المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح البلوغ



ابو بشائر
07-01-03, 01:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على اشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومنتبعهم باحسان الى يوم الدين فانني اضع بين ايديكم باذن الله شرح لكتاب بلوغ المرام للامام ابن حجر رحمه الله تعالى وهذا من شرح فضيلة الشيخ احمد بن محمد العتيق نصر الله به السنة وقمع به البدعه وقد يقول في البداية من هو الذي اكثرت من النقل عنه فاضع جملة تعريفة بين ايديكم عنه فهو من تلاميذ الشيخ ابن باز حقبة من الزمن ومن مشائخه ايظاً الشيخ صالح الفوزان وكذالك ابن جبرين وايظاً ابن غديان وغيرهم من كبار علماء هذه البلاد الطاهره ولكنه تاثر كثيراً بمنهج اهل الحديث وهم اهل الحق كما قال الامام احمد وغيره عندما سؤال عن الفرقة الناجية وهو الان من الدعاة الى السنة في مدينة حائل حرسها الله بالسنة ومن انشط دعاتها الى الله كما انه الخطيب في الجامع الكبير في مدينة حائل لا اريد ان اطيل فانني سوف اضع بين ايديكم بين فترة واخرى احاديث قد شرحها من كتاب بلوغ المرام لمن اراد الفائده والله يحفظ الجميع بحفظه ورعايته وفي البدايه اضع لكم المقدمه لكتاب الطهاره ومعه شرح اول حديث من كتاب الطهاره من بلوغ المرام

