المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ طنطاوي جوهري



نـــــــور
05-14-03, 02:01 PM
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif




يعتبر الشيخ طنطاوي جوهري ـ رحمه الله ـ أحد أتباع مدرسة التفسير العلمي للقرآن أو الإعجاز العلمي للقرآن ، بل يعتبر من أبرز عناصر هذه المدرسة ويرجع ذلك إلى أنه :
1- صاحب أول تفسير علمي شامل لآيات القرآن .
2- أنه صاحب أول تفسير شامل عامة في الفترة الأخيرة .
3- أنه أوفي كتاب تفسير تحدث عن الآيات العلمية في القرآن .
وقبل الحديث عن الشيخ ـ رحمه الله ـ وكتابه ، نود أن نذكر أولاً موقف العلماء من التفسير العلمي للقرآن :
فالكلام عن التفسير العلمي للقرآن قديم ، والخلاف فيه من زمن غير قريب ، ويبدو أن أول من تحدث فيه هو الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث ذكر في إحيائه قول ابن مسعود : " من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن ، ونحو ذلك من الأقوال " ثم قال الإمام الغزالي : " وهذا العلم لا نهاية له وفي القرآن إشارة إلى مجامعه " .
وقال أيضـًا : " بل كل ما أشكل فهمه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها " .
وجاء بعد ذلك ابن أبي الفضل المرسي فذكر أن أصول الصنائع مذكورة في القرآن كالخياطة : " وطفقا يخصفان "(الأعراف/22) ، والحدادة ( آتوني زبرالحديد)(الكهف/96) ، والبناء ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد )(البقرة/127) ، والنجارة : ( واصنع الفلك بأعيننا )(هود/37) ، والغزل والملاحة والفخارة ، وهكذا .
وقد أيد السيوطي في الإتقان " وفي كتابه " إكليل التأويل في استنباط التنزيل " هذا التوجه واستدل بالقرآن والحديث ، لكن الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ عارض هذا القول في كتابه " الموافقات " وبين الشاطبي أن هذه الأمة أمة أمية فيلزم أن تكون الشريعة على معهودهم وفي مستواهم ، وفنّد هذه الدعوى قائلاً : ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذهب أهلها وهم العرب ينبني عليه قواعد منها أن كثيرًا من الناس تجاوزوا " في الدعوة على القرآن " الحد ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعة والتعاليم والمنطق وعلوم الحروف ، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها ، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لا يصح .

وكان من المعارضين لهذا النوع من التفسير في هذا العصر عدد غير قليل منهم ، الشيخ محمود شلتوت ، والأستاذ أمين الخولي ، والأستاذ سيد قطب ، والشيخ عبد الله المشد والشيخ الدكتور عبد الحليم محمود ، وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ .
وهؤلاء حين أنكروا هذا ، فإنما لعدم إلزام القرآن بنظريات علمية ، ربما تكون في طور التجربة ، وكان من العلماء الذين اتجهوا إلى هذا النوع من التفسير الأستاذ محمد أحمد الغمراوي ، والأستاذ طنطاوي جوهري ، وغيرهما ، والحق أنه ينبغي أن نقف موقفـًا وسطـًا بين كلا الطرفين ، فلا يفتح المجال مطلقـًا ولا يسد الباب إغلاقـًا وليكن ذلك وفق شروط معينة ومحددة ونلخصها فيما يلي :

1- ضرورة المعرفة بأوليات هذه العلوم .
2- التعويل على الحقائق لا الفرضيات .

3- تجنب التكلف في فهم النصوص .

4- ألا يحمل الرأي أو التفسير العلمي اتهامـًا للأمة كلها طوال تاريخها كله

5- أن تذكر هذه التفسيرات لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم والدفاع عن عقيدته .

6- تقريب الحقائق الدينية لعقول البشر من خلال هذه الحقائق العلمية .

7- ألا تطغى هذه المباحث على المقصود الأول من القرآن ، وهو الهداية والإعجاز .

8- ألا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص إلا عليه .

9- أن تذكر هذه الأبحاث والتفاسير على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة ويلفتهم إلى جلال القرآن .

