المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما حُـكم عبارة (إن كان ربك يرمينا بسهام القدر فتصيبنا ، فكيف لي بالنجاة) ؟



مشكاة الفتاوى
10-07-12, 6:37 AM
ما رأيك بهذه العبارة ؟
سأل أحدهم رجلا مؤمنا : إن كان ربك يرمينا بسهام القدر فتصيبنا ، فكيف لي بالنجاة ؟ فأجابهُ : كن بجوار الرامي
وبارك الله فيك

http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

الجواب :
وبارك الله فيك .

هذا فيه أكثر مِن محذور :
الْمَحْذُور الأول : سوء الأدب مع الله في قول : (يرمينا بسهام القدر) .
ومِن الأدب مع الله أن لا يُنسب إليه الشر والسوء .
قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام : (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ، فَلَم يَنسب الْمرض إلى الله تبارك وتعالى ، وإنما نَسَب إلى الله الشفاء ، ونَسَب المرض إلى نفسه .

قال القرطبي في تفسيره : فأضَاف الْمَرض إلى نَفسه والشِّفاء إلى الله تعالى .
وقال في تفسير قوله تعالى : (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) قال : مَرِضْت رِعاية للأدب ، وإلاَّ فالمرض والشفاء مِن الله عَز وجل جَميعا ، ونَظيره قول فَتَى مُوسَى : (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ) .اهـ.

وقال في تفسير سورة الكهف في قصة موسى مع الْخَضِر : قال في خَرْق السفينة : (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) فأضاف العَيب إلى نفسه ... وأضاف عَيب السفينة إلى نفسه رِعاية للأدب ، لأنها لفظة عَيب فتأدَّب بِأن لم يُسْند الإرادة فيها إلاَّ إلى نفسه ، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله : (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ، فأسْنَد الفِعل قَبل وبَعد إلى الله تعالى ، وأسند إلى نفسه المرض ، إذ هو معنى نَقص ومُصيبة ، فلا يُضاف إليه سبحانه وتعالى مِن الألفاظ إلاَّ ما يُستحسن منها دُون ما يُسْتَقبح ، وهذا كَما قال تعالى : (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) ، واقْتَصر عليه ، فلم يَنسب الشرَّ إليه ، وإن كان بيده الخير والشر ، والضر والنفع ، إذ هو على كل شيء قدير ، وهو بِكُلّ شيء خبير . اهـ .
وقال ابن حجر في فوائد قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع الْخَضِر :
وَفِيهِ حُسْنُ الأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَأَنْ لا يُضَافَ إِلَيْهِ مَا يُسْتَهْجَنُ لَفْظُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ بِتَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ ؛ لِقَوْلِ الْخَضِرِ عَنِ السَّفِينَةِ : فَأَرَدْتُ أَنْ أعيبها ، وَعَن الْجِدَار : فَأَرَادَ رَبك ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالْخَيْر بِيَدِك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك . اهـ .

ومثل ذلك أدب الْجِنّ في الخطاب مع ربّ العالمين .
قال تعالى حِكاية عن الجن : (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) .
قال ابن كثير : وهذا مِن أدبهم في العبارة ؛ حيث أسندوا الشرَّ إلى غير فاعل ، والخير أضافوه إلى الله عز وجل ، وقد وَرَد في الصَّحيح : " والشرّ ليس إليك " . اهـ .

فالتأدّب مع الله مطلوب ومُراعى حتى في الألفاظ .
وفي دعائه صلى الله عليه وسلم : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ . رواه مسلم .
قال الخطابي وغيره : فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى ومدحه ، بأن يُضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب . نقَلَه النووي .

الْمَحْذُور الثاني : في قول : (فتصيبنا) ، وما يُصيب الإنسان لا يخلو من حالين :
الأولى : أن يكون مما قدره الله لِرفعة درجات العبد ، فهذا له وليس عليه ، ولذا كان الأدب أن يُقال كما أمَر الله : (لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا) فالتعبير بـ (لَنَا) يدلّ على أنه خير لهم .
قال القاسمي في تفسيره : (لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا) ، أي : ما أثبته لمصلحتنا الدنيوية أو الأخروية .. ولم يكتبها علينا ليضرّنا بها، إذْ هُوَ مَوْلانا ، أي : يتولى أمورنا . اهـ .
الثانية : أن يكون مما يُصاب به الإنسان بسبب ذنوبه ؛ فهذا فيه تكفير لسيئاته ، ورفعة لدرجاته .
قال الله تعالى فيه : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ . رواه مسلم .

الْمَحْذُور الثالث : في قول : (كُن بجوار الرامي)
وهذا قد يُفْهَم منه أن مَن كان بِجوار الرامي لا تُصيبه السهام ، فإن رَامي السهام مِن البَشر قد يُصيب نفسه ، كما في قصة عامِر بن الأكوع رضيَ اللّهُ عنه ، وهي في الصحيحين . وفيها :
فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: مَا لَكَ ؟ قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ - وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ - إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ .

وهذا اللفظ " كُن بجوار الرامي " وإن كان المعنى المقصود : كُنّ مع الله . فإن التعبير به خطأ ؛ وكأن مَن كان مع الله ولله ، لا يُصاب بِشيء مِن أقدار الله عزَّ وَجَلّ .
وهذا خطأ وغفلة .
فإن الأنبياء أكمل الناس إيمانا ، وحياتهم كلها لله ، ومع ذلك يُصابون بأشد مما يُصاب به سائر الناس .

قال ابن مسعود رضيَ اللّهُ عنه : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ . قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلاّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا . رواه البخاري ومسلم .

والإنسان يُبتلى على قدر إيمانه .
وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي في الكبرى . وحسّنه الألباني والأرنؤوط .

الْمَحْذُور الرابع : كان الصواب توجيه مثل ذلك السائل أولا إلى الأدب مع الله ، وثانيا : إلى ما يُدْفَع به القضاء ، وهو الدعاء ، كما في الحديث : لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ ، وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلاَّ الْبِرُّ . رواه الترمذي مِن حديث سلمان رضي الله عنه ، وقال الألباني : حَسَن .
ورواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان رضي الله عنه .

وفَرْق بين القَدَر وبين القضاء .
قال المناوي : القضاء إنْفَاذ الْمُقَدَّر .

والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد