المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ***أصحاب الأخدود***



النجدي1423
06-12-03, 11:56 PM
أكان الغلام مضطراً لسكب الدماء!!







الناس حينما تبتلعهم مشاغلهم اليومية..

ويغرقون في مستنقعاتها الآسنة..

لا يعودون في استعداد للنظر بروية وفكر..

في صحّة الأفكار والدعوات التي تُعرض لهم.. وتخضع لها حياتهم..

إنهم منشغلون.. على الدوام.. خلف ما يمكن أن تلمسه أيديهم..

خلف ما يصلح للامتلاك والادّخار..

والمعاني لا تُلمس.. لذا فليست شيئًا ثمينًا لديهم.. يستحق عناء السعي خلفه.. والرباط عنده..

لن يستمعوا لأيّ هاتف فيهم حينها.. إلاّ إذا رأوه قويًا.. ويتحدّث من موقع لا يصله في العادة إلاّ الأقويـاء..

والتضحيات علامة على القوة.. والغلبة..

والمغلوب مولع باتباع الغالب.. فللتضحيات وقعها..

وسحرها الذي لا يُقاوم.. وتطلّع إلى أصحابها.. وروّادها..



كان القوم أهل كفر.. يعبدون غير الله.. ملكًا جبارًا.. زادهم غرقًا وانقيادًا لعالم المادة..

وفي مثل هذه الظروف العصيبة.. وهذا الظلام الدامس.. يأبى الله العزيز الحكيم.. إلاّ أن تبقى قلّة من الناس.. يرفضون الانسياق.. ويتواصون بالحق الذي بين أيديهم..

وكان من عناية الله بالفتى.. أن عثر على أحدهم.. وعنه تعلّم الدين الحق.. وتجنّد لحمل أعباء الإيمان به.. في زاوية متطرّفة.. بعيدًا عن أعين الناس..

كان واضحًا من الأحداث التي أخذت تتوالى.. وتزداد فصولها ضراوة في كل لحظة.. أن هذا الفتى ينظر إلى بعيد.. إلى أبعد ممّا يمكن لأيّ منا أن يفكّر فيه.. وهو في تلك الظروف العصيبة..

والناس.. لا يزالون في غيّهم يعمهون.. لا يدرون بأن حياتهم ستعود لهم على يد فتى لا يُؤبه له.. ولا يُلتفتُ إليه.. يُدَبّر أمرًا ما سمعوا بمثله.. ولن يسمعوا..

حتى جُمعوا في صعيد واحد.. بأمر الملك.. ليشهدوا قتل غلام !!..

مقيّدًا كان.. والملك يرميه سهمًا.. تلو سهم.. دون أن يصيبه !!..
فقدَ الملك توازنه.. وبدا وكأن الناس لا يقوون على تصديق أن إلههم عاجز عن قتل غلام !.. وبأسباب هي في متناول أبسطهم مقدرة وأقلّهم مكانة !..

الذي كان يحدث حينها بالتحديد.. هو أن عقيدة مغايرة لتلك الشائعة بين القوم.. وجدت في عالم الأسباب الذي لا يؤمن القوم إلاّ به ما تَسَخّرَ لها وطاوعها واستعصى على إرادة الملك ورغبته..

وفي قمّة انفعال الملك.. واضطرابه.. أدرك الغلام أن الفرصة حانت لجعل المكر يحيق بأهله.. فنادى في الملك على مسامع الجميـع.. أنك لن تقتلني إلاّ باسم ربّي..

ولم يتأخّر رأس الكفر.. وأطلق سهمه.. وقتل الغلام.. غير أن الناس سمعوا كلامًا عن ربّ الغلام !.. الذي لولاه لما استطاع الملك إلههم أن يتخلص من.. غلام..!!

فاستفاقوا على حقيقة كبيرة.. هزتهم من أعماقهم.. "هنالك رب أقوى من الملك".. هذا يعني أنه أولى بالعبادة والرضوخ له.. وأنهم ليسوا مرغمين على بذل الخنوع والذل الذي يقتات عليه ملكهم منذ أن استخف عقولهم.. ومرّغ كرامتهم في التراب..

وهنا نتساءل..
هل اكتشافهم للحقيقة هو ما جعلهم يؤمنون بها كل ذاك الإيمان الجارف.. ويستمسكون بها كل ذاك الاستمساك الشديد !!..

أيُعقل أن تكون ألسنة نيران الأخدود الملتهبة أحبّ إلى قلوبهم.. وأرضى إلى أنفسهم.. من العودة إلى الكفر.. لأنهم فقط اكتشفوا الحقيقة !!..

فمن أين جاءتهم إذن هذه الحمية للحق.. وأين عثروا على هذه الجاهزية للفناء في سبيل فكرة ءامنوا بها للتو !!..

لكن..
هؤلاء القوم..
لم يتلقّوا الحقيقة في مجالس باردة..
لم يتلقوا الحقيقة من كلمات وحروف جافة ميتة.. لا حركة معها.. ولا إثبات على أنها تستحق ربط الفؤاد عليها..

بل تلقوها.. حيّة تنتفض.. مختلطة بدماء أصحابها.. مغمّسة برجيع دعاتها وأنصارها.. تلقوها.. حمراء قانية !!..

كان أمام الغلام عشرات الخيارات الأخرى الأقل تكلفة.. لكنه اختار أشدّها وقعًا في النفوس !!.. اختار ما تهابه النفوس غالبًا ولا تقوى على بذله !!..

بل حتى وإن كان قد عزم على الموت في سبيل فكرته التي يؤمن بها.. فقد كان بإمكانه أن يطلب الشهادة في عرض البحر.. أو على الجبل حين همّوا برميه..

