المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لقط درر الفوائد من قول النبي : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد



رأفت الحامد العدني
05-25-11, 12:04 PM
لقط درر الفوائد
من قول النبي : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد

الحديث :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه " وكان يأمر بثلاثة أحجار ،وينهى عن الروث والرمة ".
رواه أبو داود 8 [1 /49]،و النسائي 40 (1 / 38) من طريق محمد بن عجلان ،وعند النسائي : ولا يستنج ،بدلا من :ولا يستطب ،
ورواه أحمد 7368 (12 / 326) من نفس الطريق بلفظ : إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ..،وكذا رواه ابن ماجه 313 (1 / 114) ، ورواه ابن خزيمة 80 (1 / 43) ،ورواه الدارمي 701 (1 / 533) أيضاً ،
ورواه ابن حبان في صحيحه 1431 (4 / 279) بلفظ :إني أنا لكم مثل الوالد ،ورواه أيضاً بلفظ المتن في 1440 (4 / 288)

قلت : إسناده حسن من أجل محمد بن عجلان ،وهو صدوق قال الحاكم وغيره : سيء الحفظ ،وخرج له مسلم في الشواهد .
قال النووي في خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام (1 / 152) والمجموع شرح المهذب (2 / 109): رواه أبو داود، والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة .
وقال ابن الملقن في البدر المنير (2 / 296) :وهو حديث صحيح .ونقل عن الشافعي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (1 / 169) أنه قال: هذا حديث ثابت .
وقد حسنه الألباني ،والأعظمي .

غريب الحديث :
(يستطب) الاستطابة: الاستنجاء، لأن الرجل يطيب نفسه بالاستنجاء من الخبث،
و «الاستنجاء» إزالة أثر النجوة - وهو الغائط - عن بدنه، وأصله في اللغة: الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة، وهو الموضع المرتفع من الأرض، وكانوا يستترون به إذا قعدوا لقضاء الحاجة، فكنوا بها عن الحدث، كما كنوا عنه بالغائط، وهو المطمئن من الأرض، وبالبراز، وهو الفسيح من الأرض.
(الرمة) الرمة: العظم البالي، و «الروث» الغائط .
قال الخطابي: واستثناؤه الروث والرمة مخصصا: يدل على أن أعيان الحجارة غير مختصة بالاستنجاء دون غيرها، لأن تخصيص الروث والرمة بالاستثناء يدل على دخول ما عداهما في حكم الحجارة، وإنما ذكر الحجارة، لأنها كانت أكثر الأشياء وجودا مما يستنجى به.بتصرف [معالم السنن للخطابي 288 1/ 15]


الفائدة الأولى :لا حياء في التفقه في الدين
فقوله : إنمّا أنا لكم بمنزلة الوالد .
قال الخطابي : كلام بسط وتأنيس للمخاطبين لئلا يحتشموه ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كما لا يستحي الولد عن مسألة الوالد فيما عنّ وعرض له من أمر . معالم السنن 288 [1 /14]

ومعنى كلام الخطابي أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيه التبسط معهم، وأنهم لا يتوقفون عن سؤاله عما يريدون معرفته، فكما أن الولد من السهل عليه أن يسأل أباه عما يعن له ويعرض من الأمور لقوة ولكثرة الاتصال فيما بين الوالد والولد، فكذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)

قال النووي : فينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فان ذلك ليس بحياء حقيقي لأن الحياء خير كله والحياء لا يأتي الا بخير والامساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر فكيف يكون حياء .شرح النووي على مسلم [3 /224]

فقد قالت عائشة :نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . أخرجه مسلم (332) (61)
وأم سليم قالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحى من الحق ، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ فقال : ( نعم ، إذا رأت الماء ). رواه البخاري (130) ، ومسلم (313)
فقولها بمعنى أنه وإن كان أمرا يستحيا منه إلا أنه حق واجب يلزم النساء السؤال عنه والتوصل إلى علمه .المنتقى - شرح الموطأ [1 /120]
وقال مجاهد : لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر .... وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم وقول مجاهد هذا وصله أبو نعيم في الحلية من طريق على بن المديني عن بن عيينة عن منصور عنه وهو إسناد صحيح .فتح الباري [1 /229]


الفائدة الثانية :وجوب طاعة الوالدين
قال الخطابي : وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء . معالم السنن 288 [1 /14]
ومعنى كلام الخطابي : أن على الأبناء أن يطيعوا الآباء فيما يأمرون به ويرشدون إليه في غير معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا كان في ذلك مصلحة، وإشارة إلى أن الأبناء يطيعون الآباء .