كتاب الطهارة
الكتاب مصدر ، يقال كتب كتاباً وكتابة ، وهو يدل على معنى الجمع ومنه الكتيبة ، ويطلق على مكتوب القلم لانضمام بعض الحروف والكلمات المكتوبة إلى بعض .
وجمعه كتب بضمتين وبضمة وسكون .
والطهارة : هي النظافة والنزاهه من الأقذار الحسية والمعنوية .
وفي الشرع : رفع الحدث وزوال الخبث . والحدث هو الوصف المانع من الصلاة وغيرها مما تجب له الطهارة . وقد يكون الحدث أصغراً وقد يكون أكبراً ورفعه يكون بالماء أو الصعيد الطيب عند فقد الماء . وأما الخبث فإنه النجاسة التي تصيب البدن أو البقعة أو الثوب أو الماء فيغيره هذا هو مراد المؤلف من ذكر الطهارة . وإلا فالطهارة في القرآن والسنة تأتي على ثلاثة معاني :
الأول : الطهارة من الكفر والمعاصي كما في قوله تعالى عن لوط عليه السلام وأتباعه : ( إنهم أناس يتطهرون ) وهذه هي طهارة الجوارح والقلب من الآثام والأخلاق المذمومة .
الثاني : الطهارة من الحدث كما في سورة المائدة في قوله تعالى : ( ولكن يريد ليطهركم .. ) .
الثالث : الطهارة من النجاسة الحسية كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( طهور إناء أحدكم ) . ويأتي الكلام عن هذا الحديث إن شاء الله .
باب المياه
المياه : جمع ماء وهو جنس يقع على القليل والكثير إلا أنه جُمع للدلالة على الأنواع .
والماء قسمان : طهور ونجس .
الطهور : هو الباقي على خلقته التي خلق عليها سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض وكذلك ماء البحر والأنهار والآبار والأودية . فهذا الماء يرفع الحدث ويزيل الخبث .
ولا يسلب الطهورية إلا بثلاثة أمور :
الأول : أن تلاقيه نجاسة فتغير أحد أوصافه الثلاثة : وهي الطعم والرائحة واللون ، وهذا يخلاف الماء الذي يجري أو الماء الكثير المستجر فإنه يدفع النجاسة عن نفسه .
الثاني : أن يلغ فيه كلب . وهو قليل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً ) وياتي تخرجه والكلام عنه . أما الماء الكثير والمستبحر فلا يؤثر فيه ولوغ الكلب الثالث : أن يخالطه شيء طاهر فينقله عن مسمّى الماء وذلك بأن يخالطه مرق أو لبن أو حبر فيغيره أو يغيّر كثيراً من لونه . أما إذا لم يتغير مسمّى الماء بسبب ملاقاة ذلك الطاهر أو كان مستعملاً فإنه طهور على الصحيح من أقوال أهل العلم . يرفع الحدث ويزيل الخبث . ويُذكر في كتب الفقه قسم ثالث ، وهو الماء الطاهر . إلا أن هذا القسم لا دليل عليه . وهو عندهم يجوز استعماله في غير رفع الحدث . وبسط الكلام عن ذلك وعن هذه الأقسام في كتب الفقه . إلا أني أنصح بقراءة كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الجزء الحادي والعشرين من الفتاوي ، عن هذه المسألة ففيه تأصيل طيب يغني طالب العلم ويعينه على تصور هذا الباب ويخلّصه من التفريعات التي لا دليل عليها . وكذلك ما ذكره الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه الشرح الممتع .
1ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر ب: هو الطهور ماؤه الحل ميته ) أخرجه الأربعة وابن شيبة واللفظ له وصححه ابن خزيمة والترمذي . الحدث صحيح .
ولفظه : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ به ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : .. فذكره
روى هذا الحديث مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي برده من بني عبد الدار أنه سمع أبا هريرة ورواه عن مالك أهل السنن ، وصححه البخاري والحاكم وابن المنذر والطحاوي والبغوي والخطابي وغيرهم .
وللحديث شواهد كثيرة : عن جابر عند أحمد وابن ماجه وعن ابن عباس عند الدار قطني والحاكم وعن ابن الفراسي عند ابن ماجه ، وعند الدرار قطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده . وعند الدار قطني والحاكم عن علي وعند الدار قطني عن أبي بكر وابن عمر . راجع التلخيص الحبير ومن أراد الإستيفاء في البحث فليرجع إلى البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير لابن الملقن .
أُخْتُلِفَ في اسم الرجل وقال الصنعاتي في السبل : في مسند أحمد ( من بني مدلج ) وعند الطبراني (أسمه عبد الله … ) هـ .
قوله هو الطهور : بالفتح أي الطاهر " وهو وصف ماء البحر . وأما بالضمة : فإنه الفعل .
قوله : الحل : أي الحلال كما في بعض ألفاظ الحديث ، والحلال ضد الحرام .
قوله : ميتة : الميتة هي ما مات حتف أنفه أو من غير ذكاة . والمراد ما مات في البحر مما لا يعيش إلا فيه لا ما مات فيه مطلقاً .
أورد المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذا الحديث لبيان طهورية ماء البحر .
في هذا الحديث فوائد منها :
ـ طهورية ماء البحر وأنه يرفع الحدث الأصغر والأكبر . وهذا ما عليه عامة أهل العلم .
" قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وقال عمر رضي الله عنه " و أي ماء أطهر من ماء البحر " روى هذين الأثرين ابن أبي شيبة وهما صحيحان وطهارة ماء البحر مروية عن جمع من الصحابة وروي عن ابن عمر وبن عمرو ما يدل على خلاف ذلك وروي ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : التيمم أحب إلى من الوضوء من ماء البحر " وروي أيضاً عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال " ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة ، إن تحت البحر ناراً ، ثم ماء ، ثم ناراً ، حتى عدَّ سبعة أبحر " . وقد روى أبو داود والبيهقي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : " لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله ، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً " لكنه ضعيف جداً فيه راويان مجهولان وهما بشر أبي
عبد الله وبشير بن مسلم . انظر السلسلة الضعيفة 1/478 .
وفيه من الفوائد أيضاً : حلُّ ميتة البحر . لكن هل المراد ميتة السمك أم العموم . فيه خلاف بين أهل العلم : فقالت الحنفية :يحرم كل ما سوى السمك ، وقال أحمد يؤكل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح ويبدو من استثناء الضفدع والتمساح هو أنهما برمائيان . وقال مالك يباح كل ما في البحر . وذهب جماعة إلى أن ماله نظير من البر فإنه يؤكل نظيره من حيوان البحر . ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر . والقول بحل كل ميتة البحر مما لا يعيش إلا فيه قول قوي لهذا الحديث إلا ما ثبت خبثه وضرره لقوله تعالى : " ويحرم عليهم الخبائث " ولا فوق بين ما أخذ من البحر أو كان طافياً أو ما قذفه البحر قال أبو بكر رضي الله عنه : " الطافي حلال " علقه البخاري وروي ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" لا بأس بما قذف البحر " وفي لفظ قال : " ما لفظ على ظهره ميتاً فهو طعامه " وروى نحوه عن ابن عباس والله أعلم .
ـ وفيه من الفوائد : أن السنة تخصص عموم القرآن لأن الله تعالى حرّم الميتة ، وهذا عام ، وورد في هذا الحديث ما يدل على تخصيص ميتة البحر .
ـ وفيه من الفوائد : استحباب الزيادة في الجواب على سؤال السائل إذا ظن المفتي أن السائل قد يجهل الحكم أو أنه قد يبتلي به .
ـ وقد يؤخذ من هذا الحديث عدم وجوب حمل الماء الكافي للطهارة مع القدرة على حمله .
ـ وفي الحديث حسن تعليمه صلى الله عليه وسلم وحسن إجابته على السؤال فإنه لم يجبه بقوله : نعم حتى لا يُظن أن الوضوء من ماء البحر خاص بالسائل وبمن كان على مثل حاله . ولكنه أجاب جواباً عاماً للسائل ولغيره .
2ـ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الماء طهور لا ينجسه شيء "
أخرجه الثلاثة وصححه أحمد الحديث صحيح
ـ مروي من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة ، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم … فذكره "
قال الترمذي رحمه الله : هذا حديث حسن ، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد . أنتهى وأبو أسامة هو حماد بن أسامة القرشي .
قال ابن الملقن في البدر المنير بعد تخريجه للحديث " وقال الإمام أحمد : هذا حديث صحيح نقله الحافظ جمال الدين المزي في تهذيبه وغيره عنه .
قال النووي في كلامه على سنن أبو داود : صححه يحيى بن معين والحاكم وآخرون من الأئمة الحفاظ انتهى وبحث الحديث مستوفي في البدر المنير لابن الملقن رحمه الله وقد صحح الحديث .
وقال الشيخ ناصر الألباني في الإرواء 1/14 : رجال اسناده ثقات رجال الشيخين غير عبيد الله بن عبد الله بن رافع وقال بعضهم عبد الرحمن بن رافع وهو وهم كما قال البخاري وعبيد الله هذا مجهول الحال لم يوثقه أحد غير ابن حبان وقد روى عنه جماعة وقال الحافظ مستور .
وللحديث شاهد عند الدار قطني عن سهل بن سعد . وله شاهد آخر عن أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس قال أبو داود بعد هذا الحديث : سمعت قتيبة بن سعيد قال : سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال : أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة . قلت فإذا نقص ؟ قال : دون العورة .
قال أبو داود بعد هذا الحديث : أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع ، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه ، هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه ، قال : لا ورأيت فيها ماء متغير اللون . انتهى .
وبئر بضاعة : قال صاحب عون المعبود : أهل اللغة يضمون ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم كذا في المفاتيح . وقال في البدر المنير بضاعة : قيل هو اسم لصاحب البئر وقيل اسم لموضعها …
والحيض : بكسر الحاء جمع حيضة وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض .
والنتن : هو الشيء الذي له رائة كريهة .
قال في عون المعبود : قال الإمام الحافظ الخطابي " قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة ( 1 ) ، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً ، وهذا مما لا يجوز أن يُظن بذمي بل بوثني فضلاً عن مسلم ، فلم يزل من عادة الناس قديماً وحديثاً مسلمهم وكافرهم ، تنزيه المياه وصونها من النجاسات فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين ، والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس ، أن يكون هذا صنعهم بالماء ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط في موارد الماء ومشارعه ، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصداً للأنجاس ومطرحاً للأقذار ، ولا يجوز فيهم مثل هذا الظن ولا يليق بهم ، وإنما كان ذلك من أجل أن هذا ( 2 ) البئر موضعها في حدور من الأرض ، وأن السيول كانت تكشح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها ، وكان لكثرته لا يؤثر فيه هذه الأشياء ولا تغيره ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها ليعلموا حكمها في النجاسة والطهارة . انتهى .
وأورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في باب المياه لبيان أن الأصل في الماء الطهارة فلا ينجسه شيء إلا بالتغير كما سيأتي .

