" الذين يجسدون قيم أمتنا وثقافتها
واقعا حيا وحياة معاشة ، إنها السينما التي تشتد إليها الحاجة في زمن تتوارى فيه القيم وتتراجع فيه القدوات.إننا بحاجة إلى دراسات معمقة ومستفيضة في أساليب الاستفادة من الكنوز التي حبانا الله إياها والتعرف على الوسائل المثلى لنقل عطاءاتهم وجهودهم إلى الأجيال الجديدة حتى يصل إليها ميراثنا
من القيم التي امتزجت مع حركة الحياة كل الحياة .. لتصل إلى الناس كل الناس " ليقوم الناس بالقسط".

*************
موقفنا مما يجري
يجب أن يكون واضحا جليا لكل ذي عيني وهذا الموقف هو ما يلي :
أولا أن نتربى على حب الشهادة في سبيل الله تعالى وذلك للدفاع عن أنفس وأعراض وأموال المسلمين
قال تعالى في سورة التوبة :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (112)

ثانيا وأن الجهاد في سبيل الله أعظم تجارة مرابحة مع الله تعالى
قال تعالى في سورة الصف :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)

ثالثا الحث على الجهاد والتحريض عليه :
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) سورة المائدة

رابعا بيان جزاء الشهداء عند الله تعالى
قال تعالى في سورة آل عمران : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

خامسا- تقديم واجب الجهاد في سبيل الله على كل شيء
قال تعالى : { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) سورة التوبة

سادسا الجهاد بالمال والعلم والنفس وكل ما يملك
قال تعالى : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) النساء

سابعا الرد على المثبطين والمنهزمين :
قال تعالى : {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا} (72) سورة النساء

