المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخليلُ بن أحمد - عاشق العَرُوض



عطاء سعيد
08-20-16, 01:30 AM
الخليلُ بن أحمد

عاشق العَرُوض

(( من أحب أن ينظر إلي رجل من الذهب والمسك .. فلينظر إلي الخليل بن أحمد))
(( سُفيان الثوري ))

(( أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه وهو في خُص لا يشعر به أحد ))

(( النضْر بن شميْل ))


الخليل بن احمد
هذا عاشق من لون آخر
عشق الشعر والشعراء كما لم يعشقها أحد
كانت القصيدة محبوبته الأثيرة ..
وكانت موسيقي الشعر عشقه الوحيد
وعندما قيل له : أكل هذا الهيام بالشعر ولا تكتب قصيدة واحدة وأنت أعلم الناس به قال: الذي يجيئني منه لا أرضاه والذي أرضاه لا يجيئني
لقد عرف قدر عشقه وبلاء حبه فاكتفي بان يكون راهبا في دير المحبوب طوال خمسة وسبعين عاما عاشها لم يلتفت لزخرف الدنيا ولم يحفل إلا بان يضيف جديد لتراث العربية .
ذالك هو الخليل بن احمد الفراهيدي عبقري العرب وأستاذ سيبويه وعاشق

الشعر الذي عكف عليه وجمعه وأرجعه إلي قواعد وتصنيفات أسماها البحور وأدرج كل بحر في منبعه ومصبه وضبط قواعد الإيقاع وسمي كل ذالك بالعروض .. لأنه كان مقيما بالعروض وهي مكة فسماها بركة ويمنا ..
ولقد سموه عبقري العرب لأنه سبق زمانه بألف عام ومائتين وأكثر ولأنه كان أبعد مدي وأرحب في ميدان الكشف والعلم من العروض والشعر .
ولم يضيق أحد بالخليل مثلما ضقنا به ذات يوم ونحن نتخطى عنبة الجامعة ونتعثر في أوزانه وخوافي عروضه .. ولاح لنا يومئذ مجرد عربي تحاصره الصحراء من كل جانب ويملأ الفراغ ما بين يديه فيحتال عليه باختراع قيود للشعر خلناها في باكورة الشاعرية لغطا لغط به اللاغطون من باب فقه الشعر تجني علي روحه وجوهره أكثر مما تلقي ضوءا للشاعرين.
وكان الخليل وحده - سامحه الله - سببا في أن نهجر الجامعة إلي لون آخر لا يطاردنا فيه ( حذفه وخبنه وباقي علله ) ولا الغاز صحبه من كتاب الشذور والطبقات إلي آخر القائمة .
وخفي علينا يومها جوانب الرجل الاخري ولم يتح لنا أن نعانق روحه وعقله في مضيق الدرس وزحام المناهج .
ومرت الأيام وعدنا للخليل في غير مضيق ولا منهاج .. فإذا بنا أمام عبقري فريد من نوعه وهب نفسه للعلم والابتكار والبحث والتأمل الدائم , وامن علي كثرة الشعاب التي ارتادها بالعلم والفن وخاض دروبه جميعا ونحوا ولغة ورياضة وكيمياء وموسيقي..
فكان أول من ضبط قواعد الموسيقي واخترع أصول لها سار عليها العازفون وعدل من لعبة الشطرنج الفارسية ,. وعرف تراكيب الأدوية وفك رموز اللاتينية .

