الفتاوى » مسائل علمية

الرد على من أنكر صيام عاشوراء وطَعَنَ في صحيح البخاري .. الجزء الثالث

عبد الرحمن السحيم

اثنا عشر : رأيت لبعض الفضلاء رَدًّا ، حاول فيه تضعيف حديث ابن عباس : لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع .
وضعّفه لأنه من رواية القاسم بن عباس ، عن عبد الله بن عمير ..

وهذا لو سلّمنا به ، لم تكن تلك العِلّة في الطريق السابقة لهذا اللفظ ؛ فقد رواه مسلم قبل ذلك عن الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا يحيى بن أيوب ، حدثني إسماعيل بن أمية ، أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري ، يقول : سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، يقول : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله ، إنه يوم تعظّمه اليهود والنصارى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صُمنا اليوم التاسع
قال : فلم يأت العام المقبل ، حتى تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذا طريق سالِم من الاعتراض المذكور في رد الشيخ الفاضل .
ثم إن قوله : " إذا كان العام المقبل إن شاء الله صُمنا اليوم التاسع " هو معنى : " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " ، يَعني مضموما إلى اليوم العاشر .
وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سَمِع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء : خالفوا اليهود ، وصوموا التاسع والعاشر . وهذا إسناد صحيح .
ورواه البيهقي في " الكبرى " من طريق عبد الرزاق ، ورَواه في " شُعب الإيمان " من غير طريق عبد الرزاق .
وهذا الحديث الصحيح عن ابن عباس ، الصريح في صيام التاسع والعاشر ؛ يَردّ قَول مَن قال مِن أهل العِلْم (بأن مذهب ابن عباس أن عاشوراء هو اليوم التاسع مِن الْمُحَرَّم) .

ثم ضعّف الشيخ الفاضل حديث " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " بأن ذلك كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم ، مع ضَعف اليهود وتشريدهم ...
وهذا مُتعقّب بأن قصد النبي صلى الله عليه وسلم مُخالفة اليهود متأخّر ، بل هو آخر الأمرين ، كما تقدّم في (رابعا) ، وفيه حديث ابن عباس في صحيح مسلم .

وقد ذَكَر شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاقتضاء " موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب في صيام عاشوراء ، ثم قال :
ثم الجواب عن هذا ، وعن قوله : " كان يُحب مُوافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر فيه بشيء " مِن وُجوه :
أحدها : أن هذا كان مُتَقدِّما ، ثم نَسَخ الله ذلك ، وشَرَع له مخالفة أهل الكتاب ، وأمَرَه بذلك ... والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: " نحن أحق بموسى منكم " قد شَرَع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه ، وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك ...
ومما يوضح ذلك : أن كل ما جاء مِن التشبّه بهم ، إنما كان في صدر الهجرة ، ثم نُسخ ؛ ذلك أن اليهود إذ ذاك ، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور ، ولا في لباس ، لا بعلامة ، ولا غيرها .
ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع ، الذي كَمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما شَرعه الله مِن مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي .
وسبب ذلك : أن المخالفة لهم لا تكون إلاّ مع ظهور الدِّين وعُلُوّه كالجهاد ، وإلزامهم بالجزية والصَّغار ، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تُشْرع المخالفة لهم ، فلما كَمل الدِّين وظهر وعَلا ؛ شُرِع بذلك .

الوجه الثاني : لو فرضنا أن ذلك لم يُنسخ ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان له أن يُوافقهم ؛ لأنه يَعلم حَقّهم مِن باطلهم؛ بما يُعلمه الله إياه ، ونحن نتّبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا مِن الدِّين عنهم : لا من أقوالهم ، ولا من أفعالهم بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار مِن دِين الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو قال رجل : يُستحب لنا موافقة أهل الكتاب الموجودين في زماننا؛ لكان قد خَرج عن دِين الأمة .