ابو بشائر
07-10-03, 02:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد اسف على التاخر في اكمال الشرح لبعض الظروف واليكم جزاءً اخر من شرح الشيخ لكتاب الطهارة من بلوغ المرام



( 3 ) ـ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه " أخرجه ابن ماجة وضعفه أبو حاتم . حديث أبي أمامه رواه ابن ماجه رقم ( 521 )
( 4 ) ـ وللبيهقي : " الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه " . البيهقي ( 1 / 259 – 260 )
• هذا الحديث ضعيف الإسناد لأنه من رواية رشدين بن سعد ، حدثنا معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة به . ورشدين ضعيف ورواية البيهقي أيضاً ضعيفة في سندها بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن .
• والحديث أيضاً مروي عن ثوبان رضي الله عنه . قال بن الملقن في البدر المنير : رواه الدار قطني في سننه من حديث رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عنه . ورشدين هذا : هو ابن سعد ، ويقال : ابن رشدين وهو ضعيف : قال يحي ليس بشيء ، وقال عمرو بن علي وأبو زرعة والدار قطني : ضعيف .
وقال أبو حاتم منكر الحديث . وضعفه أحمد … وذكر كلاماً ثم ذكر حديث أبي امامة الذي رواه بن ماجه ( والبيهقي بسنديه ثم ذكر طريقاً مرسلة رواها الدار قطني في سننه من ) حديث الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه " رواه الطحاوي بزيادة أو لونه " قال الدار قطني : " هذا مرسل ، قال ووقفه أبو أسامة على راشد .
وقال ابن أبي حاتم في علله : سألت أبي عنه فقال : الصحيح أن هذا الحديث مرسل … إلى أن قال رحمه الله : قلت فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف لا يحل الاحتجاج به لأنه ما بين مرسل وضعيف . ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق المحدثين على تضعيفه ، وقد أشار إمامنا الأعظم . القائل هو ابن الملقن
( 1) أبو عبد الله محمد ابن ادريس الشافعي إلى ضعفه فقال : " وما قلت من انه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجساً يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه لا يُثبت أهلُ الحديث مِثلَه وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافاً . وتابعه على ذلك البيهقي في سننه : هذا حديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير خلافاً . وابن الجوزي فقال في تحقيقه ، هذا حديث لا يصح . فإذا علم ضعف الحديث تعيّن الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما من الأئمة .
قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس . ونقل الإجماع كذلك جمعُ غَيرُه . انتهى من كتاب البدر المنير لابن الملقن رحمه الله نقلناه بتصرف ومن أراد الإستزادة فليرجع للكتاب المذكور .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة مطلقاً سواء حصل التغير أو لم يحصل . بخلاف الكثير فإنه لا بد من تغير أحد أوصافه . والصواب والله أعلم أن العبرة بالتغير سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً . لعموم حديث أبي سعيد " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة تحدث فيه لدلالة الإجماع على معنى الزيادة الواردة في حديث أبي أمامة .
وأما إذا كان التغير بشيء طاهر كاللبن أو الصبغ أو الخل فإنه ينتقل إلى مسمى ذلك الطاهر .
وإذا لم يتغير فإنه أيضاً طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث وهذا هو اختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى والله أعلم .

( 5 ) ـ وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " وفي لفظ " لم ينجس " أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان الحديث صحيح . حديث ابن عمر رواه أبو داود رقم ( 63 ) والترمذي رقم ( 67 ) والنسائي ( 1/175 ) وابن ماجه رقم ( 517
قال ابن حجر في التلخيص : رواه الشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ولفظ أبي داود : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " ولفظ الحاكم فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء وفي رواية لأبي داود وبن ماجه " فأنه لا ينجس " قال الحاكم صحيح على شرطهما ، وقد احتجا بجميع رواته وقال ابن منده : إسناده على شرط مسلم ومداره على الوليد بن كثير ، فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر والجواب أن هذا ليس اضطراباً قادحاً فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظاً ، انتقال من ثقة إلى ثقة وعند التحقيق : الصواب أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر ، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر المصغر .
ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم . انتهى ملخصاً . ومن أراد الإستزادة في الكلام عن الحديث فليراجع البدر المنير لابن الملق والتلخيص .
قال ابن الملقن : وقال الخطابي : يكفي شاهداً على صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به واعتمدوه في تحديد الماء وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب " مما ذهب إليه : الشافعي أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن خزيمة وغيرهم .
وقال عبد الخالق : حديث صحيح . وقال النووي في كلامه على سنن أبي داود : هذا الحديث حسنه الحفاظ رحمهم الله وصححوه ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه . انتهى .
قوله قلتين : تثنيه قلة وهي الجرة الكبيرة من الفخار والقلتان خمسمائة رطل عراقي . وقيل تسع قربتين ونصفاً تقريباً .
قوله لم يحمل الخبث : أي لم يغلب عليه الخبث أي أنه يدفعها فتتلاشى فيه النجاسة .
أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب المياه لبيان التفريق بين الماء الكثير والماء القليل إذا لاقته النجاسة .
اختلف أهل العلم في حد الماء القليل فذهب الأحناف إلى أن الماء القليل هو الذي إذا حركت ناحية فيه تحركت الناحية الأخرى . وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الماء بلغ قلتين فإنه يدفع النجاسة عن نفسه ولا تؤثر فيه وهذا غالباً .
وهل ينجس بمجرد ملاقات النجاسة إذا كان دون القلتين ؟ في المسألة خلاف بين أهل العلم والصواب في هذا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير سواء كان قليلاً أو كثيراً . كما تقدم بيانه في الكلام عن حديث أبي السعيد لأن حديث أبي سعيد رضي الله عنه منطوق يدل على أن الأصل في الماء هو الطهورية وحديث ابن عمر مفهوم يدل على أن الماء الكثير في الغالب يدفع النجاسة عن نفسه ولو أخذنا بمنطوقه لقلنا إن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس مطلقاً حتى ولو تغيرت أحد أوصافه الثلاثة .
ثم إن هذا الحكم يسري على جميع المائعات وهو أنها لا تنجس إلا بتغير الأوصاف الثلاثة الطعم واللون والرائحة والله أعلم .
وقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قراراً بالمياه المتلوثة بالنجاسات إذا عولجت بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل التطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُري فيها تغير بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح . وأفتت الهيئة أنه يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك محافظة على النفس وتفادياً للضرر لا لنجاستها . واستحسن المجلس الإستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل احتياطاً للصحة وصدر من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قرار قريب من ذلك . راجع نص القرارين في توضيح الأحكام لابن بسام 1/132 .

