المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول المفيد في حكم التجويد



عماد طاهر
02-28-14, 4:06 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه
أما بعد ,,,

بدون مقدمات طويلة هذا من الموضوعات التي بحثت فيها كثيرا وقرأت أدلة كلا الفريقين بالتفصيل وترجح بل تأكد عندي أن التجويد ليس بواجب بل غاية ما فيه أن يكون مستحب والأدلة على ذلك كثيرة وواضحة الدلالة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم.

من هذه الأدلة:
(1) قوله تعالى "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ"
وهي من الآيات التي تكررت كثيرا داخل السورة - سورة القمر
فكل ما من شأنه أن يجعل قراءة القرآن على الشخص السوي الخلقة من بني آدم عموما ومن العرب خصوصا عسيرة فهو باطل
ومعلوم أن أحكام التجويد كما هي مدونة ومصنفة في الكتب يشق أخذها كلها وتعلمها على عامة المسلمين ثم يشق بعد ذلك على من بعض من تعلمها الاتيان بها على الوجه الذي يريده أئمة القراءات الذي يعتبروه أنه الصحيح ودونه خطأ سواء كان ذلك في مخارج الحروف أو صفاتها أو مستحقاتها

(2) قوله تعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"
وهذه الآية يستشهد بها بعض القائلين بوجوب التجويد مع إنها حجة عليهم لا لهم لأن الجملة في الآية جملة خبرية فالله تعالى تعهد بحفظ القرآن ولو صح أن قراءة القرآن بدون أحكام التجويد تعد تحريف لكان نتيجة ذلك أن القرآن في عصرنا الحالي تم تحريفه لدى أكثر المسلمين , فالمعلوم أن أغلب المسلمين بل ربما لا أبالغ إن قلت أغلب أئمة المساجد لا يلتزمون بكل أحكام التجويد في قراءتهم
فهذه النتيجة لا شك باطلة فما أدى إليها فهو باطل

(3) عن جابر بن عبد الله ، قال : "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن ، وفينا الأعرابي والأعجمي ، فقال : اقرءوا فكل حسن ، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح ، يتعجلونه ولا يتأجلونه " . رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "فكل حسن" مع أن فيهم أعاجم لهو كاف في اثبات المراد إذ يبعد جدا أن يقرأ الأعاجم العربية كالعرب فضلا عن القراءة بأحكام التجويد التي أصلا لم تكن تدرس آنذاك
قد يستدرك المخالف على دلالة الحديث بأنه لا يلزم أن الأعاجم في هذا المجلس لا يقرأون بالتجويد فلا مانع أن يكونوا تعلموا والتزموا بالتجويد

أجيب:
لو كان الأعاجم في هذا الوقت يقرأون كالعرب لما كان هناك أي فائدة من ذكرهم في الحديث هم والأعراب
فمن البديهي أن أي صحابي يروي حديثا فإنه يظن أن فيه زيادة فائدة ربما غابت عن بعض الناس أو خالفها بعض الناس وإلا كان حديثه تحصيل حاصل لا فائدة فيه
فإن كانت قراءة الأعجمي والعربي في هذا المجلس سواء من ناحية الالتزام بمخارج الحروف وصفاتها باقي وأحكام التجويد فلا يبقى فرق بينهما سوى في النوع فقط , وهل كان أحد يظن أن الأعجمي إذا قرأ القرآن بطريقة صحيحة لا يُقبل منه لمجرد أنه أعجمي ؟!!!
فما هي الشبهة المتوهمة التي أراد أن يدفعها راوي الحديث إذن؟
إلا أن تكون الشبهة المتبادرة إلى الذهن والتي نحن بصددها الان وهي قراءة الكلمات على هيئة تختلف عن هيئة قراءة العرب في هذا الزمان لكن تظل مفهومة عندهم معناها
وهذا بالضبط المعنى المراد إثباته أن اللفظ العربي هو ما تكلم به العرب أو فهموه أنه من لغتهم
فمثلا كلمة "الأرض" عندما ينطقها أي شخص عامي من العرب يفهمها أي شخص عربي آخر من المحيط إلى الخليج ويعرف أن هذه كلمة عربية سواء رقق الألف أو فخمها وسواء أخرج الضاد من مخرجها الصحيح من حافة اللسان مما يلي الأضراس أو من مخرج قريب وسواء أعطاها حقها من صفة الاستطالة أم لا