الثالث : أن نقول بموجبه : كان يُعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء ، ثم إنه أمِر بِمُخالفتهم ، وأُمِرنا نحن أن نتّبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين مِن المهاجرين والأنصار .
والكلام إنما هو في أنا مَنْهيُّون عن التشبُّه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه ، فأما ما كان سلف الأمة عليه فلا ريب فيه ؛ سواء فعلوه ، أو تركوه ؛ فإنا لا نترك ما أمَر الله به لأجل أن الكفار تفعله مع أن الله لم يأمرنا بشيء يُوافِقونا عليه إلاَّ ولا بُدّ فيه مِن نوع مغايرة يتميز بها دين الله الْمُحْكَم مما قد نُسخ أو بُدِّل . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .

ومما ضعّف به الشيخ الفاضل حديث ابن عباس : أن مقتضى ذلك استمرار النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء حتى آخر عمره .
وهذا القول ضعيف ، بل مَردود بأنه صلى الله عليه وسلم حضّ على صيام عاشوراء ، كما في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم ، وفيه : وسُئل عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال : يُكفر السنة الماضية . رواه مسلم .
وسبق أن النووي نَقَل الإجماع على استحباب صيام يوم عاشوراء .
فإنه قال : اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنة ليس بواجب . اهـ .
وليس لدينا نصّ صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَصُم عاشوراء حتى آخر حياته ، بل لدينا النص الصريح – أو كالصريح – أنه صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء في العام الأخير ، فقد سبق – وتكرر – حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه : فإذا كان العام الْمُقبِل إن شاء الله صُمْنا اليوم التاسع .
قال : فلم يأت العام الْمُقْبِل ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومما ضَعَّف به الشيخ حديث ابن عباس " لئن بَقيت إلى قابل لأصومن التاسع " : ظاهر الأحاديث الصحيحة ، كحديث ابن مسعود وابن عمر وعائشة ، والذي فيها : " فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وتُرِك عاشوراء " .
فهذه الأحاديث ليس فيها أنه لا يُشْرَع صوم يوم عاشوراء ، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم تَرَك صيامه بالكُليّة ، بل غاية ما فيها أنه تُرِك صيامه فَرْضا ، بدليل ما جاء في الأحاديث : " فكان مَن شاء صامه ، ومَن شاء لم يَصُمه " ، فهو باقٍ على التخيير ، وصيامه سُنّة بدليل حديث أبي قتادة .
وفي رواية مِن حديث عائشة : فلما نَزل رمضان كان رمضان هو الفريضة ، وتُرِك عاشوراء .
قال الترمذي : والعمل عند أهل العلم على حديث عائشة ، وهو حديث صحيح ؛ لا يَرون صيام يوم عاشوراء واجِبا إلاّ مَن رَغِب في صيامه لِمَا ذُكِر فيه مِن الفَضل . اهـ .

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عاشوراء يوم مِن أيام الله ، فمن شاء صامه ، ومَن شاء تركه . رواه البخاري ومسلم .

فلم يُنسَخ صيام عاشوراء ، وإنما نُسِخ فرض صيامه ، وبَقِي فَضل صيامه لِمن شاء أن يَصومه .

وأما فِعل ابن مسعود رضي الله عنه ، فهو خاص به ، وهو خِلاف ما في الأحاديث المرفوعة والموقوفة ، ومعلوم أن فِعل الصحابي إنما يكون حُجة إذا لم يُخالِف النص ، ولم يُخالِفه غيره .

وقد جاء عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصومون عاشوراء ، ويأمرون غيرهم بصيامه .
رَوى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى عبد الرحمن بن الحارث ليلة عاشوراء أن تَسَحَّر وأصبح صائما ، قال : فأصبح عبد الرحمن صائما .
فلا يَكون فِعل ابن مسعود رضي الله عنه حُجّة مع المخالَفة .

وسبق قول ابن عبد البر : ولَمّا فُرِض رمضان صامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على وَجْه الفضيلة والتبرُّك ، وأمَر بِصيامه على ذلك ، وأخبر بِفَضْل صَومه ، وفعل ذلك بعده أصحابه . اهـ .