التعريف بالمؤلف :
هو الشيخ طنطاوي جوهري ، ولد سنة 1287هـ ـ 1870م ، بقرية تسمى كفر عوض الله حجازي ، إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر ، تلقى تعليمه في الأزهر وانقطع عن التعليم ثلاث سنوات ، وذلك إثر دخول الإنجليز مصر واحتلالهم لها ، ثم عاود الدراسة بالأزهر ، ثم في المدرسة الحكومية ، والتحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1310هـ - 1894م ، وتعلم الإنجليزية ، ثم عين بعد تخرجه في مدرسة دار العلوم ، وعمل بالتدريس بمختلف درجاته ، وطلب القضاء فلم يقبل ، وكان رئيسـًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة ، وتولى رئاسة تحرير " مجلة الإخوان المسلمين " مدة وانقطع للتأليف ، فصنف كتبًا كثيرة بلغت نحو 30 مؤلفـًا منها :
1- الجواهر في تفسير القرآن .
2- الأرواح .
3- أصل العالم .
4- أين الإنسان .
5- التاج المرصع بجواهر القرآن .
6- جمال العالم .
7- جواهر العلوم .
8- جواهر التقوى .
9- النظر في الكون بهجة الحكماء وعبادة الأذكياء .
10- الزهرة في نظام العالم .
11- السر العجيب في حكمة تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
12- القرآن والعلوم العصرية .
ويبدو من خلال عناوين كتبه ـ رحمه الله ـ أنه كان صاحب اهتمام بالعلوم الحديثة وما يتعلق بها بالقرآن .

ما قيل في الرجل :
على الرغم من شطحات الشيخ طنطاوي ـ رحمه الله ـ في تفسيره ومجانبته للصواب كما سنذكره فيما بعد ، إلا أن الشيخ كان صاحب خلق ودين ، قال عنه الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير ـ رحمه الله ـ كان رجلاً تقيـًا على ما عرفته فيه وجربته منه .
ووصفه الدكتور محمد حسين الذهبي بأنه الفيلسوف الإسلامي ، وعلى كل حال فإن صلاح دين الرجل وحسن نيته ، وحرصه على فهم القرآن ، لا يكون ذلك كله مبررًا لإقراره فيما ذهب إليه أو قال به .

المؤلف وتفسيره للقرآن :
يقع تفسير الشيخ طنطاوي جوهري ـ رحمه الله ـ والمسمى بـ " الجواهر في تفسير القرآن الكريم " في خمسة وعشرين جزءًا أضاف إليها المؤلف الجزء السادس والعشرين على أنه ملحق لتفصيل ما أجمل فيه من العلوم الكونية والأحكام الشرعية واختلاف المذاهب فيها وجاء في آخر هذا الجزء " تم طبع الجزء الأول من ملحق الجواهر : تفسير القرآن " مما يدل على أن المؤلف سيضيف إلى هذا الملحق جزءًا آخر ، وقد بدأ المؤلف هذا التفسير يوم أن كان مدرسـًا في دار العلوم ، وكان ذلك في عام 1310هـ وله من العمر 23سنة .
الدوافع التي دعت المؤلف إلى التفسير :
كانت هناك عدة أمور دعت الشيخ إلى أن يفسر هذا التفسير وينحو بها هذا المنحى منها :

1- أن الشيخ كان مغرمـًا بالعجائب الكونية ومعجبـًا بالبدائع الطبيعية ، ومشوقـًا إلى ما في السماء من جمال وما في الأرض من بهاء وكمال .

2- توجيه أنظار الأمة الإسلامية إلى هذه العلوم والأخذ بها .

3- كان الشيخ يأمل في أن يشرح الله بهذا التفسير قلوبـًا ، ويهدي به أممـًا ، وتنقشع به الغشاوة عن أعين عامة المسلمين .

4- ويعتبر السبب الأساسي في تأليف الشيخ لهذا التفسير هو أنه مر بمرحلة شك ، وذلك بعد دخول الإنجليز مصر وانقطاعه عن الدراسة في الأزهر ، فحدث له نوع من الشك إلى أن ثبت الله قلبه ، فكان هذا الشك دافعـًا لهذا التفسير حتى لا يقع أحد في مثل ما وقع فيه .