والعرب أصلا لم يُجمعوا على صفات الحروف هذه ومخارجها فضلا عن أحكام التجويد الأخرى من مد وإدغام وما إليه فبعض قبائل العرب كان ينطق الحاء مثل العين وبعضهم ينصب بالفتح والياء للمثتى وبعضهم بالضم والألف للمثنى

فالإعراب وعلم النحو بأسره علم حادث نشأ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه يعني بعد زمن النبوة وزمن التشريع بسنوات عديدة فكيف يصلح أن تكون قواعده شرطا في صحة القرآن
فهذه القواعد لا دليل على أنها استوعبت كل لغات ولهجات قبائل العرب حتى زمن البعثة

ولذا يجد بعض المفسرين و القراء إشكالا كبيرا عندما تأت آية مخالفة لقواعد النحو المعروفة
كآية "إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" في سورة طه فقد وردت فيها قراءات صحيحة مخالفة للإعراب , ويجب التنبيه هنا على أننا نقول "مخالفة للإعراب" وليس "مخالفة لغة العرب" لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين أي بما يتكلم به العرب وما يفهمونه
فدائرة لسان العرب أشمل من دائرة النحو المعاصر إذ أن قواعد النحو كما ذكرت استوعبت بعض لغات العرب وليس جميعها
قال القرطبي في تفسيره للآية:
وْلُهُ تَعَالَى : قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ
قَرَأَ أَبُو عُمَرَ ( إِنَّ هَذَيْنَ لَسَاحِرَانِ ) . وَرُوِيَتْ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ؛ وَمِنَ الْقُرَّاءِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرِيُّ ؛ فِيمَا ذَكَرَ النَّحَّاسُ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْإِعْرَابِ مُخَالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ .
وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُفَضَّلُ وَأَبَانٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ إِنْ هَذَانِ بِتَخْفِيفِ ( إِنَّ ) ( لَسَاحِرَانِ ) وَابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ نُونَ ( هَذَانَ ) . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ سَلِمَتْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُصْحَفِ وَمِنْ فَسَادِ الْإِعْرَابِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَا هَذَانَ إِلَّا سَاحِرَانِ .
وَقَرَأَ الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ ( إِنَّ هَذَانِ ) بِتَشْدِيدِ ( إِنَّ ) ( لَسَاحِرَانِ ) فَوَافَقُوا الْمُصْحَفَ وَخَالَفُوا الْإِعْرَابَ .
قَالَ النَّحَّاسُ فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ قَدْ رَوَاهَا الْجَمَاعَةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ ،
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ( إِنْ هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ )
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ ) بِغَيْرِ لَامٍ ؛
وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي حَرْفِ أُبَيٍّ ( إِنْ ذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ ) فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ أُخْرَى تُحْمَلُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا أَنَّهَا جَائِزٌ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْمُصْحَفَ ـ
...
ثم قال:
وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له ، والنحاس في إعرابه ، والمهدوي في تفسيره ، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض
...
ثم قال:
وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم . وقال أبان بن عثمان : قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان ، فقال لحن وخطأ ؛ فقال له قائل : ألا تغيروه ؟ فقال : دعوه فإنه لا يحرم حلالا ولا يحلل حراما .
القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحارث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف ؛ يقولون : جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، ومنه قوله تعالى : ولا أدراكم به على ما تقدم . وأنشد الفراء لرجل من بني أسد - قال : وما رأيت أفصح منه :
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى *** مساغا لناباه الشجاع لصمما
ويقولون : كسرت يداه وركبت علاه ؛ يديه وعليه ؛ قال شاعرهم [ هوبر الحارثي ] :
تزود منا بين أذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقم
وقال آخر :
طاروا علاهن فطر علاها
أي عليهن وعليها .
وقال آخر :
إن أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها
أي إن أبا أبيها وغايتيها .
قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية. انتهى

وقس على هذا أيضا الآيات التي رسمت في المصحف مخالفة لقواعد النحو كقوله تعالى " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" ثُمَّ قَالَ :" وَالْمُقِيمِينَ" في سورة النساء
و "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ" في المائدة


(4) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه؛ قال: « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نقتري، فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم؛ يتعجل أجره ولا يتأجله » .
رواه أبو داود وإسناده حسن. ومعناه مشابه للحديث السابق

(5) عن زيد بن سهل ، قال : قرأ رجل عند عمر ، فغير عليه ، فقال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يغير علي ، قال : فاجتمعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فقرأ الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : " قد أحسنت " ، قال : فكأن عمر وجد من ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عمر ، إن القرآن كله صواب ما لم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذابا " رواه أحمد والبخاري في التاريخ الكبير

فقوله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه "إن القرآن كله صواب ما لم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذابا" ينسف دعوى وجوب التجويد نسفا بل يتعدى ذلك لجواز استبدال لفظ بآخر إذا تشابه في المعنى وليس فقط استبدال صفة بصفة أو مد بمد طالما بقيت الكلمة مفهومة عربية الصورة
ومسألة جواز استبدال لفظ بآخر يؤدي نفس المعنى أو مقارب هو مذهب كثير من علماء السلف تفسيرا للسبعة أحرف الذي أنزل القرآن عليها فقالوا هي الألفاظ المختلفة للمعانى المتشابهة مثل "مشى" و "سعى" و "ذهب" ومثل "تعال" و "إءت"

قال الحافظ بن حجر في شرح حديث "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" بعد أن ساق كلام العلماء فيه:
وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله أنزل القرآن على سبعة أحرف أي أنزل موسعا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه ، أي : يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه ، كأنه قال : أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة وذلك لتسهيل قراءته ، إذ لو أخذوا بأن يقرءوه على حرف واحد لشق عليهم كما تقدم .

قال ابن قتيبة في أول " تفسير المشكل " له : كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم بلغتهم ، فالهذلي يقرأ : عتى حين ، يريد : " حتى حين " والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله ، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز ، قال : ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلا وناشئا وكهلا لشق عليه غاية المشقة ، فيسر عليهم ذلك بمنه اهـــــــ
(فتح الباري - كتاب فضائل القرآن - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف)

(6) عن عبد الله بن مسعود قال " أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة من آل " حم " ، فرحت إلى المسجد فقلت لرجل : اقرأها ، فإذا هو يقرأ حروفا ما أقرؤها ، فقال : أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه ، فتغير وجهه وقال : إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف" رواه أحمد وابن حبان والحاكم

(7) ومن الأدلة النقلية أيضا أنه لم يُنقل عن أحد من الصحابة قط أنه قام بتعليم الناس أحكام التجويد ولا قال باشتراط ذلك لصحة القراءة أو صحة الصلاة
قد يقول قائل: هذا لأن الناس حينئذ كانوا عرب أقحاح وكانوا يأخذون القرآن سماعا بدون الحاجة لشرح كيفية نطق الكلمات ولا شرح الأحكام التفصيلية فكان يكفيهم مجرد السماع

