المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حملوا كتابي :الإنسان بين قمة الإسلام وسفح الجاهلية



علي بن نايف الشحود
02-01-12, 02:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الناس في تاريخهم الطويل إما أن يعيشوا في ظل الإسلام الذي أنزله الله تعالى لسعادة الناس في المعاش والمعاد، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]
وإما أن يدعوا الإسلام جانبا ويعيشوا في ظل الجاهليات المتوالية عبر العصور، والتي تحمل في طياتها الفحش والخنا والفجور والظلم والفساد، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص. فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله ..
إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام.
والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلِّمون بها تسليما، فهم إذن في دين الله. وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله.
والذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية. وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله. «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟» ..
وأجل! فمن أحسن من الله حكما؟
ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس، ويحكم فيهم، خيرا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم؟
وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟
أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟ أيستطيع أن يقول: إن الله - سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير ويجعل رسوله خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد .. كان - سبحانه - يجهل أن أحوالا ستطرأ، وأن حاجات ستستجد، وأن ملابسات ستقع فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحِّي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية، وحكم الجاهلية ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟
ما الذي يستطيع أن يقوله .. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟ .. ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته، وأن يسيروا على منهجه، وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله؟
قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة، والأوضاع المتجددة، والأحوال المتغلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله وهو يشدد هذا التشديد، ويحذر هذا التحذير؟ يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء .. ولكن المسلم .. أو من يدَّعون الإسلام .. ما الذي يقولونه من هذا كله، ثم يبقون على شيء من الإسلام؟ أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟
إنه مفرق الطريق، الذي لا معدى عنده من الاختيار ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال ..
إما إسلام وإما جاهلية. إما إيمان وإما كفر. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية .. (1)
وفي كتابنا هذا الموضوعات التالية:
1. تطهير المجتمع المسلم من أدران الجاهلية
2. وجوب الاصلاح بين الزوجين
3. نجاح الإسلام في تحريم الخمر وفشل غيره
4. معركة الجماعة المسلمة في مواجهة الجاهلية المحيطة بها
5. إنشاء القرآن للأمة المسلمة
6. لا هوادة في التعامل مع المنافقين
7. محاولة أعداء الإسلام إضلال الرسول
8. كيف أنقذ القرآن المسلمين من الجاهلية للإسلام
9. بناء المجتمع المسلم وتطهيره من أدران الجاهلية
10. كمال الدين برسالة الإسلام
11. إخراج الأمة المسلمة
12. دعوة الكفار للإعتبار من هلاك السابقين
13. المساواة بين الناس في الإسلام
وهو يبين حالة الناس بين هذين الخيارين ......
وعلى المسلمين أن يعوا جيدا ذلك تمام الوعي ...فلن يغنيهم عن دين الله تعالى، لا مبادئ الشرق ولا مبادئ الغرب، مهما ظهرت براقة، فهي لا خير فيها أبدا، ولن توصل هذا الإنسان للساعدة أبدا، بل كلها شقاء بشقاء، وتعاسة بتعاسة.
قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)} [طه]
وَمَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَكَفَرَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى رُسُلِي، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي وَتَنَاسَاهُ فَسَتَكُونُ مَعِيشَتُهُ فِي الدُّنْيَا ضَنْكاً لاَ طُمَأنِينَةَ لَهُ فِيهَا، وَلاَ يَنْشَرِحُ فِيهَا صَدْرُهُ، بَلْ يَبْقَى صَدْرُهُ ضَيِّقاً حَرِجاً، بِسَبَبِ ضَلاَلِهِ. وَمَا لَمْ يَخْلُصِ الهُدَى وَاليَقِينُ إِلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ سَيَبْقَى فِي قَلَقٍ وَحِيرَةٍ وَشَكٍّ، وَيَحْشُرُهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى البَصَرِ وَالبَصِيرَةِ، قَدْ عَمِيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيءٍ إِلاَّ جَهَنَّمَ، لأَنَّ الجَهَالَةَ التِي كَانَ فِيهَا فِي الدُّنْيا تَبْقَى مُلاَزِمَةً لَهُ فِي الآخِرَةِ. (2)
أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين.
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود

في 8 ربيع الأول 1433 هـ الموافق ل 31/ 1/2012 م

حملوه من هنا :
http://up.ahlalalm.info/dldltX50271.rar.html
ومن هنا :
http://almaktabah-up.net/up1/do.php?id=2885
__________
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1296)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2437، بترقيم الشاملة آليا)