المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاسبة النفس



حصة مطلق العتيبي
10-10-15, 09:36 PM
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد ألا لا إله إلا الله ولي الصالحين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيراً ، أما بعد :

لقد حث الله تعالى أهل الإيمان على محاسبة أنفسهم والتأمل فيما قدموه لأخراهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله عليم بما تعملون .

وأهمية الموضوع تأتي من أهمية محاسبة النفس ، محاسبة جادة ، لكي ترتقي بها إلى مراتب الكمال البشري الذي أمرنا بنشدانه ، وشحذ الهمم للوصول إليه . فهذا موضوع يحتاجه المجتمع للاستفادة من محتواه .
فوائد محاسبة النفس :
1- الاطلاع على عيوب نفسه:
" فيبدأ بعلاجها، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: «ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى».
وقال بكر المزني: «لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم»، وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مائة خصلةٍ من خصال الخير، ما أعلم أن في نفسي منها واحدة». وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي».
وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: «لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خيرٍ أبدًا». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار».
ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ . فقالت: أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله  شهد له رسول الله بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا، وهنا قال الشيخ محمد حامد الفقي معلقًا: إنما قالت هذا تواضعًا، وإلا فهي من خيار السابقين المقربين" .
2- أن يتعرّف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله :
" وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله ، فيكـون ذلك رادعاً له عـن فعل كل مشين وقبيح ؛ وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقّن أنه من حقّه سبحانه أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

3- تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلـزامـهـا أمْر الله تعالى :
وهذه هي الثمرة المرجوّة من جرّاء محاسبة العبد لنفسه.فتزكية النفس عليها مدار فلاح العبد ونجاته من عذاب الله . قال تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) .
وقال مالك بن دينار: " رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ـ عز وجل ـ فكان لها قائداً ".
4 – " أنها تربّي عند الإنسان الضمير داخل النفـس :
وتنمّي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرّفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع . حكى الغزالي أنّ أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ عند الموت: " ما أحدٌ من الناس أحبّ إليّ من عمر " ثم قال لها : "كيف قلتُ" ؟ فأعادت عليه ما قال، فقال: " ما أحدٌ أعزّ عليّ من عمر " !! يقول الغزالي: " فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبّرها وأبدلها بكلمة غيرها " .
5- دوام الخشية من الله :
" إن العبد إن استمر على محاسبة نفسه صار من العالمين بالله علم اليقين، الذين قال الله فيهم: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  ، لأن العلم إذا لم يزد صاحبه خشية الله فليس بعلم نافع. فالعلم علمان: علم على اللسان، وهو حجه الله على خلقه، وعلم في القلب وهو الخشية .
6- تولد خلق الحياء من الله :
لأن المسلم إذا حاسب نفسه على التقصير في جنب الله ورأى نعم الله إليه نازلة ومعصيته إلى ربه صاعدة، علم قد نفسه وهوانها، وتولد عنده خلق الحياء من الله تعالى، وقد قال النبي : «الحياء شعبة من الإيمان» .
7- الاستعداد للرحيل :
إن محاسبة النفس تجعلك تستكثر من الزاد، وليعم لكل مسلم أنه ليس للمرء في الدنيا مقام ولا عليها قرار، فالآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً. يومها لا يعرف أحد أحدًا ولو كان قريبًا أو عزيزًا . ألا يكفي ذلك زاجرًا للعاصي ومنبهًا للغافل وموقظًا للنائم ومذكرًا للناسي، فيتوبون إلى ربهم قبل فوات الأوان " .
8- الازدياد من العمل الصالح :
بمحاسبة النفس يعلم العبد قدر الدنيا وهوانها وعظم الآخرة وثوابها، فيرحل بقلبه من الفانية إلى الباقية، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ .
" وتثمر محبة الله ورضوانه ، تحقيق السعادة في الدارين ، ودليل على صلاح الإنسان، وعلى خوفه من الله، ومن خاف من الله بلغ المنزلة ، والبعد عن مزالق الشيطان " .
فضل محاسبة النفس :
" لقد حثَّ الله أهل الإيمان على محاسبة نفوسهم والتأمل فيما قدّموه لأخراهم فقال : ( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .
قال صاحب الظّلال: " وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرّد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته ، ويمدّ ببصره في سطورها كلّها يتأمّلها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدّم لغـده في هذه الصفحة. وهذا التأمّل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلاً ورصيده من البرّ ضئيلاً ؟! إنها لمسةٌ لا ينام بعدها القلب أبداً، ولا يكفّ عن النظر والتقليب ) .
وقال تعالى : ( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) . يقـول الفـرّاء: ( ليس مـن نفسٍ برّةٍ ولا فاجـرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ ازددتِ، وإن عملت شرّاً قالت: ليتني لم أفعل ). وقال الحسن في تفسير هذه الآية :" لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكـلـتـي؟ مــاذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه " .
" ويقول الله _عزّ وجلّ _ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه :( إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الكيِّـس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله "
وما أجمل قول الفاروق عمر _ رضي الله عنه _في عبارته الشهيرة : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِـيَةٌ ) .
وصدق _ رحمه الله _ ؛فإن المحاسبة للنفس في دار الدنيا أهون من محاسبة الله للعبد في يوم تشيب فيه رؤوس الولدان . فالمحاسِب هو الله ، وكفى بالله حسيبا .والوثيقة التي يُدان بها العبد ( كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا ) .
يصف الحسن البصري المؤمن بقوله :"المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. ويقول ميمون بن مهران: "إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه " .

" روي عن الإمام أحمد أن وهب بن منبِّه قال : ( مكتوب في حكمة آل داوُد : حق على العاقل ألا يَغفل عن أربع ساعات :ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ، وإجماماً للقلوب .
ومن هنا تتضح أهمية محاسبة النفس ، وخطورة إهمالها من غير محاسبة وملاحظة ؛ لأن إهمالها هو شأن الغافلين السادرين . قال ابـن القيم _ رحمـه الله _ : ( أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسـتـرسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك ، وهذا حال أهل الغرور : يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة ، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسـر عليه فطامها ) .
ولنستمع إلى هذه الكلمات الجميلة لأبي حامد الغزالي وهو يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحيّة فيقول: فَعَرف أربابُ البصائر من جملة العباد أنّ الله _ تعالى _ لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويُطالبون بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللحظات، وتحقّقوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدقُ المراقبة ومطالبةُ النّفْس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتُها في الخطرات واللحظات" .

اسلام عادل محمد
10-14-15, 09:04 AM
بارك الله فيك اخى الكريم