أجيب:
أولا: هذا غير مُسلم به , فجاء في بعض الأخبار أن أحدهم لم يكن يحفظ الفاتحة
وجاء في خبر أن ابن مسعود أقرأ رجلا "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" فقال الرجل "طعام اليتيم" فرددهاعليه فلم يستقم بها لسانه فقال أتستطيع أن تقول طعام الفاجر قال نعم قال فافعل وأخرج الحاكم وصححه وجماعة عن أبي الدرداء أنه وقع له مثل ذلك فلما رأى الرجل أنه لا يفهم قال إن شجرة الزقوم طعام الفاجر . أخرجه أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر

ثانيا: في عصر الصحابة تم فتح كثير من بلاد العجم , فارس والروم والبربر , ولو كان التجويد حتم لازم ومن لم يجود آثم لنقل عنهم أنهم علموا العجم ممن دخلوا في الإسلام أحكام التجويد ولكن هذا لم ينقل قط ولو بخبر ضعيف

قال الشيخ التويجري في (إتحاف الجماعة) بعد أن ذكر أحاديثا ممن ذكرناها آنفا:
وفي هذه الأحاديث فوائد: إحداها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب القراءة السهلة.
الثانية : أنه كان يأمر أصحابه أن يقرأ كل منهم بما تيسر عليه وسهل على لسانه.
الثالثة : ثناؤه عليهم بعدم التكلف في القراءة.
الرابعة : أنه لم يكن يعلمهم التجويد ومخارج الحروف، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يعلم في التجويد ومخارج الحروف، ولو كان خيرًا؛ لسبقوا إليه ! ومن المعلوم ما فتح عليهم من أمصار العجم من فرس وروم وبربر وغيرهم، وكانوا يعلمونهم القرآن بما يسهل على ألسنتهم، ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يعلمونهم مخارج الحروف، ولو كان التجويد لازمًا؛ ما أهملوا تعلمه وتعليمه.
الخامسة : ذم المتكلفين في القراءة، المتعمقين في إخراج الحروف.
السادسة : الرد على من زعم أن قراءة القرآن لا تجوز بغير التجويد، أو أن ترك التجويد يخل بالصلاة، وقد أخبرني بعض من أم في المسجد النبوي أن جماعة من المتكلفين أنكروا عليه إذ لم يقرأ في الصلاة بالتجويد، وما علم أولئك المتكلفون الجاهلون أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الأعرابي والعجمي والأحمر والأبيض والأسود على قراءتهم، وقال لهم: كل حسن ، وأنه صلى الله عليه وسلم ذم المتكلفين الذين يقيمونه كما يقام القدح والسهم ويثقفونه ويتنطعون في قراءته كما هو الغالب على كثير من أهل التجويد في هذه الأزمان. اهـــــ

(8) القول بوجوب أحكام التجويد يلزم منه الحكم ببطلان صلاة السواد الأعظم من المسلمين و تأثيمهم ويلزم منه منع كل مسلم من عموم المسلمين بقراءة القرآن حتى يتعلم أحكام التجويد كاملة بأحد القراءات العشر وهذا مما تستهجنه النفوس السوية ويتنافى مع كون هذا القرآن أنزل إلى الثقلين الإنس والجن أُنزل إلى البشر منذ البعثة النبوية إلى يوم القيامة بما فيهم من عرب وعجم وعمال و فلاحين والنساء في بيوتهن أمرهم الله جميعا بقراءة القرآن فقال تعالى "فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ" , كيف وأن الأعرابي أو الأعجمي كان يدخل الإسلام وفي نفس اليوم يقيم الصلاة ويقرأ القرآن

وأما القائلون بوجوب التجويد فالاتي هو أقوى ما يستدلون به والرد عليه
(1) قوله تعالى "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا"
الرد:
أنهم لو رجعوا للمفسرين وهم أهل هذا الفن وأدرى الناس بأسباب النزول ومعاني الألفاظ لوجدوا أن الترتيل ليس المقصود به التزام أحكام التجويد ولم يقل بهذا أحد من المفسرين أو الفقهاء فيما أعلم
الترتيل معناه القراءة بتؤدة وطمأنينة بغير إسراع شديد ولا بطء ومط شديد
وهذه نقولات لبعض التفاسير
قال ابن كثير في تفسيره:
وقوله : ( ورتل القرآن ترتيلا ) أي : اقرأه على تمهل ، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره اهـــــ