للقاعدين المتقاعسين عن طرق الخير أعذار كثيرة تختلف باختلاف الأفراد والبلدان والأحوال ومن أبرزها:
1 - التعللُ بكبر السن كأن يقول أحدهم: كبر سني ورق عظمي ويكفي ما قدمت، ويتصور هذا الأخ أن الدعوة يعتريها التقاعدُ والإحالةُ على المعاش! أما علم أن القافلةَ ساريةٌ ونهايتها الجنة، فإن تقاعد عنها فلا يلتفت إليه، وأنه ليس سنٌّ محددةٌ للعمل الصالح.
قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال الحسن البصري: لم يجعل الله للعبد أجلا في العمل الصالح دون الموت.
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ورقة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن يُدْرِكْنيِ يومُك أنصرْكَ نصراً مؤزراً مع كبر سنه وذهاب بصره، وقد تمنى أن يكون فيها جذعاً قوياً فيكون نفعُهُ أكبرَ وأثرُهُ أكثرَ.
وعن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ سورةَ براءة، فلما أتى على هذه الآية: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} قال: أرى ربَّنا عز وجل سيستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني أي بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر رضي الله عنه حتى مات، ومع عمر رضي الله عنه، فنحن نغزو عنك، فأبى فجهزوه فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه فيها إلا بعد سبعةِ أيام فلم يتغير فدفنوه فيها.
قال الإمام الشافعي: طلبُ الراحة في الدنيا لا يصلحُ لأهل المروءات، فإن أحدَهم لم يزلْ تعبانا في كل زمان.
سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله، قال: إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة.
قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.
ونظرة في سير الأنبياء نجد أنهم لم يبعثوا إلا بعد الأربعين، وما زالوا في دعوتهم حتى الموت، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه طعن ورأى الموت، ومع ذلك لم ينقطع عن العمل بل إنه ليواصلُ عملَهُ في صالح المسلمين وجرحُهُ يثعبُ دماً، فقد اختار مجلس الشورى ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وجاءه ذلك الشاب لزيارته فأنكر عليه ما رأى من الإسبال.
وقد: سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.
2 - والبعضُ ينشغلُ في طلب الرزق ويُذهِبُ جلَّ وقته فِيه ويتعللُ بقلة ذات اليد وحاجةِ الأولاد. ونسي أن رزقه مكفولٌ له، وأن طلبَ الرزق لم يمنع الصحابةَ والتابعين وسلفَ الأمة من الدعوة والمساهمة في طرق الخير والإصلاح.
قال صلى الله عليه وسلم: إن روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رزقَها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينالُ إلا بطاعته رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وأبو نعيم عن جابر، والبزار عن حذيفة، والحاكم عن ابن مسعود، وأبو نعيم عن أبي أمامة.
قال ابن القيم: جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: فاتقوا الله وأجملوا في الطلببين مصالحِ الدنيا والآخرة ونعيمِها ولذاتِها، إن ما ينالُ بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناء، والكد والشقاء في طلب الدنيا، إنما ينال بالإجمال في الطلب، فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها، فالله المستعان.
قد نادت الدنيا على نفسهـا لو كان في ذا الخلق من يسمع
كم واثق بالعيش أهـلكـه وجامعٍ فرقت ما يجمـــع
وقال ابن القيم: فائدة: لابد في قبول المحل لما يوضع فيه أن يفرغ من ضده، فقبولُ المحل لما يوضعُ فيه مشروطٌ بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقادِ الحق ومحبتِهِ موضع، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شَغلُها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها، فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغلُهُ بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره.
قال عبد الله: حدثني أبي حدثنا سيار حدثنا جعفر قال: سمعت مالكاً يقول: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك.
وقال تعالى: {فِي بِيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رَجِالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}.
3 - الانشغال بالوظيفة فيذهبُ زَهرةُ وقته فيها، ويعتذر بأنه لا يستطيع أن يشاركَ في خير ما دام عملُهُ هكذا، أو يجير وظيفتَهُ ويحسبُها في إطار الدعوة ويخادع نفسه بذلك، وهو لا يقدم شيئا من الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولاشك أن الوظيفة من وسائل الدعوة إن استغلها ووظفها في ذلك، قال سفيان بن عيينة: من أصلح ما بينه وبين الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.
قلت لأحد الأطباء من الذين يعملون بعياداتهم إلى الساعة الخامسة عصرا: ما ذا قدمت لدينك؟ هل قلت يوما لمريض: هل أنت تؤدي الصلاة؟ ذكرته بمعاصيه الظاهرة؟ هل تحافظ على الأوراد؟ من الشافي المعافي؟ إنه الله. كيف تطلب الشفاء ممن تبارزه بالمعاصي؟.
فكأن هذا الأخ الطبيب انتبه من غفلة، وما تصور أنه بإمكانه أن يخدم دينه ويساهم في الخير بهذه البساطة.
4 - يقول البعض بأنه فاته القطارُ، وتجددت الوسائلُ وتغير الزمانُ، وأصبح لا يحسن العملَ في هذه الظروف!
وهذا لضعفِ الشعورِ بالمسؤوليةِ، وتبلدِ الإحساس، وتجمدِ الحماس. عن مالك بن دينار قال: إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله.
ولو كان قلب هذا يغلي أو فيه هم للآخرة لعرف كيف يخدم دينه.
5 - إفساح المجال للآخرين: هذه يتعلل بها كثير من المتقاعسين وكأن المجال فيه ازدحامٌ، حتى أصبح هو عقبةً في طرقِ الخير، وليت هذا الأخَ أفسحَ المجالَ للآخرين في طلب الرزق والوظيفة والتي عليها قطاراتٌ من الناس ينتظرون وظيفتَهُ تشغر!.
قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ}، وقال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ}، وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.
وكان عمر رضي الله عنه يحاول جاهداً مسابقة أبي بكر رضي الله عنه في الخير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمجموعُ أمتِه ( يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تقومُ مقامَه في الدعوة إلى الله، ولهذا كان إجماعُهم حجةً قاطعةً، فأمتُه لا تجتمعُ على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله.
وكلُّ واحدٍ من الأمةِ يجب عليه أن يقومَ من الدعوة بما يقدرُ عليه إذا لم يقم به غيرُه، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به.
وأما ما لم يقم به غيرُه وهو قادرٌ عليه، فعليه أن يقومَ به، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطتِ الدعوةُ على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوعُ الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع أخرى.
وقد تبين بهذا أن الدعوةَ إلى الله تجبُ على كل مسلم، لكنها فرضٌ على الكفاية، وإنما يجب على الرجل المعينِ من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغِ ما جاء به الرسول، والجهادِ في سبيل الله، وتعليم الإيمان والقرآن.
وقد تبين بذلك أن الدعوة نَفسَها أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، فإن الداعي طالبٌ مستدعٍ مقتضٍ لما دعا إليه، وذلك هو الأمر به، إذ الأمر هو طلب الفعل المأمورِ به، واستدعاءٌ له ودعاءٌ إليه، فالدعاء إلى الله: الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسبيلُه تصديقُه فيما أخبرَ، وطاعتُهُ فيما أمر.
6 - التعذر بعدم البرامج والخُطط، وإلقاءُ اللوم على العلماء والمشايخ في ذلك وينتظر منهم كل شيء.
ولا يفكرُ أن يضعَ برنامجاً أو خطة في محيطِهِ الصغيرِ الذي يعايشه في حيه أو موقع وظيفته، فيجلس ينتظر البرنامج بزعمه، بينما لو أراد أن يبني بيتاً لعمل لذلك خططاً تجريبة لا تحصى، وقد قيل: الجالسون الخاملون لا تنتظر منهم أفكاراً جديدة في تطوير الأساليب والوسائل الدعوية، ومن ظن ذلك فقد اعتمد على الأوهام والأحلام، إن الذي لا يعيشُ همَّ الدعوة وينامُ ويستيقظُ عليها محال أن ترد عليه أفكارٌ في تطويرها والرفع من شأنها : ليست الثكلى كالمستأجرة.
7 - الانشغال بنقد الآخرين بأن هذا لا يحسن أن يلقي درساً، وذاك لا يعرف أن يكتب مقالاً، وفلان لا يصلح أن يشرف على عمل... الخ.
قال الحسن البصري في وصف أناسٍ مثل هؤلاء لما وجدهم قدِ اجتمعوا في المسجد يتحدثون: إن هؤلاء ملوا العبادة ووجدوا الكلامَ أسهلَ عليهم وقلَّ ورعُهم فتحدثوا، وقال الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول: إن المؤمنَ يقولُ قليلاً، ويعملُ كثيراً، وإن المنافقَ يتكلمُ كثيراً، ويعملُ قليلاً.
قال النسابةُ البكريُّ لرؤبةَ بنِ العجاج: ما أعداء المروءة؟ قال: تخبرني، قال: بنو عمِّ السوء: إن رأوا حسناً ستروه، وان رأوا سيئاً أذاعوه.
قال ابن زنجي البغدادي:
يمشون في الناس يبغون العيوبَ لمن لا عيب فيه، لكي يستشرفَ العطبُ
إن يعلموا الخيرَ يخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا.
ومن أعراض هذا المرض أيضاً: التهويلُ والمبالغةُ، واستعمال العدسةِ المكبرةِ للتفتيش عن صغائرِ الغَير.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: يبصر أحدُكم القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجذلَ أو الجذعَ في عين نفسه.
وتعـذر نفسك إذا ما أســــأت وغيرك بالعــذر لا تعـــــذر
وتبصر في العين منه القـــــذى وفي عـينك الجذع لا تبصــــر
وكيف ترى في عين صاحبك القـذى ويخفى قذى عينيك وهو عظـــيم
8 - إبرازُ الشخصياتِ المتقاعسةِ وتعليلُ النفس بهم، وأنه ليس الوحيدَ في هذا المجال.
ونسي هذا الأخ بأنه يدفن وحدَه ويبعثُ يوم القيامة وحده وسيقفُ بين يدي الله وحده، فيومئذ: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} نسي هذا أنه في مضمار مسابقة. وقد لام الله تعالى القاعدين فقال سبحانه: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم}.
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد: ولقد صحبته عشرين سنةً صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس.
قال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاعُ اللهُ فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعةِ صلاةٍ وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعةُ صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضاً، أو مشيعاً لـجَنَازة، أو قاعداً في المسجد، وكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله.
ذكر جرير بن عبد الحميد: أن سليمان التيمي لم تمر ساعةٌ قطُّ عليه إلا تصدقَ بشيء، فإن لم يكن شيءٌ، صلى ركعتين.
9 - الحساسيةُ المرهفةُ من النقدِ أو اللومِ، فالبعض لا يريدُ أن يلامَ أو يحاسبَ، أو ينتقدَ، فإذا واجه ذلك تأثرَ وانقطعَ عن العمل، إما بالشعور بالإحباطِ بأنه لا يحسنُ، أو أنه وصل إلى مقامٍ لا ينبغي أن ينتقدَ، أو أن مثلَ فلان كيف يوجهُهُ وينتقدُهُ.
وأين هذا من عمر رضي الله عنه حيث قال: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا!.
وهذا عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الراشد، التابعي العالم، الزاهد التقي، الإمام القرشي ـ يقول لمولاه مزاحم: إن الولاةَ جعلوا العيونَ على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمةً تَربأُ بي عنها، أو فعلاً لا تحبُّه، فعظني عنده، وانهني عنه
قال بلال بن سعد لصاحبه: بلغني أن المؤمن مرآةُ أخيه، فهل تستريبُ من أمري شيئاً؟
قال ميمون بن مهران: قولوا لي ما أكرهُ في وجهي، لأن الرجلَ لا ينصحُ أخاه حتى يقولَ له في وجهه ما يكره .
قال بعض السلف: من حق العاقلِ أن يضيفَ إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقلِهِ عقولَ الحكماء، فالرأي الفذُّ ربما زلَّ، والعقل الفردُ ربما ضل.
10 - قد يتساقط أناسٌ بسبب أنه لا يذكرُ عملُهم أو ينوهُ به أو يحمدون عليه، وكأن عملَهم للناس، كأن يقول: ليس هنا أحدٌ يقدرُ الجهودَ أو ينظر في النتاج، أو يحترمُ العاملين، وما عندنا أحد ينزلُ الناسَ منازلَهم!!
وصدق الربيع بن خيثم رحمه الله حيث قال: كل ما لا يراد به وجهُ الله: يضمحل.
وقال ابن الجوزي: والصدقُ في الطلب منارٌ أين وجد يدلُّ على الجادة وإنما يتعثرُ من لم يخلص.
وقال الجيلاني: يا غلام: فقهُ اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوةً، السيرُ سيرُ القلب.
قال تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا }
روى حماد بن زيد عن أيوب قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينةَ، فإن قضى الله موتاً، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لأن يعذبني اللهُ بغير النار أحبُّ إلي من أن يعلمَ من قلبي أني أراني لذلك أهلاً.
11 - تفريغُ الطاقة في التناجي بأن يناجي شخصاً بأن شيخَه ليس مؤهلاً، أو ليس عندَه برامجُ تواكبُ التطور، أو لا جديدَ عنده، فإذا وافقه صاحبُهُ على ذلك انتقل إلى آخر فيحدثه بمثل ذلك الحديث.
وليس عنده بدائل يطرحُها ولا برامجُ يقترحها، وإنما حمله الحسدُ أو السآمةُ من العمل، أو حبُّ الرياسة والظهور، أو لا يريد أن ينقطعَ عن القافلة وحده.
قال السري السقطي البغدادي: ما رأيت شيئاً أحبطَ للأعمال، ولا أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان، ولا أقربَ للمقت، ولا ألزمَ لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبدِ لنفسه، ونظرِهِ في عيوب الناس.
وتنافر القلوب لا يتعدى الأسباب التالية: فلتةُ لسان، أو هفوةٌ لم تغتفر، أو ظنٌّ متوهم.
قال ابن القيم رحمه الله: من قواعد الشرع، والحكمة أيضاً، أن من كثرت حسناتُه وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، وعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماءِ القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من قتل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدراً، فدل على أن مقتضى عقوبتِهِ قائمٌ، لكن منع من ترتبِ أثرِهِ عليه ما له من المشهد العظيمِ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات، ولما حض النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقةَ العظيمةَ قال: ما ضر عثمانَ ما عمل بعدها، وقال لطلحة لما تطأطأ للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: أوجب طلحة مفتاح دار السعادة (1/176)
وما الناس إلا من مسيء ومحسنٍ وكم من مسيء قد تلافى فأحسنا
من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
من ذا الذي ترضا سجاياه كلُّها كفى المرءَ نبلاً أن تعد معايبُه
12 - التنقلُ في الأعمال الخيرية على هيئة المذواق، كلُّ يوم في عمل، وله كل يوم منهجٌ وطريقةٌ، يمدح ذاك العملَ حيناً، ثم ينتقل إلى غيره مقدماً الجديدَ عليه حيناً آخر، وفي الأخيرِ يسقط لأنه لا يرضيه شيءٌ وقد جرب كلَّ ميدان! ولو أخذ ما يناسبه والأفضلَ في حقه لنال خيراً كثيراً، قال ابن القيم: وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطنُ له: وهو أنه قد يكون العملَ المعيَّنُ أفضلَ منه في حق غيره، فالغني الذي بلغ له مالٌ كثيرٌ ونفسُه لا تسمحُ ببذل شيء منه فصدقتُه وإيثارُه أفضلُ له من قيام الليل وصيام النهار نافلة، والشجاع الشديد الذي يهاب العدوُّ سطوتَهُ: وقوفُهُ في الصف ساعة، وجهادُهُ أعداءَ الله أفضلُ من الحج والصوم والصدقة والتطوع.
والعالمُ الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرقَ الخير والشر: مخالطتُهُ للناس وتعليمُهم ونصحهم في دينهم أفضلُ من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح
ووليُّ الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده: جلوسُهُ ساعةً للنظر في المظالم وإنصافِ المظلومِ من الظالم وإقامةِ الحدود ونصرِ المحقِّ وقمعِ المبطل أفضلُ من عبادة سنين من غيره، ومن غلبت عليه شهوةُ النساء فصومه له أنفعُ وأفضلُ من ذكر غيره وصدقته.
وهذا مثالٌ من السلف الصالح يوضح تفاوتَ الطاقاتِ والقدراتِ:
عن بكر بن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا أعلمَ منه، ومن سره أن ينظرَ إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين إنه ليدعُ بعضَ الحلال تأثماً، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركنا أعبد منه ( إنه ليظل اليوم المعمعاني.
الطويل ما بين طرفيه صائماً يروح ما بين جبهته وقدمه )، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه وأجدرِ أن يؤدي الحديثَ كما سمع فلينظر إلى قتادة.
13 - التنقل بين الشيوخ أو الجماعات أو الأفكار قال عمر بن عبد العزيز: ومن جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل فيملُّ فيتركُ الخيرَ كله، أو يصابُ بشكوك واضطراب في آرائه وأفكاره وتوجهاته، فيصبح يشك في كل من حوله.
فالثباتُ على منهج سليم فيما يعود على الإنسان من خيري الدنيا والآخرة يقي الإنسانَ من التردد والتغيرِ والتنقلِ والحيرة.
فإذا علمت أنك على الحقِّ ومتمسكٌ بكتاب الله وسنة نبيهصلى الله عليه وسلم ومتبعٌ لمنهج السلف الصالح فلايضيرك مخالفةُ غيرك, ولا يضعفك عن مسيرك فتنةٌ، ولايوقفُك عنه ابتلاء.
14 - الخوف والهلع من المخلوقين. فتتحول مراقبتُهُ وخوفُهُ ورجاؤه إلى الخلق، ويوسوس له الشيطان في كلِّ عمل أو حركةٍ بأنه مؤاخذٌ به ومؤدبٌ عليه، فيترك كثيرا من الأعمال الصالحة، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ فتتطبعُ نفسُه على ذلك، حتى لا يتمعر وجهُه في ذات الله أبداً!!
قال تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }
قال ابن القيم : ومتى شهد العبدُ أن ناصيتَه ونواصي العباد كلِّها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرفُ فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرُهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقرُهُ وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، متى شهد الناسَ كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أملَهُ ورجاءَهُ بهم، فاستقام توحـيدُهُ وتوكلُهُ وعبوديتُهُ، ولهذا قال هـود لقومـه: { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
إن من غفلتِكَ عن نفسك، وإعراضِك عن الله، أن ترى ما يسخطُ اللهَ فتتجاوزه، ولا تأمرَ فيه ولا تنهى عنه، خوفاً ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
قالـوا السعـادةُ في الســكون وفي الـخمــول وفي الجمود
في العيش بين الأهـــــل لا عيشُ المهاجـر والطــريـد
في المشي خلف الركـــب في دعــة وفي خطــو وئيـد
في أن تقـول كمـا يقـــال فــلا اعـتـراض ولا ردود
قلت: الحيـاةُ هي التحـــركُ لا السـكونُ ولا الهمـــود
وهــي التلــذذ بـالمتـــا عـب لا التلــذذُ بـالرقـود
هـي أن تذود عن الحيـــاض وأي حـــر لا يــــذود؟
هي أن تحـسَّ بأن كــــأسَ الذل مـن مــاء صديـــد
15 - ضعفُ الصلة بالله تعالى: فيقلُّ نصيبُهُ من نوافل الصيام والصلاة والصدقة، فإذا قل زادُهُ وانتهى وقوده تعطل من العمل، ولهذا كان السلف الصالح من أحرص الناس على تربية أنفسهم على التزود من الطاعات.
قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله حتى تطلع الشمس ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديَهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه.
وقال ضمرة بن ربيعة: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة، فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
وكان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء، وكانت أمه تدخل منزلَهُ، وتتفقدُ موضعَ مصلاه، فتجده رطباً من دموعه في الليل.
قال ابن المنكدر: إني لأدخل في الليل فيهولُني، فأصبحُ حين أصبحُ وما قضيت منه أربي.
وعن ابن جريج: صحبت عطاء ثمانيَ عشرةَ سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
