المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسفة الإعذار بالجهل والتأويل عند أهل السنة والجماعة



محمد سعد عبدالدايم
02-20-12, 12:00 AM
سلطان بن عبدالرحمن العميري
بسم الله الرحمن الرحيم

كان السبب الداعي لكتابة هذا المقال هو ما أثاره بعض الباحثين حين اعتقد أن قاعدة الإعذار بالجهل تشمل ساب الله ورسوله , بناء على ما فهمه من قاعدة أهل السنة والجماعة في التفرق بين الفعل والفاعل , فكان لا بد من كتابة مقال تأصلي يُقَرر فيه حقيقة الإعذار بالجهل عند أهل السنة وتشرح فيه فلسفته بشكل مختصر .
فمما لا شك فيه أن من الأصول الكبرى التي يقوم عليها مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والأحكام والتكفير : التفريق بين الفعل والفاعل , بحيث أن حكم الفعل لا ينطبق على فاعله مباشرة وبمجرد الفعل , وإنما لا بد من توفر الشروط وانتفاء موانع .
وقد لخص ابن تيمية حقيقة هذا الأصل في مقولة مركزة قال فيها :" :" نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع , لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع . هذا في عذاب الآخرة , فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة , سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال . فأما أحكام الدنيا فكذلك أيضا.." (الفتاوى , ابن تيمية (10/372) .

ولكن هذا الأصل ليس مسألة رياضية بحتة بحيث تطبيق تطبيقا رياضيا , وإنما هي قضية علمية عميقة مبنية على أصول نفسية وشرعية عديدة , وقد شرحت ذلك في كتابي الذي سيخرج في معرض الرياض عن مركز " نماء" بعنوان ( إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي ) .

وخلاصة تلك العملية : أن من يقع في المكفرات لا يخلو من حالين :

الحالة الأول : ألا يكون منتسبا إلى الإسلام أصلا , كاليهود والنصارى , فمن كان حاله كذلك فهو كافر , سواء كان عالما أو جاهلا أو متأولا , فكل هؤلاء لا يعطون أحكام الإسلام في الدنيا , ويعاملون بأحكام الكفار التي حددها الشرع المطهر ؛ ولا يقال فيهم إنهم معذورون بالجهل فلا يحكم بكفرهم , لأن الشريعة بينت أنه لا يوجد في الناس إلا كافر أو مسلم , كما قال تعالى :( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) , فإذا لم يكن مؤمنا ولا مسلما فهو كافر بالضرورة , وكذلك بينت أن من اتخذ غير الإسلام دينا فهو غير مقبول منه , كما قال تعالى :(ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) , وكذلك فأحكام الإسلام - مثله مثل جميع الملل والطوائف - لا تعطى إلا لمن انتسب إليه , فكيف يعطى اليهودي أو النصراني أحكام الإسلام ويحكم بإسلامه لأنه جاهل أو متأول وهو لم ينتسب إلى الإسلام أصلا؟!
هذا حكمه في الدنيا أو حكمه في الآخرة , فمن كان من اليهودي جاهلا بالحق ولم تبلغه بنوة محمد صلى الله عليه وسلم أو بلغته مشوهة , ففي مصيره يوم القيامة خلاف مطول , ومن أرجح الأقوال أنه يمتحن يوم القيامة , فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار , وأما من علم بنبوة النبي وأبى أن يتبعه فهو خالد مخلد في النار .

