المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من دُرر أقوال الإمام السعدي ـ رحمه الله ـ



المجدد
09-04-03, 02:04 PM
ـ اعلم أن بعض الطاعات من بركتها يترتب عليها طاعات أُخر ، وكذلك من شؤم المعاصي أن بعضها قد يترتب عليه مفاسد غير مفسدة المعصية بخصوصها .
مثال الأول : الصدقة أو الهدية على القريب ، أو من بينك وبينه شحناء ، تكون صدقة وصلة ، وقالعة للشحناء ، وكذلك الطاعة التي تسبب فيها المشاركة غيرك فيها أو للإقتداء أو لغير ذلك من المصالح .
ومثال الثاني : الزنا من أفظع المحرمات ، وكونه بحليلة الجار او بذي الرحم أو بمن تعظم حرمته يكون أشنع وأشنع ، والقتل من أكبر الكبائر ، وقتل الولد خشية أن يطعم معك فيه مفسدة الإساءة إلى من جبلت النفوس على محبته والدفع بكل ممكن ، وفيه سوء الظن برب العالمين .
ومن تأمل كثيراً من الطاعات والمعاصي رآها مشتملة على ما ذكرنا، فيتأكد فعل الطاعة المذكورة ، والحذر والتحذير من المعاصي التي فيها شيء متكرر . والله أعلم .

ـ على العبد أن يكون توكله واعتماده على الله ، وأن يقوم بالأسباب النافعة ولا يعتمد عليها ، ولكن الله إذا يسرها للعبد أو يسر ثمراتها ونتائجها فرح بها العبد واطمأن قلبه بها ، من غير اعتماد عليها ، بل استبشاراً بأنها من فضله وتيسيره ، ولهذا لما ذكر الله إمداد الملائكة للمسلمين في بدر ، قال : { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله } وقال : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وقال صلى الله عليه وسلم : { اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له ، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، واما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة } ولهذا كان التيسير لليسرى عنواناً وبشارة للمؤمن ، وقال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } فأمر بالفرح بفضله ورحمته اللذين هما السبب الأعظم لنيل الخيرات والنجاة من الشرور .

ـ العفو عن الناس إذا أساؤوا إليك كله محمود ، وخصوصاً من لهم حق متأكد من ولادة وقرابة وصداقة ونحوها ، وأخص من ذلك من كانت إساءتهم إليك صادرة عن مقصد حسن هو فيه غالط في أصله أو في مقداره ، وكان بعضهم يقول :( كل من أساء إليَّ بقول أو فعل أو اعتراض ، وقصده بذلك وجه الله ، أو من كان قصده مشوباً بعضه لله وبعضه تبع لغرض النفس ، فهو مني في حِلّ ، وقد سامحته لله الذي للمسيء إليَّ نوع احتساب ، وإن كان مخطئاً أو مزوراً عليه أو بانياً على قول الطائفة التي عرفت بالإعتراض عليّ ، فكل هذه الأقسام قد سامحته لله علمتُ بإساءته أو جهلتها ، وأما من ليس من المقاصد إلا الأغراض النفسية والعدوان المتمحض الذي يعلمه من نفسه ، فهذا لا أقابله بإساءته وأمره إلى الله )، ومن وصل إلى هذه الحالة فليحمد الله على هذه النعمة الكبرى ، وعلى راحة الضمير ، وعلى كثرة ما يجني عليه من الخير ، وعلى ما يرجى له من جزاء ربه له ومعاملته له ، وأنه يرجى أن يكمل الله له النواقص ويعفو عما مزج فيه العبد أغراضه وشهواته النفسية مع داعي الإخلاص ، ويستثنى من هذا الأصل العفو عن المجرم المفسد المتمرد الذي العفو عنه مما يزيد في عتوِّه وتمرده ، فالواجب في مثل هذا الردع والزجر بكل ممكن ، ولعل هذا يؤخذ من القيد الذي ذكره الله بقوله : { فمن عفا وأصلح } فشرط الله أن يكون العفو فيه صلاح ، فأما العفو الذي لا صلاح فيه بل فيه ضده فهو منهي عنه . والله اعلم .

ـ مما ينبغي لمن دعا ربه في حصول مطلوب أو دفع مرهوب ، ان لا يقتصر في قصده ونيته في حصول مطلوبه الذي دعا لأجله ، بل يقصد بدعائه التقرب إلى الله بالدعاء وعبادته التي هي أعلى الغايات ، فيكون على يقين من نفع دعائه ، وأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها ، فإنه يجذب القلب إلى الله ، وتلجئه حاجته للخضوع والتضرع لله الذي هو المقصود الأعظم في العبادة ، ومن كان هذا قصده في دعائه التقرب إلى الله بالدعاء وحصول مطلوبه فهو أكمل بكثير ممن لا يقصد إلا حصول مطلوبه فقط ، كحال أكثر الناس ، فإن هذا نقص وحرمان لهذا الفضل العظيم ، ولمثل هذا فليتنافس المتنافسون ، وهذا من ثمرات العلم النافع ، فإن الجهل منع الخلق الكثير من مقاصد جميلة ووسائل جميلة ، لو عرفوها لقصدوها ، ولو شعروا بها لتوسلوا إليها . والله الموفق .

ـ لذات الدنيا ثلاثة اقسام :
أحدها : لذة تعقب ألماً أعظم منا ، او تفوت لذة أكبر منها ، وهذه لذات العصاة الغافلين على اختلاف طبقاتهم ، وهم الذين يقال لهم : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها .. } .
الثانية : لذة لا تعقب ألماً أكبر منها ولا تفوت لذة أكبر منها ، وهي لذات الغافلين المباحة التي لا يستعينون بها على الخير ولا يرون القيام بالواجب .
الثالثة : لذة يثاب العبد عليها ، وهي لذة خواص المؤمنين الذي يتمتعون بها على وجه القيام بواجب النفس وعلى وجه الإستعانة بها لى طاعة الله ، وعلى وجه الإنكفاف بها عن معاصي الله .
وبهذه المقاصد الجليبلة تكون من قسم الطاعات ، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : { إن الله ليضى عن العبديأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها } وقال فيها : { وفي بضع احدكم صدقة ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام اكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر } فبيَّن في الحديث أن التمتع بهذه الشهوات على وجه الحمد لله والإعتراف بفضله وقصد الإنكفاف بها عن الحرام أجر وثواب عند الله ، فلله الحمد على منته .

مهذب
09-04-03, 09:00 PM
تعقبات مفيدة ونافعة.

خادمة القرآن
09-04-03, 10:21 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل المجدد ..........
والله لقد أفدتني أكثر مما تتصور بهذا النقل المتميز فجزاك الله خير الجزاء

أخي الفاضل مهذب : أحييك على توقيعك الاكثر من راااااااااائع
كم هو بليغ هذا الكلام ......... بارك الله في الجميع