عن نسير بن ذعلوق قال: كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيتَهُ من دموعه فيقول: أدركنا قوماً كنا في جنوبهم لصوصاً.
16 - الزواجُ وكثيراً ما يقع لمن تأخر عن الزواج أو من يعدد بعد زوجة تؤذيه، فينشغلُ بلذة الشهوةِ عن الدعوة.
عن جعفر قال: وسمعت مالكاً يقول: ينطلق أحدهم فيتزوج ديباجةَ الحرم، قال: وكان يقال في زمان مالك ديباجةُ الحرم أجملُ الناس، وخاتونَ امرأةَ ملك الروم، أو ينطلق إلى جارية فقد سمتها أبواها وترفوها حتى كأنها زبدةُ فيتزوجها، فتأخذ بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خماراً حسني، وأي شيء تريدين؟ فتقول: كذا وكذا، قال مالك: فتمرط والله دينَ ذلك القارئ ويدع أن يتزوج يتيمةً ضعيفةً فيكسوها فيؤجر.
17 - عدم التوازنِ في جوانب العبادةِ وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه كما قال صلى الله عليه وسلم: إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه فينشغل بجوانب الخير وطرقه، وينسى بعضَ الواجبات عليه، أو يغفلُ عنها، أو يهملها، أو لا يلقي لها بالا.
وفجأة يرى نفسه مثلا مفرطاً في بر الوالدين وصلة الأرحام، أو يرى نفسه مفرطاً في جانب ولده وأهله، وأنه لم يقم بتربيتهم على الوجه المطلوب، أو غير ذلك من الأمور فيحمٍلُ ذلك على انشغالِهِ بالدعوة فيفتر ويتركها.
ولو أن هذا الأخَ وازنَ بين الواجبات والمستحبات، وأعطى كل ذي حق حقه ونصيبَهُ، ما ترك شيئا من طرقِ الخير وأهملَهُ.
18 - دخولُهُ في عمل لا يتلاءمُ مع شخصيته وتكوينه وطاقاته وقدراته، فيفشلُ فيصاب بإحباط فيدع العمل، ولا يحاول التغيير.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمةُ كل امرئ ما يحسنه
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ـ متباينين في الطاقات والقدرات، وكل أخذ بالعمل الذي يحسنه، وما رؤي أحد منهم عاطلاً عن العمل، فخالد سيف الله المسلول، وأقرؤكم أُبَي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.
وهذا أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ من أكبر المؤثرين في الدعوة، حتى أسلمت جلُّ غفار على يديه، ومع ذلك لا يصلح للإمارة كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
19 - يريد عملاً يتوافق مع خواطره وتخيلاته، وهذا العمل غيرُ متمثل في واقعه، أو غيرُ ممكن تطبيقه. فتتحول نظراتُهُ وخواطرُهُ إلى خيالات مثالية، ويعتذر بها عند كل من يطلب منه أن يشارك في خير، أو إصلاح.
وقال ابن مسعود: إذا أراد الله بعبد خيراً سدده وجعل سؤاله عما يعينه وعلّمه فيما ينفعه.
قال زيد بن علي لا بنه: يا بني اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك فإنه في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت ولست تقدم على ما أخرت فآثر ما تلقاه غداً على ما لا تراه أبداً.
20 - استعجالُ الثمرة واستبطاءُ الطريق:
ونسي أنه وقف لله تعالى، يذهب مع مرادات محبوبه أينما توجهت ركائبها لا يبتغي لها أجراً، ولا ينتظر منها ذكراً، قالت فاطمة بنت عبد الملك تصف زوجَها عمرَ بن عبد العزيز: كان قد فرغ للمسلمين نفسَهُ، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومَهُ بليلته.
قال بعض أصحاب عمر بن عبد العزيز القدامىلعمر: لو تفرغت لنا فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله.
قالوا عن محمد بن أحمد الدباهي: لازمَ العبادةَ، والعملَ الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير.. صلبٌ في الدين، وينصحُ الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجدَّ في وجهه.
ولما تعجب غافل من باذل وقال له: إلى كم تتعب نفسك؟ كان جواب الباذل سريعاً حاسماً: راحتها أريد.
عجبت لهم قالوا: تماديت في المنى وفي المثل العليا وفي المرتقى الصعب
فاقصر ولا تجهد يراعك إنــما ستبذر حبا في ثـرى ليس بالخصب
فقلت لهم: مهلاً، فما اليأس شيمتي سأبذر حبي والثمـار من الــرب
إذا أنا بلغت الرسالة جاهـــدا ولم أجـد السمع المجيب فما ذنبي؟
21 - الانفصالُ عن الأخيار العاملين: فيبقى يصارع الشيطان وحده، فيجتمع عليه الهوى والنفسُ الأمارةُ بالسوء والشيطانُ حتى يغلبوه، وهذا السر في قوله صلى الله عليه وسلم: إنما يأكل الذئبُ القاصية رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد كان السلف الصالح لا يراهنون على إخوانهم أبداً حتى وصل بهم الأمرُ أن يقرنوهم بالصلاة في أهميتها وعظمها.
عن محمد بن واسع قال: ما بقي في الدنيا شيءٌ ألذُّ به إلا الصلاةَ جماعة ولقيا الإخوان.
وقال الحسن البصري: لم يبق من العيش إلا ثلاثٌ: أخٌ لك تصيب من عشرته خيراً، فإن زغت عن الطريق قومك، وكفافٌ من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاةٌ في جمع تُكفى سهوَها، وتستوجب أجرَها
قال الحسن البصري عن المؤمن: هو مرآةٌ، إن رأى منه ما لا يعجبه: سدده وقومه ووجهه، وحاطه في السر والعلانية.
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة
قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجبَ حقه...
قال الشافعي رحمه الله: ما نصحت أحداً فقبل مني إلا هبتُهُ واعتقدت مودتَّهُ، ولا ردَّ أحد علي النصحَ إلا سقط من عيني ورفضتُهُ .
وقد وصف الله أهل الزيغ بأنهم لا يرغبون في النصح ولا يحبون أهله قال تعالى: { وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ }
ما عاتب المرءَ الكريمَ كنفسه والمرءُ يصلحه الجليس الصالح
22 - التفكير العقيم بأن مجالات الدعوة محدودةٌ برقم محدد وقد أغلقت كلُّها، أو أنه لا يحسنها، فيفترُ ولا يحاول التفكيرَ بأساليبَ جديدةٍ، أو يستصعبها فيتركها.
ومن ظن أن أحداً من المخلوقين كائناً من كان يستطيع أن يغلق جميع منافذ وسبل الدعوة فقد ظن بالله ظن السوء وما قدر الله حق قدره، قال تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ }، قال ابن القيم: ومن ظن إدالةَ أهلِ الكفر على أهل الإسلام إدالةً تامة فقد ظن بالله ظن السوء، قال ابن الجوزي: ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعودٌ وترقٍّ، كلما عبروا مقاماً رأوا نقصَ ما كانوا فيه فاستغفروا.
عن هارون البربري قال: كتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز: إني شيخ كبير رقيق، كلفتني أن أقضي بين الناس - وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة - فكتب إليه: إني لم أكلفك ما يُعنِّيك، اِجب الطيبَ من الخراج، واقض بما استبان لك، فإذا لَبِّس عليك شيءٌ، فارفعه إلي، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمرٌ تركوه، لم يقم دين ولا دنيا.
وقد تسيطر على تفكيره بعض مجالات وطرق الدعوة، ويتصور أن نشر هذا الدين والدعوة إليه لا تكون إلا بها! كمن يرى أن الدعوة هي في المحاضرات، والدروس، أو نشر شريط وكتاب، ونسي الطرق الأخرى مثل الدعوة بالقدوة الحسنة، والكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم وتوجيههم ونصحهم، والتلطف للناس وحسن معاملتهم الخ.
23 - التنقل بين البلدان والاصطدام بواقع لا يعرفه: فلا يخطط للعمل في الموطن الجديد، ولا يعمل ذهنَهُ في الوسائل المناسبة، فيصطدمُ من أول يوم بوضع غير الذي يعرفُه بسبب تقصيرِه في فهم البلد وأنظمتِه، أو عاداتِ وتقاليدِ أهله، فيصاب بإحباط ويدعُ العمل.
أو يتعلقُ ببلد معين ويستميت في الوصول إليه والسكن فيه بحجة أنه أفضل، أو أن البلد الذي فيه لا يستحقُّ جلوسَ أمثاله فيه.
ونسي أنه عاملٌ وداعية، أرضُه وبلده التي يتمكن فيها من نشر دعوته بين الناس، وإخراجهم فيها من الظلمات إلى النور، فقد يكون بلدُ بنفسه فاضلاً على غيره، لكن المفضول أحياناً يكون أفضلَ منه للمسلم لهذه الحيثية.
قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود .
قال ابن تيمية: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقامُ الإنسان فيها أفضلَ وإنما يكون الأفضلُ في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس العبد عمله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا.
24 - يقع في معصية فيستثمرها الشيطان ويرابي بها، ويقول: كيف تدْعُو إلى الله تعالى وأنت وقعت في كذا وعملت كذا، فلا يزال به حتى يقعده عن العمل والطاعة فيضيف إلى معصيته معصية أخرى وهي القعود عن أعمال الخير.
ونسي أخونا الكريم أن الحسنات يذهبن السيئات.
25 - المنافسة بين الأقران: فإذا رأى أن قرينه قد فاقه في علم أو عمل تعاظم ذلك في نفسه، وكره أن يمشي معه في سبيل واحد، واختار القعود على أن يقال: إنه أقل من فلان وفلان، ونسي: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
26 - حب الرياسة والعلو: فحين يرى أنه لم يتبوأ مركزاً في الدعوة، يتعاظمُ أن يكون تابعاً لغيره أنفةً وترفعاً وكبراً، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والدارمي عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ.
قال الفضيل بن عياض: ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكرَ الناسُ أحداً عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تُودِّع من صلاحه.
قال عبيد الله بن الحسن العنبري: لأن أكون ذنباً في الحق: أحبُّ إلي من أن أكون رأساً في الباطل.
قال ذلك حين رجع عن أقوال له خالفت السنة، فقيل له في ذلك وأنك لم تعد في مكانتك السابقة لما كنت على تلك الأقوال.
27 - التفرغ لعمل علمي، أو بناء بيت أو غير ذلك لبضع سنوات، فيخمدُ حماسُه، ويضعف تجاوبُه مع الدعوة، وينسى كثيراً من الأساليب والأفكار، ويستجد أعمالٌ وأحوالٌ، فتعظم عليه الأمور ويفضل أن يعيش في الظل بعيداً عن الأضواء، ويألف الوحدة والانزواء.
روى الترمذي وأبو داود عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
28 - ترك العمل بسبب ظروف طارئة، وأحوال عصيبة، ينتظر تجليتها، ويرقب الفرج، ويأمل كشف الغربة، وينسى أن تجلية الغربة لا تتأتى بالكسل والخمول والنوم، ولم يتفكر كيف كُشفت الغربة الأولى هل جلس أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ينتظرون كشفها أم قاموا على قدم وساق حتى كشفوها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزع وكلّ وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار...
وقوله صلى الله عليه وسلم: ثم يعود غريباً كما بدأ : أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.
وكذلك بدأ غريباً ولم يزل يقوى حتى انتشر، فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمَه الله عز وجل كما كان عمر بن عبد العزيز لما وَلِيَ قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر، فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريباً.
وما علم هذا الأخ بأنه في وقوفه ينزل ويضعف إيمانه. يقول ابن القيم رحمه الله: والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد، فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء.
وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون فى جهة المسير وفي السرعة والبطء،كما قال تعالى: ((إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر )) ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
29 - خشيَ على وظيفتِه أو جاهِه ومركزِه، ففضلَ البعدَ عن العمل، وسوَّل له الشيطان أن الفترة قصيرةٌ، وأن هذا من التخطيط السليم، فتحول تفكيرُه وعمله إلى المحافظة على مركزه ومكانته، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ.
30 - تمكن الشيطان من إلقاء الشبهات في قلبه وبخاصة في وقت الفتن، فيبدأ في مراجعة حساباته لا لتقويمها وسد الثغرات، ويقظة الحراسة، وإنما لتبدل القناعات لديه من غير دليل صحيح صريح.
وهذا هو الذي خشيه خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما قال له أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أوصني، قال: إن الضلالةَ حقَّ الضلالةِ أن تعرفَ ما كنت تنكر وتنكرَ ما كنت تعرف، وإياك والتلونَ في الدين فإن دينَ الله واحد.
عن محمد بن سيرين قال: قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غيرَ خائف.
وعن إبراهيم النخعي كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله.
وقال مالك: الداء العضال التنقل في الدين.
31 - كابد وجاهد نفسه فتعب ومل وترك العمل: ولا ندري كم من العقود جاهد وكابد فيها هذا الأخ الكريم!
ألم يقرأ سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }
قال ابن القيم: وطالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعاً مقداماً، حاكماً على وهمه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطانِ تخيله، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه، عاشقاً لما توجه إليه، عارفاً بطريق الوصول إليه، والطرقِ القواطعِ عنه، مقدامَ الهمة، ثابتَ الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لومُ لائم ولا عذل عاذل، كثيرَ السكون، دائمَ الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضاتُ، شعاره الصبرُ وراحته التعب.
قال ابن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.
وهذا الإمام القدوة شيخ الإسلام ثابت البناني يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة.
روى منصور بن إبراهيم قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب.
قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس.
قال الإمام القدوة ربيعة بن يزيد: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضاً أو مسافراً.
كان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: ( الصفي ) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة.
وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله.
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد : ولقد صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: إني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة .
قال ابن القيم: يا مخنث العزم أين أنت والطريق، طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيدُ الحصورُ يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم، تزهى أنت باللهو واللعب.
32 - قد يقول: الحمد لله أنا من الأخيار، وليس عندي معاص، وليس كل الناس دعاة!! ولا أدري مم أعجب هل من تزكية هذا الأخِ الكريمِ لنفسه، أم من جهله بأن التقصير في الدعوة ليس من المعاصي!
قال ابن القيم: ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثرُ الديّانينَ لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عمومُ الناس، وأما الجهادُ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وفضلاً عن أن يفعلوها، وأقل الناس ديناً، وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجباتِ، وإن زهد في الدنيا جميعِها، وقلَّ أن ترى منهم من يُحمرُ وجهُه ويمعره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحابُ الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء.
قال تعالى: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما، ولكن في الآية فوائد عظيمة:
أحدها: أن لا يخافَ المؤمنُ من الكفار والمنافقين، فإنهم لن يضروه إذا كان مهتدياً.
الثاني: أن لا يحزنَ عليهم ولا يجزعَ عليهم، فإن معاصيَهم لا تضره إذا اهتدى، والحزنُ على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ }.
الثالث: أن لا يركن إليهم، ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات، كقوله: { لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ }، فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية، ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية، فإن الإنسان قد يتألمُ عليهم ومنهم، إما راغباً وإما راهباً.
الرابع: أن لا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم، بل يقال لمن اعتدى عليهم: عليك نفسك لا يضرُّك من ضل إذا اهتديت، كما قال: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } الآية، وقال: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ }، وقال:{ فَإِنِ انْتهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ }، فإن كثيراً من الآمرين الناهين قد يعتدون حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في ذلك الإنكارُ على الكفار والمنافقين الفاسقين والعاصين.
الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع، من العلم والرفق، والصبر، وحسن القصد، وسلوك السبيل القصد، فإن ذلك داخلٌ في قوله: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ }، وفي قوله: { إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }.
فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيها المعنى الآخر، وهو:
السادس: إقبال المرء على مصلحة نفسه علماً وعملاً، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، ولاسيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة.
وكذلك العمل فصاحبه إما معتدٍ ظالمٌ، وإما سفيهٌ عابثٌ، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويكون من باب الظلم والعدوان.
فتأملُ الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء، وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة: علماؤها وعبادها وأمراؤها ورؤساؤها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا }.
وإزاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق، أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: غلوٍّ أو تقصيرٍّ .
فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تاركُ الإعانة على البر والتقوى، وفاعل المأمور به وزيادةٍ منهيٍّ عنها بإزائه تاركُ المنهي عنه وبعضِ المأمور به، والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
33 - قد يركز على شريحة من المجتمع وأنها مجال العمل فيفشل في التعاون معها ويصاب بإحباط ويأس، وينسى أن ديننا ليس لمجموعة دون غيرها ولا لطبقة بعينها.
إن أي دعوة تهمل شريحة من المجتمع تعتبر ناقصة ومآلها إلى الانحسار، وقد تميزت الدعوة الإسلامية باحتوائها جميع طبقات المجتمع، وتوظيفِ جميع طاقات، فليس في المجتمع المسلم عنصرٌ مهملٌ أو مبعد أو مركون مهما كان.
وإن من كمال الدين وعالميته مخاطبته للجميع وتوظيف جميع أفراد الأمة فلا اعتبار للصور والهيئات والأشكال:
عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مُتَضَعّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُل جوّاظ مستكبر متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لايزن عند الله جناح بعوضة متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا.
قال الشاطبي: يقال: أنه - أي فرض الكفاية - واجب على الجميع على وجه من التجوز، لأن القيام بذلك الفرضِ قيامٌ بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوبٌ بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامةُ ذلك القادر وإجبارُه على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
34 - رأى كثرة الفساد وانتشاره واستحكام كثير من الشر فرأى أن الأفضلَ اعتزالُ الناس وتركُهم.
ما أسهل العزلة عن الخلق وترك التبعة: يروي لنا التابعي الكوفي، الفقيه النبيل عامر الشعبي: أن رجالاً خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا.
قال ابن الجوزي: وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض، إلا أنها حالةُ الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام.
حسبوا بأن الدين عزلةُ راهب واستمرءوا الأوراد والأذكارا
عجباً أراهم يؤمنون ببعضـه وأرى القلوب ببعضه كفـارا
والدين كان ولا يزال فرائضاً ونوافـلاً لله واستغفـــارا
والدين ميدان وصمصام وفر سان تبيد الشـر والأشـرارا
والدين حكم باسم ربك قائم بالعـدل لا جوراً ولا استهتارا


وفي سنن أبي داود عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ». صحيح
وفي سنن النسائي عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ». صحيح

***********

علي بن نايف الشحود
05-18-04, 08:41 PM
***********
السابع وجوب التعاون في سبيل إزالة كل عقبة تقف في طريق الجهاد في سبيل الله ووحدة هذه الأمة
قال تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2) سورة المائدة

الثامن بيان الهدف النهائي للجهاد في سبيل الله والرد على من يقول غير ذلك
قال تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (193) سورة البقرة


ويقول تعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (39) سورة الأنفال
إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية . ومن ثم فهي أشد من القتل . أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة . ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي , أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله , وتزين لهم الكفر به أو الاعراض عنه . وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد , ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر , ويحسنها للناس بوسائل التوجيه ; بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج الله . ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها .
وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة , وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية . . هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام , ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني . فغاية الوجود الإنساني هي العبادة [ ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى الله ] . وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية , ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة , يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . . لذلك لم يقل:وقاتلوهم . إنما قال:(واقتلوهم). . (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). . أي حيث وجدتموهم في أية حالة كانوا عليها ; وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار .
ولا قتال عند المسجد الحرام , الذي كتب الله له الأمن , وجعل جواره آمنا استجابة لدعوة خليله إبراهيم [ عليه السلام ] وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام . . لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته , فيبدأون بقتال المسلمين عنده . وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم . . فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين , الذين يفتنون الناس عن دينهم , ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام , الذي عاشوا في جواره آمنين .
وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله , وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام , وتسلط عليهم فيه المغريات والمضللات والمفسدات . وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه , ويهابه أعداؤه , فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة , ولا يخشى أحد يريد الإيمان أن تصده عنه قوة أو أن تلحق به الأذى والفتنة . . والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة ; وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة:
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين). .
وإذا كان النص - عند نزوله - يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة , وهي التي كانت تفتن الناس , وتمنع أن يكون الدين لله , فإن النص عام الدلالة , مستمر التوجيه . والجهاد ماض إلى يوم القيامة . ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين , وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله , والاستجابة لها عند الاقتناع , والاحتفاظ بها في أمان . والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة ; وتطلق الناس أحرارا من قهرها , يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله .
وهذا التكرار في الحديث عن منع الفتنة , بعد تفظيعها واعتبارها أشد من القتل . . هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام ; وينشىء مبدأ عظيما يعني في حقيقته ميلادا جديدا للإنسان على يد الإسلام . ميلادا تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته , وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة , فترجح كفة العقيدة . كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء "الإنسان" . . إنهم أولئك الذين يفتنون مؤمنا عن دينه , ويؤذون مسلما بسبب إسلامه . أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير ويحولون بينها وبين منهج الله . . وهؤلاء على الجماعة المسلمة أن تقاتلهم , وأن تقتلهم حيث وجدتهم (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله). .
وهذا المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام في أوائل ما نزل من القرآن عن القتال ما يزال قائما . وما تزال العقيدة تواجه من يعتدون عليها وعلى أهلها في شتى العصور . . وما يزال الأذي والفتنة تلم بالمؤمنين أفرادا وجماعات وشعوبا كاملة في بعض الأحيان . . وكل من يتعرض للفتنة في دينه والأذى في عقيدته في أية صورة من الصور , وفي أي شكل من الأشكال , مفروض عليه أن يقاتل وأن يقتل ; وأن يحقق المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام , فكان ميلادا جديدا للإنسان . .

**************
وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (33) سورة التوبة

إن الدينونة ستكون للّه وحده . والظهور سيكون للمنهج الذي تتمثل فيه الدينونة للّه وحده .
ولقد تحقق هذا مرة على يد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه ومن جاء بعدهم فترة طويلة من الزمان . وكان دين الحق أظهر وأغلب ; وكانت الأديان التي لا تخلص فيها الدينونة للّه تخاف وترجف ! ثم تخلى أصحاب دين الحق عنه ; خطوة فخطوة بفعل عوامل داخلة في تركيب المجتمعات الإسلامية من ناحية وبفعل الحرب الطويلة المدى , المنوعة الأساليب , التي أعلنها عليه أعداؤه من الوثنيين وأهل الكتاب سواء . .
ولكن هذه ليست نهاية المطاف . . إن وعد اللّه قائم , ينتظر العصبة المسلمة , التي تحمل الراية وتمضي , مبتدئة من نقطة البدء , التي بدأت منها خطوات رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يحمل دين الحق ويتحرك بنور اللّه . .

وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (28) سورة الفتح
وقال تعالى : {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (9) سورة الصف

سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين ، جديرة بالوقوف أمامها طويلاً ، ولكننا لا نملك هنا إلا أن نشير إليها إشارات مجملة :
السمة الأولى : هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين .. فهو حركة تواجه واقعاً بشرياً .. وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي .. إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية ، تقوم عليها أنظمة واقعية عملية ، تسندها سلطات ذات قوة مادية .. ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات ، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ، تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات ، وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبِّدهم لغير ربهم الجليل .. إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي ، كما إنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد .. وهذه كتلك سواء في منهج هذا الدين وهو يتحرك لإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده كما سيجيء .
والسمة الثانية في منهج هذا الدين : هي الواقعية الحركية .. فهو حركة ذات مراحل ، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية ، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها .. فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة . كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة .. والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد ، ولا يراعون هذه السمة فيه ، ولا يدركون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج ، وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطاً شديداً ويلبسون منهج هذا الدين لبساً مضللاً ، ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية . ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصاً نهائياً ، يمثل القواعد النهائية في هذا الدين ، ويقولون - وهم مهزومون روحياً وعقلياً تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - : أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع ! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلاً بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعاً ، وتعبيد الناس لله وحده ، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد ! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته ، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة .. بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة ، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة ، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها .
والسمة الثالثة : هي أن هذه الحركة الدائبة ، والوسائل المتجددة ، لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة ، ولا عن أهدافه المرسومة . فهو - منذ اليوم الأول - سواء وهـو يخاطب العشيرة الأقربين ، أو يخاطب قريشاً ، أو يخاطب العرب أجمعين ، أو يخاطب العالمين ، إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ، ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد هو إخلاص العبودية لله ، والخروج من العبودية للعباد . لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين .. ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد فـي خطة مرسومة ، ذات مراحل محددة ، لكل مرحلـة وسائلها المتجددة . على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة .
والسمة الرابعة : هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى - على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن " زاد المعاد " - وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه ، أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية ، وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته ، ولكن لا يقاومه ولا يحاربه ! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو حتى يعلن استسلامه !
* * *
والمهزومون روحياً وعقلياً ممن يكتبون عن " الجهاد في الإسلام " ليدفعوا عن الإسلام هذا " الاتهام " يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة ، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه ، والتي تعبِّد الناس للناس ، وتمنعهم من العبودية لله .. وهما أمران لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما .. ومن أجل هذا التخليط ، وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة ! - يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم : " الحرب الدفاعية " .. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم ، ولا بواعثها ، ولا تكييفها كذلك .. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة " الإسلام " ذاته ودوره في هذه الأرض ، وأهدافه العليا التي قررها الله ، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة ، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات .
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضاً وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعاليمن .. ! إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها : الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها ، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض ، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف : الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر ، ومصدر السلطات فيه هم البشر ، هو تأليه للبشر ، يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله . إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله ، وطرد المغتصبين له ، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم ، فيقـومون منهم مقام الأرباب ويقـوم الناس منهم مكان العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض ، أو بالتعبير القرآني الكريم :
{ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } [ الزخرف : 84 ] .
{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } [ يوسف : 40 ] .
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 64 ] .
ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين - كما كان الأمر في سلطان الكنيسة ، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة ، كما كان الحال فيما يعرف باسم " الثيوقراطية " أو الحكم الإلهي المقدس !! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة ، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة .
وقيام مملكة الله في الأرض ، وإزالة مملكة البشر ، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده .. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية .. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان ، لأن المتسلطين على رقاب العباد ، والمغتصبين لسلطان الله في الأرض ، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان ، وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض ! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال !
إن هذا الإعلان العام لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من كل سلطان غير سلطان الله ، بإعلان إلوهية الله وحده وربوبيته للعالمين ، لم يكن إعلاناً نظرياً فلسفياً سلبياً .. إنما كان إعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً .. إعلاناً يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله ، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك .. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل " الحركة " إلى جانب شكل " البيان " .. ذلك ليواجه " الواقع " البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه .
والواقع الإنساني ، أمس واليوم وغداً ، يواجه هذا الدين - بوصفه إعلاناً عاماً لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من كل سلطان غير سلطان الله - بعقبات اعتقادية تصورية ، وعقبات مادية واقعية .. وعقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية ، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة .. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد .
وإذا كان " البيان " يواجه العقائد والتصورات ، فإن " الحركة " تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة - .. وهما معاً - البيان والحركة - يواجهان " الواقع البشري " بجملته ، بوسائل مكافئة لكل مكوناته .. وهما معاً لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض .. " الإنسان " كله في " الأرض " كلها .. وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى !
إن هذا الدين ليس إعلاناً لتحريـر الإنسان العربي ! وليس رسالة خاصة بالعرب ! .. إن موضوعه هو " الإنسان " .. نوع " الإنسان " .. ومجاله هو " الأرض " .. كل " الأرض " . إن الله - سبحانه - ليس رباً للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم .. إن الله هو " رب العالمين " .. وهذا الدين يريد أن يرد " العالمين " إلى ربهم ، وأن ينتزعهم من العبودية لغيره . والعبودية الكبرى - في نظر الإسلام - هي خضوع البشـر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر .. وهذه هي " العبادة " التي يقرر أنها لا تكون إلا لله ، وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين . ولقد نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن " الاتِّباع " في الشريعة والحكم هو " العبادة " التي صار بها اليهود والنصارى " مشركين " مخالفين لما أمروا به من " عبادة " الله وحده ..
أخرج الترمذي - بإسناده - عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فأسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم منَّ رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - على أخته فأعطاها ، فرجعت إلى أخيها فرغَّبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه - أي " عدي " صليب من فضة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية .. { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ } ( ) .. قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم ، فقال : " بلى ! إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم " .
وتفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول الله سبحانه ، نص قاطع على أن الاتِّباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تخرج من الدين ، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أرباباً لبعض .. الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه ، ويعلن تحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية لغير الله ..
ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في " الأرض " لإزالة " الواقع " المخالف لذلك الإعلان العام .. بالبيان وبالحركة مجتمعين .. وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التي تعبِّد الناس لغير الله .. - أي تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه - والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى " البيان " واعتناق " العقيدة " بحرية لا يتعرض لها السلطان . ثم لكي يقيم نظاماً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً يسمح لحركة التحرر بالانطلاق الفعلي - بعد إزالة القوة المسيطرة - سواء كانت سياسية بحتة ، أو متلبسة بالعنصرية ، أو الطبقية داخل العنصر الواحد !
إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يكره الناس على اعتناق عقيدته .. ولكن الإسلام ليس مجرد " عقيدة " . إن الإسلام كما قلنا إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد . فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان .. ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحراراً - بالفعل - في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم - بعد رفع الضغط السياسي عنهم ، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم - ولكن هذه التجربة ليس معناهـا أن يجعلوا إلاههم هواهم ، أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيداً للعباد ! وأن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ! .. إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته العبودية لله وحده ، وذلك بتلقـي الشرائع منه وحده . ثم ليعتنق كل فرد - في ظل هذا النظام العام - ما يعتنقه من عقيدة ! وبهذا يكون " الدين " كله لله . أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله .. إن مدلول " الدين " أشمل من مدلول " العقيدة " . إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة ، وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة ، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة .. وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام .
والذي يدرك طبيعة هذا الدين - على النحو المتقدم - يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف - إلى جانب الجهاد بالبيان - ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية - بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح " الحرب الدفاعية " كما يريد المهزومون - أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر - أن يصوروا حركة الجهاد في الإسلام - إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير " الإنسان " في " الأرض " .. بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري ، وفي مراحل محددة لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة .
وإذا لم يكن بد أن نسمي حركة الإسلام الجهادية حركة دفاعية ، فلا بد أن نغير مفهوم كلمة " دفاع " ، ونعتبره " دفاعاً عن الإنسان " ذاته ، ضد جميع العوامل التي تقيد حريته وتعوق تحرره .. هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات ، كما تتمثل في الأنظمة السياسية ، القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية ، التي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان !
وبهذا التوسع في مفهوم كلمة " الدفاع " نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامي في " الأرض " بالجهاد ، ونواجه طبيعة الإسلام ذاتها ، وهي أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد ، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين ، وتحطيم مملكة الهوى البشري في الأرض ، وإقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان ..
أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية ، ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على " الوطن الإسلامي " - وهو في عرف بعضهم جزيرة العرب - فهي محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين ، ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض . كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر ، وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي !
ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعـدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض ؟ وكيف كانوا يدفعون هذا المد ، وأمام الدعوة تلك العقبات المادية من أنظمة الدولة السياسية ، وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية ، والاقتصادية الناشئة من الاعتبارات العنصرية والطبقية ، والتي تحميها القوة المادية للدولة كذلك ؟!
إنها سذاجة أن يتصـور الإنسان دعوة تعلن تحريـر " الإنسان " .. نوع الإنسان .. في " الأرض " .. كل الأرض .. ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان ! .. إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد ، تخاطبهم بحرية ، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات .. فهنا " لا إكراه في الدين " .. أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية ، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة ، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله ، وهو طليق من هذه الأغلال !
إن الجهاد ضرورة للدعوة ، إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلاناً جاداً يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ، ولا يكفي بالبيان الفلسفي النظري ! سواء كان الوطن الإسلامي - وبالتعبير الإسلامي الصحيح : دار الإسلام - آمناً أم مهدداً من جيرانه . فالإسلام حين يسعى إلى السلم ، لا يقصد تلك السلم الرخيصة ، وهي مجرد أن يؤمن الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية . إنما هو يريـد السلم التي يكون فيها الدين كله لله . أي تكون عبودية الناس كلهم فيها لله ، والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله . والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام - بأمر من الله - لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأواسطها .. ولقـد انتهت هذه المراحل كما يقـول الإمام ابن القيم : " فاستقر أمر الكفار معه - بعد نزول براءة - على ثلاثة أقسام : محاربين له ، وأهل عهد ، وأهل ذمة .. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام .. فصاروا معه قسمين : محاربين ، وأهل ذمة . والمحاربون له خائفون منه .. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن به ، ومسالم له آمن ( وهم أهل الذمة كما يفهم من الجملة السابقة ) وخائف محارب " ..
وهذه هي المواقف المنطقية مع طبيعة هذا الدين وأهدافه ، لا كما يفهم المهزومون أمام الواقع الحاضر ، وأمام هجوم المستشرقين الماكر !
إن هناك مبرراً ذاتياً في طبيعة هذا الدين ذاته ، وفي إعلانه العام ، وفي منهجه الواقعي لمقابلة الواقع البشري بوسائل مكافئة لكل جوانبه ، في مراحل محددة ، بوسائل متجددة .. وهذا المبرر الذاتي قائم ابتداء - ولو لم يوجد خطر الاعتداء على الأرض الإسلامية وعلى المسلمين فيها - إنه مبرر في طبيعة المنهج وواقعيته ، وطبيعة المعوقات الفعلية في المجتمعات البشرية .. لا من مجرد ملابسات دفاعية محدودة ، وموقوتة !
وإنه ليكفي لأن يخرج المسلم مجاهداً بنفسه وماله .. " في سبيل الله " .. في سبيل هذه القيم التي لا يناله هو من ورائها مغنم ذاتي ، ولا يخرجه لها مغنم ذاتي ..
إن المسلم قبل أن ينطلق للجهاد في المعركة يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه مع الشيطان .. مع هواه وشهواته .. مع مطامعه ورغباته .. مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه .. مع كل شارة غير شارة الإسلام .. ومع كل دافع إلا العبودية لله ، وتحقيق سلطانه في الأرض وطرد سلطان الطواغيت المغتصبين لسلطان الله ..
والذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية " الوطن الإسلامي " يغضون من شأن " المنهج " ويعتبرونه أقل من " الموطن " وهذه ليست نظرة الإسلام إلى هذه الاعتبارات . إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي ، فالعقيدة والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة في الحس الإسلامي . أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن ! وكل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج الله وسلطانه فيها ، وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و " دار الإسلام " ونقطة الانطلاق لتحرير " الإنسان " .
وحقيقة إن حماية " دار الإسلام " حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج . ولكنها ليست الهدف النهائي ، وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي ، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها ، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته . فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير !
وكما أسلفنا فإن الانطلاق بالمذهب الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ، ونظام المجتمع ، وأوضاع البيئة .. وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة ، كي يخلو له وجه الأفراد من الناس ، يخاطب ضمائرهم وأفكارهم ، بعد أن يحررها من الأغلال المادية ، ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار .
يجب ألا تخدعنا أو تفزعنا حملات المستشرقين على مبدأ " الجهاد " وألا يثقل على عاتقنا ضغط الواقع وثقله في ميزان القوى العالمية ، فنروح نبحث للجهاد الإسلامي عن مبررات أدبية خارجة عن طبيعة هذا الدين ، في ملابسات دفاعية وقتية ، كان الجهاد سينطلق في طريقه سواء وجدت أم لم توجد !
ويجب ونحن نستعرض الواقع التاريخي ألا نغفل عن الاعتبارات الذاتية في طبيعة هذا الدين وإعلانه العام ومنهجه الواقعي ، وألا نخلط بينها وبين المقتضيات الدفاعية الوقتية ..
حقاً إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له ، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله ، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية ، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية ، لأن الحاكمية فيه لله وحده .. إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله - القائمة على قاعدة العبودية للعباد - أن تحاول سحقه ، دفاعاً عن وجودها ذاته ، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه ..
هذه ملابسة لا بد منها ، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته ، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضاً ، ولا خيار له في خوضها ، وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلاً .. .
هذا كله حق .. ووفق هذه النظرة يكون لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده ، ولا بد أن يخوض معركة دفاعية مفروضة عليه فرضاً ..
ولكن هناك حقيقة أخرى أشد أصالة من هذه الحقيقة .. إن من طبيعة الوجود الإسلامي ذاته أن يتحرك إلى الأمام ابتداء . لإنقاذ " الإنسان " في " الأرض " من العبودية لغير الله ، ولا يمكن أن يقف عند حدود جغرافية ، ولا أن ينزوي داخل حدود عنصرية ، تاركاً " الإنسان " .. نوع الإنسان .. في " الأرض " .. كل الأرض .. للشر والفساد والعبودية لغير الله .
إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيء عليها زمان تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام ، إذا تركها الإسلام تزاول عبودية البشر للبشر داخل حدودها الإقليمية ، ورضى أن يدعها وشأنها ولم يمد إليها دعوته وإعلانه التحريري العام ! ولكن الإسلام لا يهادنها ، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه في صورة أداء الجزية ، ضماناً لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها .
هذه طبيعة هذا الدين ، وهذه وظيفته ، بحكم أنه إعلان عام لربوبية الله للعالمين ، وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله في الناس أجمعين !
وفرق بين تصور الإسلام على هذه الطبيعة ، وتصوره قابعاً داخل حدود إقليمية أو عنصرية ، لا يحركه إلا خوف الاعتداء ! إنه في هذه الصورة الأخيرة يفقد مبرراته الذاتية في الانطلاق !
إن مبررات الانطلاق الإسلامي تبرز بوضوح وعمق عند تذكر أن هذا الدين هو منهج الله للحياة البشرية ، وليس منهـج إنسان ، ولا مذهب شيعة من الناس ، ولا نظـام جنس من الأجناس ! .. ونحن لا نبحث عن مبررات خارجية إلا حين تفتر في حسنا هذه الحقيقة الهائلة .. حين ننسى أن القضية هي قضية ألوهية الله وعبودية العباد .. إنه لا يمكن أن يستحضر إنسان ما هذه الحقيقة الهائلة ثم يبحث عن مبرر آخر للجهاد الإسلامي !
والمسافة قد لا تبدو كبيرة عند مفرق الطريق ، بين تصور أن الإسلام كان مضطراً لخوض معركة لا اختيار له فيها ، بحكم وجوده الذاتي ووجود المجتمعات الجاهلية الأخرى التي لا بد أن تهاجمه ، وتصور أنه هو بذاته لا بد أن يتحرك ابتداء ، فيدخل في هذه المعركة ..
المسافة عند مفرق الطريق قد لا تبدو كبيرة ، فهو في كلتا الحالتين سيدخل المعركة حتماً ، ولكنها في نهاية الطريق تبدو هائلة شاسعة ، تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييراً كبيراً .. خطيراً .
إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجاً إلهياً ، جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض ، وعبودية البشر جميعاً لإله واحد ، ويصب هذا التقرير في قالب واقعي ، هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد ، بالعبودية لرب العباد ، فلا تحكمهم إلا شريعة الله ، التي يتمثل فيها سلطان الله ، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته .. فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه ، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي ، أو أوضاع الناس الاجتماعية .. إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو ، واعتباره نظاماً محلياً في وطن بعينه فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية !
هذا تصور .. وذاك تصور .. ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد .. ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه ، يختلف اختلافاً بعيداً ، يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه .
إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء . فالإسلام ليس نحلة قوم ، ولا نظام وطن ، ولكنه منهج إله ، ونظام عالم .. ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية " الإنسان " في الاختيار . وحسبه أنه لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته ، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة ، المفسدة للفطرة ، المقيدة لحرية الاختيار .
من حق الإسلام أن يُخرج " الناس "من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين ، وتحرير الناس أجمعين .. وعبادة الله وحده لا تتحقق - في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي ، فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم ، حاكمهم ومحكومهم ، أسودهم وأبيضهم ، قاصيهم ودانيهم ، فقيرهم وغنيهم ، تشريعاً واحداً يخضع له الجميع على السواء .. أما في سائر الأنظمة ، فيعبد الناس العباد ، لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد . وهو من خصائص الألوهية ، فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه ، فقد ادّعى الألوهية اختصاصاً وعملاً ، سواء ادَّعاها قولاً أم لم يعلن هذا الادعاء . وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية ، سواء سماها باسمها أم لم يسمها !
والإسلام ليس مجرد عقيدة ، حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس ، والتجمعات الأخرى لا تمكِّنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو ، ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرير العام ، وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله لله ، فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته . كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقم على عبودية العباد للعباد !
إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر ، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة ، لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست هي الحقيقة ، ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة .. ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام ، بنفي هذا الاتهام ، فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته ، وحقه في " تحرير الإنسان " ابتداء .
وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة " الدين " .. وإنه مجرد " عقيدة " في الضمير ، لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة . ومن ثم يكون الجهاد للدين ، جهاداً لفرض العقيدة على الضمير !
ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام ، فالإسلام منهج الله للحياة البشرية ، وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية ! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام . أما العقيدة فأمر موكول إلى حرية الاقتناع ، في ظل النظام العام ، بعد رفع جميع المؤثرات .. ومن ثم يختلف الأمر من أساسه ، وتصبح له صورة جديدة كاملة
وحيثما وجد التجمع الإسلامي ، الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي ، فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام ، مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان ، فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد ، فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ ، مسألة مقتضيات الحركة لا مسألة عقيدة .. وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة ، في المراحل التاريخية المتجددة ، ولا نخلط بين دلالتها المرحلية ، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل

التاسع لا تخافوهم فلا يجوز الخوف إلا من الله تعالى
لا تـخـافــوهــم
الحمد لله تعالى , نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
الموضوع الذي أردتُ أن أحدثكم عنه , موضوع خطر في بالي وأنا أتأمل آية من كتاب الله تبارك وتعالى : { إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين } . فأنت ترى في هذه الآية المحكمة أن الله سبحانه وتعالى بين أن الشيطان يخوفنا من أوليائه , وأولياؤه هم اليهود والنصارى والكفار والمنافقون و أهل الضلال ؛ ثم يقول الله سبحانه وتعالى { فلا تخافوهم } وهذا نهي يقتضي التحريم , لأن نواهي ربنا تعالى مبناها على التحريم , فما نهى عنه فهو حرام , وما أمر به فهو واجب , إلا إذا وجد قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة , أو تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب . والقرينة في الآية تدل على أن النهي للتحريم , لأن الله سبحانه وتعالى قال : { فلا تخافوهم وخافوني } فجعل خوفه سبحانه هو المطلوب ( وخوف الله تعالى واجب ) وجعل نقيض خوفه أن يخاف الإنسان من المخلوق . فكأن قلب الإنسان إن سكنه خوف الله زال عنه خوف المخلوق , وإن خلا من خوف الله تعالى أصبح الإنسان يخاف من كل شيء : يخاف من المخلوقات , ليس فقط من الشيطان وأوليائه بل يخاف من النجوم ويخاف من الأمطار ويخاف من العواصف ويخاف من البحار . ولذلك المشركون عبدوا آلهة شتى , عبدوا الشمس والحجر والقمر والأفلاك . لماذا عبدوها ؟ لأنهم خافوها ولم يخافوا الله عز وجل . وأيضا ختم الله الآية بقوله { إن كنتم مؤمنين ) . و ( إن) هنا كما يقول العلماء شرطية . فجعل الله تعالى الخوف منه وعدم الخوف من المخلوقين ( وخاصة الشيطان وأوليائه ) جعل الله تعالى ذلك من مقتضيات الإيمان .
واليوم تفنن أعداء الإسلام في زرع الخوف في قلوب المسلمين ، فيوجد على سبيل المثال أجهزة متخصصة لنشر الرعب بيـن الناس , ويـوجد وسائل إعلام ( كتب , مجلات , أشرطة ، أشرطة فيديو ) مخصصة لزرع المخاوف في نفوس الناس ، وهذا يسمونه عندهم الردع ، الردع الذي يولد الخوف عند الإنسان كي لا يقوم بأي عمل .
يعني مثلاً , لما تذهب إلى أي مكتبة في العالم تجد كتب يسمونها ( الجاسوسية ) , مئات الكتب بل آلاف , بعضها قصص وبعضها أخبار, وبعضها تحاليل, وبعضها مقالات, وبعضها مقابلات , وبعضها ذكريات .. ثم تجد هناك أشياء أخرى ( تمثيليات وأفلام وصور حية ) .
هذه الأشياء جزء غير قليل منها أكاذيب عالمية دولية , يقصد من ورائها زرع الخوف عند الناس ، لأنهم يقولون من النجاح أن تمنع الإنسان من فعل الشيء قبل أن يفعله . بمعنى انهم يعتمدون على مبدأ نشر مثل هذه المخاوف عند الناس.
حتى إنك تجد كثيرا من الناس في أنحاء العالم ( العالم كله , والعالم الإسلامي أيضا جزء منه ) , تجد الواحد منهم تتراقص الأشباح بين عينيه ( لا تنطقوا إن الجدار له أذن .!! ) .
يتخيل البعض ( مثلاً ) أن في بيته جهاز تصنت , وان إحساسه محسوب وأن كلماته معدودة وأنه مراقب في يقظته ومنامه .
وأنا أقول : نعم هذا كله صحيح , ولكن ممن هذه المراقبة ؟؟ من الله { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }, { إن كل نفس لما عليها حافظ }, { وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون } .. فهؤلاء ملائكة , زودهم الله سبحانه وتعالى بإمكانية أن يراقبوا الإنسان في كل شيء , وعلى كل حال , وأن يكتبوا ذلك .
والغريب أن تجد من الناس من لا يقيم وزنا للملائكة الكرام الكاتبين , ولا يقيم وزناً للرقيب العتيد الحاضر الموجود , ولا يقيم وزنا للصحائف التي يدونها الملكان , ويغفل عن ذلك كله , لكنه يقيم ألف وزن للمخلوقين .. والمخلوقين لا يعرفون ماذا في القلب ولا يعرفون ماذا في الصدر .
وكثير من الأشياء التي يعرفها عامة الناس قد لا يعرفها من يريد ويتقصد أن يعرفها .. والإنسان مركب من الضعف والنقص والغفلة , ولذلك أنت أحيانا تخدم عدوك من حيث لا تدري , حينما تعطيه هذه المكانة وتغرس في قلبك هذا الخوف له .. هذا الخوف يا أيها الاخوة : أثقل كواهل المسلمين .
( رأيت في بلاد إسلامية بعيدة وقريبة ) ، الواحد منهم لا يستطيع أن يصنع شيئا لدينه قط .. لماذا ؟!.
لأنه مثقل بالأوهام والمخاوف .
سبحان الله ... يا ليت خوفك من ربنا جل وتعالى , أو مراقبتك للملائكة عن يمينك وشمالك يكون كذلك .. إذا لأقلعت عن الذنوب والمعاصي وفارقتها سراً وعلانية .. أما هذا الخوف من المخلوقين , فيخشى أن يكون قدحاً في التوحيد , لأنه أقعدك عن العمل الصالح , وأقعدك عن الطاعات , وسيّرك إلى أن تتشبه بغير المسلمين وبالفاسقين , وتتخلى عن سيما الإيمان وتتخلى عن العلم وتتخلى عن العمل في أوساط الناس ، الخوف هو الذي قصم ظهرك وأذل عنقك .
من ماذا تخاف ؟!.
أين سكينة المؤمنين ؟!.
الرسول عليه الصلاة والسلام كتم أمر الهجرة ( كما تعرفون ) ، وخرج ثاني اثنين إذ هما في الغار شريدا طريدا في مكة .
يا طريدا ملأ الدنيا اسمه وغدا لحنا على كل الشفاه
وغدت سيرته أنشودة يتـلقـاها رواةً عن رواه
نعم أخرجوه من مكة صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الله تعالى : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار } . يريدون رأسه صلى الله عليه وسلم, ويجعلون مئة من الإبل لمن أتى به حيا أو ميتا , بل أكثر من ذلك , فيقول لصاحبه : { لا تحزن إن الله معنا } .
انظر لقوة القلب وشدة الخوف من الله , وانعدام الخوف من المخلوقين { لا تحزن إن الله معنا }
ألا تلاحظون أيها الأحبة : أن الرسول عليه السلام لم يقل لأبي بكر { لا تخف إن الله معنا } , بل قال : { لا تحزن إن الله معنا } .
حتى أبو بكر لم يكن خائفا على نفسه , كان حزينا على ما آل إليه أمر هؤلاء القوم , وعلى دعوة الله عز وجل , وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولهذا عزاه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : { لا تحزن إن الله معنا } .
فنحن منصورون لأننا نستمد قوتنا من الله القوي الحي القادر , أما هؤلاء فمشركون وثنيون مبتورون , ليس لهم تاريخ ولا مجد ولا حاضر ولا مستقبل , كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر } . مبغضك , معاديك , محارب دينك , ودعوتك هو الأبتر الذي ليس له عَقِبٌ ولا تاريخ . . ولهذا تجد اسم الرسول صلى الله عليه وسلم على كل لسان .
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذ قال المؤذن في الخمس أشهد
وشق له من اسمـه كي يجلـه فذو الـعرش محمود وهذا محمد
لست أقول المسلمون يعرفونه , بل حتى الكفار واليهود والنصارى وأمم الأرض كلها لا تجهل من هو محمد صلى الله عليه وسلم .. يعرفه أعداؤه وأصدقاؤه على السواء , وأشد الناس عداوة لن يستطيعوا أن ينالوا منه شيئا , ولا أن يقولوا فيه شيئاً عليه الصلاة والسلام إلا أن يكون إفكا وزورا وبهتانا .
لكن شانئه ومبغضه ( أبو لهب , أبو جهل ) لا أحد يعرف اسمه الذي سماه به أبوه, أو سمته به أمه , فنسخ الله تعالى ذكراهم وأبطل أمرهم , فما عاد يعرفهم ولا يفرح بقرابتهم أحد , فأحفادهم لا يمكن أن يفتخر واحد منهم بأنه ابن فلان أو عم فلان أو خال فلان ... لِـمَ ؟! . هذا لأن { إن شانئك هو الأبتر } .
إذا هذه هي السكينة التي أنزلها الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين . أنزل السكينة عليه يوم الهجرة , وأنزل السكينة عليه يوم حنين , كما هو معروف من القصة والسورة . فأنزل الله تعالى السكينة على المؤمنين .. السكينة التي تجعلهم وهم يرون الموت الأحمر أمام عيونهم ويبصرون الرؤوس تتساقط وتنحدر في الأرض , وهذا الموقف لا يزعجهم ولا يخيفهم ، في قلوبهم قوة الإيمان وشدة التوكل على الله العظيم و الثقة بالله سبحانه وتعالى .
تلك المرأة ( مثلاً ) التي في قصة الأخدود - وحديثه في صحيح مسلم - لما أقبلت ومعها صبيها لتلقي بنفسها وصبيها في النار , وهي ترى اللحم يحترق ويشوى بالنار , وتشم رائحة الشواء النفاذة في أنفها , وترى هذا اللحم الطري الغض كيف يتحول إلى فحم أسود محترق , ثم تقدم على ذلك , أقدمت بقوة إيمانها , أقبلت في السكينة التي جعلها الله تعالى في قلبها .. وهذا هو نفسه ما يواجهه الشهيد , وهو يقتل في سبيل الله . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم , أن الشهيد لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة ( على أسوأ الأحوال قرصة عقرب ) .
فانظر أن الله تعالى طلب منك الخطوة الأولى , ووعدك بأن يكون هناك توفيق وتأييد منه , وأن تكون طمأنينته وسكينته سبحانه هي الثمن الذي ينـزل في قلبك , وهذا موجود عند جميع المصلحين والمؤمنين عبر التاريخ .
أتذكر في هذه المناسبة كيف أن ابن القيم رحمه الله يصف شيخه الإمام ابن تيمية فيقول : " إنه كان رابط الجأش , نأتيه وقد اشتدت منا المخاوف واهتزت القلوب , فما إن نراه حتى يزول الخوف عن قلوبنا وسري عنا , فإذا تكلم بنى بنيان الإيمان واليقين والتوكل في قلوبنا " . سبحان الله . رأينا كيف أن هناك أمورا بسيطة ويسيرة وتافهة تكبر عند بعض ضعاف القلوب حتى تصبح كالجبل العظيم , وكيف أن هناك أمورا كبيرة وعظيمة في نظر جماهير الناس تصغر عند أهل الإيمان واليقين حتى تصبح لا شيء !! .
وكما قيل :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتى على قدر الكرام المكارم
وتكبر في عين الصغير صغارها وتسهل في عين العظيم العظائم
الإنسان العظيم تصغر في عينه الأمور الكبيرة , لأنه يتجاوزها .
فالمؤمن ( مثلاً ) الذي آثر سلوك درب الشهادة في سبيل الله , ماذا يشكل بالنسبة له كون أحد آذاه أو سبه أو سخر منه , وهدده أو توعده أو ضربه , أو ضيق عليه , أو أخر رتبته أو أبعده أو أقصاه ... إذا كان فعلا يريد الشهادة في سبيل الله , فما دون ذلك عنده كلها أمور سهلة يسيرة , ويتجاوزها .
المسلمون اليوم على وجه الخصوص قتلتهم الأوهام ودقت عظامهم ، فليس عند المسلم قوة الشخصية , قوة الإيمان , قوة الثقة بالله , ثم قوة الثقة بنفسه , التأكد من سلامة خطواته , الاطمئنان إلى أنه منصور , الثقة بوعد الله عز وجل .
أرأيتم لو أن إنسانا يخاف من المرض , أليس هذا مرض بحد ذاته !؟.
بلى هو مرض , ربما ليس له دواء إلا دواء الإيمان بالله والتوكل عليه , لأنه ليس مرض عضوي يمكن أن يعالج , ووإنما هو مرض نفسي عبارة عن أوهام .
ولذلك يزعمون في الأساطير ( وهذه أسطورة ولكن معناها حقيقي ) أن رجلا أبصر المرض " الوباء " وهو ذاهب إلى مدينة . فقال له : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال : ذاهب إلى مدينة كذا وكذا لأقتل منها خمسة آلاف نفس .. ثم بعد ذلك جاءت الأخبار إلى هذا الرجل , أنه مات في القرية خمسون ألفا ! . وأبصر الوباء وهو راجع .. قال : من أين أقبلت ؟. قال : من مدينة كذا , وقد قتلت منها خمسة آلاف . قال : بل قتلت خمسون ألفا !. قال : لا قتلت خمسة آلاف , أما الباقون فقد قتلهم الوهم !!!!
فالوهم قاتل .
ولئن يصبح الإنسان محط نظر أو إيذاء أو مضايقة بأي لون من الألوان , ويعمل ويجاهد ويتعلم ويعلم ويفتي ويتبرع وينفق ويجاهد ويتعاون مع الناس على البر والتقوى , خير ولا شك من أن يسلم من ذلك كله وهو لا يعمل شيئا .
اليهود أدركوا هذه الثغرة المهمة في نفوس المسلمين .. فأنتم تلاحظون الآن أن هناك تضخيماً تاريخياً لدور اليهود .
كتاب بروتوكولات حكماء صهيون كلكم ربما قرأ الكتاب أو سمع به , وكثيراً ما نستشهد بهذا الكتاب ولكن ، في النفس شك من هذا الكتاب , أنه قد يكون مزوراً , أو على أقل تقدير قد تكون دخلته يد التحريف , وأضافت إليه أشياء كثيرة جدا !.
هناك مئات بل آلاف الكتب التي تتكلم عن اليهود , وأنهم أخطبوط وقوة سرية وقوة خفية في كل مكان في العالم : فالاقتصاد كله بيد اليهود والسياسة كلها بيد اليهود والإعلام كله بيد اليهود والطب كله بيد اليهود وأمريكا وراءها اليهود وروسيا وراءها اليهود !! هذا توهيم , هذا ليس بصحيح .
نعم .. , اليهود لهم قوة اليوم ... وإن كان الأصل فيهم الضعف كما ذكر تعالى : { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } فهم أذلاء ولكنهم الآن يملكون قوة في الاقتصاد ولا شك , ويملكون قوة في الإعلام ولا شك , ويملكون خبرة , ويملكون علماء في فنون شتى , ولكنهم يظلون مع ذلك ضعفاء جبناء متفرقين { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } نعم أفلحوا في ستر التناقضات الموجودة , ولكن بمجرد أن تواجه دولتهم أو حركتهم وضعا صعبا سوف يظهر الانحطاط والاختلاف الموجود فيهم وفي تجمعاتهم .
والآن تلاحظون من يسمونهم بالليلييـن في دولة الكيان الصهيوني , ومواقفهم من حزب العمل , والتناقضات الموجودة التي من الممكن أن تؤدي إلى انحطاط خطير يهدد هذه الدولة الوسخة بأرض المسلمين .
اليهود مستفيدون من تخويفنا بأنهم يسيطرون على كل شيء , وأنهم يعرفون كم عدد المعز الموجودة في بيوتنا ( كما تروج بعض المجلات ) !! . ويعرفون كم عدد الأبواب التي تشتمل عليها بيوتنا , ويعرفون كم عدد الأولاد , ويعرفون تفاصيل أحوالنا الخاصة , ويعرفون كم عدد الأشجار الموجودة !! .
هذه مبالغات وأوهام ترويجها أحيانا قد يكون بدافع طيب . بعض الناس يقصد من خلال هذا الترويج التحذير , حتى يكون الإنسان على علم ( ماذا يقول , ماذا يفعل , كيف يدخل , كيف يخرج ) هذه نية طيبة , ولكن كم من مريد للخير لم يبلغه !!.
لماذا نريد أن نعقد الناس , ونحولهم إلى أشباح ؟!!.
الواحد لا يتحرك ولا يخطو خطوة إلا بعد أن يلتفت عدة مرات إلى اليمين وعدة مرات إلى الشمال !! ويـختمه وهو خائف وجل !! لماذا ؟! .
بعض الناس أيضا قد ينشر مثل هذه المبالغات والآراء الضعيفة بهدف آخر .. وهو يقول : من أجل تعريف أهل الإسلام كيف أن اليهود عملوا وخططوا وكتبوا ورصدوا , ونحن واقفون !!
أيضا هذا مقصد طيب , ولكن ينبغي أن لا يغرينا هذا المقصد بترويج مثل هذه الأشياء التي تحطم معنويات الشباب وتسئ إلى اعتدال التربية عندهم , وتجعلهم بدلا من أن يكونوا رجال شجعان مغاوير أشاوس أشداء أقوياء , نجعل الواحد منهم يخاف من ظله , يخاف من كل شيء , يترقب كل شيء , كل شيء عنده مصدر خطر , وفي داخله مؤامرة وفيه جهاز تصنت , وهناك شخص يراقبه , ويعد أنفاسه ويحصي حركاته !!.