لكنه ما كان يبحث عن الخلاص لنفسه وحسب.. بل كان يعيش لقومه وأمته.. وكيف يجعلهم يهتزّون بقوة.. لهذا فقد عاد يمشي إلى الملك بنفسه.. ليطلب الموت والشهادة بالكيفية التي سيهب بها الحياة لأطلال الركام التي اجتمعت لتشهد فناءه..

ما أذكاك يا غلام.. وما أتعسنا..

ما أذكاك حين أدركتَ أن الناس لن تؤمن بأفكارنا ما لم ترى بعينها من أحوالنا ما يدلّ على علوّ شأنها عندنا أولاً..

تردّدُنا الدائم والمستديم.. في عرض أفكارنا.. والذود عنها.. هو ما يظهرها هزيلة هيّنة أمام الناس.. لا تستحقّ حتى الاحترام..

إليك إذن.. أقول.. أيها الأخ الكريم..

لا تمنح الحقيقة التي بحوزتك في شكلها المجرّد..

إجعل هذا "الآخر" يدرك أنك تمنحه معها بعضًا من راحتك وجهدك وطاقتك.. وأنك سهرت البارحة إلى ساعة متأخرة من الليل لأجله هو.. فقط.. وأنك أخّرت بعض مشاغلك لأجله هو.. فقط.. وأنك مستعدّ لتكرار ذلك مرة ومرتين وألفًا.. من أجله هو.. فقط..

لابدّ أن يشعر بالحرارة فيها وهو يستلمها منك.. ليُدرك أنك لم تكن تمشي ببطء.. ولم تكن تلهو في الطريق.. بل سعيتَ إليه وأنت تركض بأقصى قوتك.. حتى كادت تنقطع أنفاسك..

لا بدّ أن يشعر بها نديّـة.. رطبة.. بعَرَق ساعديْك .. ليعلم أنك تعبت وأنت تنتزع لها نسخة من أعماق ما تحمله وتؤمن به..

لا بدّ.. أن يُدرك.. أنّك ضحّيت.. وحبّذا لو تجعله يرى بنفسه حجم تضحياتك.. حتى تبقى راسخة في ذاكرته.. وتذكّره على الدوام أن بين يديه أمانة.. تستحق الاحتفاظ..


تتساءل ربما.. ما كل هذا التظاهر !!.. وأين الخشية من الريـاء !!..

كلاّ.. لستُ غافلاً عنه.. ولكن.. كلٌ ميسّرٌ لما خُلق له.. ومن وجد من نفسه غلبة فليزم ركنه.. وليخفي الخير الذي معه.. وأمره إلى الله..

وأمّا من وجد من نفسه استعلاء على تفاهات الدنيا.. وشعورًا بعظمة الآخرة.. فإني أشدّ على عضده وأذكّره.. أن الغلام كان قادرًا على طلب الشهادة بعيدًا عن أعين الناس.. في عرض البحر.. أو على رأس الجبل.. حيث لا أحد سيسجّل مأثرته.. وسيحكي للأجيال مأسدته.. جيلاً بعد جيل.. لكنه طلب أن ينالها أمام أعينهم وهم ينظرون.. وهو يعلم علم اليقين بأنهم سيُعجبون.. ولَكَم سيمدحون.. ويطرون.. لكن قلبه كان معلقًا بما سيجيء من بعد.. من هزة إيمانية عنيفة.. ستزيل الغشاوة التي حجبت عنهم الحقيقة.. زمنًا طويلاً..

أفكارنا.. ستبقى تُرمى في وجوهنا حيثما اتجهنا بها.. ما دام أننا لا زلنا نعرضها كما تعرضها الكتب.. حروف وكلمات.. لا عرق فيها.. ولا دماء !!..

أيها الحائر.. إني أراك تقلّب وجهك في السماء.. تتساءل لمَ لا تُصيب الرمي..

وهذه نصيحتي..

لستَ تنقصك الكلمات.. بقدر ما ينقصك روح الكلمات..

والروح حينما لا تجد الماء والدماء.. فإنها تكبر عن الطوق.. ويسرقها الشوق..

تاركة خلفها كيانًا خاويًا.. وترحل..








(( قُـتِـل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقـود (5) إذ هم عـليها قعـود (6) وهم عـلى ما يفعـلون بالمؤمنين شهود (7) وما نـقـموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العـزيـز الحـمـيد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله عـلى كل شيء شهيد (9) ))

مهذب
06-14-03, 09:16 PM
قصة أصحاب الأخدود تجربة كاملة للدعوة في أحداثها . .
القصة أتت على غالب مراحل العمل وأساليبه ..
بداية من الدعوة الفردية. . إلى مرحلة الإيمان الجماعي ..
متضمنة النقلة من السرية في الدعوة إلى الجهر بها . .
وبين طيّاتها مواقف حكيمة . .
موقف التهور والشجاعة . .
موقف الجبن والإحجام لمصلحة الدعوة . .
القصة بحاجة إلى دراسة هادئة . .
وقراءة متأنية في أحداثها وأشخاصها ومواقفها . .
إذ يكفي أهمية لها أن أفرد الله تعالى لها سورة ( البروج ) . .
وكانت من غالب قصص النبوة للصحابة .

بوركت ونفع الله بك أخانا نور 14423

البتار النجدي
06-15-03, 09:34 PM
بارك الله فيك اخي نور ونسال الله الا يحرمك الاجر


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم البتار النجدي
أبو محمد

النجدي1423
06-23-03, 06:40 AM
جزيتم

خيرا