5- الأخذ بمنجزات العلم الحديث والسير في طريقه ليتقدم المسلمون على غيرهم في هذا المضمار .
طريقته في التفسير :
يبدأ المؤلف تفسير كل سورة بمقدمة يذكر فيها ما للسورة من أسماء ، مكية هي أو مدنية ، وعدد آياتها وترتيبها في النزول ، وأحيانـًا صلتها بالسورة التي قبلها ، وهذا كله في أسطر قليلة جدًا .

ثم يقسِّم السورة إلى أقسام ، كل قسم يتكون من عدد من آيات السورة ، وغالبـًا ما يفرد البسملة في أوائل كل سورة بقسم خاص ،هو القسم الأول ، وأحيانـًا يسميه الفصل الأول ، وأحيانـًا مبحث في التسمية ، ثم يتبعه بالقسم الثاني ، وفيه التفسير اللفظي لآيات هذا القسم ، وهو تفسير مختصر جدًا أقرب ما يكون لتفسير الجلالين ، ثم بما يسميه " لطائف هذا القسم " وأحيانـًا يسميها أبحاثـًا وأحيانـًا جواهر وأحيانـًا حكايات ، وأحيانـًا يضع عنوانـًا خاصـًا بما تحته من أبحاث ويفعل في القسم الثالث وغيره، ما فعله في القسم الثاني ، وفي نهاية السورة يكتب تذييلاً لتفسير السورة وتحته فصول .. وأحيانـًا يضع لطائف عامة آخر السورة لكل أقسامها ، وكل هذه الأبحاث ما عدا التفسير اللفظي مليء بالأبحاث العلمية التجريبية البحتة ، موضحة بالصور والتفصيل الدقيق .
وكثيرًا ما يذكر في هذه الأبحاث ، الأحداث التي تقع له في حياته اليومية وما يراه في منامه ، وأحيانـًا خيالات يتحول بها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح فيلتقي بروح البصيرة فيحدثها وتحدثه الأمر العجاب ، وأحيانـًا كثيرة يسميها إلهامـًا أو نفحة ربانية وإشارة قدسية وبشارة رمزية أمر به بطريق الإلهام (‍‍!!) بل أحيانـًا يختلط عليه الأمر فلا يدري عما كتبه حلم هو أو حديث نفس أم إلهام .

وهو إضافة إلى كثرة توضيحه لأبحاثه العلمية يورد صورًا كثيرة للأفلاك ، والكواكب ، والشمس ، والقمر ، والسديم ، والمياه ، والأشجار ، والأحجار ، والحيوانات ، والحشرات ، والأسماك ، والإنسان ، والنباتات ، والجراثيم والميكروبات ، وأجزاء الإنسان كالبصمات ، والعين ، والأذن ، والجهاز الهضمي ، والديدان ، والطيور ، ويضع الجداول العلمية الرياضية ، والكيميائية والفيزيائية ، والفلكية ، والخرائط الجغرافية ، والصناعات والمخترعات الحديثة .

أما ما يستشهد به من الآراء والأقوال فإضافة إلى رؤاه وأحلامه في اليقظة والمنام وما بعده إلهامـًا فهو يستشهد بأقوال علماء الشرق والغرب في القديم ، والحديث وقد برز في تفسيره بروزًا واضحـًا باستشهاده بنصوص إنجيل برنابا وجمهورية أفلاطون ، ونصوص أخوان الصفا ، وألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة والعديد من الجرائد والمجلات الغربية والعربية .
ولا يخفى على ذي لب أمر الاستشهاد بمثل هذا في تفسير القرآن الكريم وإضافة إلى هذه الشواهد فهو يذكر شواهد أخرى عجيبة من التنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح ، زد على ذلك حساب الجمل ، وخوضه في فواتح السور خوضـًا عجيبـًا .
ملاحظات على تفسير المؤلف :
كثر الكلام حول تفسير الشيخ طنطاوي جوهري ، وتعددت عليه المآخذ والملاحظات ومن ذلك :

1- استشهاده بنصوص لأناس متقدمين مثل إخوان الصفا ، وأفلاطون ، وقد يستشهد بما جاء في الإنجيل وخصوصـًا إنجيل برنابا .