سبحان الله ، هذا ما وُجِدَ في التاريخ كله !!
فرعون ( مثلا ) رأس الطغيان والكفر كان يقول : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائضون * وإنا لجميع حاذرون } .. نعم , كان يقول ذلك لكن مع هذا كله , الله سبحانه وتعالى أبطل كيده وجعل هؤلاء المستضعفين من بني إسرائيل أئمة وجعلهم الوارثين , ومكن لهم في الأرض , وأرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون .
بل إن من عظيم مكر الله سبحانه وتعالى بهذا الطاغية , أن الرجل الذي قاد الحركة ضد فرعون وطغيانه ( موسى عليه السلام ) تربى في حجر فرعون وفي قصره , نكاية بهذا الطاغية , وليعلم الناس كلهم أن الأمر مدبر في السماء .. لا في البيت الأبيض ولا في الكونغرس ولا هنا ولا هنا , وإنما التدبيـر الحقيقي في السماء { وفي السماء رزقكم وما توعدون } . أما البشر فليسوا إلا أدوات ضعيفة , يجري الله تبارك وتعالى على أيديهم ما يشاء .
فمتى نتحرر من الأوهام والمخاوف والقلق , ومتى نتحرر بحرية وثقة بالله سبحانه وتعالى , وبطمأنينته , لنقوم بواجبنا في الدعوة إلى الله تعالى ونفهم الأمور فهما صحيحاً .. وكم من فرصة للدعوة والخير والعمل والإصلاح ضيعتها علينا المخاوف والترقيات والضغوط , وأخشى وأخاف وأتوقع , والتباكي .
بعضنا أحيانا يظن أن ( فلانا ) يكيد له , ولهذا عليه أن يفوت الفرصة على فلان , كما أن فلانا عنده عقل , أنت عندك عقل , ولم يجعل الله تعالى العقول مقصورة على العلمانيين ولا على المنافقين ولا على اليهود ولا على النصارى , بل أهل الإسلام هم أذكى الناس عقولاً , وأوسع الناس فهماً وأعظم الناس إدراكا , وعقولهم مزكاة بنور الوحي , بنور الإيمان , والله تعالى يسددهم ويوفقهم .. فلماذا يظنون دائماً أنهم محل الخداع , أنهم يخدعون , أنهم يضحك عليهم , أنهم يلعب عليهم , وأنهم , وأنهم .... الخ .
تحرك بوضوح وبحرية وبإيمان وبثقة واعمل , أنت لا تمارس شيئاً خطأً أو تمارس شيئاً حراما
ألم ترَ الآن ( رجال المخدرات ) الذين يقومون بعمل ضد الشريعة وضد القانون وضد مصالح المجتمعات وضد الحياة الأسرية وضد الفطرة وضد كل شيء , ومع ذلك شبكاتهم تقوم بعمليات عظيمة , ويكاد يصل الذين يلاحقونهم ويحاربونهم إلى يأس أنه لا يمكن القضاء عليهم , ووضعت أقصى العقوبات إلى حد القتل , ومع ذلك هم في ازدياد وتكاثر ويسجن الواحد منهم ثم يسجن ويعاقب , ومع ذلك يبقى مصرا على عمله ..
هذا يذكرنا بقصة الرجل الذي وجده الإمام أحمد قد سبقه إلى السجن , فالسجناء كلما فتح باب السجن تجمعوا وتجمهروا ينظرون من الضيف الجديد ويصفقون ويضحكون ويصفرون .. ذات مرة فتح الباب وبدلا من أن يدخل رجل شارب خمر أو تاجر أو لص , دخل رجل وقور عليه نور الإيمان ويظهر عليه البشر واليقين والتوكل .. فيتساءل السجناء : من هذا ؟!.
إنه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل !
حتى فساقهم قالوا : والله له علينا حق .
يأتيه واحد يهمس في أذنه يقول : يا أحمد , أنا سجنت من أجل عشرة دراهم عشر مرات , أسرق فأسجن ثم أخرج وأعود مرة أخرى . أنت ما عليك أنك تجلد , ولن تشعر إلا بألم السوط الأول والثاني ثم لا تشعر بشيء بعد ذلك !!.
نعرف من أهل المبادئ الضالة من أهل الإلحاد والشيوعية ومن أهل العلمانية ومن أهل الكفر ومن أهل البعثية ومن أهل الناصرية من قتل ومنهم من سجن وطال سجنه ومنهم من أوذي ومنهم من حجب وطرد ومنهم من فقد كل إمكانياته وصلاحياته وأمواله وحقوقه , ومنهم , ومنهم . فهل يريد أهل الإسلام الذين قدوتهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يقوموا بالدعوة وأن يجاهدوا في سبيل الله وأن يتعلموا وأن يعلموا ثم لا يريد الواحد منهم أن يسمع كلمة شتم تقال له , أو تأخير رتبته , أو مضايقة له !!
ولا بد دون الشهد من إبر النحل !!..
من أراد طريق الجنة فعليه أن يعد لذلك الدرب عدته , وأبشر .. فالأمر هين .
القضية ليس فيها صعوبات ولا مخاوف , قد تلقى من الناس ما تلقى ، فلا تكن هيناً رخوا , يصدك ويثنيك كل شيء , أنت تريد الجنة , وطريقها كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) .
قد يأتيك من أخيك ومن زوجتك بعض نقد بعض اعتراض خوفاً عليك , أو طمعا في قربتك , أو حيادا , أو سوء فهم .
أيها الأحبة يجب علينا أن نتدرع بالسكينة الربانية في مواجهة مثل هذا الابتلاء , الذي هو بسيط لكنه على قدرنا .. على قدرنا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( يفتن الرجل على قدر إيمانه ) .
فلأن إيماننا ضعيف نبتلى بأشياء يسيرة جدا من هذا القبيل , فعلينا أن نتدرع بالإيمان في مواجهة ذلك ونعرف أنه كلما زاد إيمان العبد قد يلقى في سبيل ذلك ابتلاء وفتنة . وعليه أن يدرك أنه يجد لذة في هذا الابتلاء وسرورا وسعادة وطمأنينة لا يجدها غيره .
وأنا أتذكر أيها الاخوة قبل عشرين سنة أو أكثر من ذلك يوم كنا طلابا في المدارس المتوسطة والثانوية , كان يأتينا إخوان من مصر - بالذات - ومن بعض البلاد , وكان هناك أذى لأهل الإسلام، وخاصة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت واجهوا أذى وسجنوا وقتل من قتل , فكان الواحد منهم يفتخر أنه سجن !!
مع أن بعض الذين وفدوا قد لا يكونوا لقوا أذى ولا يكونوا من الذين تعرضوا لهذا , فتجد أن بعضهم يتشبع بما لم يعطَ , فإذا أراد أن ينال المنـزلة عند الناس , سواء طلاب في الفصول أو حتى أحيانا في مقابلة صحفية في جريدة أو في إذاعة , قال : أنا سجنت أربع سنوات أو خمس سنوات , حتى ولو كان كذاباً , لأنه يرى أن هذا مدح , وأن هذه محمدة يريد أن ينال بها عند الناس مكانة .
كثير من الذين لاقوا ذلك لا يتحدثون عنه , وكثير يؤثرون أن لا يتكلموا لأنهم يرون أنه شيء بذلوه في سبيل الله ولا يريدون أن يفسدوا شيئا من نياتهم في الكلام عنه ، فالمقصود أن الناس لا يرون في ذلك من بأس بل يرونه محمدة يتشبعون بها .
فإذا لم يكن للواحد منهم تاريخ من هذا القبيل صنع تاريخا واختلقه !!.
أسأل الله تعالى أن ينصر الإسلام وأهله , وأن يذل الشرك وأهله , وأن يجعلني وإياكم من أنصار دينه إنه على كل شيء قدير .
***********
الحادي عشر المستقبل لهذا الدين شاء من شاء وأبى من أبى
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في المعالم :
هناك حقيقة أولية ، ينبغي أن تكون واضحة في نفوسنا تماماً ونحن نقدم الإسلام للناس : الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء .. هذه الحقيقة تنبثق من طبيعة الإٍسلام ذاته ، وتنبع من تاريخه .
إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة ، تصور كامل ذو خصائص متميزة ، ومن ثَمَّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها ، بكل مقوماتها وارتباطاتها ، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة .
هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديماً وحديثاً . وقد يلتقي مع هذه التصورات في جزئيات عرضية جانبية ، ولكن الأصول التي تنبثق منها هذه الجزئيات مختلفة عن سائر ما عرفته البشرية من نظائرها .
ووظيفة الإسلام الأولى هي أن ينشئ حياة إنسانية توافق هذا التصور ، وتمثله في صورة واقعية ، وأن يقيم في الأرض نظاماً يتبع المنهج الرباني الذي اختاره الله ، وهو يخرج هذه الأمة المسلمة لتمثله وتقوم عليه ، وهو - سبحانه - يقول :
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ... [ آل عمران : 110 ]
ويقول في صفة هذه الأمة :
{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } ... [ الحج : 41 ]
* * *
وليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان .. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل .. فالجاهلية هي الجاهلية ، الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي .. الإسلام وهو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام !
الجاهلية هي عبودية الناس للناس : بتشريع بعض الناس للناس ما لم يأذن به الله ، كائنة ما كانت الصورة التي يتم بها هذا التشريع .. !
والإسلام هو عبودية الناس لله وحده بتلقيهم منه وحده تصوراتهم وعقائدهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم والتحرر من عبودية العبيد !
هذه الحقيقة المنبثقة من طبيعة الإسلام ، وطبيعة دوره في الأرض ، هي التي يجب أن نقدم بها الإسلام للناس : الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء !
إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية . لا من ناحية التصور ، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية . وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية ، يقبله الإسلام ويرضاه .. فنظرة الإسلام واضحة في أن الحق واحد لا يتعدد ، وأن ما عدا هذا الحق فهو الضلال . وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج . وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ، وإما شريعة الله ، وإما الهوى .. والآيات القرآنية في هذا المعنى متواترة كثيرة :
{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } .. [ المائدة : 49 ]
{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } .. [ الشورى : 15 ]
{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .. [ القصص : 50 ]
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } .. [ الجاثية : 18-19 ]
{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .. [ المائدة : 50 ]
فهما أمران لا ثالث لهما . إما الاستجابة لله والرسول ، وإما اتباع الهوى . إما حكم الجاهلية . إما الحكم بما أنزل الله كله وإما الفتنة عما أنزل الله .. وليس بعد هذا التوكيد الصريح الجازم من الله سبحانه مجال للجدال أو للمحال ..
وظيفة الإسلام إذن هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية ، وتولي هذه القيادة على منهجه الخاص ، المستقل الملامح ، الأَصيل الخصائص .. يريد بهذه القيادة الرشيدة الخير للبشرية واليسر . الخير الذي ينشأ من رد البشرية إلى خالقها ، واليسر الذي ينشأ من التنسيق بين حركة البشرية ، وتولي هذه القيادة منهجه الخاص ، المستقل ، ترتفع إلى المستوى الكريم الذي أراده الله لها، وتخلص من حكم الهوى . أو كما قال ربعي بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس : ما الذي جاء بكم ؟ فكان جوابه : " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " .
لم يجيء الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم .. سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام ، أو ما تخوض البشرية فيه الآن ، في الشرق أو في الغرب سواء .. إنما جاء هذا كله إلغاءً ، وينسخه نسخاً ، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة . جاء لينشئ الحياة إنشاءً . لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقاً ، وترتبط بمحوره ارتباطاً . وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية . ولكنها ليست هي ، وليست منها . إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع . أما أصل الشجرة فهو مختلف تماماً . تلك شجرة تطلعها حكمة الله ، وهذه شجرة تطلعها أهواء البشر :
{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْـرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً } .. [ الأعراف : 58 ]
وهذه الجاهلية خبثت قديماً وخبثت حديثاً .. يختلف خبثها في مظهره وشكله ، ولكنه واحد في مغرسه وأصله .. إنه هوى البشر الجهال المغرضين ، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم ، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير . حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله ، وتشرِّع للناس جميعاً تشريعاً لا يشوبه جهل البشر ، ولا يلوِّثه هواهم ، ولا تميل به مصلحة فريق منهم .
ولأن هذا هو الفارق الأَصيل بين طبيعة منهج الله ومناهج الناس ، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد ، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد . ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك . وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به . فكذلك هو لا يقبل منهجاً مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء . لأن هذه هي تلك على وجه اليقين .
هذه الحقيقة ينبغي أن تكون من القوة والوضوح في نفوسنا ونحن نقدم الإسلام للناس بحيث لا نتلجلج في الإدلاء بها ولا نتلعثم ، ولا ندع الناس في شك منها ، ولا نتركهم حتى يستيقنوا أن الإسلام حين يفيئون إليه سيبدِّل حياتهم تبديلاً .. سيبدل تصوراتهم عن الحياة كلها . كما سيبدل أوضاعهم كذلك . سيبدلها ليعطيهم خيراً منها بما لا يقاس . سيبدلها ليرفع تصوراتهم ويرفع أوضاعهم ، ويجعلهم أقرب إلى المستوى الكريم اللائق بحياة الإنسان . ولن يبقى لهم شيئاً من أوضاع الجاهلية الهابطة التي هم فيها ، اللهم إلا الجزيئات التي يتصادف أن يكون لها من جزئيات النظام الإسلامي شبيه . وحتى هذه لن تكون هي بعينها ، لأنها ستكون مشدودة إلى أصل كبير يختلف اختلافاً بيِّناً عن الأصل الذي هم مشدودون إليه الآن : أصل الجاهلية النكد الخبيث ! وهو في الوقت ذاته لن يسلبهم شيئاً من المعرفة " العلمية البحتة " بل سيدفعها قوية إلى الأمام ..
يجب ألاَّ ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية ، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية .. بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعاً .. وإنما هو الإسلام فقط ! الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل ، وأوضاعه المستقلة . الإسلام الذي يحقق للبشرية خيراً مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع . الإٍسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير .
وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو ، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام ، في ثقة وقوة ، وفي عطف كذلك ورحمة .. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل . وعطف الذي يرى شقوة البشر ، وهو يعرف كيف يسعدهم . ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى !
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً . ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة .. سنكـون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هـذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فهيا خبث ، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون ، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد ، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم .. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم ، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها ، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها ، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها مـن قيمكم السائدة فـي الأرض جميعاً .. وإذا كنتم أنتم - لشقوتكم - لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية ، لأن أعداءكم - أعداء هذا الدين - يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة ، ودون تجسد هذه الصورة ، فنحن قد رأيناها - والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه !
* * *
هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام . لأن هذه هي الحقيقة ، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة . سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم . أم في أي مكان خاطب الناس فيه .
نظر إليهم من عل ، لأن هذه هي الحقيقة . وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته . وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته .. ولم يقل لهم أبداً : إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة ! أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها .. كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان : " ديمقراطية الإسلام " ! ومرة تحت عنوان " اشتراكية الإسلام " ! ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة !!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات !
كلا . إن الأمر مختلف جداً . والانتقال من هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض إلى الإسلام نقلة واسعة بعيدة ، وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تماماً لصور الحياة الجاهلية قديماً وحديثاً . وهذه الشقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع . ولن ينجي البشر منها إلا تلك النقلة الواسعة البعيدة . النقلة من مناهج الخلق إلى منهج الخالق ، ومن نظم البشر إلى نظام رب البشر ، ومن أحكام العبيد إلى حكم رب العبيد .
هذه حقيقة . وحقيقة مثلها أن نجهر بها ونصدع ، وألا ندع الناس في شك منها ولا لبس .
وقد يكره الناس هذا في أول الأمر ، وقد يجفلون منه ويشفقون . ولكن الناس كذلك كرهوا مثل هذا وأشفقوا منه في أول العهد بالدعوة إلى الإسلام . أجفلوا وآذاهم أن يحقر محمد - صلى الله عليه وسلم - تصوراتهم ، ويعيب آلهتهم ، وينكر أوضاعهم ، ويعتزل عاداتهم وتقاليدهم ، ويتخذ لنفسه وللقلة المؤمنة معه أوضاعاً وقيماً وتقاليد غير أوضاع الجاهلية وقيمها وتقاليدها .
ثم ماذا ؟ ثم فاؤوا إلى الحق الذي لم يعجبهم أول مرة ، والذي أجفلوا منه :
{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } .. [ المدثر : 50 – 51 ]
والذي حاربوه ودافعوه بكل ما يملكون من قوة وحيلة ، والذي عذبوا أهله عذاباً شديداً وهم ضعاف في مكة ، ثم قاتلوهم قتالاً عنيداً وهم أقوياء في المدينة ..
ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن .. كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية ، وكانت محصورة في شعاب مكة ، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها ، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله . وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها . ولكنها مع هـذا كله كانت قوية ، كما هـي اليوم قوية ، وكما هي غداً قوية .. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها ، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجاً . إنها تكمن في الحق البسيط الوضاح الذي نقوم عليه . وفي تناسقها مع الفطرة التي لا تملك أن تقاوم سلطانها طويلاً ، وفي قدرتها على قيادة البشرية صعداً في طريق التقدم ، في أية مرحلة كانت البشرية من التأخر أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والعقلي .. كما أنها تكمن في صراحتها هذه وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية فلا تخرم حرفاً واحداً من أصولها ، ولا تربت على شهوات الجاهلية ، ولا تتدسس إليها تدسساً . إنما تصدع بالحق صدعاً مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة ..
والله الذي خلق البشر يعلم طبيعة تكوينهم ومداخل قلوبهم ويعلم كيف تستجيب حين تصدع بالحق صدعاً . في صراحة وقوة . بلا تلعثم ولا وصوصة !
إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة . وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة .. والانتقال الكامل من نظام حياة إلى نظام آخر أعلى منه وأكمل وأنظف ، انتقال له ما يبرره في منطق الننفس .. ولكن ما الذي يبرر الانتقال من نظام الجاهلية إلى نظام الإسلام ، إذا كان النظام الإسلامي لا يزيد إلا تغييراً طفيفاً هنا ، وتعديلاً طفيفاً هناك ؟ إن البقاء على النظام المألوف أقرب إلـى المنطق . لأنه على الأقل نظام قائم ، قابل للإصلاح والتعديل ، فلا ضرورة لطرحه ، والانتقال إلى نظام غير قائم ولا مطبق ، مادام أنه شبيه به في معظم خصائصه !
* * *
كذلك نجد بعض الذين يتحدثون عن الإسلام يقدمونه للناس كأنه منهم يحاولون هم دفع التهمة عنه ! ومن بين ما يدفعون به أن الأنظمة الحاضرة تفعل كذا وكذا مما تعيب على الإسلام مثله ، وأن الإسلام لم يصنع شيئاً - في هذه الأمور - إلا ما تصنعه " الحضارات " الحديثة بعد ألف وأربعمئة عام !
وهان ذلك دفاعاً ! وساء ذلك دفاعاً !
إن الإسلام لا يتخذ المبررات له من النظم الجاهلية والتصرفات النكدة التي نبعث منها . وهذه " الحضارات " التي تبهر الكثيرين وتهزم أرواحهم ليست سوى نظم جاهلية في صميمها . وهي نظم معيبة مهلهلة هابطة حين تقاس إلى الإسلام .. ولا عبرة بأن حال أهلها بخير من حال السكان في ما يسمى الوطن الإسلامي أو " العالم الإسلامي " ! فهؤلاء صاروا إلى هذا البؤس بتركهم للإسلام لا لأنهم مسلمون .. وحجة الإسلام التي يدلى بها للناس : إنه خير منها بما لا يقاس ، وإنه جاء ليغيّرها لا ليقرّها ، وليرفع البشرية عن وهدتها لا ليبارك تمرغها في هذا الوحل الذي يبدو في ثوب " الحضارة " ..
فلا تبلغ بنا الهزيمة أن نتلمس للإسلام مشابهات في بعض الأنظمة القائمة ، وفي بعض المذاهب القائمة ، وفي بعض الأفكار القائمة . فنحن نرفض هذه الأنظمة في الشرق أو في الغرب سواء .. إننا نرفضها كلها لأنها منحطة ومتخلفة بالقياس إلى ما يريـد الإسلام أن يبلغ بالبشرية إليه .
وحين نخاطب الناس بهذه الحقيقة ، ونقدم لهم القاعدة العقيدية للتصور الإسلامي الشامل ، يكون لديهم في أعماق فطرتهم ما يبرر الانتقال من تصور إلى تصور ، ومن وضع إلى وضع . ولكننا لا نخاطبهم بحجة مقنعة حين نقول لهم : تعالوا من نظام قائم فعلاً إلى نظام آخر غير مطبق ، لا يغير في نظامكم القائم إلا قليلاً . وحجته إليكم أنكم تفعلون في هذا الأمر وذاك مثلما يفعل هو ، ولا يكلفكم إلا تغيير القليل من عاداتكم وأوضاعكم وشهواتكم ، وسيبقى لكم كل ما تحرصون عليه منها ولا يمسه مساً خفيفاً !!
هذا الذي يبدو سهلاً فـي ظاهره ، ليس مغرياً فـي طبيعته ، فضلاً على أنه ليس هو الحقيقة .. فالحقيقة أن الإسلام يبدل التصورات والمشاعر ، كما يبدل النظم والأوضاع ، كما يبدل الشرائع والقوانين تبديلاً أساسياً لا يمت بصلة إلى قاعدة الحياة الجاهلية ، التي تحياها البشرية .. ويكفي أنه ينقلهم جملة وتفصيلاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..
{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ..
{ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ..
والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان ، مسألة شرك وتوحيد ، مسألة جاهلية وإسلام . وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً .. إن الناس ليسوا مسلمين - كما يدّعون - وهم يحيون حياة الجاهلية . وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين ، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك . ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً .. ليس هذا إسلاماً ، وليس هؤلاء مسلمين . والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام ، ولتجعل منهم مسلمين من جديد .
ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً . ولا نريد علوّاً في الأرض ولا فساداً . ولا نريد شيئاً خاصاً لأنفسنا إطلاقاً ، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس . إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير .. مهما آذونا .. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام ، وهذه هي دوافعه .. ومن ثَمَّ يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام ، وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم ، في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم . كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية .. إنها الجاهلية وليست في شيء من الإسلام ، إنها " الهوى " ما دام أنها ليست هي " الشريعة " . إنها " الضلال " ما دام أنها ليست هي الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال !
* * *
وليس في إسلامنا ما نخجل منه ، وما نضطر للدفاع عنه ، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً ، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .. " المسلمين " .. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية ، أو يتلمس من أعمال " الحضارة " الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور ..
إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس . وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب ، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية . وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه ، كأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتهام !
بعض هؤلاء كانوا يواجهوننا - نحن القلائل المنتسبين إلى الإسلام - في أمريكا في السنوات التي قضيتها هناك - وكان بعضنا يتخذ موقف الدفاع والتبرير .. وكنت على العكس أتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية .. سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة . أو في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المؤذية .. هذه التصورات عن الأقانيم وعن الخطيئة وعن الفداء ، وهي لا تستقيم في عقل ولا ضمير .. وهذه الرأسمالية باحتكارها ورباها وما فيها من بشاعة كالحة .. وهذه الفردية الأثرة التي ينعدم معها التكافل إلا تحت مطارق القانون .. وهذا التصور المادي التافه الجاف للحياة .. وحرية البهائم التي يسمونها " حرية الاختلاط " .. وسوق الرقيق التي يسمونها " حرية المرأة " .. والسخف والحرج والتكلف المضاد لواقع الحياة في نظم الزواج والطلاق ، والتفريق العنصري الحادّ الخبيث .. ثم .. ما في الإسلام من منطق وسمو وإنسانية وبشاشة ، وتطلع إلى آفاق تطلع البشرية دونها ولا تبلغها . ومن مواجهة الواقع في الوقت ذاته ومعالجته معالجة تقوم على قواعد الفطرة الإنسانية السليمة .
وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة الغربية .. وهي حقائق كانت تخجل أصاحبها حين تعرض في ضوء الإسلام .. ولكن ناساً - يدّعون الإسلام - ينهزمون أمام ذلك النتن الذي تعيش فيه الجاهلية ، حتى ليتلمسون للإسلام مشابهات في هذا الركاب المضطرب البائس في الغرب . وفي تلك الشناعة المادية البشعة في الشرق أيضاً !
* * *
ولست في حاجة بعد هذا إلى أن أقول : إننا نحن الذين نقدم الإسلام للناس ، ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها ، ولا في شئ من أوضاعها ، ولا في شئ من تقاليدها . مهما يشتد ضغطها علينا .
إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية . ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية والسير معها خطوات في أول الطريق ، كما قد يخيل إلى البعض منا .. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق ..
إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة ، والتقاليد الاجتماعية الشائعة ، ضغط ساحق عنيف ، وبخاصة في دنيا المرأة . ولكن لا بد مما ليس منه بد . لا بد أن نثبت أولاً ، ولا بد أن نستعلي ثانياً ، ولا بد أن نُرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرفة للحياة الإسلامية التي نريدها .
ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات ، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا ، إنما هي المخالطة مع التميز ، والأخذ والعطاء مع الترفع ، والصدع بالحق في مودة ، والاستعلاء بالإيمان في تواضع . والامتلاء بعد هذا كله بالحقيقة الواقعة . وهي أننا نعيش في وسط جاهلية ، وأننا أهدى طريقاً من هذه الجاهلية ، وإنها نقلة بعيدة واسعة ، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام ، وإنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق ، ولكن لينتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام ، سواء كانوا ممن يعيشون فيما يسمى الوطن الإسلامي ، ويزعمون أنهم مسلمون ، أو كانوا يعيشون فـي غير الوطن " الإسلامي " ، وليخرجوا من الظلمات إلى النور ، ولينجوا من هذه الشقوة التي هم فيها ، وينعموا بالخير الذي ذقناه نحن الذين عرفنا الإسلام وحاولنا أن نعيش به .. وإلا فلنقل ما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسَلم أن يقوله :
{ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } ... [ الكافرون : 6 ]
**********************8

