المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعامل موسى عليه السلام مع الهم



أم حمد
03-27-14, 5:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعامل موسى عليه السلام مع الهم
كل إنسان يتمنى أن يعيش بسعادة وطمأنينة،وهدوء بال،

يستوي في ذلك الكبير والصغير والرجل والمرأة،وإن كانوا يختلفون في الوصول إلى ذلك المطلب،

فطرائق الناس شتى في الوصول إلى السعادة،وطرد الهم،

ولا ريب أن ما جاءت به الأنبياء هو،الطريق الأعظم للوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)

والحديث سيدور حول سيرة نبي من أولي العزم في التعامل مع الهم،والسعي في طرد القلق،وجلب السعادة،ألا هو نبي الله موسى عليه السلام،

فسيرة موسى عليه السلام،في ذلك الشأن تحمل عجباً،إذ تنطوي على أسرار بديعة، وأصول عظيمة في التعامل مع الهم،

يقول الله عز وجل،بعد خطابِه لموسى عليه السلام(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)

ففي هذه الآية أمرٌ من الله لموسى،وتكليف له بتلك المهمة التي تنوء بحملها الجبال،حيث أرسله إلى جبار عنيد متكبر،أوتي ما أوتي من القوة والجبروت والتمكين،وبلغ به الكبر مبلغاً يقول فيه(أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)ويقول(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)
ولما جاء موسى التكليف من لدن ربه للقيام بتلك المهمة استحضرعليه السلام،عظمها،واستشعر أنه قد بعث إلى بني إسرائيل وهم قوم قد عرفوا بالعناد،وقلة الاستجابة لداعي الحق،

فما كان منه عليه السلام،إلا أن لبَّى نداء ربه،وفزع إليه،

بدعوات تثبِّت جنانَه،وتقوي عزيمته،وتقيه عثار الطريق،وكان أول تلك الدعوات هي قوله(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)

وإنما بدأ بتلك الدعوة،لعلمه أن هذه المهمة الجسيمة تحتاج إلى قدر كبير من انشراح الصدر،وقوة القلب،وسعة البال،ولإدراكه أنه إن ضاق صدره تنغصت حياته،ولم يصدر عنه خير كثير،ولا عمل جليل،

ثم إنه عليه السلام،قد عانى من الغم ما عانى وذلك عندما قتل القبطي، وخرج خائفاً يترقب،وما مر به من أحوال أقلقت باله، وأفقدته طمأنينته حتى قال له الرجل الصالح(لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
بل إنه عليه السلام،صرح بخوفه من الهم عندما قال(وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي)

ولو كان الدعاء وحده كافياً لاقتصر المسلمون على قولهم في صلواتهم(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) دون عمل وسعي في سلوك ذلك الصراط المستقيم،

وهذا ما كان حاضراً في ذهن موسى عليه السلام،حيث أخذ بكل ما يستطيع من الأسباب الجالبة لشرح الصدر،الطاردة لكل ما يحول دون ذلك،

ومما أخذ به من أسباب أنه دعا ربه بدعوات عظيمة اشتملت على حسن السؤال،وجميل التضرع،ونبل الهدف والغاية،حيث قال،عليه السلام(وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)

وإذا يسَّر الله له أمره زاد انشراح صدره، وأقبل على الدعوة بكل تدفُّع وقوة،

ثم قال بعد ذلك(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)كي يُفصح عما عنده من الحق،فلا يبقى بعد ذلك حجةٌ لمعاند أو متكبر،

ثم أدرك موسى أن هذه المهمة تحتاج إلى مؤازرة وإعانة، ومشاركة على الخير فقال(وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي،هَارُونَ أَخِي،اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي،وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)

ولا ريب أن القريب المشارك في الخير،الذي يحمله ما يحمله قريبه من أعظم العون على المهمات مهما جَلَّت،

وإذا كان ذلك القريب أخاً كان ذلك نوراً على نور،وخيراً على خير،

وإذا قام المرء بعمله على أتم وجه انشرح صدره، واتسعت نفسه.
ثم إن موسى،عليه السلام،ختم ذلك الدعاء بخاتمة عظيمة،هي من أعظم أسباب إجابة الدعاء،حيث قال(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً،وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً،إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً)