الحالة الثانية : أن يكون الواقع في المكفرات ممن ينتسب إلى الإسلام , وثبت له وصف الإسلام , فالمكفرات التي وقع فيه منقسمة إلى قسمين :

القسم الأول : المكفرات التي لا تتعلق بأصل الإقرار بعبودية الله ولا بأصل الإقرار بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم , وإنما هي راجعة إلى أفراد ما يتحقق به عبودية الله وما يتحقق به الإتباع والرضى بالنبي عليه السلام , وهذا القسم كثيرا ما يقع من جهالا المسلمين ومتأويلهم .
ومن أمثلة ذلك : إنكار بعض الصفات الإلهية أو تأويلها , ومن أمثلتها أيضا الاستغاثة بالقبور والتعلق بها والذبح والنذر لها , فهذه الأفعال أمور كفرية شركية توجب الخروج من الإسلام , ولكنها لا تناقض أصل الإقرار بوجوب إفراد الله العبودية , وإنما هي متعلقة بأفراد ما يتحقق به إفراد الله بالعبودية , فلو سألنا من يستغيث بالقبور هل تعلم أنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله؟! لقال : نعم , ولكنه لا يعلم أن ما فعله يدخل في دائرة الشرك , فهو لا يجهل أصل الإقرار بإفراد الله بالعبودية وإنما يجهل فردا من أفراد ما يدخل في ذلك الإقرار , ففعله كفر بلا شك , ولكنه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة .
وفلسفة هذا الحكم تقوم على أن ذلك العبد تعارض في حقه ظاهران : أما الأول : فهو الظاهر الذي يوجب له وصف الإسلام , وهو إقراره بالشهادتين واتخاذ الإسلام دينا , وإعلان التصديق المطلق للنبي عليه الصلاة والسلام والالتزام بجملة أصول الدين وفروعه في الحياة.
وأما الظاهر الثاني : فهو وقوعه فيما يناقض أصل دينه الذي أقر به من الشرك الأكبر أو غيره من المكفرات , وظهور ذلك منه .
وقدم قدم أهل السنة الأخذ بالظاهر المثبت للإسلام على غيره , وهذا ما يفسر كثرة تحذير العلماء من الإقدام على تكفير المسلم من غير بينة توجب ذلك وبرهان قوي يدل على انتفاء وصف الإسلام عن المعين .
ولكن أهل السنة قرروا مع ذلك أن هذا التقديم ليس على جهة الاستدامة , بحثت يغلق باب التكفير فلا يحكم بكفر كل من ثبت له عقد الإسلام , وإنما هو تقديم أولي يمكن أن ينتقل عنه إذا وجدت أدلة وبيانات توجب ذلك بحيث تثبت لنا أن الظاهر الموجب للكفر هو المقدم على الظاهر الموجب للإسلام .
ومن هنا جاء أهل السنة بقضية شروط التكفير وموانعه , فإنهم إنما جاؤوا بها حتى يتمكنوا من الترجيح بين الأحوال المتعارضة في حكم المنتسب إلى الإسلام إذا وقع في بعض المكفرات ليحققوا العدل معه , ولو كان المعتبر عندهم الحكم بالظاهر من غير أي قيد لما جاؤوا بشروط التكفير وموانعه .
فمذهب أهل السنة والجماعة قائم على مراعاة مقتضيات النصوص الشرعية مع مراعاة طبائع الأحوال البشرية , فلما تعارض عندهم في المنتسب إلى الإسلام ظاهران ذهبوا إلى المرجحات , التي تبين حقيقة ما عليه العبد وتكشف حقيقة حاله , فإذا وجدنا أن المعين إنما وقع في المكفر لأجل تكذيب طرأ عليه أو عناد أو جحود قام به , أو إعراض عن الحق أو تكاسل عن الالتزام به , أو تهاون بشأنه فهو كافر خارج عن ملة الإسلام , وإن كان فعله للمكفر راجعا إلى أنه لم يعلم بأن ما فعله يؤدي به إلى الخروج من دينه , فإنه يبقى على الأصل وهو ثبوت وصف الإسلام له , وهذا أمر يحصل كثيرا من المسلمين , فإن العبد المقر بالإسلام والمصدق بالنبي قد يكون مكذبا أو منكرا لأمور لا يعلم أن الرسول قالها أو أخبر بها أو أمر بها , ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر , بل خضع وأناب وامتثل ( الفتاوى , ابن تيمية (7/237) .