فطاعة الوالدين والإحسان إليهما فرض على الولد ، قال تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } (سورة الإسراء / 23 ، 24) .
قال القرطبي : أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك كما قرن شكرهما بشكره فقال : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وقال : { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }. القرطبي 10 / 238 ، والآية / 14 من سورة لقمان
وقال الجصاص (أحكام القرآن 3 / 242) : وقضى ربك معناه :أمر ربك ، وأمر بالوالدين إحسانا ، وقيل معناه : وأوصى بالوالدين إحسانا ، والمعنى واحد ، لأن الوصية أمر ، وقد أوصى الله تعالى ببر الوالدين والإحسان إليهما في غير موضع من كتابه وقال { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا } (سورة الأحقاف / 15)
وقال ابن العربي : لا يجوز أن يكون معنى قضى هاهنا إلا أمر (أحكام القرآن 3 / 1185) .
وقال هشام بن عروة عن أبيه في قوله تعالى : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } : لا تمنعهما شيئا يريدانه (تفسير الطبري 15 / 46) .
وحق الطاعة للوالدين ليس مقصورا على الوالدين المسلمين ، بل هو مكفول - أيضا - للوالدين المشركين ،
قال الجصاص في قوله تعالى { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } (سورة لقمان / 14 ، 15) . أمر بمصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع النهي عن طاعتهما في الشرك ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (أحكام القرآن للجصاص 3 / 242)
وقال ابن حجر في قوله تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } (سورة العنكبوت / 8) اقتضت الآية الوصية بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين ، إلا إذا أمرا بالشرك فتجب معصيتهما في ذلك (فتح الباري 10 / 401) .
وأما الأحاديث :
عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم في الكبائر قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور. [رواه البخاري5632 5/ 2230] و[مسلم144 ( 88 ) 1/ 91]
وعن المغيرة: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعا وهات ووأد البنات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) .[رواه البخاري5630 5/ 2229]
وعن عبدا لله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر {ولا ولد زنية})
أخرجه الدارمي (2/ 112)،وكذا النسائي (2/ 332)،والبخاري في ((التاريخ الصغير)) (124)، وعبدا لرزاق في (المصنف) (2/ 205)،وابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص236)،وابن حبان (1382و1383)،و الطحاوي في ((المشكل)) (1/ 395)، واحمد (2/ 201 و203)
قال الألباني في السلسلة الصحيحة 673 : و جملة القول أن الحديث بهذه الطرق و الشواهد لا ينزل عن درجة الحسن . و الله أعلم .[السلسلة الصحيحة 2 / 285]
وعن أبى الدرداء قال : أوصانى رسول الله صلى الله عليه و سلم بتسع لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة ولا تشربن الخمر فإنها مفتاح كل شر وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما ولا تنازعن ولاة الأمر وإن رأيت أنك أنت ولا تفرر من الزحف وإن هلكت وفر أصحابك وأنفق من طولك على أهلك ولا ترفع عصاك على أهلك وأخفهم في الله عز و جل . رواه البخاري في [الأدب المفرد18 ص: 20] قال الألباني : حسن
وعن ابن عمر يقول : بكاء الوالدين من العقوق والكبائر .[الأدب المفرد31 ص: 25]قال الألباني : صحيح
والعاق هو الذي شق عصا الطاعة لوالده وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله في فتاويه العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة .و طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر،عن أبيه قال: كانت تحتي امرأة، كان عمر يكرهها فقال: طلقها، فأبيت ، فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أطع أباك " . [مسند أحمد 4711 8/ 332] والحديث صحيح
وقوله: "أطع أباك". قال السندي: فيه أن طاعة الوالدين متقدمة على هوى النفس إذا كان أمرهما أوفق بالدين، إذ الظاهر أن عمر ما كان يكرهها، ولا أمر ابنه بطلاقها إلا لما يظهر له فيها من قلة الدين.


