الفتاوى » القرآن والتفسير

ما صِحّة موضوع : " لا نَسْخ في القرآن " ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل
إذا ممكن جعل هذه الصفحة للموضوعات التي تصعُب علينا في الأقسام العامة
طرحت اليوم أخت هذا الموضوع
إسم الكتاب : النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين
والحقيقة لا علم لي بهذا الأمر
ولكن موضوع لا نسخ في القرآن لم أسمع به بهذه الطريقة إلا في موقع الجماعة الإسلامية الأحمدية 1
والأخت تنشره في منتديات كثيرة
فأرجو منكم الإيضاح
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا ، وبارك الله فيك .
لم ينفِ النسخ في القرآن – فيما أعلم – إلاّ الرافضة والمعتزلة ، وأصل القول لبعض اليهود !
ومِن عَجَبٍ أن اليهود والرافضة أنكروا النسخ وأثبتوا البَداء على الله ، وهو يقتضي نِسبة الجهل إلى الله ، تعالى الله وتقدّس عمَّا يقولون .
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " عن النسخ : وقد اتفق أهل الشرائع على جوازه عقلا، ووقوعه سَمْعًا ، إلاَّ الشمعونية مِن اليهود ؛ فإنهم أنكروا الأمرين ، وأما العنانية منهم ، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين ؛ فإنهم أنكروا جواز النسخ شرعًا، لا عقلاً .
"والكل ثابت"، أي : جواز النسخ عقلاً وشَرْعًا ووقوعه . اهـ .
ثم ذَكَر الطوفي أدلة ذلك كله ، عقلا وشرعا ، وردّ قول أبي مسلم ، فكان مما قاله : ثم هو محجوج بإجماع الأمة على نَسْخ شَريعة محمد صلى الله عليه وسلم لِمَا قبلها مِن الشرائع . اهـ .
وإنما اخْتَلَف العلماء في بعض أنواع الـنَّسْخ .
والنسخ واقع شرعا ، جائز عَقْلاً .
والنسخ معروف مِن زمن الصحابة ، وتلقّته الأمة بالقبول إلاّ مَن شذّ عن مجموع الأمة !
قال ابْنُ أَبِي لَيْلَى : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ، فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ . رواه البخاري .
وقال سَلَمَة بْن الأَكْوَعِ : لَمَّا نَزَلَتْ (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ ، حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا . رواه البخاري ومسلم .
وقال ابن الزُّبير رَضي الله عنهما قَال : قُلْتُ لِعُثْمَان بن عفان رضي الله عنه : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) قَال : قد نَسَخَتْها الآيَة الأُخْرَى ، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أو تَدَعُهَا ؟ قَال : يا ابْن أخِي لا أُغَيِّر شَيئًا مِنْه مِن مَكَانِه . رواه البخاري .
وروى مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قَالَ : نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا . رواه البخاري .
وروى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) ، (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قَالَ : نَسَخَتْهَا (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
وهذه أمثلة مما في أصح الكُتب مِن رواية النسخ عن الصحابة رضي الله عنهم ، وإلاّ فإن القول بالنسخ مشهور معروف عند العلماء .
وجماهير الْمُفسِّرين على أن النسخ هو المقصود في قوله تعالى : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وتزخر كُتب التفسير وكُتب علوم القرآن وكُتب أصول الفقه في تقرير النسخ ، وأنه واقع شرعا ، جائز عقلا .
وقد ألَّف في الناسخ والمنسوخ :
قتادة بن دعامة السدوسي ، المتوفَّى سنة 117 هـ
والإمام محمد بن شهاب الزهري ، المتوفَّى سنة 124 هـ
وابن الجوزي ، المتوفَّى سنة 597 هـ
وابن البارزي ، المتوفَّى سنة 738 هـ
وقد طُبِعت هذه الكتب في كتاب واحد ، بتحقيق د . صالح الضامن .
وألَّف عَلَم الدِّين السخاوي ، المتوفَّى سنة 643 هـ ، كتاب " جمال القرّاء وكمال الإقراء " ، فَذَكَر الناسخ والمنسوخ سورة سورة ، ابتداء من سورة البقرة وانتهاء بسورة الطارق ، ثم قال بعد ذِككْر المواضع التي حَكى فيها النسخ :
وليس بعد ذلك في السور ناسخ ولا منسوخ إلى ( والتين ) ، فإنهم زعموا أن قوله : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) نُسِخ بآية السيف ، وهو غير صحيح ، وليس في باقي القرآن نَسْخ باتفاق إلا ما ذكروه في سورة العصر في قوله (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) قالوا : منسوخ بالاستثناء بعده ، وقالوا في (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) نُسِخ منها (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) بآية السيف ، ولا يصحّ . اهـ .
وسبق :
ما الحِكمة من النسخ في القرآن ، وهل يُخالف حفظه ؟
http://almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=592
وقد ضاق الأمر على مؤلِّف كتاب " النسخ بين المؤيدين والمعارضين " ، فلم يجد من يستدلّ بقوله إلاّ الزمخشري المعتزلي المتعصِّب لاعتْزِاله وبدعته ، ومحمد عبده المعاصِر المشبوه !
ومحمد عبده .. سَبْق نَفْيه مِن مِصر ، وهو مِن دُعاة التغريب ! وهو عقلاني ، فهو أقرب إلى المعتزلة .
وقد بيّن منهجه الدكتور فهد الرومي في كتابه " منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" ، وفي كتابه " اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر " .
كما ضاق الأمر على مؤلِّف كتاب " النسخ بين المؤيدين والمعارضين " في بعض الروايات الصحيحة ، فأتى بِبِدْعٍ مِن القول لم يُسبَق إليه ، فَطَعن في " عمرة بنت عبد الرحمن " بأنها لم تروِ إلاّ عن سِتة مِن الصحابة ! وهذا فضل وشَرَف ، فكيف جَعَله طريقا للتضعيف ؟!
كما طَعَن في رواية في صحيح مسلم .
وهذا كله خلاف الأمانة والبحث العلمي الـنَّزِيه .
وسبب ذلك أن المؤلِّف – أيًّا كان – يدخل ساحة البحث تحت مُقرر سابق وقناعة داخلية يُروم تحقيقها وإثباتها ! فكلّ دليل يعترضه يقوم على تضعيفه ، وإن لم يتمكّن أوّله وَلَوَى أعناق النصوص لتتمشّى مع مراده ومذهبه !
ولم يُعرِّج على أقوال السلف في إثبات النسخ ! إما لأنه لم يَقِف عليها أصلا ! وإما لأنه لا جواب لديه عنها ؛ لأنها صريحة في إثبات النسخ في القرآن الكريم .
والله تعالى أعلم .