المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما قول فضيلتكم في مَن قال عن الرَّسول أنّ عنده نقْص في شخصِه لأنه فقَدَ حنان الأم ؟



فجر الأمل
07-02-11, 10:05 AM
.

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فضيلة الشيخ المُسدَّد عبد الرحمن السحيم - أجزل الله لكم المثوبة -
خرَج أحد الأطبّاء النفسانيين بكلام قاله عن النبي صلى الله عليه وسلّم وحلل زواجه مِن خديجة - رضي الله عنها - بأنّه كان عنده نقْص في شخصه وفاقِد لحنان الأمّ لذلك تزوّج بامرأة أكبر منه
ثمّ قال أنَّ الإمام العلامة عبد الرحمن السَّعدي قد سبقه بهذا القول .

وهذا نَصّ تحليله :
في قراءتي النفسية لهذا الزواج ان النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان مقبلاً، وكان يصنع للنبوة، كان ناقصاً في شخصه، نعم كان ناقصاً قبل النبوة ، لانه لم يتربَّ في حضن أمه.
كان كاملاً في صفاته الأخلاقية الجميلة، ولكن حنان الأمومة لم ينله، ولذا عند الزواج كان لزامًا أن يتزوج امرأة فيها صفات الأمومة لا صفات الأخت فقط .
احتاج خديجة فتزوجها حبًا فيها، ولكن خديجة بهذا الوضع أشبعت نقصًا في شخصيته، لما بلغ الأربعين كان جزءًا من تكوين النبوة أن خديجة كانت في طريقه .
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في المقابل، لماذا تزوجها صغيرة ؟
عائشة هذه قال علماء الشريعة: إن لها خصوصية ، لكن لي قراءة نفسية حول هذا الشيء .
فيما يتعلق بعائشة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يكبر يصبح شخصية الأب الكبير الذي يحب أن يرعى ، فلا يناسبه زوجة إلا الفرفوشة الفرائحية التي كانت عائشة رضي الله عنها.
وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة نضجه كان يعطي الأمة فكره كله، وكان محتاجا إلى وعاء هو عائشة.
هل يشرع ـ وهذه أهديها إلى علماء الشريعة ـ زواج الكبير بالصغيرة ؟
أقول: لا.
لماذا ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم أبو بكر لخطبة فاطمة ـ في قراءتي لذلك النص ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ـ وهو أعظم الناس بعد الأنبياء ـ: لا يا أبا بكر. ـ لماذا؟ ـ «إنها صغيرة».
عجبي! يأخذ عائشة الصغيرة ويرفض لأبي بكر! لماذا هذا الشيء حدث؟ إنه كان يشرع من خلال أبي بكر للناس النظام: لا كبير للصغيرة إلا في ظروف معينة. إذن إشباع الحاجات هو المقياس الأساسي .

وبعد هذا القول صرّح بهذا التّصريح :
إن النقص المقصود في العبارة هو فقدان حنان الأم فقط, وليس النقص في ذاتك الكريمة – بأبي وأمي أنت يا رسول الله - وهو ما أشرت إليه كأحد الأسباب للاقتران بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. ولم ترد تلك الكلمة بالمعنى الاجتماعي الدارج في المجتمعات حينما يغضب أحدهم من آخر فيقول: يا ناقص, ولعل هذا مصوغ اللبس الذي حدث
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - في كتابه: "تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن" تفسيراً لسورة الضحى:
ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله الخاصة فقال:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين. {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق.
{وَوَجَدَكَ عَائِلًا} أي: فقيرًا {فَأَغْنَى} بما فتح الله عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها. فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكرا .

فما ردّ فضيلتكم على مِثل هذا القول - وفقكم الله - ؟
وهل يسوغ لأحد أن يَجعل مِن حياة الرَّسول عليه الصلاة والسلام حياة استثنايِّة حتى لو لم يرِد النَّصَُّ في ذلك
فيُقال لا يصلُح زواج الصَّغير بالكبيرة أو العكس ؟
وما النَّصيحة للنَّاس العوامّ الذين يريدون الإقدام على مشروع زواجٍ ، فيتركون فِعله عليه الصلاة والسلام ويأخذون بكلام الاستشاريين ؟
وأحسن الله إليكم فضيلة الشيخ وعفا الله عنكم وزادكم توفيقًا إلى توفيق ورزقكم الله مِن حيث لا تحتسِبون ووسّع الله عليكم كما وسّعتم على النَّاس باب العِلم والحصول على الفُتيا .
ومعذرةً عن الإطالة .

عبد الرحمن السحيم
07-16-11, 01:52 AM
الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

قديما قيل : مَن تَكَلَّم في غير فَـنِّه أتى بالعجائب !
كان واجب الْمُتحَدِّث أن يقتصر على الكلام فيما يُحسنه ، ويترك ما لا يُحسنه ، فلا يخوض فيه ، ولا يُقْحِم نفسه فيه ، ولا يَتَقَحَّم مجالاً ليس هو مِن أهله .

وقد سمِعت أن الدكتور تراجع عَمَّا قال ، لكنه تَرَاجُع تنقصه الشجاعة بالتصريح بالخطأ والتراجع التام عنه .

ولا يجوز وصْف النبي صلى الله عليه وسلم بالنقص لا قبل البعثة ولا بعدها ؛ لأن الله زكّاه واختاره واصطفاه وفَضَّله على العالمين ، بل هو صلى الله عليه وسلم سيِّد ولد آدم .

ولا يجوز الخوض في مثل ذلك ؛ لأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تشريع ، وليست اجتهادية .
فَزَواج النبي صلى الله عليه وسلم مِن خديجة رضي الله عنها ، ليس مُجرّد اختيار ، وإنما هو ضمن العناية الإلهية ؛ ويتبيَّن ذلك مِن خلال مواقف خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم عند نُزول الوحي ، ورجوعه عليه الصلاة والسلام إليها يرجُف فؤاده ، ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، وكيف كان لها الأثر في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومُؤازرته عليه الصلاة والسلام .

وزواجه عليه الصلاة والسلام مِن عائشة لم يكن مُجرّد اختيار منه عليه الصلاة والسلام ، بل هو اختيار ربَّاني ، فإن زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها كان بِوَحْي من الله ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم صورة عائشة رضي الله عنها في قطعة من حرير ، يَعْرضها عليه الْمَلَك ، ورؤيا ألأنبياء حقّ ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة بعد ذلك : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ ، فَيَقُولُ : هَذِهِ امْرَأَتُكَ ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ ، فَأَقُولُ : إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ . رواه البخاري ومسلم .

وفي زواجه صلى الله عليه وسلم مِن عائشة مع صِغَر سِنِّها حُكْم وحِكَم ؛ فالْحُكم : تشريع ذلك لأُمَّتِه ؛ لأن أفعاله صلى الله عليه وسلم تشريع لأُمَّته .
والْحِكَم : أنها كانت عاقلة فَطِنَة ، تَقْبَل التعليم ، فَحَفِظَت للأمة عِلْمًا كثيرا ، فكانت أكثر النساء رواية وعِلْما ، وهي مِن أكثر الصحابة رواية ، فقد بلغت مَرْويّاتها : ألفين ومائتين وعشرة أحاديث .
وكانت أفقه نساء الصجابة رضي الله عنهم وعَنهُنّ .
روى أَبو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوْقٍ : قُلْنَا لَهُ : هَلْ كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الفَرَائِضَ؟
قَالَ : وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَكَابِرَ يَسْأَلُوْنَهَا عَنِ الفَرَائِضِ .

وكانت عائشة رضي الله عنها تحفَظ غير ذلك مِن أنساب العرب ، ومِن مسائل الطب .