2- يستخرج كثيرًا من الأمور والعلوم بواسطة حساب الجمل .

3- إعجاب الرجل بتفسيره جدًا ويظهر ذلك في تعليقاته المفعمة بالثناء مثل : بمثل هذا تفسر هذه الآيات ، بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله ، وكثيرًا ما يقرر أن في كتابه خلاص الأمة وشفاءها ، بل ويرى أن قراءة تفسيره هذا إما فرض عين أو فرض كفاية .

4- تطاوله على العلماء السابقين والفقهاء الأقدمين ومن ذلك قوله : إن هذه العلوم التي أدخلتها في تفسير القرآن هي التي أغفلها الجهلاء من صغار الفقهاء في الإسلام .

5- ذمه لكتب الأقدمين ، فيقول : وكتب التوحيد كتب أكثرها جدلية ، وليس ينقذ أمة الإسلام من جهالتها إلا تأليف رسائل قصيرة وطويلة ونشرها بين العامة .

6- إدخاله في التفسير أمورًا لا علاقة لها بالتفسير أصلاً ومنها :

أ- أحداثه اليومية وأحلامه الليلية ، وخيالاته الذاتية ، ثم يطلق عليها نفحة ربانية ، أو إشارة قدسية ، أو بشارة رمزية .

ب - إضافة كثير من الصور للأفلاك ، والكواكب ، والنجوم ، والحيوانات وغيرها .

ج- الاستشهاد بما يسمى بالتنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح وغيرها من الأمور التي لها علاقة بالتفسير لا من قريب ولا من بعيد .

رأي العلماء في هذا التفسير :
لم يلق كتاب الشيخ طنطاوي جوهري قبولاً في الأوساط العلمية سواء في مصر ، أو في غيرها ، بل لقد منع الكتاب في بلاد الحجاز ، ونذكر فيما يلي آراء بعض العلماء الذين أثنوا على الرجل في خلقه ودينه .
فمن هؤلاء الشيخ محمد حسين الذهبي ـ رحمه الله ـ الذي قال بعد أن أورد بعض الأمثلة من تفسيره : " هذا هو تفسير الجواهر ، وهذه نماذج منه وضعتها أمام القارئ ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه .

والكتاب ـ كما ترى ـ موسوعة علمية ضربت في كل فن من فنون العلم بسهم وافر ، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الفخر الرازي ، فقيل عنه : " فيه كل شيء إلا التفسير " ، بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به ، وإذا دل الكتاب على شيء فهو أن المؤلف ـ رحمه الله ـ كان كثيرًا ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره ، ويطوف في نواح شتى وج بالقرآن عن قصده وانحراف به عن هدفه "(التفسير والمفسرون : محمد حسين الذهبي 3/183) .
أما الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير فقد ذكر أيضـًا بعض الأمثلة من تفسيره ثم عقب عليها قائلاً : " في وسعنا بعد أن عرفنا نماذج مما كتبه ، أن نسمي كتابه هذا جواهر العلوم ، لا جواهر التفسير ، فهو في وادٍ ، وتفسير القرآن في وادٍ آخر "(اتجاه التفسير في العصر الحديث : مصطفى محمد الحديدي الطير ص73) .
وقال أيضـًا : " وعلى الرغم من أن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان رجلاً تقيـًا على ما عرفته فيه وجربته منه إنه كان ذا خيال خصيب ، وكان لهذا يخضع القرآن لما يتخيله في معانيه بأفكاره العريضة ذات الآفاق البعيدة ، وإن جانبها الصواب - غفر الله له - ما قال عن حسن ظن مما خالف فيه ما ينبغي في تفسير كتاب الله المجيد "(المرجع السابق:ص75) .

