المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ||||.. سلطان العلماء .. ||||



فـــــدى
06-03-03, 10:18 AM
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسين بن محمد بن مهذب السُّلَمي.
لقَّبَه تلميذُه تقيُّ الدين ابن دقيق العيد بـ (سلطان العلماء) ؛ لعلمه الغزير وحبه للحق
وكان شافعيَّ المذهب.

ولد سنة 577هـ، وقيل سنة 578هـ ببلاد الشام، وقد أغرم بالعلم منذ صغره، وتتلمذ لكثير
من أفذاذ العلماء، ومن شيوخه: فخر الدين بن عساكر، وسيف الدين الآمدى، والحافظ
أبو محمد القاسم ابن عساكر. وقد عاش الإمام الجليل زمنًا طويلاً في أيام حكم الأيوبيين،
وطلب العلم حيث كان منشؤه، وقيل: إنه سمع هاتفًا يقول له:
"يا ابن عبد السلام، أتريد العلمَ أم العمل؟" فقال: "العلم لأنه يهدي إلى العمل".
وقد هداه الله إلى العلم وذلل له سبله، فحفظ منه الشيء الكثير في زمن وجيز. وأقبل
على عبادة الله حتى صار أعبدَ أهل زمانه.
وقد برع في الفقه والأصول، والحديث والتفسير والتوحيد، وتولَّى كثيرًا من المناصب المهمة
خدمة للعلم ورغبة في نفع المسلمين.
وفي سنة 637هـ ولي الشيخ عز بن عبد السلام خطابة جامع دمشق، فلما سلم الصالحُ
إسماعيل أميرُ دمشق حصن شَقِيف إلى الفرنج ثار العزُّ ثورتَه الكبرى، فاعتُقل وحبس،
ثم رُحّل إلى مصر، ودخلها سنة 639هـ، فأكرمه ملكها الصالح نجم الدين وولاه الخطابة
وجعله قاضي القضاة، كما تولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص، فلبث في القضاء زمنًا.
ثم ولاه هذا السلطان تدريسَ فقه الشافعية بمدرسته الصالحية التي بناها بين القصرين
بالقاهرة، وفوض إليه كذلك عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.
ومما يذكر أنه عزل
نفسه مرارا من القضاء والسلطانُ نجم الدين يعمل على إعادته إليه، وهو بين هذا وذاك
ينشر العلم ويستكثر من التلاميذ.
واتصل الشيخ عز الدين بعدد من سلاطين عصره وعظمت مهابتُه في نفوسهم، ولم يرتفعوا
في نظره إلا بمقدار حرصهم على مصالح المسلمين ومحافظتِهم على الدين، مع شدة منه
في معاملتهم وقوة في إسداء النصيحة إليهم.


ثبت له أن الأمراء المماليك أرقّاء لم يحررْهم أحد، وأنهم أنفسَهم من حق بيت مال
المسلمين، وجهر العز بذلك بين الأمراء، وأعلن أن حكم الرق لا يزال مصاحبا لهم،
وينبغي ـ إذا أرادوا العتق ـ أن يُشْهَرَ بيعُهم ويحصَّلَ ثمنُهم ويُضَمَّ إلى بيت المال، ثم أفتى
أن تصرفاتهم من بيع وشراء وولاية عقود ونكاح ونحو ذلك لا تنعقد، فأفسدت هذه
الفتوى على الأمراء حياتهم، فقد توقف الناس عن التعامل معهم، فعُطِّلت مصالحهم،
وكان في جملتهم نائب السلطنة فاستشاط غضبًا، وعَجِب من جرأة هذا الشيخ على
الحاكمين بأمرهم، وأقسم ليشجن رأسه، وليَقُدَّن هامته بحد حسامه، وليلقين عليه
درسا في معاملة الأمراء، وأسرع الأمير إلى دار الشيخ ممتطيا صهوة فرسه، قابضا
على قائم سيفه، وشررُ الغضب يتطاير من عينيه، وطرق الباب، فقام الشيخ للقاء الأمير،
وابنه يرتعد فَرَقًا عليه، وأبوه يقول له:
"يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتَل في سبيل الله"
فيبست يد الأمير وسقط السيف منها، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له، واستطلعه في
مسألته الرأيَ، فطلب الشيخ أن يباعوا ويضم ثَمَنُهم إلى بيت المال، فكان له ما أراد،
وأُشْهِر بيعهم.
ويُروى أنه في يوم عيد وأبهة دخل الشيخ على السلطان الصالح أيوب بالقلعة، فشاهد
العسكر مصطفّين بين يديه ومجلسُ المملكة حافل، والسلطان قد خرج على القوم في
زينته، وكاد الأمراء يقبلون الأرض بين يديه. فالتفت إليه الشيخ وناداه:
"يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئْ لك مُلْكَ مصر، ثم تبيع الخمور؟
فقال: هل جرى هذا ؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور وغيرُها من المنكرات
وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة.."
فقال السلطان: " ما أنا عَمِلْتُه، هذا من زمان أبي"، فقال الشيخ: "أنت من الذين يقولون:
إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ فأمر السلطان بإبطال تلك الحانة.