وحصر ألفاظ العربية جميعا ووضع تشكيلا جديدا لحروف اللغة ، نسخ به ما فعله أبو الأسود الدؤلي .
وأخيرا اكتشف أوزان الشعر العربي فحفظه من الضياع ونسج له ثوبا ستر به عورته أمام القادحين والمخالطين له من غير العرب .
أكثر من شئ آخر عالجه الخليل وأضافه أو حاول فلم يهمل دونه.. لذلك صدق قولهم فيه :
( لك يكن في العرب بعد الصحابة أذكي منه )
الشعر والموسيقي بين سوقين :
أسرع صاحبه أبو المعلي.. الخطي .. هربا من ضجيج الآلات ودق أواني النحاس وهو يعبر سوق الصفارين .. هو والخليل .. في نفس الوقت الذي أهمل فيه الخليل الخطي ومد أذنيه يتسلق هذه الأصوات المتناثرة في الهواء وكأنه يطيب نفسا بدوي الآلات وصفيرها .
ويشده صاحبه ثائرا وهو يعنفه قائلا :
لقد أصبحت قعقعة أواني النحاس موسيقى جميله تأنس إليها .. ألا أسرع الخطي لنخرج من هذا الصفير !
ويقول الخليل وهو مشدود السمع بعيدا عن صاحبه :
ما قلت إنها موسيقي جميلة .. ولكنها تشبه الموسيقي ..
فما الفرق بين تقرع وأواني النحاس تحدث دويا تنكره الأسماع ،وبين الأنامل والريشة تمر علي الطبول والدفوف فتحدث نغما تستطيبه الآذان ..
ويضيق معه صاحبه فيشده ويخرجان من سوق الصفارين .. ليلحقهما من

بعيد دوي – منبعث من سوق القصارين .. وهم منظفي الأثواب وغسلها في ذاك العصر .. يستخدمون في ذلك مطرقة من الجلد تسمي ( الكذينق) وهي قطعة جلد أو أكثر وتحدث قرعا عندما يضرب بها الثوب .
وشغل الخليل عن صاحبه واستند إلي الحائط وألقي بسمعه إلي هذه الأصوات واخرج لوحه واخذ يدون رموزا مبهمة غير عابئ بغامزات المارة ولا بدهشة صاحبه..
وإنما ذهب في واد عميق مع اكتشافه الجديد ..
ويضيق به صاحبه أبو المعلي فينبهه إلي تكاثر الناس وتجمهرهم حوله ويفيق الخليل وكأنه كان في غيبوبة ويقول :
اسمع هذه الدقات إنها جامدة بلا رنين .. مخالفة لذلك الرنين المنبعث من دقات سوق الصفارين .. اسمع ..
ضربات الجلد تحدث صوتا مثل كلمة ( تن ) ولكن كسر القصار .. يجعله يتباطأ ويحدث فاصلا زمنيا يحدث صوتا جديدا مركبا هو ( تن .. تن .. تن ) والتقط الخليل نغمة أخري من قصار يضرب بكذينق ذات جلدتين فيكرر الصوت نغمه تختلف عن الاخري ..
ثم يتداخل صوت قرع القصار الكسول بالأخر مركبا بذالك مجموعه من الكلمات المنغمة علي نحو جديد ..
ويجيء صوت قصار ثالث بكذينق ذات ثلاث جلود فتختلط النغمات لتكون إيقاعا مخالفا لما سبق .. فمرة .. كدقات طبل المسحراتي ، وأخري كدقات طبل العرس .
ويسترسل الخليل : دقه وسكون .. دقتان وسكون.. ثلاث وسكون ..

