تراتيل الآيات . .
ينساب في هدوء . .
ليلفّ الدار بستار من أمن واطمئنان . . !!
جلس إليه الكبير . . يؤانسه !!
وقفت عليه أمه تناغيه : يا بني . . !!
فما تكاد تتناغم هذه الحروف حتى تغرقها الدموع . . !!
أبوه . .
اخوه . .
أصدقاء عمره !!
كلهم . .
أحبوه وهو بين جدران تلك الدار !!
في ليلة التنفيذ . . .
يعيش آخر لحظاته . .
وآخر أنفاسه ..
لكنها كانت أنفاساً تحيا بروح من الله !!
وتتعطّر بعبير القرآن . .
رفض مدير الدار أن يوصل إليه الخبر . .
وبكى بحرقة . . !!
حتى إذا أصبح الصباح . .
وفجّ النور . .
وأشرقت السماء . .
تهادت الطيور . .
تحوم حول كوّة في الدار . .
وكأنها تودّع . .
تغريداً كان يوما يطربها . . !!
دخل عليه مدير الدار ..
فوجده . .
في مكانه وسجنه . .
بل جنته التي اختارها في الدنيا . .
وجده بين جدران مسجد الدار يرتل في يقين . .
" . . لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " !!
وقف المدير يغالب دمعته . .
يدافع عبرته . .
يستعيد بقية أنفاسه . .
ليخبره خبر الوداع الأخير . .
في هذه اللحظة ينتبه إليه القاتل . .
نعم . . هل هناك خبر جديد ؟!
يتلعثم . .
يتردد ..
تتحدّر على وجنتيه دمعة حارة . .
يعتنقه . .
وهو يردد بصوت غائر . .
نعم قد حان اليوم الوداع !!
وفي موكب مهيب . .
يساق القاتل بين الجموع . .
ليقبع بينهم . .
ينتظر حدّ السيف !!
كل الجموع . .
حضرت لتبكي . . !!
حضرت لتشهد مصرع ذلك القاتل الشامخ . . !!
وتختلط حروف البيان بأصوات الدعوات والنشيج . . !!
( أقدم المدعو . .. )
ومن بعيد ..
يأتي ذلك الشيخ الكبير يشق الجموع . .
ليقف أمام والد القتيل . .
يتوقف البيان . .
وتعود الحياة تنبض بالأمل .. !!
يخرج من جيبه دفتر ( الشيكات ) وبين أوراقه ورقة بمليون ريال !!
يطرحها بين يدي والد القتيل . . !!
ليعتق رقبة . .
رقبة انثنت من طول ركوعها وسجودها . .
فيرفض والد القتيل المساومة . . !!
فينطفئ الأمل !!
ويعود البيان يردده رجع الصدى في تلك الساحة . .
يعود الشيخ الكبير مرة أخرى . .
ويخرج الدفتر ذاته من جيبه . .
لكن هذه المرة من غير أرقام . .!!
ليعطيه والد القتيل ليكتب عليه الرقم الذي يريد !!
يتوقف البيان . .
وينبض الأمل . . !!
وتلتف الجموع حول هذا الوالد . . !!
تقبّل رأسه . .
تذرف دموعها . .
تستجديه !!
أن يعتق الرقبة . .!!
فتتأبّى عليه نفسه !!
ليقع حدّ السيف على رقبة القاتل . . !!
فيخرّ القاتل . .
يتهادى كما تتهادى الزهرة في يوم عاصف !!
ويتوشّح الدم القاني رداء يودّع به كل الجموع التي حضرت
لتشهد لحظة الوداع الأخيرة !!