( 6 )ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " أخرجه مسلم . حديث أبو هريرة : رواه مسلم رقم ( 97 ) ورقم ( 283 ) والبخاري رقم ( 239 ) وأبو داود رقم ( 70 )
وللبخاري : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يجري ثم يغتسل فيه "
ولمسلم منه " ولأبي داود : " ولا يغتسل فيه من الجنابة "
قوله : الدائم أي الراكد كما هو مفسر في الرواية الأخرى بقوله : " الذي لا يجري " .
في هذا الحديث فوائد :ـ
أولها : نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم . والمراد بذلك هو الانغماس فيه . لأن أبا السائب مولي هشام بن زهرة وهو راوي الحديث عن أبي هريرة ، قال لأبي هريرة : كيف يفعل ؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه : " يتناوله تناولاً " . فدل على أن المنهي عنه هو الإنغماس وأما تناول الماء والإغتراف فإنه جائز .
والنهي هنا يقتضي تحريم الإنعماس في الماء الراكد . وأما غير الراكد فإن الإنغماس فيه جائز .
ثانياً : تحريم البول في الماء الراكد ثم الاغتسال فيه من الجنابة ولا يعني الجمع بين الاغتسال والبول في الحديث هو إباحة كل واحد منها على حدة فإن رواية أبي داود تدل على تحريم كل واحد منها على الانفراد فحصل من جميع الروايات المنع مما يلي : ـ
1ـ إنغماس الجنب في الماء الراكد .
2ـ الجمع بين البول والاغتسال .
3ـ النهي عن كل واحد منهما على حدة .
4ـ ورد في مسند الإمام أحمد ما يدل على تحريم الجمع بين البول والوضوء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : " نهى أن يبال في الماء الدائم ثم يتوضأ منه "
ـ مسألة : ما حكم الماء بعد إنغماس الجنب فيه والبول فيه ؟
ـ الجواب : هو أن العبرة بالتغير فمتى تغيرت أحد الأوصاف الثلاثة وهي اللون والطعم والرائحة فقد فسد الماء وإلا فإنه باق على طهوريته .
ـ مسألة : هل يرتفع حدث الجنب إذا انغمس في الماء ؟
ـ الجواب : نعم يرتفع حدثه لكنه يأثم بانغماسه .
ثالثاً : حرص الشارع على مراعاة شعور الآخرين فإن انغماس الجنب أو البول فيه يؤثر في نفوس الناس ويجعلهم ينفرون منه ولو لم يتنجس .
* تنبيه : هذا النهي خاص في مياه البرك والخزانات أما الماء المستبحر الكثير فلا يتناوله النهي ـ وينبغي أن يُعلم بأنه لا يجوز أن يبول الرجل في مستحمه لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبولن أحدكم في مستحمه " وروى ابن أبي شيبة عن
عبد الله بن مغفل راوي الحديث أنه قال : " البول في المغتسل يكون منه الوسواس " .
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : " من بال في مغتسله لم يتطهر " أي والله أعلم لم يتيقن الطهارة لأنه يسبب الوسواس .

( 7 )ـ وعن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً " أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح . الحديث رواه أبو داود ( 81 ) والنسائي رقم ( 238 )
وهو كما قال الحافظ فإنه من طريق داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لفظ أبي داود .
وأما لفظ أحمد والنسائي أن حميداً قال : لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه ـ أربع سنين ـ قال نهى رسول صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة أو الرجل ليغترفا جميعاً " واختلف في حكم المبهم فقيل : عبد الله بن سرجس وقيل إنه الحكم بن عمرو الغفاري وقيل عبد الله بن مغفل المزني .
وأخطأ من قال بأن هذا الحديث في حكم المرسل . بل هو موصول وجهالة الصحابي لا تضر لعدالة الصحابة كلهم .
وللحديث شاهد عند بن ماجه والدار قطني عن عبد الله بن سرجس .
قوله : نهى : النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء . والأصل أن النهى للتحريم ما لم يصرفه صارف
قوله : بفضل : أي ما بقي بعد الاغتسال .
قوله وليغترفا : الإعتراف هو تناول الماء بيد واحدة أو بكلتا اليدين .
" وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرجال والنساء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأون جميعاً " . يعني الرجل مع زوجته وغيرها من محارمه . وثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها . قالت : " كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه " زاد مسلم " من الجنابة " .
واختلف أهل العلم في هذه المسألة : فذهب بعضهم إلى تحريم اغتسال الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل لعموم الحديث .
وذهب جماعة إلى تحريمه في حق الرجل فقط لحديث الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة " . وذهب بعضهم إلى تحريم ذلك على الرجل إذا خلت به المرأة .
وذهب جماعة إلى المنع إذا كانت المرأة حائضاً والصواب في هذا بأن يقال الأفضل أن يغترفا جميعاً ويجوز لأحدهما أن يغتسل أو يتوضأ بفضل الآخر لحديث بن عباس الآتي وغيره من الأحاديث كما سيأتي ، وأما النهي المذكور في الحديث فإنه للتنزيه . والله أعلم .

( 8 ) ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها " أخرجه مسلم . حديث ابن عباس رواه مسلم رقم ( 48 ) ورقم ( 323 )
( 9 ) ـ ولأصحاب السنن : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فجاء ليغتسل منها فقالت له : إني كنت جنباً فقال : إن الماء لا يجنب " وصححه الترمذي وابن خزيمة . الحديث رواه أبو داود ( 68 ) والنسائي رقم ( 325 ) والترمذي رقم ( 65 ) وابن ماجه رقم ( 370 )
والصواب رواه أهل السنن إلا النسائي من طريق أبي الأحوص عن سماك بن حرب عكرمة عن ابن عباس ، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة ـ إلا من سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان وقد خرجه البزار من حديث شعبة والثوري عن سماك . وعلى هذا فإسناد الحديث صحيح .
قوله : جفنة : هو إسم لإناء كبير يتخذ غالباً من الخشب . قوله : لا يجنب : أي لا تصيبه الجنابة .
يستفاند من هذين الحديثين جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة حتى ولو كانت جنباً ويجوز للمرأة كذلك من باب أولى .
وروى أن ابن أبي شيبة عن عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص قالت : كان سعد رضي الله عنه يأمر جاريته فتناوله الطهور فتغمس يدها فيها ، فيقال إنها حائض فيقول إن حيضتها ليست في يدها .