الفائدة الثالثة : تأديب الأولاد وتعليمهم الدين
قال الخطابي : أن الواجب عليهم – يعني الآباء - تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين. معالم السنن 288 [1 /14]
قال الله تعالى :وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
فقوله :{ وهو يعظه } أي يذكره ويؤدبه و يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } أي: هو أعظم الظلم.[تفسير ابن كثير 6/ 336]
والتصغير فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له ، وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير ، ففيه حث على الامتثال للموعظة .[التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية 21/ 155]

وأما الأحاديث :
فعن عبدالله بن عمرو مرفوعا : « وإن لولدك عليك حقا ». [صحيح مسلم2788 3/ 163]
قال النووي : فيه أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبى والصبية نص عليه الشافعى وأصحابه قال الشافعى وأصحابه وعلى الأمهات أيضا هذا التعليم اذا لم يكن أب لأنه من باب التربية ولهن مدخل في ذلك وأجرة هذا التعليم في مال الصبى فان لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته لأنه مما يحتاج إليه والله أعلم
[شرح النووي على مسلم 8/ 44]

وعن عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فى بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لى فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبى بكر فقالوا ألا ترى إلى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- واضع رأسه على فخذى قد نام فقال حبست رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده فى خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فخذى فنام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير - وهو أحد النقباء - ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر. فقالت عائشة فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته. [صحيح البخاري 6452 6/ 2511]و [صحيح مسلم 842 1/ 191] واللفظ لمسلم
قال النووي : فيه تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه وفيه تأديب الرجل ابنته وأن كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته .[شرح النووي على مسلم 4/ 59]
قال الحافظ: وفيه تأديب الرجل ابنته ولو كانت مزوجة كبيره خارجة عن بيته .[فتح الباري 1/ 433]


الفائدة الرابعة :حسن خلق النبي ورحمته بأمته
قال المناوي : ( إنما أنا لكم ) اللام للأجل أي لأجلكم ( بمنزلة الوالد ) في الشفقة والحنو لا في الرتبة والعلو وفي تعليم ما لا بد منه فكما يعلم الأب ولده الأدب فأنا ( أعلمكم ) ما لكم وعليكم وأبو الإفادة أقوى من أبي الولادة وهو الذي أنقذنا الله به من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان. فيض القدير [2 /570]
معنى كلام المناوي :فيه بيان كمال وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم، ورفقه بأمته، وحرصه على إفادتها والنصح لها، فهو أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً، وأكملهم بياناً، وأفصحهم لساناً عليه الصلاة والسلام.

قال الله عزوجل : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ِ} التوبة 128
قال الشنقيطي : هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا.[أضواء البيان 2/ 149]
وقال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ( ( آل عمران : 159 ) أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً .
قلت : يعني أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) فُطر على خُلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به إليه ملائماً رغبتَه وخلقه .[التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية 17/ 167]
وقد جاء في القرآن الكريم بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق مثل قوله تعالى{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم 4
وقوله{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف/199].
وقوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران/159].
وقوله {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل/125].

وأما الأحاديث
ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على أصحابه فقالوا : يا رسول الله ادع على المشركين فقال : ( إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ رحمة ) . 6778 [صحيح مسلم 8/ 24]

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين .[صحيح البخاري 220 1/ 54] و [صحيح مسلم 685 1/ 163]
قال الحافظ : وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه مايلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا ولا سيما أن كان ممن يحتاج إلى استئلافه وفيه رأفة النبي صلى الله عليه و سلم وحسن خلقه .[فتح الباري 1/ 325]

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت .[صحيح البخاري 4883 5/ 1985]
قال الحافظ : وفي الحديث دليل على حسن خلقه صلى الله عليه و سلم وتواضعه وجبره لقلوب الناس .[فتح الباري 9/ 246]

وعن جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدى أحدهم واحدا واحدا - قال - وأما أنا فمسح خدى - قال - فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة( الجؤنة : ما يعد فيه الطيب ويحرز ) عطار. [صحيح مسلم 6197 7/ 80]
قال النووي : وفي مسحه صلى الله عليه و سلم الصبيان بيان حسن خلقه ورحمته للأطفال وملاطفتهم .[شرح النووي على مسلم 15/ 85]


الفائدة الخامسة :المعلم بمنزلة الوالد
أن على المعلم أن يشفق على المتعلمين ، وأن يجريهم مجرى بنيه ،بأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة ، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا .
فعن معاوية بن الحكم السلمى قال بينا أنا أصلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله. فرمانى القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلى. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبى هو وأمى ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرنى ( كهر : نهر ووبخ )ولا ضربنى ولا شتمنى قال « إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ». أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ....الحديث وهو المعروف بحديث الجارية [صحيح مسلم1227 2/ 70]