نور الهداية
05-20-04, 10:58 AM
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif http://www.almeshkat.net/vb/images/salla.gif http://www.almeshkat.net/vb/images/slam.gif


جزاك الله خيرا

علي بن نايف الشحود
05-24-04, 07:54 PM
إلى الأخت نور الهداية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله تعالى أن يجعلك نورا وهداية للناس
وأن يبصرنا بالحق وأن يجعلنا من أهله
واعلمي أختي العزيزة
أن هذا الدين منصور منصور
ولكن ب { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (37) سورة النــور
ومنصور برجال قال الله تعالى عنهم : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (23) سورة الأحزاب
وبرجال أمثال الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه والذي يقول كما يروي البخاري عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- لَئِنْ أَشْهَدَنِى اللَّهُ مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ. فَلَقِىَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُزِمَ النَّاسُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ - يَعْنِى الْمُسْلِمِينَ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِىَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ أَيْنَ يَا سَعْدُ إِنِّى أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ. فَمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ أَوْ بِبَنَانِهِ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.
وبرجال قال عنهم الحبيب صلى الله عليه وسلم : « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لاَ. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ ». أخرجه مسلم
وفي رواية عنده عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ».
أخوكم
أبو حمزة الشامي
6 ربيع الثاني 1425 هـ