المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)



أم حمد
03-30-14, 6:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)
فيقول الله تعالى(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)الحديد،
لقد دلت هذه الآية على داء خطير لا يكاد يخلو منه أحد من الخلق، وهو قسوة القلب،وبينت الآية سببه وهو،طول الأمد،على صاحب هذا القلب،

ومن هذا ندرك أن ضعف الإيمان يورث قلة خشوع القلب،

فإذا طالت على العبد الأيام،وتوالت عليه الأعوام حل في القلب طول الأمل،فصاربالتسويف والإمهال،سأفعل،وسوف،ولعل،في تحقيق مقصده،وبذلك يقل الإيمان في القلب من العلم والعمل، فتتعطل حركة القلب النافعة المبنية على الإيمان فيذهب خشوعه وتتحجر أرضه حتى ييبس ويتصلب،

وإذا قسا القلب لم تنفعه موعظة،كالأرضِ إِن سبخت لم ينفع المطر
وأصل الإيمان المثمر لين القلب وإنابته وخشوعه،هو الإيمان بالله واليوم الآخر،

وأساس الإيمان بالله معرفته وعبادته التي تقوم على،المحبة،وأساس الإيمان باليوم الآخر،التصديق بالبعث والجزاء،مثوبة بالجنة،

وعقوبة بالنار،وهما الباعثان على الرجاء،والخوف،

ولما كان المخاطبون بالآية من أهل الإيمان،كما قال ابن مسعود،رضي الله عنه،قال،ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله تعالى بقوله(أَلمْ يأْنِ للذين آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذكْرِ اللَّه)الحديد،إلا أربع سِنين،رواه مسلم،

دل ذلك على أن أصل ذلك حاصل في القلب وأن المطلوب حصوله هو كمالُه الواجب والمستحب الباعث على العمل،

فعلم من هذا أن الذي أوجب تخلف السير إلى الله،تعالى،هو ضعف المحبة والخوف والرجاء في القلب بسبب ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر،إلى حد أوجب ترك العبادات الواجبة والوقوع في المعاصي المحرمة،

فطول الأمل وتطاول المدد على القلب فيه استبعاد للآخرة يوجب قسوة القلب،

ومعنى قوله تعالى(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد)قال ابن جزي رحمه الله،أي مدة الحياة

،حتى نسوا ذكر الله وعهده وأمره،

والمقصود أن صلاح القلب منوط بشهوده الآخرة وقربها ، فكلما زاد إيمان العبد بها ، وتذكره لها زاد صلاح قلبه ، وكلما غفل عنها ، واستبعدها لطول أمله قل صلاح قلبه حتى يفنى إيمانه مع ترحل الآخرة منه ، كحال المنكرين لها،

ومما يدل أن هذه الآية التي حثت على الخشوع خشية قسوة القلب،جاءت بعد ذكر مشهد من مشاهد الآخرة فيه بيان حال المؤمنين والمنافقين،فقال تعالى(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ،يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)

قال السعدي،رحمه الله،لما ذكر حال المؤمنين والمؤمنات،والمنافقين والمنافقات في الدار الآخرة،كان ذلك مما يدعو القلوب إلى الخشوع لربها،والاستكانة لعظمته،فعاتب الله المؤمنين على عدم ذلك،فقال(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ)

وأن صلاح القلب مرتبط بمعرفة الصراط المستقيم وسلوكه،وذلك متوقف على إيمانه وشهوده الآخرة،

وجهل العبد بالصراط المستقيم وعدم علمه بتفاصيله التام عنه،سببه خلو قلبه من الآخرة،وعدم إيمانه بها،

والفتن الجارية،من أسبابها قسوة القلوب وتكلفها غير ما أمرت به،كما قال ابن كثير،رحمه الله،نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى،لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً ونبذوه وراء ظهورهم،وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة،وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله،فعند ذلك قست قلوبهم،فلا يقبلون موعظة،ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد،
والذي يهدم الشهوات من القلب ويذهب قسوته،منازل الآخرة وهو القبر،وتذكر أول مراحل السفر إليه وهو،الموت ،ولهذا قال النبي،صلى الله عليه وسلم(أكثروا ذكر هاذم اللذات،الموت)صحيح الجامع،
ولما عاتب الله المؤمنين قال،بعد ذلك(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)الحديد،
قال ابن كثير،رحمه الله،ففي ذكره تعالى،لهذه الآية،كما يحيي الأرض بعد موتها،كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي،والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك،إنه جواد كريم،

اللهم هون علينا سكرات الموت،وأجرنا من عذاب القبر ومن عذاب جهنم،واجعلنا عند الفزع الأكبر من الآمنين،واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين،واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة وافرش لنا قبورنا من فراش الجنة واجعل القبر خير دار لنا وأهلاً خيراً من أهلنا ونور قبورنا بالقرآن،وشفع فينا حبيبك محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
وأدخلنا الجنة واحشرنا مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.