روى هِشَامٍ بن عُرْوَة عَنْ أَبِيْهِ أنه قَالَ : لَقَدْ صَحِبْتُ عَائِشَةَ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً قَطُّ كَانَ أَعْلَمَ بِآيَةٍ أُنْزِلَتْ ، وَلاَ بِفَرِيْضَةٍ ، وَلاَ بِسُنَّةٍ ، وَلاَ بِشِعْرٍ ، وَلاَ أَرْوَى لَهُ ، وَلاَ بِيَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ العَرَبِ ، وَلاَ بِنَسَبٍ ، وَلاَ بِكَذَا ، وَلاَ بِكَذَا ، وَلاَ بِقَضَاءٍ ، وَلاَ طِبٍّ مِنْهَا .

وقَال عُرْوَةُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها : يَا أُمَّتَاهُ ! لاَ أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِكِ ، أَقُوْلُ : زَوْجَةُ نَبِيِّ اللهِ ، وَابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ ، وَلاَ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ ، أَقُوْلُ : ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ كَيْفَ هُوَ ، وَمِنْ أَيْنَ هُوَ ، أَوْ مَا هُوَ ؟!
قَالَ : فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبِهِ ، وَقَالَتْ : أَيْ عُرَيَّةُ ، إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمُرِهِ - أَوْ فِي آخِرِ عُمُرِهِ - وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ العَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَتَنْعَتُ لَهُ الأَنْعَاتَ ، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ ، فَمِنْ ثَمَّ .
وقال هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَعْلَمَ بِالطِّبِّ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا .
فَقُلْتُ : يَا خَالَةُ ، مِمَّنْ تَعَلَّمْتِ الطِّبَّ ؟!
قَالَتْ : كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَنْعَتُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، فَأَحْفَظُهُ .

ورَدّ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ولِعمر رضي الله عنهما عندما خَطبا فاطمة بِحجّة نها صغيرة ؛ لأنها كانت آنذاك صغيرة ، فليس قوله عليه الصلاة والسلام : " إنها صغيرة " خِلاف الواقع ، بل هو الواقع ، ثم لَمّا كانت أهلا للزواج خطبها عليّ رضي الله عنه بعد ذلك ، فَزوّجه إياها .

ولا أعلم أن أحدا مِن أهل العِلْم قال بِمَنْع زواج الكبير من الصغيرة ، ولا عكسه ؛ لأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تشريع ، ما لم تثبت فيها الخصوصية ، والخصوصية لا تثبت بالظنّ .
ومما يُؤكِّد ذلك التشريع : أن الله عزّ وَجَلّ شرّع عِدّة الصغيرة والآيِسَة ، دون النظر إلى مَن يتزوّجها .
فَدَعْوى القائل : إن زواج الصغيرة لا يُشْرَع ، قول لم يُسبَق إليه مِن قِبَل أهل العِلْم .
وهل يُريد الطبيب النفسي أن يُعلِّم علماء الشريعة ويُصحح لهم ما سار عليه العلماء على مدى أكثر من ألف عام ؟!

ومما يُخطئ فيه بعض الناس انتقادهم لِزواج الكبير من الصغيرة إذا كانت راضية بِقولهم : تزوّج فتاة في سِنّ ابنته .
وذلك الانتقاد راجِع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوّج عائشة وهي كذلك .

قد يكون بعض الناس لا يَفْهَم مَن حوله ، أوْ لا يُناسبه أن يتزوّج مِن صغيرة ، فهذه أحوال خاصة ، يُحْكَم عليها بخصوصها .
وهذا مثل التعدد ؛ قد يكون بعض الناس لا يُناسب التعدد ؛ كأن يكون لا يستطيع العدل ، أو ضعيف الشخصية ، أو غير ذلك من الأسباب التي تجعله لا يصلح للتعدد ، ولا يُمكن أن يُحكم بِحُكْم عام على الناس جميعا . وكذلك زواج الكبير من الصغيرة ؛ قد تكون تلك الفتاة الصغيرة الْمُعيَّنَة لا يُناسبها التعدد ، ويُناسِب أخرى ، وكذلك الرِّجَال ؛ قد يُنَاسِب رجلا ولا يُناسِب أخرى .

وسبق :
مَن هو خير البرية ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=21843 (http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=21843)

والله تعالى أعلم .