إنها نقرات لو تداخلت عل نسق مرسوم لولدت نغما .. ولامكن في ضوئها التميز بين النغمات باجتماع هذه النقرات أو تفرقها وبتوزيعها أو حصرها جميعا ..
وبتسجيلها يمكن ضبط وتصريف الموسيقي ويستمر الخليل في شرح فكرته وهو لم يبرح السوق ..
وتنهمر دموع صاحبه وهو يعانقه .. وانطلقا ! وعندما يطرقان باب شيخ المغنين وأستاذ الآلات ، أبو رافع ، يستقبلهما وهو يقول للخليل ؟
ما حاجتك. بل رغبت في معرفة قواعد الموسيقي .
ويسخر أبو رافع من قول الخليل فيقول :أهي نحو .. كذلك الذي برعت فيه ؟ ليس ثمة قواعد لهذا الأمر .. ولترجع إلي نحوك ولغتك يا ابن أحمد
ويخرج الخليل لوحه وعليه الرموز التي خطها من وحي جولة السوقين..
ويروي له ما حدث وما يتطلع إليه من ضبط للموسيقي ،والرجل يصغي ويهز رأسه ثم يقول :
لعل فيما قلت جديدا حقا .. ولكنه لن يفيد أحدا .. فالموسيقي تسير علي ما تسير عليه ، والناس تهيم بها ولا تطلب أكثر من ذلك فلا تتعب نفسك .
ويعود الخليل من عند شيخ المغنين حزينا ليغلق علي نفسه المنزل ولا يبرحه إلا وقد اخرج أول كتاب للموسيقي ، تراكيب الأصوات ..
وضع فيه قواعد وأصول لضبطها واتصل بالموسيقيين يعلمهم أصول كتابه ،
ويردد معهم الألحان ، ويندمج في حلقاتهم كما اندمج من قبل في حلقات النحو واللغة ولا يفارقه لوحه يخط عليه رموزا ويمسحها ويسودها ثانية ..
وكأنه لم يفرغ من كتابة الذي وضعه للناس بعد .. فقد كان في داخله شئ


آخر .. يتطلع إليه ..
ولا يهدأ إلا وقد استخرج من قواعد الموسيقي .. قواعد العروض .. ويكتشف أن السكون في الشعر هو السكون في الموسيقي .. ويلتقط بذلك أول الخيط .
ولده الأحمق والاكتشاف الجديد
وكان للخلي ولد أحمق .. خرج ذات يوم من داره وهو يصيح :
وا أبتاه . لقد جن أبي .. فقد عقله
وا مصيبتاه .. لقد ضاع أبي . فقد رأسه
ويجتمع الناس علي الصراخ ويدخلون الدار .. ليروا الخليل بن احمد بلا رأس ..!
فقد أخفي رأسه في فوهة بئر بوسط الدار .. وهو يزعق بأصوات لا معني لها سوي تجاوب الصدى ويلكزه أحدهم .. ويخرج الخليل رأسه من البئر ويستدير متعجبا لهذا الجمع الذي يملأ الدار .
ويقول أحدهم :
ابنك ظنك جننت واستغاث بالناس فلبيناه .
وضحك الخليل وقال معقبا علي حماقة ولده وهو من شعره القليل :
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني
أو كنت أعلم ما أقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمت أنك جاهل فعذرتك
ويقول لهم الخليل :
لا ثمة جنون .. لقد كنت أطبق اكتشافي الجديد تطبيقا علميا .. فقد وجدت

الأعجم يقدحون علي الشعر العربي .
ولعلكم تذكرون ذات ليلة وقد هاجم الأعجم الشعر ووصفوه بأنه لا ضابط له
بعكس شعر اللغات الاخري ، وان أصله الطبع ومقياسه الأذن..
وان الطبع عرضه للفساد ، ومقياس الإذن قابل للخلل..
وما زلت مأخوذا بتدبير ميزان يضبط الشعر ويحفظه من الضباع .. ولما استطعت حصر أصول الأنغام بكتابي ( تراكيب الأصوات ) اكتشفت في نفس الوقت أن مقياس الشعر بين يدي .
فالشعر إنشاد مرافق للموسيقي إذا اتحدت المقاطع تصح المرافقة ويتحد الإنشاد وعشت وسط المغنين وتحلقت حلقاتهم أقابل تقاطيع الموسيقي بألفاظ الشعر وأوزانها في سوق القصارين حينا وفي سوق الصفارين حينا آخر .. وانشده علي نقراتهم .. وكان أهم ما بهر نظري هو نهاية المقطع الموسيقي وما فيه من سكون .. أي ما يقابل النون في (تن تن )
والشعر كالموسيقي حركه وسكون .. وبهما يضبط الشعر .. ولم يبق إلا أن أقطع هذا الشوط ..
وكنت الساعة أختبر صحة اكتشافي قبل أن أعلنه بتطبيق القاعدة علي مقاطع الشعر وتظهر واضحة في صدي البئر ..
وموعدنا بالمسجد الجامع لأحكي أمر هذا لاكتشاف وأعلنه
ووسط الجمع الحاشد بالمسجد الجامع وقف الخليل يعلن أول اكتشاف لعلم العروض فقال :
لن يستطيع إنسان أن يقول غير الشعر .. فيدعي أنه شعر ..!
أيها العرب فاخروا بشعركم فهو عن سجية لها أصولها المضبوطة .
وانهي إليهم اكتشافه وهم ما بين مصدق ومكذب .. وارتفعت من حوله الأصوات تطالبه بان يضبط بميزانه الجديد معلقة امرئ القيس ففعل ..


