المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حملوا كتابي :الإنسان بين العبودية لله والعبودية للعبيد



علي بن نايف الشحود
02-01-12, 01:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الإنسان في هذه الأرض إما أن يكون عبداً لله تعالى وحده، ينفذ أوامره ويبتعد عن نواهيه لكي يسعد في الدارين، وإما أن يكون عبداً لغير الله تعالى من أهواء وشهوات وطواغيت وغيرها مما لا ينفع ولا يضر، وفي ذلك خسارته في الدارين.
قال تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)} [الرعد:33،34]
وقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:29]
يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضا فيه، وهو بينهم موزع ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه! وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح .. «هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا؟» .. إنهما لا يستويان. فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين. وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضي واحدا منهم فضلا على أن يرضي الجميع! وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى، لأن بصره أبدا معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق.
ولأنه يعرف مصدرا واحدا للحياة والقوة والرزق، ومصدرا واحدا للنفع والضر، ومصدرا واحدا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته. ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره. ويخدم سيدا واحدا يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء .. (1)
إنَّ الإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر. لأنهم يتلقون التصورات والمبادئ، والموازين والقيم، والشرائع والقوانين، والأوضاع والتقاليد، من يد الله - سبحانه - فإذا أحنوا رءوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده. ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدا لله بلا شريك. (2)
إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى، والعاصم من العبودية للعباد .. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه.
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا لله وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى.
يقعون من فورهم عبيدا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع «الإنسان» من بين سائر الأنواع وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم الله - في أحسن تقويم.
كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها .. يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق هواهم، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر، مشوبة بحب الاستعلاء، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى! ويقعون في عبودية «الحتميات» التي يقال لهم: إنه لا قبل لهم بها، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها .. «حتمية التاريخ» .. و «حتمية الاقتصاد» .. و «حتمية التطور» وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين «الإنسان» في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة! (3)
وفي كتابنا هذا تعرضت للموضوعات التالية:
- القرآن الكريم يصحح عقائد أهل الكتاب وغيرهم
- كمال الدين ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -
- السمات الأصيلة والعميقة للمنهج الحركي الواقعي
- مفرق الطريق بين العبودية للّه وحده والعبودية للهوى
- طبيعة المنهج الحركي الإسلامي
- موقف الكفار والفجار من المؤمنين الموحدين
- الواقع التاريخي لنشوء المجتمع الإسلامي الحركي قبل الفتح وبعده
- تكاليف البيعة على الجهاد في سبيل الله
- الذين يفقهون هذا الدين حق الفقه
- ما عند الله تعالى من خير عميم خير مما يجمع الناس
- تكذيب الرسل واتهامهم بتهم كاذبة ديدن المستكبرين في الأرض
- الدينونة للّه وحده وآثارها في الحياة الإنسانية
- موقف الجاهلية من دعوة الرسل عبر التاريخ
- رفع الإصر عن الموحدين
- الراسخون في العلم يقولون
- أول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية
- التصورات الباطلة عند المشركين
- حال المجتمعات البشرية اليوم
- العبودية لله لا تلتقي مع عبودية غيره أبدا
- الإيمان والحياة
- وجوب أعداد العدة لمواجهة الكفار
إنَّ الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه .. هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر. عبودية العبد للعبد. ممثلة في تشريع العبد للعبد. وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه .. فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه، فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده، وتلقي الشريعة منه وحده. وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد!
إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري. الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة، ومن سلطان السدنة والكهنة، ومن سلطان الأوهام والخرافات، ومن سلطان العرف والعادة، ومن سلطان الهوى والشهوة. ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي أعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار. ودعاء المؤمنين: «وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا»:يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق. (4)
أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين.
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 8 ربيع الأول 1433 هـ الموافق ل 31/ 1/2012 م

حملوا الكتاب من هنا :
http://almaktabah-up.net/up1/do.php?id=2883
ومن هنا :
http://up.ahlalalm.info/download.gif (http://up.ahlalalm.info/dld3sD50271.rar.html)
__________
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3840)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 876)
(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2059)
(4) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 606)