قال النووي : قوله فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه و سلم في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه واللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه .[شرح النووي على مسلم 5/ 20]

- عن جابر بن عبد الله قال دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم - قال - فأذن لأبى بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبى -صلى الله عليه وسلم- جالسا حوله نساؤه واجما (الواجم : من اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام )ساكتا - قال - فقال لأقولن شيئا أضحك النبى -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتنى النفقة فقمت إليها فوجأت (وجأت : طعنت عنقها) فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال « هن حولى كما ترى يسألننى النفقة ». فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول تسألن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما ليس عنده. فقلن والله لا نسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية (يا أيها النبى قل لأزواجك) حتى بلغ (للمحسنات منكن أجرا عظيما) قال فبدأ بعائشة فقال « يا عائشة إنى أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلى فيه حتى تستشيرى أبويك ». قالت وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية قالت أفيك يا رسول الله أستشير أبوى بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذى قلت.
قال « لا تسألنى امرأة منهن إلا أخبرتها إن الله لم يبعثنى معنتا ولا متعنتا ولكن بعثنى معلما ميسرا ». [صحيح مسلم3763 4/ 187]

قال بن بطال كان عليه السلام معلما لأمته فلا يراهم على حالة من الخير الا احب لهم الزيادة .[فتح الباري 11/ 501]


الفائدة السادسة :هل يقال للنبي أبو المؤمنين ؟
والجواب على هذا أن يقال ،لأهل العلم في هذه المسألة قولين مشهورين ،
فالقول الأول :أنه لا يُقال فيه أنه (( أبو المؤمنين )) وإن كان يُقال في أزواجه (( أُمهات المؤمنين )) .
وهذا قول بعض الشافعية
وإنما يقال : هو (( مثل الأب )) أو (( كالأب )) أو (( بمنزلة أبينا )) ،ولا يُقال : (( هو أبونا )) أو (( والدنا )) . وهذا قول أبو إسحاق أنه لا يقال أبونا وإنما يقال هو كأبينا لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما أنا لكم كالوالد . عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 39)

أدلة هذا القول :
قوله تعالى : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ }.
راجع : [روضة الطالبين وعمدة المفتين 7/ 12]

والقول الثاني : أنه يجوز أن يقال له مطلقاً
وهذا قول الشافعي وقد نص عليه فقال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج فاطمة بنته وهو أبو المؤمنين وهي بنت خديجة أم المؤمنين زوجها عليا رضي الله عنه . [الأم 5/ 141] وأخذ به أصحابه من بعده،وهو مذهب الأحناف ،وقول ابن بطال ،وشمس الدين السفيري ،واختيار ابن القيم

راجع :
للحنفية : [معاني الآثار 2/ 361] للطحاوي ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 39) ، [روح المعانى 11/ 210] الآلوسي .
والشافعية :[روضة الطالبين وعمدة المفتين 7/ 12]، [تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي 1/ 64] .
وشراح الحديث : [شرح صحيح البخارى لابن بطال 9/ 544]، [شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري 7/ 18] .

أدلة هذا القول :
قال اللّه تعالى : { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] وفي بعض القراءات { وهو أب لهم }.
أن كل رسول أب لأمته ولذا قيل : إن لوطاً عليه السلام عنى بقوله : { هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } [ هود : 8 7 ] المؤمنات من أمته.
والحديث الصحيح في سنن أبي داود وغيره ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما أنا لكم مثل الوالد) .كما في [تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي 1/ 64]
قال ابن القيم : فإن النبي صلى الله عليه و سلم أبو المؤمنين أيضا وأمومة أزواجه فرع عن أبوته .[زاد المعاد 1/ 444]