أما الدكتور عبد المجيد المحتسب فقال : " والحق يقال ـ أن الشيخ طنطاوي جوهري ـ مع مخالفتنا إياه في منحاه ونزعته يبدو حسن النية فيما ذهب إليه ، فقد وجد أن السبيل التي سلكها تبعث الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي "(اتجاهات التفسير في العصر الراهن ص 276ـ277) .
ثم علق الدكتور على قرار منع الكتاب ومصادرته في الحجاز ونجد فقال : " والحق يقال أن المانعين لهذا التفسير لاحظوا جنوح صاحبه ، بل ولوعه الشديد بإخضاع الآيات القرآنية وقهرها لكي تحمل الكثير من مسائل العلوم الكونية ، وهذا تعسف ظاهر وميل بالقرآن عن مقصده الأسمى ألا وهو هداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وإن دل هذا المنع على شيء فإنما يدل على الورع وصيانة القرآن عن أن ينحرف أحد بتفسيره " .

أما الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال : " ومع توافر حسن النية لدى طنطاوي جوهري فيما ذهب إليه من هذا الاتجاه العلمي في التفسير حيث رأى أن السبيل التي سلكها تبعث في الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي ، كما تدل عليه نداءاته ، وخطاباته للأمة الإسلامية وعلمائها وفيضها بالغيرة والإشفاق والإخلاص مع ذلك قوبل تفسيره في الأوساط الإسلامية في مصر والبلاد العربية بالمعارضة والإنكار ، فقيل عنه ما قيل عن غيره من قديم أن فيه كل شيء إلاالتفسير ، حيث يذكر من الفصول المطولة في العلوم المختلفة ما يصد قارئه عما أنزل الله لأجله القرآن ، ونظر إليه على أنه مخدر للأمة وملهاة " .

نماذج من هذا التفسير :
فمثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )(البقرة/61) نجده يقول : ( الفوائد الطبية في هذه الآية ) ثم يأخذ في بيان ما أثبته الطب الحديث من نظريات طبية ، ويذكر مناهج أطباء أوروبا في الطب ، ثم يقول : " أو ليس هذه المناهج هي التي نحا نحوها القرآن ؟ أو ليس قوله " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " رمزًا لذلك ؟ كأنه يقول : العيشة البدوية على المن والسلوى .. وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما ، مع الهواء النقي والحياة الحرة ، أفضل من حياة شقية في المدن بأكل التوابل ، واللحم والإكثار من ألوان الطعام ، مع الذلة ، وجور الحكام ، والجبن ، وطمع الجيران من الممالك ، فتختطفكم على حين غفلة وأنتم لا تشعرون ، بمثل هذا تفسر هذه الآيات ، بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله )(الجواهر1/66ـ67) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) (البقرة/67 ) ، وما بعدها من الآيات ، نجده يعقد بحثـًا في عجائب القرآن وغرائبه ، فيذكر ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب ، ويذكر فيما يذكر علم تحضير الأرواح فيقول : " .. وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه .. إن هذه الآية تتلى ، والمسلمون يؤمنون بها ، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولاً ، ثم بسائر أوربا ثانيـًا .. " ثم ذكر نبذة طويلة عن مبدأ هذا العلم ، وكيف كان انتشاره بين الأمم وفائدة هذا العلم ، ثم قال أخيرًا : " ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزيربعد موته ، وكذلك حماره ، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل ، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الطاعون ، فماتوا ثم أحياهم .. وعلم الله أننا نعجز عن ذلك ، جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة ، كأنه يقول : إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها ، فلا تيأسوا من ذلك ؛ فإن قد بدأت بذكر استحضار الأرواح ، فاستحضروها بطرقها المعروفة " واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين ، كالعزير ، وإبراهيم ، وموسى ، فهولاء لعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت : " فبهداهم اقتده " .. )أ.هـ( الجواهر1/71ـ77 ) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( ألم ) ( آل عمران/1 ) نجده يعقد بحثـًا طويلاً عنوانه " الأسرار الكيمائية في الحروف الهجائية ، للأمم الإسلامية ، في أوائل السور القرآنية " وفيه يقول : " انظر رعاك الله ، تأمل .. يقول الله : أ . ل . م ـ طس ـ حم ـ وهكذا يقول لنا : أيها الناس ، إن الحروف الهجائية ، إليها تحلل الكلمات اللغوية ، فما من لغة في الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية ، سواء أكانت اللغة العربية أم اللغات الأعجمية ، شرقية وغربية ، فلا صرف ، ولا إملاء ، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها ، لا سبيل لتعليم لغة وفهمها إلا بتحليلها ، وهذا هو القانون المسنون في سائر العلوم والفنون .