القسم الثاني : مكفرات لا يعذر فيها بالجهل والتأويل , وهي المكفرات التي تتعلق بأصل الإقرار بالعبودية لله تعالى أو بأصل الإقرار بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام , كمثل الجهل المتعلق بوجوب إفراد الله بالعبادة أو بوجود التسليم بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم , فمن جهل أنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله أو من كان يعتقد أنه يجوز أن يعبد غير الله فهو كافر سواء كان جاهلا أو متأولا ؛ لأن من كان حاله كذلك فجهله في الحقيقة متعلق بأصل الدين الذي يثبت به عقد الإسلام ,وكذلك من لم يقر بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام , فهو كافر سواء كان جاهلا أو متأولا .
ومن المكفرات التي لا يعذر فيها بالجهل والتأويل : المكفرات المتعلقة بأصل الإيمان بتعظيم الله تعالى وتعظيم نبيه , كمثل من يسب الله أو يسب نبيه صلى الله عليه وسلم أو يلقي القرآن في القاذورات , فمن فعل ذلك فهو كافر سواء كان جاهلا أو متأولا ؛ لأن مثل هذه الأمور مناقضة لأصل التعظيم الذي يقوم عليه الإيمان , وتدل دلالة ضرورية على انتفائه من القلب , فلا يتصور معها أن يكون الشخص مسلما مؤمنا في الباطن , ولا نحتاج فيها أن نبحث عن شروط التفكير وموانعه في المعين ؛ لأن دلالة فعله دلالة ضرورية على انتفاء الإيمان من قلبه , ولا يجب علينا إلا شيء واحد فقط , وهو البحث فيما ما صدر منه هل يدخل في باب السب أم لا؟ , فإن ثبت أنه سب واستخفاف فإنه وصف الكفر ينطبق عليه من غير توقف .

وفي بيان هذا الحكم يقول ابن تيمية :" إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا و باطنا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء و سائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول و عمل" ( الصارم المسلول 513) .
ونقل عن ابن راهوية - أحد أئمة الإسلام من الشافعية -أنه قال :" وقد أجمع المسلمون أن من سب نبيا من أنبياء الله أو سب رسول الله عليه الصلاة و السلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافرا بذلك و إن كان مقرا بما أنزل الله " ( الصارم المسلول 513)
ويقول ابن تيمية في موطن آخر :" السب الصادر عن القلب يوجب الكفر ظاهرا وباطنا , هذا مذهب الفقهاء وغيرهم من أهل السنة و الجماعة خلاف ما يقوله بعض الجهمية والمرجئة القائلين بأن الإيمان هو المعرفة و القول بلا عمل من أعمال القلب مع أنه إنما ينافيه في الظاهر وقد يجامعه في الباطن" ( الصارم المسلول 375) .
والأمر الغريب أن بعض الباحثين ينقل نصوص ابن تيمية التي فيها التأكيد على ضرورة التفريق بين الفعل والفاعل ليستدل على إعذار الساب لله ورسوله بالجهل أو بالتأويل , وأغفل نصوص الأخرى التي يذكر فيها أن الساب لا يدخل في هذه القاعدة , والمنهجية العلمية تقتضي أن يجمع كلام ابن تيمية كله , ويستخرج مذهبه ورأيه من مجموعها , ونحن إذا فعلنا ذلك نجد أن قاعدة الإعذار بالجهل والتأويل لا تنطبق على الساب لله ورسوله ؛ لأن فعله ليس مما يمكن أن يتصور فيه الجهل ؛ لأنه مناقض لأجل التعظيم والرضى بالله ربا وبالنبي رسولا نبيا .

وقد اقتصرت كثيرا على شرح مذهب أهل السنة في هذه القاعدة العظيمة , ولم أكثر من نقل النصوص والتقريرات والأدلة التي اعتمدوا عليها طلبا للاختصار , ولأنها قريبة جداً من القراء