فالغاية من ذلك والهدف هو توحيدُك يا ربنا،وذكرُك الذي هو الغاية من كل قربة يُتقرب بها إليك،
وتلك الغاية هي أقصى ما يكون من السعادة،لذا كان موسى حرياً بإجابة تلك الدعوات،قال الله عز وجل(قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)ولما أخبره ربه،جل وعلا،أنه قد أجاب دعاءه، وآتاه سؤله هل وقف عند هذا الحد، واكتفى بتلك البشارة،
لا،بل إن تلك البشارة كانت كالوقود له،حيث أخذ بالأسباب التي تعينه على جلب السعادة لنفسه،وطرد الهم،والمضي قدما في تبليغ دعوة ربه،
ومما أخذ به،عليه السلام،أنه طرد شبح الخوف عن نفسه،إذ الخوف من أعظم موانع السعادة،فلما شعر موسى بالخوف من فرعون إن هو قَدم عليه،لعلمه بطغيانه وجبروته،قال مخاطباً ربه جل وعلا(إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى)
فأجابه ربه بقوله(لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)

فلما استشعر موسى معيَّة الله الخاصة سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وأقبل على دعوة فرعون،ومما أعانه على ذلك،أخذه بوصية ربه إذ قال له(وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)
فكان عليه السلام،كثير الذكر لله عز وجل،وذلك من أعظم أسباب سعادته، وقوة قلبه، ومضيه في الدعوة،
ومما أخذ به موسى،عليه السلام،في ذلك الصدد أنه لم يستسلم لاستثارة فرعون واستفزازه له،حيث أراد فرعون أن يستثير غضب موسى، ويشتت ذهنه،أنه قال له(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ)يشير بذلك إلى قتل موسى للقبطي، فلم يستجب موسى لذلك وإنما قال(فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ)

ولم يكتف فرعون بذلك، بل رمى موسى بالجنون،حيث قال(إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)الشعراء،

ثم انتقل إلى تهديده، فقال(لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ)الشعراء،

ثم اتهمه بعد ذلك بالسحر،وأنه يريد أن يخرج الناس من أرضهم بسحره، وأن تكون له ولمن معه الكبرياء في الأرض،

ثم انتقل إلى نوع آخر من الاستفزاز،فقال(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ)الزخرف،ولكن موسى،عليه السلام،لم يستجب لذلك،وإنما واصل طريقته في إيراد الحجج التي بهرت فرعون وقومه،فصارت الغلبة لموسى،عليه السلام،

ولولا أن الله،عز وجل،ثـبَّت موسى،وربط على قلبه في تلك المواقف الصعبة لاضطرب،ولفقد صوابه،ولما كانت له تلك المقامات العالية التي قام بحقها بنفس مطمئنة،

وهكذا انتصر موسى،عليه السلام،على الغم بفضل الله عز وجل،ثم بإحسانه وأخذه بالأسباب،
ولهذا كان مما امتنَّ الله عليه أن نجاه من الغمِّ،قال تعالى(فنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً)
فكان من إحسانه،عليه السلام،سقياه للفتاتين اللتين رآهما تذودان عند الماء، فتحركت في نفسه دواعي الشهامة،فسقى لهما،وسار معهما وهو ناكس الطرف،ثم تولى إلى الظل لا يريد جزاءً ولا شكوراً،

بل إنه لما أراد والد الفتاتين تزويجه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج فإن أتمَّ موسى عشراً فمن عنده،أبت له شهامة خاطره، وكرم نفسه إلا أن يتم العشر كاملة، ولا ريب أن ذلك من قبيل الإحسانِ، والإحسانُ من دواعي السرور وطرد الهم، ومن مهيئات السؤدد، والترقي في مراقي الفلاح.

عيسى محمد
03-27-14, 10:27 AM
جزاك الله خيرا

أم حمد
03-29-14, 4:49 AM
جزاك الله خيرا



بارك الله في حسناتك اخوي عيسى محمد
وجزاك ربي جنة الفردوس