( 10 ) ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات ، أولهن بالتراب ) أخرجه مسلم : 279 وفي لفظ له : ( فليرقه ) 279وللترمذي : ( أخراهن أو أولاهن ) 91.
وروى هذا الحديث البخاري رحمه الله دون ذكر التراب . ورواية الترمذي وردت هكذا بالشك من طريق المعتمر بن سليمان قال سمعت أبا أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ……
ولكن رواه جمع عن أيوب بلفظ أولاهن منهم سعيد بن أبي عروبة عند أحمد ، ومعمر بن راشد عند عبد الرزاق . وتابع أيوب على ذكر أولاهن هشام بن حسان كما في رواية مسلم والأوزاعي عند الدار قطني .
وفي رواية الترمذي زياندة : ( وإذا ولغ الهر غسل مرة ) وهذه الزيادة قال عنها الترمذي : وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة انتهى . وأشار أبو داود رحمه الله في سننه إلى وقفه قال في عون المعبود : وقال المنذري : وقال البيهقي : أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووهموا فيه والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع وفي ولوغ الهر موقوف انتهى .
وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الكلاب ، ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم ، وقال : ( إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب )
وروى الدار قطني عن علي قوله إحداهن بالتراب وهو ضعيف فيه الجارود بن يزيد أبو علي العامري متروك .
والحاصل من مجموع هذه الروايات أن الإناء يُغسل سبع مرات أولاهن بالتراب كما في رواية مسلم وأما رواية الترمذي فقد تبين من المتابعات أنها " اولاهن " وأما رواية الدار قطني فإنها ضعيفة وعلى فرض صحتها فإنها مطلقة ترد إلى المقيدة وهي أولاهن ، وأما حديث عبد الله بن مغفل فقد ورد فيه ذكر غسلة ثامنة قال في عون المعبود : ( والحديث فيه حكم غسلة ثامنة . وأن غسله بالتراب غير الغسلات السبع بالماء ، وبه قال الحسن البصري وأفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره وروي عن مالك أيضاً قال ابن دقيق العيد : قوله : عفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة لكن وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية ، ويكون إطلاق الغسلة على التراب مجازاً (تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث أول من تكلم به المعتزلة والجهمية . وأما أهل اللغة وأئمة النحاة كالخليل وسيبويه والكسائي وغيرهم فلم يقسموا هذا التقسيم وعلى هذا فلا يجوز القول بالمجاز لا في القرآن ولا السنة ولا لغة العرب .) ، وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث عبد الله بن مغفل والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس والزيادة من الثقة مقبولة ، ولو سُلك الترجيح في هذا الباب لما نقل بالتتريب أصلاً لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته ، ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثقة ) انتهى قوله : طُهور : الضم : أي الفعل وهو المصدر .
قوله : ولغ : قال الشوكاني : قال في الفتح يُقال ولغ بالفتح فيهما إذا شرب بطرف لسانه فيه فحركه ، قال ثعلب : هو أن يُدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه .
قوله : فليرقه : فليصبه على الأرض . لأنه تنجس .
أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث لبيان حكم الماء بعد ولوغ الكلب فيه .
في هذا الحديث فوائد :
أولها :
1ـ نجاسة سؤر الكلب ، وأنها نجاسة مغلظة لا تزول إلا بالكيفية المذكورة في الحديث .
2ـ وذهب بعض أهل العلم إلى عدم نجاسة سؤر الكلب وروأوا أن الأمر بالغسل تعبدي لا للنجاسة .
3ـ وذهب بعض أهل العلم إلى نجاسة بدن الكلب مطلقاً الفم والبدن وجميع الأعضاء .
4ـ وذهب بعض أهل العلم إلى أن النجاسة خاصة بلعابه فقط ، وأما سائر بدنه فإنه يبقى على الأصل وهو الطهارة ، ولو كان بدنه نجساً لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما وأن الناس يبتلون بالكلاب ويستخومونها للصيد والماشية الزرع ، ( وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك ) كما ذكر ذلك ابن عمر رضي الله عنهما . والأثر رواه أبو داود وعلقة البخاري دون ذكر البول . بل لو قيل بأن النجاسة هي المادة التي يفرزها الكلب حال ولوغه لكان متوجهاً ، لأن الكلب كان يُرسل للصيد فيعض المصيد ومع هذا لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أمروا بغسل مكان عضة الكلب . والله أعلم .
ثانياً : وجوب إراقة الماء بعد ولوغ الكلب فيه .
ثالثاً : أن ولوغ الكلب يؤثر في الأواني الصغيرة التي تستعمل للوضوء أو الشرب أو الطبخ لقوله :
( طهور إناء أحدكم ) أما الماء الكثير الذي يرفع النجاسة عن نفسه فلا يدخل في الحكم وضابط الماء الكثير ما بلغ القلتين .
رابعاً : يؤخذ من قوله : " فليرقه " عدم جواز الوضوء منه حتى ولو لم يوجد غيره . لأنه تنجس والنجس لا يرفع الحدث .
خامساً : وجوب غسل الإناء سبع مرات أولاهن بالتراب .
1ـ وهذا ما عليه أكثر أهل العلم وإليه ذهب الشافعي وأحمد .
2ـ وذهب بعض أهل العلم إلى الإكتفاء بالغسلات السبع وأما استعمال التراب فليس بواجب اعتماداً على الرواية التي اتفق عليها الشيخان فإنه لم يرد فيها ذكر التتريب لاضطرابها . وقد تبين أنها زيادة ذكر التراب صحيحة رواه جماعة من الثقات .
3ـ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الغسلات السبع مستحبة من باب كمال النظافة وإلا فالنجاسة متى زالت حكمها وهذا القول مردود بالنص . فإنه ظاهره أن الإناء لا يطهر إلا بالكيفية المذكورة لأنه قال : ( طهور إناء أحدكم ) .
4ـ ومنهم من قال يُغسل ثلاث مرات وهذا منقول عن أبي هريرة رضي الله عنه . رواه الدار قطني وهو راوي الحديث . والصواب هو القول الأول . والله أعلم .
وهل يلحق الخنزير بالكلب لغلظ نجاسته ؟ قد ذهب إلى هذا القول بعض أهل العلم والصواب أنه لا يلحق به اقتصاراً على مورد النص .
سادساً : تعيّن التراب في الغسل . فلا يجوز استعمال غيره من المطهرات كالصابون وغيره . إلا عند فقد التراب فإنه لا بأس بأن يستعمل غيره من المطهرات والمزيلات لقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) . وأما مع وجود التراب فلا لأن غير التراب من المطهرات كان موجوداً في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يرد ذكره أو الأمر باستعماله في التطهير .

مســك
07-10-03, 07:11 PM
زادك الله علماً وفضلاً ورفع الله قدرك .