وأجابوا عن أدلة القول الأول :
قال النووي - رحمه الله تعالى - : هل يُقال للنبي ? أبو المؤمنين ؟ فيه وجهان لأصحابنا : أصحهما عندهم : الجواز ، وهو نص الشافعي ، أنه يقال : أبو المؤمنين ، أي : في الحرمة .ومعني الآية : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } لصلبه . والله تعالى أعلم . ا هـ . من شرح صحيح البخاري للنووي 0 مخطوط
وقال ابن حجر الهيتمي : فقوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم الأحزاب 40 إنما سيق لانقطاع حكم التبني لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام .الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (2/ 462 )
وقال البغوي: وأما قوله تعالى ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أحد مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ?[الأحزاب: 40] فالمراد منه: ما كان أبا أحدكم لصلبه، بل كان في الحرمة . [شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري 7/ 18]
قال الشنقيطي : {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} وهو أب لهم، وهذه الأبوّة أبوّة دينية، وهو صلى الله عليه وسلم أرأف بأُمّته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جلَّ وعلا في رأفته ورحمته بهم: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ، وليست الأبوّة أبوّة نسب؛ كما بيّنه تعالى بقوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، ويدلّ لذلك أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" ، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة، فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" ، يبيّن معنى أبوّته المذكورة، كما لا يخفى. [أضواء البيان 6/ 232]
وسئل الشيخ ابن باز :هل يسمى الرسول صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين ؟
فقال : هو أبو المؤمنين قال تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) فهو أبوهم عليه الصلاة والسلام .
الدرر البهية من الفوائد البازية على منتقى الأخبار ـ [علي بن حسين فقيهي] من أرشيف ملتقى أهل الحديث


فائدة
ذكر السيوطي ( في الرياض الانيقة فى شرح اسماء خير الخليقة) أن للنبي صلى الله عليه وسلم أربع كنى هي :
أبو القاسم ، أبو إبراهيم ،أبو المؤمنين ، أبو الأرامل .
فأبو القاسم :لقوله صلى الله عليه وسلم : « تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى فإنى أنا أبو القاسم أقسم بينكم ».من حديث جابر بن عبد الله [رواه مسلم 5713 6/ 170]،وأحمد 14227 [في المسند 22/ 133]

وأمَّا أبو إبراهيم : لحديث أنس بن مالك قال كانت سرية النبي صلى الله عليه و سلم ام إبراهيم في مشربة لها وكان قبطي يأوي اليها ويأتيها بالماء والحطب فقال الناس في ذلك علج يدخل على علجة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فأرسل علي بن أبي طالب فأمره بقتله فانطلق فوجده على نخلة فلما رأى القبطي السيف مع علي وقع فألقى الكساء الذي كان عليه واقتحم فإذا هو مجبوب فرجع علي إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أرأيت اذا { امرت } احدنا بأمر ثم رأى غير ذلك أيراجعك قال نعم فأخبره بما رأى من القبطي قال فولدت ام ابراهيم إبراهيم فكان النبي صلى الله عليه و سلم منه في شك حتى جاءه جبريل عليه السلام فقال السلام عليك يا ابا ابراهيم فاطمأن إلى ذلك .
رواه الطبراني وقال:لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يزيد بن أبي حبيب وعقيل بن خالد تفرد به عنهما بن لهيعة .[المعجم الأوسط 3687 4/ 89]،ورواه الحاكم 4188 في المستدرك على الصحيحين للحاكم 2/ 660 ] مقتصراً على السطر الأخير من الحيث .
وقال الحافظ فى " الإصابة " 1 / 151 : هذا حديث غريب من حديث الزهرى .[روضة المحدثين 8/ 323]

وأمَّا أبو المؤمنين:لحديث أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه و سلم" إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم...". رواه أبو داود8 [1 /49]،و النسائي40 (1 / 38) وهو حديث حسن كما علمت

وأما أبو الأرامل فلم يذكر له دليلاً .
وقال أبو الوفاء القرشي :أما كنيته صلى الله عليه وسلم بأبي الأرامل فقد ذكر الإمام أبو عبد الله سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي فى كتاب الذخائر والأعلاق فى آداب النفوس ومكارم الأخلاق أن كنية النبي صلى الله عليه وسلم فى التوراة أبو الأرامل . [طبقات الحنفية 1/ 17] لابن أبي الوفاء القرشي

فئدة أخرى : هل يجوز أن يقال للحسنين أبناء رسول الله ؟
الجواب : يجوز أن يقال للحسنين أبناء رسول الله وهو أب لهما اتفاقا ولا يجري فيه القول الضعيف لأنه لا يجوز أن يقال له أب المؤمنين ولا عبرة بمن منع ذلك حتى في الحسنين من الأمويين للخبر الصحيح الآتي في الحسن إن ابني هذا سيد . الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي 2/ 462

والحمد لله رب العالمين