وقال القرطبي:
قوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا أي لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني . وقال الضحاك : اقرأه حرفا حرفا . اهـــــ

وقال الطبري:
وقوله : ( ورتل القرآن ترتيلا ) يقول جل وعز : وبين القرآن إذا قرأته تبيينا ، وترسل فيه ترسلا . اهـــ

وقال البغوي:
( ورتل القرآن ترتيلا ) قال ابن عباس : بينه بيانا . وقال الحسن : اقرأه قراءة بينة . وقال مجاهد : ترسل فيه ترسلا ...
ثم ذكر خبر عن عبد الله بن مسعود قال : لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة . اهــــ

فأين ما زعموه من أن الترتيل هو الالتزام بأحكام التجويد؟!

(2) قوله تعالى "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ"
فقالوا حق تلاوته هو تجويده
الرد:
أن هذا أيضا خلاف ما ذكره المفسرون فقد قالوا أن حق تلاوته هي تدبره وإحلال حلاله وتحريم حرامه
وبعضهم قال أن الآية في أهل الكتاب السابقين وليست في أمة محمد أصلا
قال ابن كثير:
وقوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : هم اليهود والنصارى . وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير .
وقال : سعيد عن قتادة : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، وعبد الله بن عمران الأصبهاني ، قالا حدثنا يحيى بن يمان ، حدثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ( يتلونه حق تلاوته ) قال : إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة ، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار .

وقال أبو العالية : قال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله .
وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود .
وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه عن مواضعه . اهــــ

وقال القرطبي:
قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب قال قتادة : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والكتاب على هذا التأويل القرآن . وقال ابن زيد : هم من أسلم من بني إسرائيل . والكتاب على هذا التأويل : التوراة ، والآية تعم . والذين رفع بالابتداء ، آتيناهم صلته ، يتلونه خبر الابتداء ، وإن شئت كان الخبر أولئك يؤمنون به .

واختلف في معنى يتلونه حق تلاوته فقيل : يتبعونه حق اتباعه ، باتباع الأمر والنهي ، فيحللون حلاله ، ويحرمون حرامه ، ويعملون بما تضمنه ، قاله عكرمة . قال عكرمة : أما سمعت قول الله تعالى : والقمر إذا تلاها أي أتبعها ، وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما . وقال الشاعر :
قد جعلت دلوي تستتليني
وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يتلونه حق تلاوته قال : ( يتبعونه حق اتباعه ) . في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد إلا أن معناه صحيح . وقال أبو موسى الأشعري : من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله ، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها . وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا مر بآية رحمة سأل ، وإذا مر بآية عذاب تعوذ . وقال الحسن : هم الذين يعملون بمحكمه ، ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه . وقيل : يقرءونه حق قراءته .
قلت (القائل هو القرطبي) : وهذا فيه بعد ، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه ، ويفهمون معانيه ، فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق . اهــــــ

وقال الطبري:
اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله - جل ثناؤه - بقوله : ( الذين آتيناهم الكتاب ) فقال بعضهم : هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه .

ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب ) ، هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به .

وقال آخرون : بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل ، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله ، فأقروا بحكم التوراة ، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان به ، والتصديق بما جاء به من عند الله .

ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) ، قال : من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون .

وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة ؛ لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين ، وتبديل من بدل منهم كتاب الله ، وتأولهم إياه على غير تأويله ، وادعائهم على الله الأباطيل ، ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر ، فيكون قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب ) ، موجها إلى الخبر عنهم اهـــــــ

وكذلك سائر الآيات التي يستشهدون بها فإنك ترى أقوال المفسرين في واد و قولهم في واد آخر

(3) بعضهم أبعد النعجة وادعى الإجماع ولا شك هذا القول ظاهر البطلان فإن جمهور الفقهاء على أن التجويد ليس بواجب
والأحكام كالواجب والمستحب والحلال والحرام هي بالتأكيد مسائل في علم الفقه لا في علم القراءات
فإن عالم القراءات ينتهي دوره عندما ينقل اللفظ من طريق كذا برواية فلان عن قراءة فلان لكن هل هذه الهيئة أو الكيفية لازمة أم مندوبة أم مستحبة فهذا يحتاج لعلم الفقه وعلوم الالة كعلم الأصول
تماما مثل المحدث - إذا افترضنا أنه غير فقيه - فإنه ينتهي دوره بتخريج الحديث والحكم على متنه وسنده بالصحة أو الضعف
لكن هل الحديث الذي صح محكم أم منسوخ على عمومه أم دخله التخصيص هل الأمر فيه للوجوب أم الندب أم الإرشاد فهذا يحتاج لفقه وأصوله لمعرفة الآيات المتعلقة بالمسألة والأحاديث الأخرى الواردة بالباب وقول وعمل الصحابة ودلالة الألفاظ وتحقيق وتنقيح المناط واستخراج العلة ومن ثم استنباط الحكم

(4) وربما أقوى ما يستدل به القائلون بالوجوب هو أنه لما كان القرآن قد نُقل إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم مُجَوَّدا ولما كنا مأمورين باتباع النبي فالواجب تلاوة القرآن على النحو الذي رُوي عنه صلى الله عليه وسلم
الرد:

أولا: الفعل الذي نقل إلينا إما يفيد الوجوب أو الاستحباب أو مجرد الجواز والآيات والأحاديث التي سبق ذكرها كافية في صرف المسألة إلى الاستحباب أو الجواز
فليس كل ما نُقل واجب قد يكون واجب في أصله لا في كيفيته
كالصلاة والحج مثلا فقد نقل إلينا كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو واجب لا تصح إلا به وهي الأركان كالركوع والسجود ومنها ما هو سنة مستحبة لا تفسد الصلاة بتركها كهيئة الركوع وكيفية رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فهل نقول مثلا أن من خفض يديه في تكبيرة الإحرام بعض الشئ أو رفعها عن الحد المنقول أنه يأثم و صلاته غير صحيحة لأنها هكذا وصلت إلينا كما قال ابن الجزري في تعليل وجوب التجويد بقوله "لأنه به الإله أنزل وهكذا منه إلينا وصل"؟
فكم من المسلمين صلاته فيها كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من كيفية فما يقال في الصلاة يقال في القراءة من باب أولى

ثانيا: إن أحكام التجويد نفسها منها ما هو مختلف فيه فمثلا البعض يقول بإدغام القاف في الكاف في كلمة "نخلقكم" والبعض يمنع من ذلك ويوجب إظهار القاف , البعض يرى تفخيم الراء في كلمة "فِرْق" التي في سورة الشعراء والبعض يرى الترقيق

ثالثا: لو كان الواجب قراءة القرآن على نفس الهيئة التي نزل بها جبريل بالضبط كما قال ابن الجزري "لأنه به الإله أنزل"
فلازم هذا القول أنه لا يصح إلا قراءتين هما الموافقتان للعرضة الأخيرة حيث قرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل مرتين
ولو اعتبرنا صحة ما قبل العرضة الأخيرة فإن الذي صح أن عدد المرات التي عُرض فيها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة كل عام ومرتين في آخر عام يعني المجموع أربع وعشرين مرة : ثلاث وعشرين هي عدد أعوام البعثة ومرة زيادة في السنة الأخيرة
عن ابن عباس أنه قال "إِنَّ رسول الله كان يُعرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان مرةً إلا العام الذي قُبض فيه فإِنَّه عُرِضَ عليه القرآنُ مرتين فحَضَرَهُ عبدُالله فشهدَ ما نُسِخَ وما بُدِّلَ .