ابو بشائر
07-12-03, 01:41 PM
(11) ـ وعن أبي قتادة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة : ( إنها ليست بنجس ، إنما هي من الطوافين عليكم ) أخرجه الأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة رواه أبو داود ( 75 ) ، والنسائي : ( 1/55 ، 178 ) والترمذي ( 92) وابن ماجه ( 367 ) وابن حزيمة ( 104 )الحديث صحيح .
عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حُمَيدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضواءاً فجاءت هرة فشربت منه فأصفى لها الإناء حتى شربت . قالت كبشة : فرآني أنظر إليه فقال : أتعجبين يا ابنة أخي ؟ فقلت : نعم فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات ) .
قال ابن الملقن رحمه الله : ( هذا الحديث صحيح مشهور رواه الأئمة الأعلام حفاظ الإسلام : مالك في الموطأ ، والشافعي ، وأحمد ، والدارمي ، في مسانيدهم ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما ، والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين ، والبيهقي في السنن والمعرفة من رواية أبي قتادة رضي الله عنه . ) وقال أيضاً : ( قال الترمذي : حديث حسن وصحيح وأنه أحسن شيء في هذا الباب ، وأن مالكاً جوّد إسناده عن إسحاق بن عبد الله ، وأن أحداً لم يأت بأتم منه ) . انتهى .
وقد أعله ابن منده بأن حميدة الراوية عن كبشة مجهولة وأنها لا تعرف لها رواية إلا في هذا الحديث . وتعقبه ابن الملقن فقال : ( أما قوله : إن حميدة لا تُعرف لها رواية إلا في هذا الحديث فخطأ ، فلها ثلاثة أحاديث ، أحدها : هذا وثانيها : حديث تشميت العاطس أخرجه أبو داود . ثم قال وثالثها : حديث رهان الخيل رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة ……… إلى أن قال : وأما قوله : إن محلها الجهالة :فخطأ ، أما حميدة فقد روى عنها إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، راوي حديث الهرة ، وابنة يحيى في حديث الترمذي أن الراوي عنها : ابنها عمر بن إسحاق . فإن لم يكن غلط فهو ثالث وهو أخو يحيى وذكرها ابن حبان في ثقاته . فقد زالت عنها الجهالة العينية والحالية
وأما كبشة فلم أعلم روى عنها غير حميدة لكن ذكرها ابن حبان في الثقات ، وقد قال ابن القطان : ( أن الراوي إذا وثق زالت جهالته وإن لم يرو عنه إلا واحد ) انتهى .
وقال الحافظ في التلخيص : ( وأما كبشة : فقيل أنها صحابية ، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها ) والله أعلم .
وقد رود عند مالك قوله : ( إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات ) . وهذا والله أعلم ليس شكاً منالراوي ، وإنما أراد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من حملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات .
ولهذا الحديث شواهد لا تخلو من ضعف :
1ـ عن جابر بلفظ : ( كان يضغي للهرة الإناء ) رواه ابن شاهين في تاريخه وفيه ابن إسحاق روى الحديث بالعنعنة عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف .
2ـ عن داود بن صالح الثمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهدية إلى عائشة رضي الله عنها فوجدتها تصلى . فإشارات إلي : أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها ، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة ، فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها ) . رواه داود وأم داود مجهولة .
3ـ عن عائشة أيضاً قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بالهرة فيضغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها ) . رواه الدار قطني وفي سننه ، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري ضفيف . وله طريق أخرى عن الدار قطني وفي إسنادها محمد بن عمر الواقدي ، وللإستزادة : راجع البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير ( 2/30 ) .
قال في عون المعبود :
الهر الذكر وجمعه : هررة مثل قرد قردة ، والأنثى : هرة مثل سدرة . قال الأزهري . وقال ابن الأنباري : الهر يقع على الذكر والأنثى ، وقد يدخلون الهاء في المؤنث ، وتصغيرها هريرة . كذا في المصباح . ب . هـ .
نجس : بفتح الجيم وصف بالمصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث . والنجس النجاسة والتقدير أنها ليست بذات نجس .
الطوافين : جمع طواف وهو من يكثر الطواف والجولان وهو الخادم .
أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب المياه بيان طهارة الهرة وعدم نجاسة ما لا مسته أو ولغت فيه .
وفي هذا الحديث فوائد :
أولها : أن الهرة ليست بنجس وأن سؤرها طاهر . وهذا مروي عن جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة منهم ابن عباس وأبو أمامة وعلى بن أبي طالب إلا أبا هريرة فإنه روى عنه مرة أنه لا يرى بها بأساً وربما كفى لها الإناء وقال : إنما هو من أهل البيت . ومرة سئل عن الهر يلغ في الإناء ؟ فقال أغسله مرة ثم أهرقه .
والعمدة في هذا على حديث الباب والشواهد المتقدمة . والحكم بطهارة الهرة يعم جميع بدنها على الصحيح .
ثانياً : ( أن على الحكم بعدم نجاسة الهرة هي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيه بحيث يصعب صون الأواني عنها ، والمعنى أنها تطوف عليكم في منازكم ومساكنكم فتمسحونها بأبدانكم وثيابكم ولو كانت نجسة لأمرتكم بالمجانبة عنها عون المعبود 1/980.
ثالثاً : في الحديث التنبيه على الرفق بها واحتساب الأجر في مواساتها المصدر السابق.
رابعاً : أن المشقة تجلب التيسير . وهذا أصل عظيم جميع رخص الشريعة متفرعة عنه .
خامساً : أن ما شابه الهرة من الحيوانات الأليفة الطوافة التي تدعو الحاجة إلى استعمالها فإنها طاهرة . وكذلك الحيوانات التي يشق التحرز منها كالفأرة .
واختلف أهل العلم في أثار السباع هل هي طاهرة أم نجسة والذي عليه الجمهور أنها نجسة . وقد يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنها ليست بنجس ) أن ما عداها يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع أن السباع نجسة .
وأما الحديث الذي رواه الدار قطني والبيهقي عن جابر أنه قيل : ( يا رسول الله انتوضأ بما أفضلت الحمر ؟ قال نعم وبما أفضلت السباع كلها ) قال بن الملقن في إسناده من تُكُلم فيهم ي:] وذكرهم : وهم : إبراهيم بن أبي يحيى ضعفه الجمهور ب. وسعيد بن سالم الَقَدَّاح أدخله البخاري في كتاب الضعفاء . وإبراهيم بن سالم بن أبي حبيبة قال البخاري عنده مناكير وضعفه النسائي . راجع البدر المنير لابن الملقن وأما ما ورد عن عمر رضي الله عنه : ( أنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً فقال عمرو أيا صاحب الحوض هل ترد على حوضك السباع ؟ فقال عمر رضي الله عنها : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا ) فلا يدل على طهاة آثار السباع لأن عمر رضي الله عنه بنى على الأصل وهو أن الماء طهور فهو نظير سؤال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة . والآثر رواه مالك في الموطأ .





