المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصبر نصف الإيمان



الحياة كلمة
04-14-04, 10:16 PM
الإيمان نصفان : نصف صبر ، و نصف شكر . قال غير واحد من السلف : الصبر نصف الإيمان .

و قال عبدالله بن مسعود ( رضي الله عنه ) : الإيمان نصفان : نصف صبر ، و نصف شكر .

و لهذا جمع الله سبحانه بين الصبر و الشكر في قوله [ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ]

إبراهيم 5
و في سورة لقمان 31 ، و في سورة سباء 19 و في سورة الشورى 33 .

و قد ذكر لهذا التصنيف اعتبارات :

أحدهما : : أن الإيمان اسم لمجموع القول و العمل و النية ، و هي ترجع إلى شطرين : فعل و ترك .

فالفعل هو العمل بطاعة الله ، و هو حقيقة الشكر .
و الترك هو الصبر عن المعصية .
و الدين كله في هذين الشيئين : فعل المأمور ، و ترك المحظور .

الاعتبار الثاني : أن الإيمان مبني على ركنين : يقين ، و صبر .
و هما الركنان المذكوران في قوله تعالى : [و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون ]

السجدة 24 .
فباليقين يعلم حقيقة الأمر و النهي و الثواب و العقاب ، و بالصبر ينفذ ما أمر به و يكف نفسه عما نهى عنه .
و لا يحصل له التصديق بالأمر و النهي أنه من عند الله و بالثواب و العقاب إلا باليقين ، وز لا يمكنه الدوام على فعل المأمور و كف النفس عن المحظور إلا بالصبر ؛ فصار الصبر نصف الإيمان ، و النصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به و بترك ما نهى عنه .

الاعتبار الثالث : أن الإيمان قول و عمل ، و القول قول القلب و اللسان ، و العمل عمل القلب و الجوارح ، و بيان ذلك أن من عرف الله بقلبه و لم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً ، كما قال الله عن قوم فرعون : [ و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ] النمل 14 .

و كما قال عن قوم عاد و قوم صالح : [ و عاداً و ثمود و قد تبين لكم من مساكنهم و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين] العنكبوت 38

و قال موسى لفرعون : [ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات و الأرض بصائر ] الإسراء 102.

فهؤلاء حصل لهم قول القلب ، و هو المعرفة و العلم ،
و لم يكونوا بذلك مؤمنين . و كذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه ، لم يكن بذلك مؤمناً ، بل كان من المنافقين .

و كذلك من عرف بقلبه و أقر بلسانه ، لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب و البغض و الموالاة و المعاداة ؛ فيحب الله و رسوله ، و يوالي أولياء الله و يعادي أعداءه ، و يستسلم بقلبه لله وحده ، و ينقاد لمتابعة رسوله و طاعته ، و التزام شريعته ظاهراً و باطناً . و إذا فعل ذلك ، لم يكف في كمال إيمانه ، و حتى يفعل ما أمر به .

فهذه الأركان الأربعة ، هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه ، و هي ترجع إلى علم و عمل . و يدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي ، و كلاهما لا يحصل إلا بالصبر ؛ فصار الإيمان نصفين : أحدهما الصبر ، و الثاني متولد عنه من العلم و العمل .

الاعتبار الرابع : أن النفس لها قوتان : قوة الإقدام ، و قوة الإحجام . و هي دائماً تتردد بين أحكام هاتين القوتين ، فتقدم على ما تحبه ، و تحجم عما تكرهه .
و الدين كله إقدام و إحجام : إقدام على الطاعة ، و إحجام عن معاصي الله ، و كل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر .

الاعتبار الخامس : أن الدين كله رغبة و رهبة ، فالمؤمن هو الراغب الراهب ، قال تعالى : [إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغباً و رهباً ] الأنبياء 90 .

و في الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه : " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ، و وجهت وجهي إليك ، و فوضت أمري إليك ، و ألجأت ظهري إليك ؛ رغبة و رهبة إليك "
؛ فلا تجد المؤمن أبداً إلا راغباً و راهباً ، و الرغبة و الرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر ؛ فرهبته تحمله على الصبر ، و رغبته تقوده إلى الشكر .

الاعتبار السادس : أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار ، لا يخرج عما ينفعه في الدنيا و الآخرة ، أو يضره في الدنيا و الآخرة ، أو ينفعه في أحد الدارين و يضره في الأخرى .

و أشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه ، و يترك ما يضره فيها ، و هو حقيقة الإيمان . ففعل ما ينفعه هو الشكر ، و ترك ما يضره هو الصبر .

الاعتبار السابع : أن العبد لا ينفك عن أمر يفعله ، و نهى يتركه ، و قدر يجري عليه . و فرضه في الثلاثة الصبر و الشكر ؛ ففعل المأمور هو الشكر ، و ترك المحظور ، و الصبر على المقدور ، هو الصبر .

الاعتبار الثامن : إن العبد فيه داعيان : داع يدعوه إلى الدنيا و شهواتها و لذاتها ، و داع يدعوه إلى الله و الدار الآخرة و ما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم .
فعصيان داعي الشهوة و الهوى هو الصبر ، و إجابة داعي الله و الدار الآخرة هو الشكر .


الاعتبار التاسع : إن الدين مداره على أصلين : العزم ، و الثبات . و هما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد و النسائي عن النبي صلى الله عليه و سلم : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، و العزيمة على الرشد " . و أصل الشكر صحة العزيمة ، و أصل الصبر قوة الثبات . فمتى أيد العبد بعزيمة و ثبات ، فقد أيد بالمعونة و التوفيق .

الاعتبار العاشر : إن الدين مبني على أصلين : الحق ، و الصبر . و هما المذكوران في قوله تعالى : [ و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر ]
العصر 3 .
و لما كان المطلوب من العبد ، هو العمل بالحق في نفسه و تنفيذه في الناس ، و كان هذا هو حقيقة الشكر ، لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه ؛ فكان الصبر نصف الإيمان ... و الله سبحانه و تعالى أعلم .




" عدة الصابرين و ذخيرة الشاكرين " للأمام : ابن قيم الجوزية .

مســك
04-15-04, 11:22 AM
بورك فيكِ وزادكِ الله علماً

سفير مشكاة
04-15-04, 03:32 PM
جزاكِ الله خيرا سهام الليل ,,,

سفير مشكاة ...

الحياة كلمة
04-16-04, 09:18 AM
بورك فيكم ...

أسأل الله أن نكون من الصابرين ..

نـــــــور
04-19-04, 02:31 PM
.

الحياة كلمة
04-28-04, 10:35 AM
و فيك بارك المولى أخيتي نــور ..