وهذا الأثر أخرجه النسائي في السنن الكبرى في فضائل القرآن ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ، وسعيد بن منصور في سننه من طرق عن الأعمش عن أبي ظبيان به ، وقال عنه ابن حجر العسقلاني : (إسناده صحيحٌ)
فلازم هذا القول أنه لا يصح إلا هيئتان أو طرقان للقراءة فقط إذا كان المعتبر هو العرضة الأخيرة أو بالأكثر أربع وعشرين إذا تم اعتبار ما قبل العرضة , كيف وإن القراءات المتوترة عشر كل قراءة لها روايتان كل رواية لها طرق متعددة فرواية حفص وحدها لها طرق كثيرة الشاطبية والطيبة , فقد ذكر الإمام ابن الجزري (اثنين وخمسين) طريقا لرواية حفص عن عاصم وحدها وفوق (الثمانين) طريق لرواية قالون عن نافع فهل قرأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بكل هذه الطرق؟!!
وهذه الطرق يصححها أئمة القراءات ويجيزون القراءة بأي منهم
مع أن أكثر الاختلاف فيها لابد أن يكون من تصرف القراء أو الرواة بما يحافظ على أصل الكلمة ومعناها وهو المراد إثباته
لأننا كما قلنا لا يمكن أن تجتمع هيئات هذه القراءات كلها بطريق النقل عن العرضة الأخيرة ولا عن ما قبلها

والحاصل من هذه النصوص والنقولات أن اللحن الذي ينكر على صاحبه وتبطل قراءته هو ما يغير الكلمة تغييرا يخل بالمعنى ويقلبه إلى معنى آخر لا يتوافق مع مراد النص
أما التغيير في أحكام التجويد التي هي من صنف الإدغام والغنة والقلقلة وما إليها فلا يفسد القراءة وإن كان القراءة بها أكمل

كما هو الحال أيضا في تغيير تشكيل الكلمات من صنف الرفع والجر والنصب والتشديد إن لم ينبني عليه تبديل للمعنى

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك . فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه وكذلك شغل النطق بـ { أأنذرتهم } وضم الميم من ( عليهم ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك . وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت .

وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان .
وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم .
( مجموع فتاوى ابن تيمية - الآداب والتصوف - تفسير سورة الطلاق - ج16 )

إن الله تعالى أنزل هذا القرآن للتدبر والتدبر يكون بتعلم معانيه وأسباب نزوله و أحكامه وقصصه وعبره وأوامره ونواهيه وترغيبه وترهيبه يسر قراءته وحفظه وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم قولا وإقرارا بالحث على قراءته بما يتيسر بلسان الشخص مالم يبدل المعنى و يقلبه فيجب على المسلم أن يحرص على هذا فيكون همه في المقام الأول والأساس عندما يقرأ أن يتدبر المعنى و يتفقه في الدين ويعمل بكل آية يقرؤها لا أن يصرف كل ذهنه لقواعد التجويد وضبط المخارج و دقائق الإعراب وكذلك من يستمع لقراءة غيره لا يكون كل همه الوقوف على الأخطاء وتتبع مواطن اللحن فإن هذا و الله من تلبيس الشيطان بل الواجب صرف الذهن لتدبر المعاني و العمل بالآيات و الخشوع و البكاء و الدعاء

و الله المستعان

عيسى محمد
02-28-14, 6:30 PM
جزاك الله خيرا.

عماد طاهر
02-28-14, 9:56 PM
جزاك الله خيرا.



وجزاك بالمثل أخي الكريم

ام زهرة
03-04-14, 11:27 PM
بارك الله في طرحك القيم

عماد طاهر
03-04-14, 11:54 PM
جزاكِ الله خيرا الأخت الفاضلة أم زهرة وفيكِ بارك الله