(12) ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه ) متفق عليه البخاري : ( 219 ) ، ومسلم ( 284 )
زاد مسلم : ( ……… ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاة فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن …… ) ورواه البخاري عن أبي هريرة وزاد : ( فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) .
قوله جاء أعرابي : قال في الفتح الأعرابي واحد الأعراب وهم من سكن البادية وهم من سكن البادية .
قوله في طائفة المسجد : أي ناحيته ، والطائفة القطعة من الشيء .
قوله ذنوباً من ماء : قال الخليل : الدلو ملأى ماء . وقال ابن فارس : الدلو العظيمة . وقال ابن السكيت : فيها ماء قريب من الملأ ، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب .
قوله فأهريق عليه : أي صُب عليه .
يستفاد من هذا الحديث :
أولاً : نجاسة بول الآدمي ، ويأتي حديث يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلال فيما بعد إن شاء الله .
ثانياً : وجوب إزالة النجاسة عن المسجد لأنه المكان الذي يُصلَّى فيه وهكذا البقعة التي يجلس فيها الإنسان لا بد من تطهيرها ، وكذلك البدن والثوب كما سيأتي في بابه إن شاء الله .
وهل يشترط الماء لإزالة النجاسة ؟ في المسألة خلاف بين أهل العلم :
1ـ فذهب جماعة إلى هذا القول مستدلين بهذا الحديث وحديث تطهير الإناء بعد ولوغ الكلب وغيرهما من الأحاديث .
2ـ وذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الماء لإزالة النجاسة ، بل متى زالت ، زال حكمها بالماء أو غيره من المطهرات وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وعلى هذا أدلة :
أ ـ منها أحاديث الاستجمار فإنها تدل على أن النجاسة تزول بغير الماء .
ب ـ ومنها ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاء أحدكم المسجد ، فلينظر ، فإن رأى في نعليه أذى أو قذراً فليمسحه ، وليصل فيهما ) وهذا هو القول الصواب إن شاء الله إلا إذا كانت النجاسة لا تزول إلا بالماء . أو ورد في إزالتها كيفية معينة كما في حديث تطهير الإناء من ولوغ الكلب وكذلك ما ورد في حديث أسماء في غسل الثوب من دم الحيض قال : ( تحثه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه ) .
ثالثاُ : حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وحسن تعليمه فإنه علَّم الأعرابي برفق ولين ، وإن كان المعلم قد يلجأ إلى الشدة في بعض الأحيان إذا كان الحال تقتضي ذلك ولكن الأصل هو الرفق واللين .
رابعاً : وحوب إنكار المنكر ، لأن النبي صلى عليه وسلم أنكر على الأعرابي ولكن بالطريقة الشرعية .
خامساً : وجوب منع من ينكر المنكر بالطريقة المخالفة ولا يعد ذلك من تهوين شأن المنكرات لأن الله قال : ( قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة ) أي على علم .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : عند ذكره خصائص أهل السنة في العقيدة الواسطية :
( ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة ) أي على المنهج العلمي الشرعي لا العاطفي والحماسي غير المنضبط .
سادساً : أن البعد عن الناس والمدن يسبب الجهل والجفاء وقد روى أبو داود عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من بدا جفا )
سابعاً : ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أشدهما ضرراً فإن بول الأعرابي في المسجد مفسد وتركه أيضاً مفسدة . ولكن لما كان نهيه حال البول يسبب مفاسد كثيرة منها :
1ـ تنفيره عن الإسلام .
2ـ إلحاق الضرر به لأنه سوف يضطر إلى قطع بوله وفي هذا ضرر عليه .
3ـ أنه قد يقوم من مكانه ويلوث مواضع أُخر في المسجد فتركه النبي صلى الله عليه وسلم يبول من أجل درء هذه المفاسد .
ومن المعلوم أن إنكار المنكر إذا كان يسبب منكراً أشد منه فإنه يحرم .
ثامناً : أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها . والأحاديث الواردة في الحفر ضعيفة