ولا جرم أن العلوم قسمان : لغوية وغير لغوية ، فالعلوم اللغوية مقدمه في التعليم ؛ لأنها وسيلة إلى معرفة الحقائق العلمية من رياضية وطبيعية وإلهية ، فإذا كانت العلوم التي هي آلة لغيرها لا تعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى اصولها ، فكيف إذًا تكون العلوم المقصودة لنتائحها المادية والمعنوية ؟ فهي أولى بالتحليل وأجدر بإرجاعها إلى أصولها الأولية التي لا تعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الأعداد ، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات ، ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها ، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم )(الجواهر2/10،11) .
المراجع :

1- كيف نتعامل مع القرآن العظيم : د/ القرضاوي ط مركز بحوث السنة والسيرة .
2- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر / د. فهد بن عبد الرحمن الروي / ط الأولى 1986م .
3- التفسير والمفسرون / د. محمد حسين الذهبي جـ2 .
4- لمحات في علوم القرآن : محمد لطفي الصباغ .

من العلم بعقله وقلبه ليجلي للناس آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ، ثم ليظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمنـًا لكل ما جاء ويجيء به الإنسان من علوم ونظريات ، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث ، تحقيقـًا لقول الله تعالى في كتابه : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )(الأنعام/38) ، ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده وانحراف به عن هدفه "(التفسير والمفسرون : محمد حسين الذهبي 3/183) .
أما الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير فقد ذكر أيضـًا بعض الأمثلة من تفسيره ثم عقب عليها قائلاً : " في وسعنا بعد أن عرفنا نماذج مما كتبه ، أن نسمي كتابه هذا جواهر العلوم ، لا جواهر التفسير ، فهو في وادٍ ، وتفسير القرآن في وادٍ آخر "(اتجاه التفسير في العصر الحديث : مصطفى محمد الحديدي الطير ص73) .
وقال أيضـًا : " وعلى الرغم من أن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان رجلاً تقيـًا على ما عرفته فيه وجربته منه إنه كان ذا خيال خصيب ، وكان لهذا يخضع القرآن لما يتخيله في معانيه بأفكاره العريضة ذات الآفاق البعيدة ، وإن جانبها الصواب - غفر الله له - ما قال عن حسن ظن مما خالف فيه ما ينبغي في تفسير كتاب الله المجيد "(المرجع السابق:ص75) .

أما الدكتور عبد المجيد المحتسب فقال : " والحق يقال ـ أن الشيخ طنطاوي جوهري ـ مع مخالفتنا إياه في منحاه ونزعته يبدو حسن النية فيما ذهب إليه ، فقد وجد أن السبيل التي سلكها تبعث الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي "(اتجاهات التفسير في العصر الراهن ص 276ـ277) .
ثم علق الدكتور على قرار منع الكتاب ومصادرته في الحجاز ونجد فقال : " والحق يقال أن المانعين لهذا التفسير لاحظوا جنوح صاحبه ، بل ولوعه الشديد بإخضاع الآيات القرآنية وقهرها لكي تحمل الكثير من مسائل العلوم الكونية ، وهذا تعسف ظاهر وميل بالقرآن عن مقصده الأسمى ألا وهو هداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وإن دل هذا المنع على شيء فإنما يدل على الورع وصيانة القرآن عن أن ينحرف أحد بتفسيره " .

أما الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال : " ومع توافر حسن النية لدى طنطاوي جوهري فيما ذهب إليه من هذا الاتجاه العلمي في التفسير حيث رأى أن السبيل التي سلكها تبعث في الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي ، كما تدل عليه نداءاته ، وخطاباته للأمة الإسلامية وعلمائها وفيضها بالغيرة والإشفاق والإخلاص مع ذلك قوبل تفسيره في الأوساط الإسلامية في مصر والبلاد العربية بالمعارضة والإنكار ، فقيل عنه ما قيل عن غيره من قديم أن فيه كل شيء إلاالتفسير ، حيث يذكر من الفصول المطولة في العلوم المختلفة ما يصد قارئه عما أنزل الله لأجله القرآن ، ونظر إليه على أنه مخدر للأمة وملهاة " .