وروي أن أحد تلامذةِ الشيخ سأله عن هذه الحادثة، فقال له الشيخ:
يا بني، رأيته في تلك العظمة فأردت أن أُهينه لئلا تَكْبُر عليه نفسُه فتؤذيه، فقال:
يا سيدي أما خِفْتَه؟ فقال: والله، استحضرت هيبة الله ـ تعالى ـ فصار السلطان قُدَّامي كالهِرِّ.
ورُوي أن شخصا جاء إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال: رأيتك في المنام تنشد:

وكنتُ كذي رِجلَيْنِ رجلٍ صحيحةٍ
ورجلٍ رمَى فيها الزمانُ فشُلَّتِ

فسكت الشيخ عز الدين، ثم قال: أعيش ثلاثا وثمانين سنة. فإن هذا الشعر لِكُثَيِّر عَزَّةَ،
وقد نظرت فلم أجد بيني وبينه نسبة، فإني سُنّي وهو شيعي، وأنا طويل وهو قصير،
وهو شاعر ولست بشاعر، وأنا سُلَمِي وهو خزاعي، وأنا شامي وهو حجازي، فلم يبق
إلا السن فأعيش مثله، فكان ذلك.


كان العز بن عبد السلام صبيا ابنَ ستِّ سنينَ حين سَمِعَ القومَ يتحدثون عن انتصار المسلمين
بقيادة الناصر صلاح الدين على الصليبيين في معركة "حطين" وتتويج هذا النصر بفتح بيت
المقدس سنة 583هـ، وكان هذا الحادث من الضخامة بمكان حتى شغل الناس في
زمانه إلى الآن.
وشب العز وترعرع في بلاد الشام قريبا من القدس، التي كانت غالبا تتبع سلطان دمشق.
وفي مصر كان قريبا من السلطان سيف الدين قطز، يحثه على الجهاد ومجالدة التتار،
فكان سلطان العلماء ـ وهو شيخ كبير قد جاوز الثمانين ـ أحد عوامل النصر المهمة في
عين جالوت سنة 658 هـ، تلك المعركة التي حمت الكثير من أنحاء البلاد الإسلامية
من التدمير الذي لحق بغداد وحلب وغيرهما من بلاد المشرق الإسلامي.


مرض الشيخ، وعاده السلطان الظاهر بيبرس، ورآه مشرفا على الموت، فاستشاره في أن
يعين أحد أبنائه مكانه للتدريس، فقال له الشيخ: "ما فيهم مَنْ يصلح، فَوَلِّ القاضي
تاج الدين المدرسة الصالحية".
ثم طلب إلى أبنائه أن يُعينوه للذهاب إلى المدرسة الصالحية التي تَعَوَّدَ أن يدرس فيها،
وكان شديدَ الضعف من المرض فضلاً عن كبر سنه، فحاولوا أن يُثْنُوه، لكنه أبَى، ووصل
إلى المدرسة فألقى الدرس وكان درسه الأخير، فقد مات وهو يفسر قول الله تعالى:
" (الله نور السموات والأرض..)، في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين بعد الستمائة
وقد زاد سِنُّه على الثمانين، وشيعتْه مصرُ كلها، وأمر السلطانُ الأمراءَ أن يحملوا نعش الشيخ،
واشترك معهم بنفسه في حمله إلى حيث دفن بسفح جبل المقطم.
أما في دمشق
فقد صلى أهلها عليه صلاة الغائب في الجامع الأموى وجوامع دمشق الأخرى.


رحمه الله رحمة واسعة .

البتار النجدي
06-04-03, 01:19 AM
بارك الله فيك اخت فدى ونسال الله الا يحرمك الاجر على هذا النقل المميز


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم البتار النجدي
أبو محمد

فـــــدى
06-04-03, 10:16 AM
.