(13) ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان : فالجراد والحوت ، وأما الدمان : فالطحال والكبد ) أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف رواه أحمد ( 2/97 ) ، ابن ماجه ( 3314
قال ابن الملقن في البدر المنير :
هذا الحديث رواه الأئمة الشافعي وأحمد في مسنديهما ، وابن ماجه والدار قطني والبيهقي في سننهم من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً .
وقال الدار قطني ، والبيهقي : رواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ……… ) قالا : وهو الأصح . يعني أن القائل : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ) هو ابن عمر لأن الرواية الأولى ـ وهي رواية المرفوع ـ ضعيفة جداً لأجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فإنه ضعيف باتفاق الحفاظ . ضعفه الإمام أحمد وابن المديني حتى قال : ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة . وأبو داود وأبو زرعة ، وأبو حاتم الرازي والنسائي والدار قطني وقال يحيى بن معين : بنوا زيد بن أسلم ليسوا بشيء ……… ) انتهى .
وعلى هذا فالمرفوع ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والمرقوف صحيح وله حكم الرفع لأن قول الصحابي أحل لنا كذا وحرم علينا كذا مثل قول أمرنا ونهينا فيتم الاحتجاج .
قوله ميتتان : مفردها ميتة وهي التي ماتت أنفها .
قوله الجراد : اسم جنس يشمل الذكر والأنثى وهو من فضائل الحشرات .
قوله الحوت : جمعه حيتان وهو السمك عموماً .
يستفاد من هذا الحديث :
أولاً : تحريم الدم . وهذا مأخوذ من قوله : أحلت لنا قال تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) وعلى هذا فلا يجوز أكله ولا شربه ويتفرع عن هذا الحكم تحريم التداوي به . إلا ما ذكر في هذا الحديث .
ثانياً : تحريم الميتة لقوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة ) إلا ما ورد في هذا الحديث من استثناء ميتة الجراد والحوت ومعنى ذلك أن تموت بغير صنع الآدمي .
ثالثاً : محل هذا الحديث كتاب الأطعمة ولكن أورده المؤلف من أجل بيان أن السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس قليلاً كان الماء أو كثيراً بل وحتى الكبد والطحال إذا وقعتا في الماء فإنه طهور إلا إذا انتقل من مسمى الماء .
(14) ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وقع الذاب ي شراب أحدكم فليغمسه ، ثم لينزعه ، فإن في أحد جناحيه داء ، وفي الآخر شفاء) البخاري ( 3320 ) ، أبو داود ( 3844 ) أخرجه البخاري ، وأبو داود وزاد : ( وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ) .
وروى الحديث ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري . والطبراني عن أنس .
قوله الذباب : قال في الفتح : الذباب واحد والجمع ذباب كغربان وقيل سُمِّى ذباباً لكثرة حركته واضطرابه وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعاً : ( عمر الذباب أبعون ليلة ، والذباب كله في النار إلا النحل ) وسنده لا بأس به .
قوله فليغمسه : أي يغيبه كله .
قوله لينزعه : أي يجذبه . وفي الرواية الأخرى للبخاري ثم ليطرحه .
قوله داء : أي مرض .
قوله شفاء : هو البرء من الداء .
وقوله يتقي بجناحه الذي فيه الداء : أي يرفع الجناح الذي فيه الشفاء ويقدم الجناح الذي فيه الداء عند سقوطه .
وفي هذا الحديث فوائد :
أولها : طهارة الذباب في حال حياته ومماته وكذلك كل ما شابهه في الخلقة أو قاربه مما يشق التحرز من وقوعها كالبعوض والفراش . وذهب بعض أهل العلم إلى أن الذباب ينجس بالموت مستدلين بقوله ثم لينزعه . وفي هذا نظر لأن الأمر بغمسه ونزعه هو من أجل مقابلة الداء والدواء ثم لو كان نجساً لبين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أو أمر بإراقة الشراب أو بإلقاء الذبابة وما حولها .
ذهب بعض أهل العلم إلى طهارة كل ما ليس له نفس سائلة أي : دم يسيل لحديث سلمان مرفوعاً : ( يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه ) . رواه الدار قطني والبيهقي لكنه ضعيف في إسناده بقية بن الوليد مدلس وقد عنف وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف .
فالحديث ضعيف إلا أن هذا القول صحيح . لحديث الباب والذي قبله لمن حل ميتة الجراد .
ثانياً : مشروعية غمس الذباب إذا وقع في الشراب ثم نزعه .
ثالثاً : أن الشراب بعد غمس الذباب صالح للشرب والإستعمال وقد طعن بعض الزنادقة في هذا الحديث كالترابي وأبي ريَّة أما أبو رية فقد رد عليه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله في كتابه الأنوار الكاشفة وأما الترابي فقد رد عليه الأمين الحاج محمد أحمد في كتابه مناقشة هادئة لبعض أفكار الترابي .
15ـ وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له أبو داود : ( 2858 ) ، الترمذي : ( 1480 )
هذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد . وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار متكلم فيه وقال عنه الحافظ في التقريب صدوق يخطئ من السابعة . وقد أخرج له البخاري وروى هذا الحديث ابن ماجه عن ابن عمر وتميم الداري أما حديث ابن عمر ففي إسناده هشام بن سعد قال عنه الحافظ : صدوق ربما وهم . وأما حديث تميم الداري ففي إسناده أبو بكر الهندلي واسمه سُلمى ـ بالضم ـ قال ابن الملقن : قال غندر كذاب . وقال يحيى : ليس بشيء وقال علي : ضعيف ليس بشيء . وقال النسائي وعلي بن الجنيد : متروك الحديث . وقال الدار قطني : منكر ومتروك انتهى .
وفيه أيضاً شهر بن حوشب متكلم فيه وقال عنه الحافظ : صدوق كثير الإرسال والأوهام وروى الحديث أيضاً الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد وفيه ضعف أيضاً وعلى كل حال فالحديث صحيح إن شاء الله فإن إسناد حديث الباب لا بأس به . ويتقوى بالشواهد المذكورة .
وللحديث مناسبة وهو أن النبي صلاة الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ) .
قوله ما قُطع : فعل مبني للمجهول . أي ما أزيل أو فُصل بآله حادة كالسكينة ونحوها .
قوله بهيمة : المراد بذلك بهيمة الأنعام وجميع ما يؤكل لحمه أما ما لا يؤكل لحمه فإنه محرم سوى قُطع منه وهو حي أو حصل ذلك بعد الزكاة .
في هذا الحديث فوائد :
أولاها : تحريم قطع شيء من البهيمة حال الحياة لما في ذلك من التعذيب لها ولأنه لا يُستفاد منه لأنه ميت . ويستثنى من ذلك ما كانت حياته حياة نباتية ، فإن إزالته لا يضرها ولا ينجس بالموت قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى(2) : ( والحياة نوعان ، حياة الحيوان وحياة النبات . فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والإغتذاء . وقوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة ) إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية ، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين ، وقد قال تعالى : ( والله أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها ) .
وقال : ( اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها ) فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين ، وإنما الميتة المحرمة : ما فارقها الحس والحركة الإرادية . وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات لا من جنس حياة الحيوان ، فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه . وأيضاً فلو كان الشعر جزاءاً من الحيوان لما ابيح أخذه حال الحياة ) انتهى . ورجح رحمه الله تعالى طهارة عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس ذلك كالحافر الفتاوى ( 21/97 ـ 98 ).
ثانياً : تحريم أكل ما قُطع من البهيمة وهي حية ، حتى ولو ذكر اسم الله عند قطعه .
ثالثاً : نجاسة ما قُطع من البهيمة وهي حية لأنه ميت ، والميتة نجسة .
وهذا هو سبب إيراد الحديث في باب المياه ، وذلك لبيان ان ما وقع من ذلك في الماء فإنه قد يؤثر فيه ويسلبه الطهورية .
ويستثنى من ذلك فإرة المسك التي تُقطع وتبان من الغزال وهي باقية حية فهي طاهرة لأنها لا يؤخذ إلا بهذه الطريقة فهي بمنزلة البيض والولد والشعر ونحوها .


انتهى باب المياه وسياتي ان شاء الله باب الانية

البتار النجدي
07-12-03, 07:38 PM
بارك الله فيك اخي الحبيب ابو بشائر ونسال الله الا يحرمك الاجر ونحن في انتظار المزيد



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم البتار النجدي
أبو محمد