نماذج من هذا التفسير :
فمثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )(البقرة/61) نجده يقول : ( الفوائد الطبية في هذه الآية ) ثم يأخذ في بيان ما أثبته الطب الحديث من نظريات طبية ، ويذكر مناهج أطباء أوروبا في الطب ، ثم يقول : " أو ليس هذه المناهج هي التي نحا نحوها القرآن ؟ أو ليس قوله " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " رمزًا لذلك ؟ كأنه يقول : العيشة البدوية على المن والسلوى .. وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما ، مع الهواء النقي والحياة الحرة ، أفضل من حياة شقية في المدن بأكل التوابل ، واللحم والإكثار من ألوان الطعام ، مع الذلة ، وجور الحكام ، والجبن ، وطمع الجيران من الممالك ، فتختطفكم على حين غفلة وأنتم لا تشعرون ، بمثل هذا تفسر هذه الآيات ، بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله )(الجواهر1/66ـ67) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) (البقرة/67 ) ، وما بعدها من الآيات ، نجده يعقد بحثـًا في عجائب القرآن وغرائبه ، فيذكر ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب ، ويذكر فيما يذكر علم تحضير الأرواح فيقول : " .. وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه .. إن هذه الآية تتلى ، والمسلمون يؤمنون بها ، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولاً ، ثم بسائر أوربا ثانيـًا .. " ثم ذكر نبذة طويلة عن مبدأ هذا العلم ، وكيف كان انتشاره بين الأمم وفائدة هذا العلم ، ثم قال أخيرًا : " ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزيربعد موته ، وكذلك حماره ، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل ، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الطاعون ، فماتوا ثم أحياهم .. وعلم الله أننا نعجز عن ذلك ، جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة ، كأنه يقول : إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها ، فلا تيأسوا من ذلك ؛ فإن قد بدأت بذكر استحضار الأرواح ، فاستحضروها بطرقها المعروفة " واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين ، كالعزير ، وإبراهيم ، وموسى ، فهولاء لعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت : " فبهداهم اقتده " .. )أ.هـ( الجواهر1/71ـ77 ) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( ألم ) ( آل عمران/1 ) نجده يعقد بحثـًا طويلاً عنوانه " الأسرار الكيمائية في الحروف الهجائية ، للأمم الإسلامية ، في أوائل السور القرآنية " وفيه يقول : " انظر رعاك الله ، تأمل .. يقول الله : أ . ل . م ـ طس ـ حم ـ وهكذا يقول لنا : أيها الناس ، إن الحروف الهجائية ، إليها تحلل الكلمات اللغوية ، فما من لغة في الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية ، سواء أكانت اللغة العربية أم اللغات الأعجمية ، شرقية وغربية ، فلا صرف ، ولا إملاء ، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها ، لا سبيل لتعليم لغة وفهمها إلا بتحليلها ، وهذا هو القانون المسنون في سائر العلوم والفنون .

ولا جرم أن العلوم قسمان : لغوية وغير لغوية ، فالعلوم اللغوية مقدمه في التعليم ؛ لأنها وسيلة إلى معرفة الحقائق العلمية من رياضية وطبيعية وإلهية ، فإذا كانت العلوم التي هي آلة لغيرها لا تعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى اصولها ، فكيف إذًا تكون العلوم المقصودة لنتائحها المادية والمعنوية ؟ فهي أولى بالتحليل وأجدر بإرجاعها إلى أصولها الأولية التي لا تعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الأعداد ، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات ، ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها ، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم )(الجواهر2/10،11) .
المراجع :

1- كيف نتعامل مع القرآن العظيم : د/ القرضاوي ط مركز بحوث السنة والسيرة .
2- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر / د. فهد بن عبد الرحمن الروي / ط الأولى 1986م .
3- التفسير والمفسرون / د. محمد حسين الذهبي جـ2 .
4- لمحات في علوم القرآن : محمد لطفي الصباغ



**** المصدر الشبكة الاسلامية ****