وأجاب علي أكثر من سؤال .. وانتشرت حلقات العروض يطبق فنه علي شعر العرب .. بل فتح أفاقا جديدة فاستحدث بحورا جديدة في الشعر وابتدع وزنا ( فعلن أربع مرات)
أبكيت علي طلل طربا فشجاك وأحزنك الطللُ
وكذلك:
هذا عمرو يستعفي من زبد عند الفضل القاضي
فانهو عمرا إني أخشي صوت الليث العادي الماضي
واستخرج منهما وزنا اسمه المخلع..!
رجل من مسك وذهب :
وكان بذلك الخليل . أول من وضع فن أوزان الشعر ..
ومع ذلك لم تنته جولته في مجال الكشف والارتياد..
فقد كان صاحب طاقة لا تنفد من اختراع شئ .. إلا ويعكف علي كشف جديد آخر
ساعده في ذلك ذاكرة نفاذة ،وعقل مقتحم وروح محبه للعلم ..
استطاع مرة أن يفك حروف اللاتينية في خطاب .. كتب في مطلعة
" بسم الله الرحمن الرحيم " باللاتينية كعادة ذلك العصر .. فحصر حروف هذه الجملة .. وأستخرجها من الخطاب وفك رموزه بذلك .
ومرة أخري مات أحد الذين يركبون دواء معين لا يعرف سره غيره .. وهو مكون من ستة عشر خليطا .. وعكف الخليل علي القارورات والأواني التي كان يستعملها مركب الدواء .. يشمها.. ويفرق بينها وبين الاخري .. ويراجع ما بقي من الأدوية حتى عثر علي خمسة عشر خليطا ركب بها الدواء .


واستطاع الخليل : أن يحصر ألفاظ العربية جميعا وقطع شوطا كبيرا فيها ثم تركها ليكملها عنه صاحبه الليث .. فأكملها في " كتاب العين " . كما أوحي إلي تلميذه سيبويه .. بوضع كتاب يكون دستورا للنحو فوضع من وحيه وتحت إشرافه مؤلفة الذي سماه " الكتاب "
وعدل عن لعبة الشطرنج الفارسية وأدخل عليها جديدا ولم يكن سفيان الثوري مبالغا حين قال : من أحب أن ينظر إلي رجل من الذهب والمسك فلينظر إلي الخليل ابن أحمد.
ولم يقنع الخليل بما اضافة إلي تراث العربي من ابتكار ..
فعكف في أخر أيامه عام 175 هجريه علي وضع قواعد الحساب والرياضة وشغل بها واستغرقه التفكير وهو في المسجد فاصطدم علي غير وعي .. بعمود هناك فشجت رأسه وكانت نهايته وكان أخر ما قال :
" لا تبكوا.. فوا لله ما فعلت فعلا أخاف علي نفسي منه .
وما كان لي من فضل فكر صرفته إلي جهة وددت بعد ذلك أني كنت صرفته في جهة غيرها .
وما علمت أني كذبت متعمدا قط وأرجو أن يغفر لي الله التأول ".

(( سبتمبر1963))

بقلم الشاعر فتحى سعيد
منقول من
عشاق لكن شعراء
تأليف
فتحى سعيد
صدر عن دار المعارف عام 1984
هذا رابط الكتاب
http://www.mediafire.com/?d756696d9verih1