وبهذا تَجتمع الأدلة ، ولا يُرَدّ منها شيء ، وقد عَلِمت أن الْجَمْع بين الأدلة واجب ما أمكن .

ثلاثة عشر : القول بأن صيام يوم عاشوراء (غير معروف عن اليهود ، فهم لا يصومون عاشوراء ولا يعظمون يومه اليوم ، ولو كان ذلك صحيحا لوُجد ذِكره في تأريخهم)
وهذه النفي سَبَق الردّ عليه ، والنقل عن ابن كثير في " البداية والنهاية " ، وعن الدكتور عبد الوهاب المسيري في " موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية " .
ويَكفي في الرد عليه أن عند اليهود نصّ فيه (" احتفلوا دائما بِفصح الرب إلهكم في شهر أبيب ، ففي هذا الشهر أخرجكم الرب إلهكم مِن مصر ليلا " )
والجواب بتمامه في الرابط أدناه ، ردّا على مَن زَعَم أن صيام عاشوراء بدعة !

يُضاف إلى ذلك : أنه وَرَد في حديث ابن عباس : قالوا : يا رسول الله إنه يوم تُعظِّمه اليهود والنصارى .
فلم يقتصر تعظيم عاشوراء على اليهود ، بل تَوَارثه النصارى أيضا .
قال ابن حجر : واستُشْكِل بأن التعليل بنجاة موسى وغَرَق فرعون يختص بموسى واليهود .
وأُجيب : باحتمال أن يكون عيسى كان يَصومه ، وهو مما لَم يُنْسَخ مِن شريعة موسى ؛ لأن كثيرا منها ما نُسِخ بِشريعة عيسى ؛ لقوله تعالى : (وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ، ويقال إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى مِن التوراة . اهـ .
ولهذا – والله أعلم – كان قريش تُعظِّم هذا اليوم في الجاهلية .
وسبقت الإشارة إلى سبب ذلك .

أربعة عشر : القول بأنه (ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في مسلم والسنن أنه كان يصوم تاسوعاء وليس عاشوراء) غير صحيح على إطلاقه ، بل هو فَهْم لِصاحب الشُبهة !
ولأهل العِلم تفصيل في هذه المسألة .
وقد صحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما خِلاف ذلك ؛ فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سَمِع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء : خالفوا اليهود ، وصوموا التاسع والعاشر . وهذا إسناد صحيح .
ورواه البيهقي في " الكبرى " من طريق عبد الرزاق ، ورواه في " شُعب الإيمان " من غير طريق عبد الرزاق .

قال القرطبي في " الْمُفْهِم " : ظاهره أنه كان عَزم على أن يَصوم التاسع بدل العاشر ، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء : إذا رأيت هلال الْمُحرَّم فاعْدُد وأصبح يوم التاسع صائما . وبهذا تَمَسّك مَن رآه التاسع ، وقوله : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، يعني أنه لو عاش لَصَامَه كذلك لِوَعْدِه الذي وَعَد به ، لا أنه صام التاسع بدل العاشر إذْ لم يُسْمَع ذلك عنه ولا رُوي قط . اهـ .
ولو صَحّ هذا الفَهْم عن ابن عباس رضي الله عنهما على إطلاقه ، فإن العِبرة بِما رَوى الراوي لا بِما رأى ، كما هو مُتَقرِّر في عِلم المصطلح .

وقد سبق التفصيل في مسألة نَسْخ عاشوراء ، وهل المقصود بصيام عاشوراء هو اليوم التاسع ، وهو ما فُهِم من بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وسبق :
كيف نردّ على مَن يقول : إنّ صيام عاشوراء هو صيام اليوم التاسع فقط ؟
http://almeshkat.net/index.php?pg=qa&cat=&ref=1692

يَزعم أن صيام عاشوراء بدعة
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=562533

هل هناك أعمال معينة مشروعة في شهر مُحَرَّم ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=12562

اختصار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاقتصار على مثل : (ص) (صلعم)
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=39720
والله تعالى أعلم .